الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد بين شيخنا الأستاذ الإمام فى رسالة التوحيد كيف ارتقى التشريع الدينىّ فى الأمم بارتقاء نوع الإنسان فى الإدراك والعقل كارتقاء الأفراد من طفولة إلى شباب إلى كهولة حتى بلغ فيها رشده واستوى، وصار يدرك بعقله هذه الهداية العقلية العليا (هداية القرآن) بعد أن كان لا سبيل إلى إذعانه لتعليم الوحى، إلا ما يدهش حسه ويعى عقله من آيات الكون (يعنى أنه بلغ هذا الرشد فى جملته واستعداد كثير من أفراده لا كلهم ولا أكثرهم).
بين فى الكلام على وجه الحاجة إلى الرسالة أن سموّ عقل الإنسان وسلطانه على قوى الكون الأعظم بما هى مسخرة له تنافى خضوعه واستكانته لشىء منها. إلا ما عجز عن إدراك سببه وعلته، واعتقد أنه من قبل السلطان الغيبى الأعلى لمدبر الكون ومسخر الأسباب فيه. فكان من رحمة الله تعالى به «أنه أتاه من أضعف الجهات فيه وهى جهة الخضوع والاستكانة فأقام له من بين أفراده مرشدين هادين، وميزهم من بينها بخصائص فى أنفسهم لا يشركهم فيها سواهم، وأيد ذلك زيادة فى الإقناع بآيات باهرات تملك النفوس، وتأخذ الطريق على سوابق العقول، فيستخذى الطامح، ويذل الجامع، ويصدم بها عقل العاقل فيرجع إلى رشده، وينبهر لها بصر الجاهل فيرتد عن غيه» .
ثم قال فى رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم: نبى صدق الأنبياء ولكنه لم يأت فى الإقناع برسالته بما يلهى الأبصار، أو يحير الحواس، أو يدهش المشاعر، ولكن طالب كل قوة بالعمل فيما أعدت له واختص العقل بالخطاب، وحاكم إليه الخطأ والصواب وجعل فى قوة الكلام، وسلطان البلاغة، وصحة الدليل. مبلغ الحجة وآية الحق الذى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 42].
لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء إلا بالقرآن
(6)
إنه لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء فى هذا العصر بحجّة لا يمكن لمن عقلها ردها إلا هذا القرآن العظيم، وما ثبت فيه بالنص الصريح منها، أقول هذا اتجاه إنكار العلماء الواقفين على كتب الأديان التى قبل الإسلام- حتى كتب اليهود والنصارى- وعلى تواريخها لتواتر ما ذكر فيها من الآيات واشتباههم فى كونها خوارق حقيقية، وفى كون الخوارق تدل على نبوتهم، وحجتهم على الأول: أنّ التواتر الذى يفيد العلم القطعى غير متحقق فى نقل شىء منها، وهو نقل الجمع الكثير الذى يؤمن تواطؤهم على الكذب لخبر أدركوه بالحس وحمله عنهم مثلهم قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل بدون انقطاع، وإنما يكون
استحالة تواطؤهم على الكذب بأمور أهمها عدم التحيز والتشيع لمضمون الخبر وعدم تقليد بعضهم لبعض فيه، وآية صحة هذا التواتر حصول العلم القطعى به وإذعان النفس له، وعدم إمكان رده اعتقادا ووجدانا، وهذا غير حاصل فى رواية آيات الأنبياء الأولين عندهم، بل زعم بعض علماء الإفرنج أن قصة المسيح وضعية خيالية لا واقعة حقيقية، ولها أمثال فى التاريخ. وتقدم الكلام فى آياته والمراد فيها.
وشبهتهم على الثانى: أنّ وقوع الخوارق المذكورة لا يدلّ على النبوّة والرسالة كما بيناه فى الكلام على الآيات والخوارق وإثبات النبوّة من أواخر الفصل الثانى.
وأما آية القرآن فهى باقية ببقائه إلى يوم القيامة، وكلّ واقف على تاريخ الإسلام يعلم علما قطعيا أنه متواتر تواترا متصلا فى كل عصر من عصر الرسول الذى جاء به إلى الآن، وأما الذى يخفى على كثير منهم فهو وجوه إعجازه الدالة على أنه وحى إلهى، وقد شرحنا شبهتهم عليه وبينا بطلانها فى هذا الكتاب، وإذ قد ثبت بذلك كونه وحيا من الله تعالى فقد وجب الإيمان بكل ما أتته من آياته فى خلقه سواء أكانت لتأييد رسله وإقامة حجّتهم أم لا، كما يجب على كلّ مؤمن به أن يؤمن بها، ويجب أن يؤمن بانقطاع معجزات الرسل بعد ختم النبوة بمحمّد صلى الله عليه وسلم.
وإذ كان لا يجب على مسلم أن يؤمن بوقوع كرامة كونية خارقة للعادة بعد محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم فلا يضرّ مسلما فى دينه أن يعتقد كما يعتقد أكثر عقلاء العلماء والحكماء من أن ما يدعيه الناس من الخوارق فى جميع الأمم أكثره كذب، وبعضه صناعة علم، أو تأثير نفس، أو شعوذة سحر- وأقله من خواص الأرواح البشرية العالية، وعلامته أن يكون علما صحيحا موافقا للمنقول الشرعى، والمعقول القطعى، أو عملا نافعا مشروعا، وأن يكون من صدر عنه مؤمنا عاقلا صالحا، فكل ما ينقله المتصوّفة مخالفا لذلك من التصرف الضار بالناس فى دينهم أو صحتهم فهو إن صح من تأثير الأنفس الخبيثة كالإصابة بالعين والتنويم المغناطيسى الضار لا كله.
(7)
إنّ الثابت بنصوص القرآن من آيات الأنبياء المرسلين المعنية قليل جدا. فما كانت دلالته من هذه النصوص قطعية فصرفه عنها بالحكم فى التأويل الذى تأباه مدلولات اللغة العربية، وينقض شيئا من قواعد الشرع القطعية، يعد ارتدادا عن الإسلام، وما كانت دلالته ظاهرة غير قطعية وجب حمله على ظاهره إن لم يعارضه نصّ أو دليل مثله أو أقوى منه، فإن عارضه فحينئذ ينظر فى الترجيح بين المتعارضين بالأدلة المعروفة، والخروج عن ذلك ابتداع.