الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، فهل كان هذا مما استمده محمد صلى الله عليه وسلم من علماء أهل الكتاب، فجادوا به عليه وبخلوا به على أقوامهم؟ أم هو نابع من نفسه وزهو يقتضى أن ما ينبع منها أعلى من وحى الله لغيره على حسب دعوى أتباع هؤلاء الرسل؟ كلا إنما هى من وحى الله تعالى له.
4 - الإيمان بجميع الرسل وعدم التفرقة بينهم:
ومما بيّنه القرآن فى مسألة الأنبياء والرسل أنه يجب الإيمان بجميع رسل الله تعالى وعدم التفرقة بينهم فى الإيمان، وأنّ الإيمان ببعضهم والكفر ببعض كالكفر بهم كلّهم؛ لأن إضافتهم إلى الله تعالى واحدة، ووظيفتهم فى إرشاد المكلفين رسالته وشرعه واحدة، قال الله تعالى فى خواتيم سورة البقرة: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: 285]، وبين فى سورة [النساء، الآيات: 150 - 152] أن التفرقة بينهم فى الإيمان هى الكفر حق الكفر، وأن الإيمان بالجميع بغير تفرقة هو الإيمان حق الإيمان.
وهذا مبنىّ على الإيمان بأن دين الله تعالى الذى أرسل به جميع رسله واحد فى أصوله ومقاصده من هداية البشر وإصلاحهم، وإعدادهم لسعادة الدنيا والآخرة، وإنما كانت تختلف صور العبادات والشرائع باختلاف استعداد الأقوام، ومقتضيات الزمان والمكان، حتى بعث الرسول بالأصول الموافقة لكلّ زمان ومكان، مع الإذن بالاجتهاد فى المصالح التى تختلف باختلاف الأطوال والأحوال، فالإيمان ببعضهم دون بعض فى رسالتهم الإلهية اتباع للهوى فى الإيمان وجهل بحقيقة الدين، فلا يعتد به، لأنه عين الكفر.
وقد انفرد بهذه الحقيقة العادلة المسلمون دون أهل الملل الوثنية من المجوس والهندوس، ودون أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إلا بأنبياء بنى إسرائيل وأبيهم وجدهم، على ما يذكرون فى كتبهم من عيوب ومنكرات وفواحش يرمونهم بها.
وأما المسلمون فيؤمنون بأن رب العالمين أرسل فى كل الأمم رسلا هادين مهديين فهم يؤمنون بهم إجمالا، وبما قصه القرآن عن بعضهم تفصيلا، فقد كرّم الإسلام بهذا نوع الإنسان، ومهّد به السبيل للألفة والأخوة الإنسانية العامة التى نبينها بعد، فالمسلم صديق ومحبّ وحبيب لجميع الأنبياء والمرسلين فى الدنيا والآخرة، وتجاه هذا يصح أن يقال: إن غير المسلم عدو لله ولهم كلهم، لأن تكذيبه لبعضهم تكذيب لرسالتهم ولمرسلهم سبحانه.
وهذه المزية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من المزايا التى كان بها حجة على سائر الأمم، وأهلا لمنصب الإمامة فيها، قال الله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: 143]، فهى الوسط العدل فى الإيمان بجميع الرسل وما جاءوا به من أركان الدين الثلاثة (كما بيناه فى المقصد الأول) وفى غير ذلك من الفضائل والأعمال.
وأما شهادتها على الناس فهى تابعة لما كلفته من دعوة جميع الأمم إلى حقيقة دين الرسل التى تلقتها من خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وحلّت محلّه فى الدعوة إلى ما جاء به من بعده، فهو صلى الله عليه وسلم يشهد عليها يوم القيامة كما يشهد كل رسول على قومه الذين كانوا فى زمانه كما قال الله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: 41].
ومن المعلوم بنص القرآن أنّ بعض الأنبياء والرسل أفضل من بعض بتخصيص الله تعالى، وبما كان لكلّ نبى من عمل فى نفع العباد وهدايتهم، وهى متفاوتة جدا،
قال الله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة: 253]، ومن المعلوم بالدلائل العقلية والنقلية أن محمدا خاتم النبيين، الذى أكمل الله به الدين وأرسله رحمة للعالمين، هو الذى رفعه الله عليهم كلهم درجات كما بيناه فى تفسير تلك الآية بالإجمال «1» ، وفصلناه فى هذا الكتاب أقصد التفصيل.
وأنك لتجد مع هذا أنه صلى الله عليه وسلم قال لأتباعه: «لا تفضلوا بين أنبياء الله» قاله إنكارا على رجل من المسلمين لطم يهوديا لأنه قال: لا والذى اصطفى موسى على البشر فشكاه إلى النبى صلى الله عليه وسلم فغضب غضبا شديدا على صاحبه المسلم، وقاله وبين مزية لموسى عليه الصلاة والسلام فى الآخرة ثم قال:«ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى» ، والحديث رواه الشيخان فى الصحيحين، وفى روايات أخرى للبخارى:«لا تخيروا بين الأنبياء» ، وفى بعضها:«لا تخيرونى على موسى» . والغرض من ذلك كله منع المسلمين من تنقيص أحد من الأنبياء عليهم السلام، ومن التعادى بين الناس لأجلهم، ومن الغلو فيه صلى الله عليه وسلم، وإلا فهو قد قال فى تعليل نهيه عن سؤال أهل الكتاب عن شىء:«والله لو كان حيا بين أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعنى» . أبو يعلى من حديث جابر.
(1) راجع أول ج 3 تفسير المنار.
ذلك بأن مثل الأنبياء كمثل ولاة الأقطار فى مملكة واحدة، أو مثل قواد الجيش فى المعسكرات المتفرقة لدولة محدودة، ومثل خاتمهم صاحب الرسالة العامة كمثل القائد والوالى العام عند إرادة توحيد السياسة والقيادة، وهذا معنى تبشير الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم «1» ، وأخذ الميثاق عليهم بوجوب الإيمان به ونصره وأتباعه إذا جاءهم فرضا كما نراه فى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران: 81]«2» .
(1) راجع تفصيل ذلك فى ص 251 ج 9، تفسير المنار.
(2)
راجع تفسيرها فى ص 349 ج 3، تفسير المنار.