الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول فى تحقيق معنى الوحى والنبوة والرسالة وحاجة البشر إليها وأصولها وعدم إغناء العقل والعلم الكسبى عنها
«1»
تعريف الوحى لغة وشرعا:
قال فى الأساس: أوحى إليه وأو رمى إليه بمعنى، ووحيت إليه وأوحيت إذا كلمته بما تخفيه عن غيره؛ وأوحى الله إلى أنبيائه: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل: 68].
وقال الراغب: أصل الوحى الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل «أمر وحى» . وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة. وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: 11] إلخ، أى: أشار إليهم ولم يتكلم. والوحى بتشديد الياء السريع، ومن وحى الإيماء بالجوارح قول الشاعر:
نظرت إليها نظرة فتحيرت
…
دقائق فكرى فى بديع صفاتها
فأوحى إليها الطرف أنى أحبها
…
فأثر ذاك الوحى فى وجناتها
فالقول الجامع فى معنى الوحى اللغوى: أنه الإعلام الخفى السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره. ومنه الإلهام الغريزى كالوحى إلى النحل، وإلهام الخواطر بما يلقيه الله فى روع الإنسان السليم الفطرة الطاهر الروح كالوحى إلى أم موسى، ومنه ضده وهو وسوسة الشيطان، قال تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ
لِيُجادِلُوكُمْ
[الأنعام:
121]، وقال: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام: 112]، ووحى الله تعالى إلى أنبيائه قد روعى فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة، وهما: الخفاء والسرعة. فهذا معنى المصدر، ويطلق على متعلقه وهو ما وقع به الوحى، أى: اسم المفعول، وهو ما أنزله تعالى على أنبيائه وعرفهم به من أنباء الغيب والشرائع والحكم، ومنهم من أعطاه كتابا، أى: تشريعا يكتب ومنهم من لم يعطه.
(1) هذا الفصل من زيادات الطبعة الثانية فى أولها.
والله تعالى يوحى إلى ملائكته ما يأمرهم بفعله كقوله: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال: 12]، ويوحى إلى ملك الوحى ما يوحيه الملك إلى الرسول كقوله: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [النجم: 10]، أى: أوحى إلى عبده جبريل عليه السلام ما أوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال شيخنا الأستاذ الإمام فى رسالة التوحيد بعد تعريف الوحى لغة: «وقد عرفوه شرعا أنه إعلام الله تعالى لنبى من أنبيائه بحكم شرعى ونحوه» ، أما نحن فنعرفه على شرطنا بأنه: عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت. ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام: وجدان تستيقنه النفس وتنساق إلى ما يطلب من غير شعور منها من أين أتى. وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور.
هذا التعريف يشمل أنواع الوحى الثلاثة الواردة فى قول الله عز وجل: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: 51] فالوحى هنا: إلقاء المعنى فى القلب، وقد يعبر عنه بالنفث فى الرّوع- وهو بالضم: القلب والخلد والخاطر، والكلام من وراء حجاب: هو أن يسمع كلام الله من حيث لا يراه كما سمع موسى عليه السلام النداء من وراء الشجرة، وأما الثالث: فهو ما يلقيه ملك الوحى المرسل من الله إلى رسول الله فيراه متمثلا بصورة رجل، أو غير متمثل، ويسمعه منه أو يعيه بقلبه.
وتعبيره يشمل- قبل التفرقة بينه وبين الإلهام- ما يسميه بعضهم بالوحى النفسى وهو الإلهام الفائض من استعداد النفس العالية، وقد أثبته بعض علماء الإفرنج لنبينا صلى الله عليه وسلم كغيره، فقالوا: إن محمدا يستحيل أن يكون كاذبا فيما دعا إليه من الدين القويم والشرع العادل والأدب السامى، وصوره من لا يؤمنون بعالم الغيب منهم أو باتصال عالم الشهادة به بأن معلوماته وأفكاره وآماله ولدت له إلهاما فاض من عقله الباطن أو نفسه الخفية الروحانية العالية على مخيلته السامية، وانعكس اعتقاده على بصره فرأى الملك ماثلا له، وعلى سمعه فوعى ما حدثه الملك به.
فصار الخلاف بيننا وبين هؤلاء فى كون الوحى الشرعى من خارج نفس النبى نازل عليها من السماء كما نعتقد، لا من داخلها فائضا منها كما يظنون، وفى وجود ملك روحانى مستقل نزل من عند الله عليه صلى الله عليه وسلم كما قال عز وجل: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ
بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: 192 - 195] وفى تخيل الملك بزعمهم.
وسنشرح هذا الزعم ونبسط شبهاته ونبطلها، ونثبت أنّ هذا القرآن وحى من الله تعالى ينزل من فوق السموات العلى، لا يمكن أن يكون فائضا فى هذه الأرض من نفس محمد صلى الله عليه وسلم وهو موضوع كتابنا هذا.
وأعلم أيها القارئ أن تقسيم المتكلمين كلام الله تعالى إلى نفسى قديم قائم بذاته سبحانه ليس بحرف ولا صوت ولا ترتيب ولا لغة، وكلام لفظى هو المنزل على الأنبياء عليهم السلام، ومنه الكتب الأربعة، وخلافهم فى كونه مخلوقا أو غير مخلوق هو اصطلاح كله فلسفة وآراء نظرية مبتدعة، لم يرد به كتاب ولا سنة وهو تعرض للبحث التحليلى لذات الله تعالى وصفاته، ومثار للوسواس الشيطانى فيه فاجتنبه، واستعذ بالله منه، وحسبك أن تؤمن بأن الكلام صفة كمال تتعلق بكل ما يتعلق به العلم، إلا أن تعلق العلم عبارة عن انكشاف المعلومات للعالم، وتعلّق الكلام عبارة عن كشف العالم ما شاء من علمه لمن شاء، وأن الله تعالى متصف بكمال العلم والتعليم، وكمال الكلام والتكليم، وأن هذا وغيره مما وصف به نفسه فى كتابه لا ينافى كمال تنزيهه تعالى عما لا يليق به من نقائص عباده ولا يقتضى مماثلته لهم فيما وهبهم من كمال، فإن الاشتراك فى الأسماء لا يقتضى الاشتراك فى المسميات، وأسماء الأجناس المقولة بالتشكيك فى الممكنات تختلف من وجوه كثيرة منها النقص والكمال، فكيف بها إذا كانت مشتركة بين الخالق والمخلوقات؟ فذاته تعالى أكمل من ذواتهم، ووجوده أعلى من وجودهم، وصفاته أسمى من صفاتهم، وهو أعلم، ورسوله أعلم منهم بصفاته وأفعاله، فعليك أن تؤمن بما صح عنهما من إثبات ونفى، ومن غير زيادة ولا نقص، بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، وليس عليك ولا لك أن تحكم رأيك وعقلك فى كنه ذاته ولا صفاته، ولا فى كيفية مناداته وتكليمه لرسله، ولا فى كنه ما هو قائم به، وما يصدر عنه، وعلى هذا كان أصحاب الرسول وعلماء التابعين، وأئمة الحديث والفقه، قبل ظهور بدعة المتكلمين.