الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقول البخارى: «عتق المشرك» يحتمل أن يكون من الإضافة إلى الفاعل لأن حكيما سأله عما أعتقه وهو مشرك، وأن يكون من الإضافة إلى المفعول لأن الذين أعتقهم كانوا مشركين، وجواب النبى صلى الله عليه وسلم له أنه أسلم على ما كان يفعله من الخير معناه أنه كمل له الخبر والبر بالإسلام، وإذا كان الإسلام يجب ما قبله من الشرك وأعماله، ويطهر النفس منها فأجدر به أن يزيد فاعل الخير السابق خيرا وتزكية لنفسه إذا كان مستعدا لهما، ولو لم يسلم لما كان هذا ينجيه فى الآخرة ولكنه كان يكون أمثل ممن لم يفعل مثله.
الوصية بالمماليك
أضف إلى ما تقدم كله وصايا الله ورسوله بالمماليك، ومنها تخفيف الواجبات عليهم، وجعل حدّ المملوك فى العقوبات نصف حد الحر، وقد قرن الله تعالى الوصية بهم بالوصية بالوالدين والأقربين، ونهى النبى صلى الله عليه وسلم عن قول السيد:«عبدى وأمتى» ، وأمره أن يقول:
«فتاى وفتاتى وغلامى» ، وأمر بأن يطعموهم مما يأكلون ويلبسوهم مما يلبسون، ويعينوهم على خدمتهم إن كلفوهم ما يغلبهم كما فى حديث أبى ذر فى الصحيحين وغيرهما الذى تقدم والمناسب منها هنا: أن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر بالربذة وعليه حلّة وعلى غلامه حلة فسألته عن ذلك»، وذكر ما تقدم من الحديث وتتمته هى قوله صلى الله عليه وسلم فى المماليك:
معاملة الأمثال، وفى الصحاح أيضا أنه صلى الله عليه وسلم كان يوصى النساء وما ملكت الأيمان حتى فى مرض موته إلى أن التحق بالرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم. وسأله ابن عمر: كم أعفو عن الخادم؟ قال: «اعف عنه كل يوم سبعين مرة» ، وهذه مبالغة معناها اعف عنه كلما أذنب.
وقد تفلسف بعض المتنطعين فيما يسمونه النقد التحليلى فقال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يوصى بالرقيق لأنه ربى فى حجر أمه- قيل يعنى به إرضاع ثويبة مولاة عمه أبى لهب- وأن هذا التعليل لجهل عميق بالتاريخ وعلم النفس والفلسفة جميعا، والأولى أن يعنى أم أيمن حاضنته وكانت جارية لأمه فورثها وأعتقها، ولكنّ هذا التشريع العظيم الذى جاء فى كهولة الأمية فوق جميع شرائع البشر وفلسفتهم وآدابهم شىء آخر لا ينبغى لعاقل أن يعلله بما علله به هذا المتنطع المتحذلق، وما كان هذا التشريع وحده هو الذى يعلو هذا التعليل ويحكمه بل كل نوع من شريعته مثله، ثم ماذا يقال فى مجموعها وجملتها؟.
ولهذا كان المسلمون فى الصّدر الأول يبالغون فى تكريم الرقيق ومعاملتهم بالحلم حتى صاروا يقصرون فى الخدمة، ولعمر الحق إنّ العبد المملوك فى حكم الإسلام الأول كان أعزّ نفسا وأطيب عيشا من جميع الأحرار الذين ابتلوا فى هذه العصور بحكم دول الإفرنج من غيرهم أو نفوذهم.
خلاصة البحث فى تحرير الدلالة على إثبات الوحى وحجة الله به على جميع الخلق
راجع ما تقدم من الكلام على الوحى والنبوة وآيات الأنبياء عندنا وعند النصارى، ومن الكلام فى تفنيد شبهة الوحى النفسى، والكلام فى إعجاز القرآن اللغوى والعلمى وما أحدثه من الثورة العالمية والانقلاب الإنسانى من كل وجه، ثم أضف إليها تلك العشرة أنواع من مقاصد القرآن، وفى إصلاح البشر وتكميل نوع الإنسان، من جميع نواحى التشريع الروحى والأدبى والاجتماعى والمالى والسياسى، وهى التى اشتدت حاجة الشعوب والدول إليها فى هذا العصر، موضحة بما بينّاه من أصول وقواعد فى الإسلام، هى أصحّ وأكمل وأكفل للمصالح العامة، ودفع المفاسد القديمة والطارئة من كل ما سبقها من تعاليم الأنبياء، وفلسفة الحكماء وقوانين الملوك والحكام، على اختلاف العصور، مع العلم القطعى من تاريخ محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان أميا يؤثر بطبعه عيشة العزلة، فلم يتفق له الاطلاع على كتب الأنبياء ولا غيرها من الكتب والقوانين، وأنه لم يعرف عنه أنه كان يبحث فى شىء من العلوم، ولا أنه نطق بشيء من مسائلها، ولا أنه عرف بالبلاغة والفصاحة، أو عنى بالشعر أو الرجز أو الخطابة، والعلم القطعى بأنه إنما جاء بها فى هذا القرآن بعد استكمال سن الأربعين وهى سن لم يعرف فى استعداد أنفس البشر ومدركات عقولهم ولا فى تاريخهم أن صاحبها يأتنف مثلها ائتنافا لم يسبق له البدء بشيء منه فى أنف عمره، وآنفه شبابه وشرخه.
راجع هذا كله وتأمّل جملة واحدة تجد عقلك مضطرا إلى الجزم بأن هذا فى جملته وتفصيله فوق استعداد بشر أمى أو متعلم، وأنه لا يعقل إلا أن يكون وحيا من الله تعالى اختصه به.
فإذا فرضنا أنه يحتمل أن يكون شىء منها من تأثير الوراثة والبيئة والتربية، وأن يكون قد تسرب إلى ذهنه بعض مسائلها من أفواه عقلاء قومه أو غيرهم ممن لقى فى أسفاره القليلة، أو أنه فكر فى حاجة البشر إلى مثلها بما أدركه بذكائه الفطرى من سوء حالهم، فهل يعقل أن تكون تلك الفلتات الشاردة، وهذه الخطرات الواردة، تبلغ هذا الحد من التحقيق والوفاء بحاجة الأمم كلها، وأن تظل كلها مكتومة من سن الصبا وعهد حب
الظهور إلى أن تظهر فى سن الكهولة بهذه الروعة من البيان، وسلطان البلاغة على القلوب، وقوة البرهان فى العقول، فتحدث هذه الثورة العربية المغيرة لطباعها، والمبدلة لأوضاعها، بحيث تسود بها شعوب المدنية كلها، ويتلو ذلك ما قصه التاريخ من الانقلاب فى العالم كله بها؟
وأعجب من هذا كله أن يظهر فى هذا العصر أنّ أمم العلم والفنون الواسعة والحضارة العجيبة أشد حاجة إليها ممن قبلهم؟ كلا. إن هذا لم يعرف مثله فى البشر، فلم يبق إلا أنه علم موحى به من الله عز وجل مفروض على كل عاقل بلغته دعوته أن يتبعه ويهتدى به لتكميل إنسانيته، وهداية أمته، وإعدادها لسعادة الدنيا والآخرة. فإن اعترضته شبهة عليه فليبحث عنها أو لينبذها، فما كان لعاقل ثبت عنده نفع علم الطب أن يترك مراعاته فى حفظ صحته، أو مداواة مرضه، لشبهة فى بعض مسائله، أو خيبة الأطباء فى بعض معالجاتهم للمرضى. فهو أعظم أطباء الأرواح والاجتماع فيهم.
قال الله تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: 149].
***
الخاتمة فى تجديد التحدى بتعاليم الوحى المحمدى، ودعوة شعوب الحضارة إلى الدين الإسلامى
تلك عقائد دين محمد وقواعد تشريعه، وأصول إصلاحه الدينى والاجتماعى والمالى والسياسى، مسرودة بالإجمال، مؤيدة بشواهدها من آيات القرآن، مجرّدة من حلل المبالغات الخطابية، وعاطلة من حلى الخلابة الشعرية، ونحن المسلمين نتحدّى الفلاسفة والمؤرخين من جميع الأمم، ولا سيما أحرار الإفرنج، بأن يأتونا بمثلها أو بما يقرب منها من تاريخ الأنبياء، وأشهر الحكماء، وأبلغ الأدباء، وأنبغ ساسة الأولين والآخرين مع صرف النظر عن كونه صلى الله عليه وسلم كان- كما بينا أولا وآخرا- أميا، وجاء بذلك كله بعد استكمال السن التى صرح علماؤهم بأن الإنسان يستحيل أن يبتدئ فيها علما أو فنا، أو يسن فيها شرعا أو يضع قانونا، أو أن ينهض فى العالم بانقلاب عظيم أو عمل خطير، مما لم يكن قد ظهر استعداده له وأخذ بمقدماته فى ريعان الصبا، وشرخ الشباب، وقد بينا الفرق العظيم بينه وبين موسى وعيسى أعظم
أنبياء بنى إسرائيل صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
نتحداهم بهذا القرآن تحديا علميا إصلاحيا سياسيا فى أرقى عهد للبشر فى العلم الكسبى، مع صرف النظر عما كان من تحدى سلفنا بإعجاز عبارته وأسلوبها وبلاغتها العربية فى أرقى عصورها، ونتحداهم به تحديا عمليا من حيث إن تنفيذ محمد صلى الله عليه وسلم لإصلاحه فى تأثيره وسرعته وعمومه من أكبر المعجزات التى تفوق استعداد البشر، فكيف وقد اجتمع العلم والعمل.
وبيانه أن العلم مما يصلح به حال البشر فى أفرادهم وجماعاتهم وشعوبهم علم واسع يقل فى الأذكياء من يتقن المدون منه فى الكتب الذى يلقن فى المدارس، ثم يقل من يستطيع تنفيذ ما يتعلمه منه فى أمة يتولى أمر سياستها وإدارة الأحكام فيها، فهل فى الإمكان أن يوجد إنسان يضع هذا العلم ذا الشّعب الكثيرة، بل العلوم العالية، ثم يكون هو الذى يتولى تنفيذها وإصلاح أمة كبيرة بها، ويتم له النجاح فى ذلك بنفسه فى عصره؟.
إن هذا ليس فى استطاعة أحد من البشر، ولم يقع من أحد منهم فيما غير، وأصول هذا الإصلاح وفروعه محفوظة إلى اليوم وقد فسد أكثر البشر لتركهم الاهتداء بها!!
وأما تنفيذ محمد صلى الله عليه وسلم لهذه التعاليم فقد تم فى عشر سنين من تاريخ الهجرة الذى كان بدء حياة الحرية له ولمن آمن به، وقد ظل قبلها يدعو إلى أصولها المجملة عشر سنين أولا بالسر، ثم بالجهر مع احتمال الاضطهاد والإيذاء والتعذيب والتهديد بالقتل والنفى الذى اضطر المؤمنين إلى هجرة بعد هجرة، وبعد الهجرة بالتبع له صلى الله عليه وسلم صار لهم قوة فكان المشركون يعتدون عليهم ويقاتلون فى دار هجرتهم فكانوا فى حالة الحرب وقتال مع المشركين كافة، وكذا أهل الكتاب المجاورين له، وكان صلى الله عليه وسلم عقد لليهود معاهدة بتأمينهم على دينهم وأنفسهم وأموالهم بشرط ألا يظاهروا المشركين عليه، فنقضوا عهده المرة بعد المرة، وظاهروهم بل أغروهم بقتاله، فاضطر إلى قتالهم وإجلائهم من جواره فى الحجاز، وظل المسلمون فى نضال مع المشركين مدة ست سنين، مدافعين عن أنفسهم فى كل قتال دفاع الضعيف- المؤيد من الله- للأقوياء المخذولين، وفى أواخر السنة السادسة عقد معاهدة الحديبية مع المشركين على وضع القتال عشر سنين، ثم غدر المشركون ونقضوا العهد، فعادت حالة الحرب، وفتح المسلمون مكة عاصمة قريش الدينية والدنيوية، ومثابة جميع الأمة العربية، فى سنة ثمان من الهجرة، وحج النبى صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فى آخر سنة عشر، وأنزل الله تعالى عليه فى يوم عرفة منها: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: 3].
ففي عشر سنين تم توحيد الأمة العربية التى كانت أعرق أمم الأرض فى الشقاق والتفرق والعداء، وإنما كان ذلك بتأثير كتاب الله وتأييده عز وجل لرسوله كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: 62، 63]، وبما أعدّه الله تعالى له من إتمام مكارم الأخلاق، وما وفقه وأرشده إليه من حسن السياسة المبنية فى قوله تعالى:
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159]، وذلك أن العرب كانت أعصى خلق الله على الخضوع والطاعة والانقياد، لعراقتهم فى الحرية وشدّة بأسهم وعدم ابتلائهم بالملوك المستبدين القاهرين، والرؤساء الروحيين المسيطرين الذين يذللون الأمم ويخضعونها لكل ذى سلطان قوى.
فليدلنا علماء التاريخ العام على نبى من الأنبياء أو حكيم من الحكماء، أو ملك من
الملوك الفاتحين والمشرعين، ربّى أمة من الأمم فى عشر سنين أو عشرين، فجعلها أهلا لفتح الأمصار، والسيادة على الأمم الحضرية، وسياستها بالعدل والرحمة، وتحويلها عن أديانها ولغاتها بالإقناع وحسن القدوة، ولا نشترط أن تكون هذه الأمة التى علمها وهذبها ووحدها رجل واحد كالأمة العربية فى عتوها ولا أن يكون هذا الرجل أميّا كمحمد صلى الله عليه وسلم.
فأين الوحدة الجرمانية والوحدة الطليانية فى عصر العلوم والفنون والفلسفة والحضارة والقوانين ونظم الاجتماع والحرب، من الوحدة العربية المحمدية فى عهد الأمية والجاهلية؟
بل أين الوحدة الإسرائيلية، فى عهد الآيات والعجائب الكونية من الوحدة العربية الخاصة، ثم الوحدة الإسلامية العامة فى عهد آيات القرآن وعلومه الإلهية؟.
ثم نفّذ ذلك التشريع الأعلى، والهداية المثلى، خلفاء محمد الراشدون، وكثير من ملوك المسلمين الصالحين، بما شهد لهم به تاريخهم، واعترف لهم به المؤرخون المنصفون من الإفرنج وغيرهم، بالجمع بهما بين العدل والرحمة، وبأنهم جدّدوا بهما الحضارة الإنسانية ورقوها، وأحيوا العلوم والفنون الميتة وهذّبوها واستثمروها، وكانوا أساتذة العالم فيها.
ثم كان من قوة هذا الدين فى الحق والفضائل أن عادته جميع أمم الإفرنج وحاربته بجميع قواتها الصليبية- الهمجية منها والمدنية- ثم بعلومها وفنونها ونظمها المدهشة، ولا تزال تحاربه وتبذل الملايين من الدنانير لتحويل أهله عنه، بعد زوال قوة دوله، وغلبة الجهل على شعوبه، بجميع أساليب الدعوة المسماة بالتبشير، وبجميع وسائل القوة والنظام، وبمساعدة الملحدين فيه كالقاديانية، وتقترف دولهم وجمعياتهم الدينية فى ذلك من رذائل الظلم والبغى والكذب ما يتبرأ من مثله شرار المجرمين، ولم يستطيعوا له هدما، ولا أن ينصروا مسلما واحدا عرف الإسلام «1» .
قال الله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
[التوبة: 32، 33].
(1) هذا ما نقله الدكتور مارديس المستشرق الفرنسى فى مقدمة تفسيره عن إجماع المبشرين كما تقدم فى مقدمة الطبعة الأولى.