الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لم يحضر سمرهم ولهوهم إلا مرتين ألقى الله عليه النوم فى كل منهما، حتى طلعت الشمس فلم ير ولم يسمع شيئا، وقد بطل بهذا ما علل به الخبر على ما فيه من المدح المتضمن لدسيستين:(إحداهما): أن أنداده من قريش كانوا متعلمين وكان هو محروما مما لقنهم آباؤهم من العلم، وكان حرمانه هذا يزيده شغفا بالبحث والاستطلاع. (والثانية): أن نفسه كانت بسبب هذا تزداد طموحا إلى نور الحياة المتجلى فى جميع مظاهرها لاستكناه ما تدل عليه المظاهر.
فهذه مدحة غرضه منها تعليل ما انبثق فى نفسه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من الوحى، وسترى بطلان تعليله.
المقدمة التاسعة: موت أبناء محمد وما أثاره فى نفسه
ثم ذكر درمنغام مسألة أبناء النبى صلى الله عليه وسلم القاسم، والطيّب، والطاهر، وهو يشك فى وجودهم، ويقول إن تكنيته بأبى القاسم لا تدلّ على وجود ولد له بهذا
الاسم، وإنه إن صحّ أنهم ولدوا فقد ماتوا فى المهد، هذا زعم ووهم، والحق أنه ولد له غلام سماه القاسم وكنى به وأنه مات طفلا. وقيل عاش إلى أن ركب الدابة فهذا متواتر. ثم ولد له آخر سماه عبد الله، والصحيح أنّ الطيّب والطاهر لقبان له لا اسمان لغلامين آخرين كما قيل «1» ، ولكن درمنغام قد كبر مسألة موت هؤلاء الأولاد الذين يشك فى وجودهم تكبيرا، وبنى عليها حكما، وأثار وهما، قال بعد أن زعم أن محمدا تبنى زيد بن حارثة؛ لأنه لم يطق على الحرمان من البنين صبرا:
«فمن حق المؤرخ أن يجعل هذا الحادث؛ بل الحوادث الثلاثة التى أصابت محمدا فى بنيه ما هى جديرة بأن تتركه فى حياته وفى تفكيره من أثر، والأمر كذلك بنوع خاص إن كان محمدا أميا، فلم تكن المضاربات الجدلية (كذا) لتصرفه عن التأثر بعبر الحوادث ودروسها، وحوادث أليمة- كوفاة أبنائه- جديرة بأن تستوقف تفكيره، وأن تصرفه كل واحد منها إلى ما كانت خديجة تتقرّب به إلى أصنام الكعبة، وتنحر لهبل واللات والعزّى
(1) وقع فى الطبعتين السابقتين أنهما كانا لقبين للقاسم وهو سهو. وحكمة موتهما ثم موت ولده إبراهيم الذى ولدته له ماريّة القبطية أنه لو ترك ولدا ذكرا لفتن بعض الناس بعبادته وعبادة ذريته بأشد مما فتنوا ببعض ذرية بنته فاطمة- رضى الله عنها-.
ومناة الثالثة الأخرى، تريد أن تفتدى نفسها من ألم الثكل، فلا تفيد القربان ولا تجدى النحور».
غرض درمنغام من تكبير المصيبة بموت الأبناء المشكوك فى ولادتهم عنده، هو أن يجعلها مسوغة لما اختلقه من توسل خديجة إلى الأصنام بالقرابين لينقذوها من مصيبة الثكل ثم يستنبط من ذلك زعزعة إيمانها إيمان بعلها بعبادتها التى كان سببها تأثير النصرانية فى مكة وغيرها من بلاد العرب، ثم ليجعل ذلك من الأسباب التحليلية لتعليل الوحى لمحمّد صلى الله عليه وسلم.
والحق أنه ما تبنى زيدا إلا لأنه أثر أن يكون عبدا له على أن يكون حرا مع والده وعمه عند ما جاءا مكة لافتدائه بالمال فقال لهما: «ادعوه فخيّروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء» ، ثم دعاه فسأله عن أبيه وعمه فعرفهما، فقال له:«فأنا من قد علمت وقد رأيت صحبتى لك فاخترنى أو اخترهما» فقال زيد: ما أنا بالذى أختار عليك أحدا، أنت منّى بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟
قال: قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذى أختار عليه أحدا. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: «أشهدوا أن زيدا ابني يرثنى وأرثه» ، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما. فدعى زيد: ابن محمّد، حتى جاء الله بالإسلام. رواه ابن سعد ونحوه فى سيرة ابن اسحاق.
هذا وإنّ محمدا لم يكن جزوعا عند موت ولده ولا غيره، بل كان أصبر الصابرين، وإنّ خديجة لم تيأس بموت القاسم من الله أن يمنّ عليها بولد آخر، ولم تنحر للأصنام شيئا، وإن اللات كانت صخرة فى الطائف تعبدها ثقيف ولم تكن من أصنام قريش، والعزّى كانت شجرة ببطن نخلة تعبدها قريش وكنانة وغطفان، ومناة كان صنما فى قديد لبنى هلال وهذيل وخزاعة. وقد كان ما ذكره من ضعف الوثنية فى ذلك العهد- وزعم أن سببه انتشار النصرانية- جديرا بأن يمنع خديجة- وهى من أعقل العرب وأسلمهم فطرة وأقربهم إلى الحنيفية ملة إبراهيم- أن تهاجر إلى الأصنام لتنحر لها وتتقرب إليها لترزقها غلاما «1» ،
(1) إن قريشا لم تكن تعتقد أن الأصنام تخلق ولا ترزق، ولا تضر ولا تنفع، إنما كانوا يقولون إنها تشفع لهم عند الله.