الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويظهر أن كثيرين من الذين تعلّموا فى تلك المدارس لم يعطوا قوة على الأنباء بما سيأتى. إنما اختص بهذه الخصوصية أناس منهم كان الله يقيمهم وقتا دون آخر حسب مشيئته، ويعدهم بتربية فوق العادة لواجباتهم الخطيرة على أن بعض الأنبياء الملهمين كان يختصهم الله بوحيه ولم يتعلموا من قبل ولا دخلوا تلك المدارس، كعاموس مثلا فإنه كان راعيا وجانى جميز «1» .
بعض ما يرد على نبوتهم من تعريفها
أما تفسير الإلهام بحلول روح الله فى روح الملهم فهو تحكم للنصارى لا يعرفه ولا يعترف به أنبياء بنى إسرائيل ولا علماؤهم، ولا يمكنهم إثباته ولا دفع ما يرد عليه من وقوع التعارض والتناقض والخلق فيما كتبه أولئك الملهمون، وما خالفوا فيه الواقع، وقد أشار إلى ذلك بقوله:«إن فى شرح ذلك التعليم دقة، وأن العلماء اختلفوا فى شرحه» إلخ، ومن حلّ فيه روح الله صار إلها، إذ المسيح لم يكن إلها عند النصارى إلا بهذا الحلول، فكيف يقع فى مثل ما ذكر ويتخلف وحيه أو يخالف الواقع؟
وأما كلامهم فى النبوة والأنبياء فيؤخذ منه ما يأتى:
1 -
إن أكثر أنبياء بنى إسرائيل كانوا يتخرجون فى مدارس خاصة بهم يتعلمون فيها تفسير شريعتهم التوراة، والموسيقى والشعر، وأنهم كانوا شعراء ومغنيين وعازفين على آلات الطرب، وبارعين فى كل ما يؤثر فى الأنفس ويحرك الشعور والوجدان، ويثير رواكد الخيال، فلا غرو أن يكون عزرا ونحميا من أعظم أنبيائهم ساقيين من سقاة الخمر لملك بابل (اؤرتحششتا) ومغنيين له، وأن يكونا قد استعانا بتأثير غنائمهما فى نفسه على سماحه لهما بالعودة بقومهما إلى وطنهما وإقامة دينهما فيه.
(1) أى كانت له حرفتان هما راعى المواشى وقطف ثمر الجميز لأصحابه.
فالنبوة على هذا كانت صناعة تعلم موادها فى المدارس، ويستعان على الإقناع بها بالتخيلات الشعرية، والإلهامات الكلامية، والمؤثرات الغنائية والموسيقية والمعلومات المكتسبة، فأين هى من نبوة محمد الأمى الذى لم يتعلم شيئا، ولم يقل شعرا، وقد جاء مفردا بأعظم مما جاءوا به كلّهم أجمعون مجتمعا؟
2 -
إن كثيرا من هؤلاء الأنبياء وأولادهم كانوا متنسّكين أو طوّافين على الناس يعيشون ضيوفا عند الأتقياء المحبّين لرجال الدين. كما هو المعهود من دراويش المتصوفة أهل الطرق فى المسلمين، ومن المعلوم أن هؤلاء المحبين يقبلون من رجال التنسك كل ما يقولون، ويسلمون لهم كل ما يدعون، ويذيعون عنهم كل ما يقبلون منهم، ومن غير هؤلاء الكثيرين من الأنبياء من نقلت عنهم كتبهم المقدسة بعض كبائر المعاصى، وإن من أخبار الصوفية والنسّاك والسيّاح عند المسلمين من تفضل سيرتهم سيرة هؤلاء الأنبياء فى كتبهم، فكيف يصح أن يرتفع أحد منهم إلى درجة محمد صلى الله عليه وسلم فى نشأته الفطرية ومعيشته من كسبه، وكونه لم يكن عالة على الناس فى شىء قبل النبوة ولا بعدها؟
3 -
أشهر أنواع نبوتهم الأحلام والرؤى المنامية والتخيلات المبهمة، وكلها تقع لغيرهم، وقد كانت الرؤيا الصادقة مبدأ نبوة محمّد صلى الله عليه وسلم قبل وحى التشريع الذى كان له صور أعلى منها سنبينها بعد «1» ؛ والرؤى صور حسية فى الخيال تذهب الآراء والأفكار فى تعبيرها مذاهب شتى، قلما يعرف تأويل الصادق منها غير الأنبياء كرؤيا ملك مصر التى عبرها يوسف عليه السلام، ورؤياه وهو فى صغره.
4 -
إن نبوة الإخبار عن الأمور المستقبلة- وهى التى يستدلون بها على كونهم مخبرين عن الله تعالى- كانت أحيانا كثيرة بدون تمييز أزمنتها ولا حوادثها، فكان بعضها يختلط ببعض، فلا يكاد يظهر المراد منها إلا بعد حملها على شىء واضح بعد وقوعه، كما يعهد فى كل عصر من أخبار العرافين والمنجمين. بله الروحانيين المكاشفين، ومنها ما ظهر خلافه كما أشار إليه ولم يشرحه، ولكن التاريخ شرحه.
وكان أعظم نبوات هؤلاء الأنبياء إخبارهم عن المسيح (مسيا) وملك إسرائيل ولا يزال اليهود ينتظرونها «2» ، ثم إخبار المسيح نفسه عن خراب العالم ومجىء الملكوت لأجل دينونة العالم، وأنه لا ينقضى الجبل الذى خاطبه حتى يكون ذلك كله، وقد مرت أجيال كثيرة ولم يكن من ذلك شىء.
(1) قد بينتها فى الفصل الأول الذى زدته فى هذه الطبعة الثانية أيضا.
(2)
أى ينتظرون صدق هذه النبوة.