الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقصد الثالث من مقاصد القرآن إكمال نفس الإنسان من الأفراد والجماعات والأقوام
(بجعل الإسلام دين الفطرة السليمة، والعقل والفكر، والعلم والحكمة، والبرهان والحجّة، والضمير والوجدان، والحرية والاستقلال).
قد أتى على البشر حين من الدهر لا يعرفون من الدين إلا أنه تعاليم خارجة عن محيط العقل كلف البشر «1» مقاومة فطرتهم بها، وتعذيب أنفسهم ومكابرة عقولهم وبصائرهم خضوعا للرؤساء الذين يلقنونهم إياها، فإن انقادوا لسيطرتهم عليهم بها كانوا من الفائزين، وإن خالفوهم سرا أو جهرا كانوا من الهالكين، والحقّ الواقع أنهم كانوا بهذا الخضوع والخنوع من الخاسرين، ولكن عجز عقلاؤهم وحكماؤهم عن انتياشهم (وانتشالهم) من مهاوى التهلكة، وإخراجهم من ظلمات الشرك والظلم والاستبداد. إلى نور التوحيد والحرية والعدل والاستقلال.
حتى إذا بعث الله رسوله محمدا خاتم النبيين- يتلو عليهم آياته ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم مما كانوا فيه من الضلال المبين- كان هو الذى أخرجهم من الظّلمات إلى النور، وبيّن لهم أنّ دين الله الإسلام هو دين الفطرة، والعقل، والفكر، والعلم، والحكمة، والبرهان والحجة، والضمير والوجدان، والحرية والاستقلال، وأن لا سيطرة على روح الإنسان وعقله وضميره لأحد من خلق الله، وإنما رسل الله هداة مرشدون، مبشّرون ومنذرون كما تقدّم بيانه فى المقصد الذى قبل هذا، ونبين هذه المزايا بالشواهد المختصرة من القرآن فنقول:
1 - الإسلام دين الفطرة:
قال الله عز وجل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم: 30].
الحنيف صفة من الحنف (بالتحريك) وهو الميل عن العوج إلى الاستقامة، وعن الضلالة
(1) كلف بالتشديد من التكليف، وهو هنا مبنى للمجهول لأنه يتعدى بنفسه إلى مفعولين، وعلماء الأصول والفقه يعدونه إلى الثانى بالباء.
إلى الهدى، وعن الباطل إلى الحق، ويقابله الزّيغ وهو الميل عن الحق إلى الباطل إلخ، وفطرة الله التى فطر النّاس عليها هى الجبلة الإنسانية «1» الجامعة بين الحياتين: الجسمانية الحيوانية، والروحانية الملكية، والاستعداد لمعرفة عالم الشهادة وعالم الغيب فيهما، وما أودع فيها (أى الجبلة) من غريزة الدين المطلق الذى هو الشعور الوجدانى بسلطان غيبى فوق قوى الكون والسّنن والأسباب التى قام بهما نظام كل شىء فى العالم، فرب هذا السلطان هو فاطر السموات والأرض وما فيهما، والمصدر الذاتى للنفع والضر المحركين لشعور التعبد الفطرى وطلب العرفان الغيبى المودعين فى الغريزة.
فالعبادة الفطريّة هى التوجه الوجدانى إلى هذا الربّ الغيبى فى كل ما يعجز الإنسان عنه من نفع يحتاج إليه ويعجز عنه بكسبه، ودفع ضر يمسه أو يخافه ويرى أنه يعجز عن دفعه بحوله وقوته، وفى كل ما تشعر فطرته باستعدادها لمعرفته، والوصول إليه مما لا نهاية له، وأعنى بالإنسان جنسه فما يعجز عنه المرء بنفسه دون أبناء جنسه فإنه يعده من مقدوره، ويعد مساعدة غيره له عليه من جنس كسبه، فطلبه للمساعدة من أمثاله ليس فيها معنى التعبد عند أحد من البشر؛ فتعظيم الفقير للغنى بوسائل استجدائه وخضوع الضعيف للقوى لاستنجاده واستعدائه على أعدائه وخنوع السوقة «2» للملك أو الأمير لخوف منه أو رجائه- لا يسمى شيئا من ذلك عبادة فى عرف أمة من الأمم ولا ملة من الملل، وإنما روح العبادة الفطرية ومخّها هو دعاء ذى السلطان العلوى والقدرة الغيبية التى هى فوق ما يعرفه الإنسان ويعقله فى عالم الأسباب، ولا سيما الدعاء عند العجز وفى الشدائد، قال صلى الله عليه وسلم:«الدّعاء هو العبادة «3» »، هكذا بصيغة الحصر، أى هو الركن المعنوى الأعظم فيها لأنه روحها المفسر برواية:«الدّعاء مخّ العبادة «4» »، وكلّ تعظيم وتقرب قولى أو عملى لصاحب هذه القدرة والسلطان الغيبى فهو عبادة له «5» .
(1) قال فى الصباح: الجبلة- بكسرتين وتثقيل اللام- الطبيعة والخليقة والعزيزة بمعنى واحد، وجبله الله على كذا، وشىء جبلى منسوب إلى الجبلة، كما يقول: طبيعى أى ذاتى منفعل عن تدبير الجبلة فى البدن بصنع بارئها وذلك تقدير العزيز العليم.
(2)
السوقة بالضم «كغرفة» غير الملك، يطلق على الواحد والمثنى والجمع.
(3)
رواه أحمد، وابن أبى شيبة، والبخارى فى الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، وغيرهم عن النعمان ابن بشير.
(4)
رواه الترمذى عن أنس.
(5)
هذا تحقيق لمعنى العبادة أوحد لها كل ما قيل غيره فى تعريفها فهو رسم.
هذا أصل دين الفطرة الغريزى فى البشر، لا ما زعمه بعض الكتاب المعاصرين من أن دين الفطرة فى الآية الكريمة أن يعمل الإنسان متبعا شعوره وأفكاره ووجدانه بمقتضى طبيعته دون تلقى شىء من غيره، فهذا جهل، لا يقره دين ولا عقل، وفوضى لا يستقيم معها أمر، فإنّ الإنسان يجنى على فطرته وغرائزها وقواها بجهله وسوء اجتهاده، فشعوره الفطرى الذى بيّناه هو الذى ولد له العقائد الوثنية بعبادته كل ذى تأثير لا يعرف له سببا، لحسبانه أنه هو صاحب السلطان الغيبى القادر على نفعه وضره، ومن ثمّ كان محتاجا إلى تكميل فطرته بالوحى الإلهى.
وعلى هذا الأصل بنى الدين التعليمى التشريعى الذى هو وضع إلهى يوحيه الله إلى رسله لئلا يضل عباده بضعف اجتهادهم واختلافهم فى العمل بمقتضى غريزة الدين كما وقع بالفعل، ولا يقبل البشر هذا الدين التعليمى بالإذعان والوازع النفسى إلا إذا كان الملقن لهم إياه مؤيدا فى تبليغه وتعليمه من صاحب ذلك السلطان الغيبى الأعلى، والتصرف المطلق فى جميع العالم، الذى تخضع له الأسباب والسنن فيه وهو لا يخضع لها، سواء كان له هذا التصرف لذاته وهو رب العالمين، أو كانت له بولايته له تعالى ونيابته عنه. وقد شرحنا هذه الحقيقة آنفا مختصرا مما بيناه فى مواضع مع التفسير والمنار فى معنى كون الإسلام دين الفطرة، وأنه شرع لتكميل استعداد البشر للرقى فى العلم والحكمة، ومعرفة الله عز وجل المعدة إياهم لسعادة الآخرة، فليس فيه شىء يصادمها.
فهذا الدين التعليمى حاجة من حاجات الفطرة البشرية لا يتم كمالها النوعى بدونه، فهو لنوع الإنسان كالعقل لأفراده كما حققه شيخنا الأستاذ الإمام.
قد كان دين الله الذى بعث به جميع رسله لجميع الأمم مصلحا لما أفسدته الوثنية من فطرتهم بجهلهم ثم بتقليد بعضهم لبعض، على أنهم كانوا إذا طال الأمد على بعثة الرسل يضلون عن هدايتهم إلى أن أتم الله الدين وأكمله للبشر كما تقدم بيانه فى المقصدين، الأول والثانى من مقاصد القرآن. وفى حديث الصحيحين:«كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» . يعنى أنهما يفسدان فطرته الاستعدادية بتلقينه دينا محرفا منسوخا بدلا من إكمالها.
وكان من فضل الله على عباده بعد إكماله دينه أن ضمن لهم حفظ كتابه هذا من التحريف والتبديل والنسيان والزيادة والنقصان، فقال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9]، وعصم أمة خاتم النبيين أن تضلّ كلّها عنه، كما ضلت الأمم