المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فقول البخارى: «عتق المشرك» يحتمل أن يكون من الإضافة إلى - الوحي المحمدي

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌على سبيل التقديم

- ‌مقدمة الطبعة الأولى

- ‌ارتقاء البشر المادى، وهبوطهم الأدبى، وحاجتهم إلى الدين:

- ‌الحجب الثلاثة بين حقيقة الإسلام وشعوب الإفرنج:

- ‌الأسباب العائقة عن فهم الأجانب للقرآن:

- ‌(أولها): جهل بلاغة القرآن

- ‌(ثانيها): قصور ترجمات القرآن وضعفها

- ‌(ثالثها): أسلوب القرآن المخالف لجميع أساليب الكلام

- ‌(رابعها): الإسلام ليس له دولة ولا جماعات

- ‌نتيجة هذه المقدمات:

- ‌بيان هذا الكتاب لحقيقة الإسلام بما تقوم به الحجة على جميع الأنام

- ‌فاتحة الطبعة الثانية

- ‌دعوة الناس إلى الإسلام عامة وأهل الكتاب خاصة

- ‌دعوة الوحى المحمدى فى هذه الآيات:

- ‌رواج الكتاب وترجمته ببعض لغات:

- ‌الفصل الأول فى تحقيق معنى الوحى والنبوة والرسالة وحاجة البشر إليها وأصولها وعدم إغناء العقل والعلم الكسبى عنها

- ‌تعريف الوحى لغة وشرعا:

- ‌النبى معناه لغة وشرعا والفرق بين الرسول وغيره

- ‌حاجة البشر إلى الرسالة وأصول أديان الرسل الأساسية

- ‌عصمة الأنبياء

- ‌العقل والعلم البشرى لا يغنيان عن هداية الرسل

- ‌تعريف الوحى والنبوة والأنبياء عند النصارى

- ‌بعض ما يرد على نبوتهم من تعريفها

- ‌وأما كلامهم فى النبوة والأنبياء فيؤخذ منه ما يأتى:

- ‌امتياز نبوة محمّد على نبوة من قبله فى موضوعيها والموازنة بينه وبين موسى وعيسى (ع. م)

- ‌صد الكنيسة عن الإسلام

- ‌الآيات والعجائب (أى الخوارق) وإثبات النبوة عندنا وعندهم

- ‌العجائب وما للمسيح منها

- ‌بحث في عجائب المسيح عليه السلام:

- ‌آية نبوة محمّد العقلية العلمية وسائر آياته الكونية

- ‌تأثير العجائب فى الأفراد والأمم:

- ‌ثبوت نبوة محمد بنفسها وإثباتها لغيرها:

- ‌درس علماء الإفرنج للسيرة المحمدية وشهادتهم بصدقه صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الثالث فى شبهة منكرى عالم الغيب على الوحى الإلهى وتصويرهم لنبوة محمّد صلى الله عليه وسلم بما يسمونه الوحى النفسى

- ‌شبهة على الوحى

- ‌جواب المنار

- ‌تفصيل الشبهة ودحضها بالحجة

- ‌المقدمة الأولى: لشبهة الوحى النفسى دعوى الأخذ عن بحيرا الراهب

- ‌المقدمة الثانية: دعوى الأخذ عن ورقة بن نوفل

- ‌المقدمة الثالثة: دعوى انتشار اليهودية والنصرانية فى بلاد العرب

- ‌المقدمة الرابعة: حديث إسلام سلمان الفارسى

- ‌المقدمة الخامسة: رحلتا الشتاء والصيف لتجار قريش

- ‌المقدمة السادسة: ما قيل من وجود يهود ونصارى بمكة

- ‌المقدمة السابعة: ما زعمه من سبب نشوء محمّد صلى الله عليه وسلم أميا وما استفاد من رحلاته التجارية

- ‌المقدمة الثامنة: تصوير مجامع قريش بمكة وشأن محمد فيها

- ‌المقدمة التاسعة: موت أبناء محمد وما أثاره فى نفسه

- ‌المقدمة العاشرة: ضعف الوثنية فى العرب، وتعبد محمد فى الغار وسببها بزعم درمنغام

- ‌نتيجة تلك المقدمات العشر

- ‌باب كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌بسط ما يصورون به الوحى النفسى لمحمد صلى الله عليه وسلم

- ‌تفنيد تصويرهم للوحى النفسى وإبطاله من وجوه

- ‌القول الحق فى استعداد محمد صلى الله عليه وسلم للنبوة والوحى

- ‌الأمثال النورانية لفطرة محمد صلى الله عليه وسلم وروحه، ووحيه، وكتاب الله تعالى ودينه

- ‌آية الله الكبرى القرآن العظيم القرآن الكريم، القرآن الحكيم، القرآن المجيد، الكتاب العزيز الذى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)

- ‌الفصل الرابع فى إعجاز القرآن بأسلوبه وبلاغته، وتأثيره وثورته

- ‌أسلوب القرآن فى تركيبه المزجى:

- ‌الثورة والانقلاب الذى أحدثه القرآن في الأمة العربية فسائر الأمم

- ‌اعتبار الموازنة بين تأثير القرآن فى العرب والتوراة فى بنى إسرائيل

- ‌المسلمون أرحم البشر بهداية القرآن:

- ‌فعل القرآن فى أنفس الأمة العربية وإحداثها به أكبر ثورة عالمية

- ‌فعل القرآن فى أنفس مشركى العرب

- ‌فعل القرآن فى أنفس المؤمنين

- ‌المقصد الأول من مقاصد القرآن فى بيان حقيقة أركان الدين الثلاثة التى دعا إليها الرسل وضل فيها أتباعهم

- ‌الركن الأول للدين الإيمان بالله تعالى

- ‌الركن الثانى للدين: عقيدة البعث والجزاء

- ‌البعث الإنسانى جسمانى روحانى

- ‌الركن الثالث للدين: العمل الصالح

- ‌سنّة القرآن فى تهذيب الأخلاق وصلاح الأعمال والفرق بينها وبين كتب الفلسفة والآداب

- ‌سنّة القرآن فى الإرشاد إلى العبادات

- ‌ترجيح فضائل القرآن على الإنجيل

- ‌شبهة فلسفية على عمل الخير لمرضاة الله تعالى

- ‌المقصد الثانى من مقاصد القرآن: بيان ما جهل البشر من أمر النبوة والرسالة ووظائف الرسل

- ‌1 - بعثة الرسل فى جميع الأمم ووظائفهم:

- ‌2 - أطوار النصارى وما انتهوا إليه فى الدين:

- ‌3 - مسألة الشفاعة:

- ‌4 - الإيمان بجميع الرسل وعدم التفرقة بينهم:

- ‌بحث فى الآيات الكونية التى أيد الله بها رسله وما يشبه بعضها من الكرامات، وما يشتبه بها من خوارق العادات وضلال الماديين والخرافيين فيها

- ‌آيات الله تعالى فى خلقه نوعان:

- ‌سنن الله فى عالم الشهادة وعالم الغيب:

- ‌الغيب قسمان حقيقى وإضافى:

- ‌الخوارق الحقيقية والصورية عند الأمم

- ‌الفرق بين المعجزة والكرامة

- ‌الكافرون بالآيات صنفان: مكذبون ومشركون، وعلاج كل منهما

- ‌علاج خرافات تصرف الأولياء فى الكون:

- ‌المنكرون للمعجزات وشبهة الخوارق الكسبية عليها

- ‌أعجوبة من خوارق الهنود

- ‌المعجزات قسمان: تكوينية، وروحانية تشبه الكسبية

- ‌عبادة بعض الناس للمسيح وللأولياء دون موسى

- ‌ختم النبوة وانقطاع الخوارق بها ومعنى الكرامات

- ‌لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء إلا بالقرآن

- ‌الإيمان بالقدر والسّنن العامة وآيات الله الخاصة

- ‌الخطر على البشر من ارتقاء العلم بدون الدين:

- ‌المقصد الثالث من مقاصد القرآن إكمال نفس الإنسان من الأفراد والجماعات والأقوام

- ‌1 - الإسلام دين الفطرة:

- ‌2 - الإسلام دين العقل والفكر:

- ‌3 - الإسلام دين العلم والحكمة والفقه:

- ‌الحكمة والفقه

- ‌4 - الإسلام دين الحجة والبرهان:

- ‌5 - الإسلام دين القلب والوجدان والضمير:

- ‌6 - منع التقليد والجمود على اتباع الآباء والجدود:

- ‌دحض شبهة، وإقامة حجة

- ‌7 - الحرية الشخصية فى الدين بمنع الإكراه والاضطهاد ورئاسة السيطرة:

- ‌المقصد الرابع من مقاصد القرآن الإصلاح الإنسانى الاجتماعى السياسى الوطنى بالوحدات الثمانى

- ‌الأصل الأول

- ‌الأصل الثانى:

- ‌الأصل الثالث:

- ‌الأصل الرابع:

- ‌الأصل الخامس:

- ‌الأصل السادس:

- ‌الأصل السابع:

- ‌الأصل الثامن:

- ‌المقصد الخامس من مقاصد القرآن «وتقرير مزايا الإسلام العامة فى التكاليف الشخصية من الواجبات والمحظورات» ونلخص أهمها بالإجمال فى عشر جمل أو قواعد

- ‌الأولى

- ‌الثانية

- ‌الثالثة

- ‌ الرابع

- ‌الخامسة

- ‌السادسة

- ‌السابعة

- ‌الثامنة

- ‌التاسعة

- ‌العاشرة

- ‌المقصد السادس من مقاصد القرآن بيان حكم الإسلام السياسى الدولى: نوعه، وأساسه، وأصوله العامة

- ‌القاعدة الأساسية الأولى للحكم الإسلامى

- ‌أصول التشريع فى الإسلام

- ‌قواعد الاجتهاد من النصوص

- ‌العدل والمساواة فى الإسلام نصوص القرآن فى إيجاب العدل المطلق والمساواة فيه وحظر الظلم

- ‌حظر الظلم فى الإسلام الشواهد على حظر الظلم ومفاسده وعقابه:

- ‌قواعد مراعاة الفضائل فى الأحكام والمعاملات

- ‌المقصد السابع من مقاصد القرآن: الإرشاد إلى الإصلاح المالى

- ‌تمهيد:

- ‌القطب الأول: القاعدة العامة فى المال؛ كونه فتنة واختبارا فى الخير والشر

- ‌القطب الثانى: ذم طغيان المال وغروره وصده عن الحق والخير

- ‌القطب الثالث: ذم البخل بالمال والكبرياء به والرياء فى إنفاقه

- ‌القطب الرابع: مدح المال والغنى بكونه من نعم الله وجزائه على الإيمان والعمل الصالح

- ‌القطب الخامس: ما أوجب الله من حفظ المال من الضياع بالإسراف والاقتصاد فيه

- ‌القطب السادس: (إنفاق المال فى سبيل الله) آية الإيمان والوسيلة لحياة الأمة وعزة الدولة وسعادة الإنسان

- ‌القطب السابع: فى الحقوق المفروضة والمندوبة فى المال والإصلاح المالى فى الإسلام

- ‌المقصد الثامن من مقاصد القرآن إصلاح نظام الحرب ودفع مفاسدها وقصرها على ما فيه الخير للبشر نظرة عامة فى فلسفة الحرب والسلم والمعاهدات

- ‌أعجوبة القرآن فى فساد معاهدات الزمان:

- ‌أهم قواعد الحرب والسلام فى دين الإسلام، وشواهدها من القرآن

- ‌القاعدة الأولى: فى الحرب المفروضة على الأعيان

- ‌القاعدة الثانية: فى الغرض من الحروب ونتيجتها

- ‌القاعدة الثالثة: إيثار السلم على الحرب

- ‌القاعدة الرابعة: الاستعداد التام للحرب لأجل الإرهاب المانع منها

- ‌القاعدة الخامسة: الرحمة فى الحرب

- ‌القاعدة السادسة: الوفاء بالمعاهدات وتحريم الخيانة فيها

- ‌القاعدة السابعة: الجزية وكونها غاية للقتال لا علة

- ‌حكمة الجزية وسببها وما تسقط به:

- ‌المقصد التاسع من مقاصد القرآن إعطاء النساء جميع الحقوق الإنسانية والدينية والمدنية

- ‌المقصد العاشر من مقاصد القرآن تحرير الرقبة

- ‌هداية الإسلام فى تحرير الرقيق وأحكامه

- ‌الطريقة الأولى منع الإسلام جميع ما كان عليه الناس من استرقاق الأقوياء للضعفاء بكلّ وسيلة من وسائل البغى والعدوان

- ‌الطريقة الثانية: ما شرعه لتحرير الرقيق الموجود وجوبا وندبا

- ‌النوع الأول من أحكام الرق ووسائل تحريره اللازبة وفيه عشر مسائل

- ‌النوع الثانى من وسائل تحرير الرقيق الموجود: الكفارات

- ‌النوع الثالث من وسائل إلغاء الرق الموجود

- ‌النوع الرابع منها العتق الاختيارى لوجه الله تعالى (أى ابتغاء مرضاته ومثوبته)

- ‌علاوة فى عتق غير المسلم

- ‌الوصية بالمماليك

- ‌نتيجة التحدى بالوحى المحمدى: دعوة شعوب المدنية: أوروبا وأمريكا واليابان، بلسان علمائها إلى الإسلام لإصلاح فساد البشر المادى وتمتيعه بالسلام، والإخاء الإنسانى العام

- ‌علوم البشر لا تستقل بهدايتهم لأنهم لا يدينون إلا لوحى ربهم

- ‌الرجاء فى العلماء المستقلين دون السياسيين:

- ‌معجزات القرآن الطبيعية والفلكية:

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: فقول البخارى: «عتق المشرك» يحتمل أن يكون من الإضافة إلى

فقول البخارى: «عتق المشرك» يحتمل أن يكون من الإضافة إلى الفاعل لأن حكيما سأله عما أعتقه وهو مشرك، وأن يكون من الإضافة إلى المفعول لأن الذين أعتقهم كانوا مشركين، وجواب النبى صلى الله عليه وسلم له أنه أسلم على ما كان يفعله من الخير معناه أنه كمل له الخبر والبر بالإسلام، وإذا كان الإسلام يجب ما قبله من الشرك وأعماله، ويطهر النفس منها فأجدر به أن يزيد فاعل الخير السابق خيرا وتزكية لنفسه إذا كان مستعدا لهما، ولو لم يسلم لما كان هذا ينجيه فى الآخرة ولكنه كان يكون أمثل ممن لم يفعل مثله.

‌الوصية بالمماليك

أضف إلى ما تقدم كله وصايا الله ورسوله بالمماليك، ومنها تخفيف الواجبات عليهم، وجعل حدّ المملوك فى العقوبات نصف حد الحر، وقد قرن الله تعالى الوصية بهم بالوصية بالوالدين والأقربين، ونهى النبى صلى الله عليه وسلم عن قول السيد:«عبدى وأمتى» ، وأمره أن يقول:

«فتاى وفتاتى وغلامى» ، وأمر بأن يطعموهم مما يأكلون ويلبسوهم مما يلبسون، ويعينوهم على خدمتهم إن كلفوهم ما يغلبهم كما فى حديث أبى ذر فى الصحيحين وغيرهما الذى تقدم والمناسب منها هنا: أن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر بالربذة وعليه حلّة وعلى غلامه حلة فسألته عن ذلك»، وذكر ما تقدم من الحديث وتتمته هى قوله صلى الله عليه وسلم فى المماليك:

«إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم» أى: عاملوهم

معاملة الأمثال، وفى الصحاح أيضا أنه صلى الله عليه وسلم كان يوصى النساء وما ملكت الأيمان حتى فى مرض موته إلى أن التحق بالرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم. وسأله ابن عمر: كم أعفو عن الخادم؟ قال: «اعف عنه كل يوم سبعين مرة» ، وهذه مبالغة معناها اعف عنه كلما أذنب.

وقد تفلسف بعض المتنطعين فيما يسمونه النقد التحليلى فقال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يوصى بالرقيق لأنه ربى فى حجر أمه- قيل يعنى به إرضاع ثويبة مولاة عمه أبى لهب- وأن هذا التعليل لجهل عميق بالتاريخ وعلم النفس والفلسفة جميعا، والأولى أن يعنى أم أيمن حاضنته وكانت جارية لأمه فورثها وأعتقها، ولكنّ هذا التشريع العظيم الذى جاء فى كهولة الأمية فوق جميع شرائع البشر وفلسفتهم وآدابهم شىء آخر لا ينبغى لعاقل أن يعلله بما علله به هذا المتنطع المتحذلق، وما كان هذا التشريع وحده هو الذى يعلو هذا التعليل ويحكمه بل كل نوع من شريعته مثله، ثم ماذا يقال فى مجموعها وجملتها؟.

ص: 250

ولهذا كان المسلمون فى الصّدر الأول يبالغون فى تكريم الرقيق ومعاملتهم بالحلم حتى صاروا يقصرون فى الخدمة، ولعمر الحق إنّ العبد المملوك فى حكم الإسلام الأول كان أعزّ نفسا وأطيب عيشا من جميع الأحرار الذين ابتلوا فى هذه العصور بحكم دول الإفرنج من غيرهم أو نفوذهم.

ص: 251

خلاصة البحث فى تحرير الدلالة على إثبات الوحى وحجة الله به على جميع الخلق

راجع ما تقدم من الكلام على الوحى والنبوة وآيات الأنبياء عندنا وعند النصارى، ومن الكلام فى تفنيد شبهة الوحى النفسى، والكلام فى إعجاز القرآن اللغوى والعلمى وما أحدثه من الثورة العالمية والانقلاب الإنسانى من كل وجه، ثم أضف إليها تلك العشرة أنواع من مقاصد القرآن، وفى إصلاح البشر وتكميل نوع الإنسان، من جميع نواحى التشريع الروحى والأدبى والاجتماعى والمالى والسياسى، وهى التى اشتدت حاجة الشعوب والدول إليها فى هذا العصر، موضحة بما بينّاه من أصول وقواعد فى الإسلام، هى أصحّ وأكمل وأكفل للمصالح العامة، ودفع المفاسد القديمة والطارئة من كل ما سبقها من تعاليم الأنبياء، وفلسفة الحكماء وقوانين الملوك والحكام، على اختلاف العصور، مع العلم القطعى من تاريخ محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان أميا يؤثر بطبعه عيشة العزلة، فلم يتفق له الاطلاع على كتب الأنبياء ولا غيرها من الكتب والقوانين، وأنه لم يعرف عنه أنه كان يبحث فى شىء من العلوم، ولا أنه نطق بشيء من مسائلها، ولا أنه عرف بالبلاغة والفصاحة، أو عنى بالشعر أو الرجز أو الخطابة، والعلم القطعى بأنه إنما جاء بها فى هذا القرآن بعد استكمال سن الأربعين وهى سن لم يعرف فى استعداد أنفس البشر ومدركات عقولهم ولا فى تاريخهم أن صاحبها يأتنف مثلها ائتنافا لم يسبق له البدء بشيء منه فى أنف عمره، وآنفه شبابه وشرخه.

راجع هذا كله وتأمّل جملة واحدة تجد عقلك مضطرا إلى الجزم بأن هذا فى جملته وتفصيله فوق استعداد بشر أمى أو متعلم، وأنه لا يعقل إلا أن يكون وحيا من الله تعالى اختصه به.

فإذا فرضنا أنه يحتمل أن يكون شىء منها من تأثير الوراثة والبيئة والتربية، وأن يكون قد تسرب إلى ذهنه بعض مسائلها من أفواه عقلاء قومه أو غيرهم ممن لقى فى أسفاره القليلة، أو أنه فكر فى حاجة البشر إلى مثلها بما أدركه بذكائه الفطرى من سوء حالهم، فهل يعقل أن تكون تلك الفلتات الشاردة، وهذه الخطرات الواردة، تبلغ هذا الحد من التحقيق والوفاء بحاجة الأمم كلها، وأن تظل كلها مكتومة من سن الصبا وعهد حب

ص: 252

الظهور إلى أن تظهر فى سن الكهولة بهذه الروعة من البيان، وسلطان البلاغة على القلوب، وقوة البرهان فى العقول، فتحدث هذه الثورة العربية المغيرة لطباعها، والمبدلة لأوضاعها، بحيث تسود بها شعوب المدنية كلها، ويتلو ذلك ما قصه التاريخ من الانقلاب فى العالم كله بها؟

وأعجب من هذا كله أن يظهر فى هذا العصر أنّ أمم العلم والفنون الواسعة والحضارة العجيبة أشد حاجة إليها ممن قبلهم؟ كلا. إن هذا لم يعرف مثله فى البشر، فلم يبق إلا أنه علم موحى به من الله عز وجل مفروض على كل عاقل بلغته دعوته أن يتبعه ويهتدى به لتكميل إنسانيته، وهداية أمته، وإعدادها لسعادة الدنيا والآخرة. فإن اعترضته شبهة عليه فليبحث عنها أو لينبذها، فما كان لعاقل ثبت عنده نفع علم الطب أن يترك مراعاته فى حفظ صحته، أو مداواة مرضه، لشبهة فى بعض مسائله، أو خيبة الأطباء فى بعض معالجاتهم للمرضى. فهو أعظم أطباء الأرواح والاجتماع فيهم.

قال الله تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: 149].

***

ص: 253

الخاتمة فى تجديد التحدى بتعاليم الوحى المحمدى، ودعوة شعوب الحضارة إلى الدين الإسلامى

تلك عقائد دين محمد وقواعد تشريعه، وأصول إصلاحه الدينى والاجتماعى والمالى والسياسى، مسرودة بالإجمال، مؤيدة بشواهدها من آيات القرآن، مجرّدة من حلل المبالغات الخطابية، وعاطلة من حلى الخلابة الشعرية، ونحن المسلمين نتحدّى الفلاسفة والمؤرخين من جميع الأمم، ولا سيما أحرار الإفرنج، بأن يأتونا بمثلها أو بما يقرب منها من تاريخ الأنبياء، وأشهر الحكماء، وأبلغ الأدباء، وأنبغ ساسة الأولين والآخرين مع صرف النظر عن كونه صلى الله عليه وسلم كان- كما بينا أولا وآخرا- أميا، وجاء بذلك كله بعد استكمال السن التى صرح علماؤهم بأن الإنسان يستحيل أن يبتدئ فيها علما أو فنا، أو يسن فيها شرعا أو يضع قانونا، أو أن ينهض فى العالم بانقلاب عظيم أو عمل خطير، مما لم يكن قد ظهر استعداده له وأخذ بمقدماته فى ريعان الصبا، وشرخ الشباب، وقد بينا الفرق العظيم بينه وبين موسى وعيسى أعظم

أنبياء بنى إسرائيل صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.

نتحداهم بهذا القرآن تحديا علميا إصلاحيا سياسيا فى أرقى عهد للبشر فى العلم الكسبى، مع صرف النظر عما كان من تحدى سلفنا بإعجاز عبارته وأسلوبها وبلاغتها العربية فى أرقى عصورها، ونتحداهم به تحديا عمليا من حيث إن تنفيذ محمد صلى الله عليه وسلم لإصلاحه فى تأثيره وسرعته وعمومه من أكبر المعجزات التى تفوق استعداد البشر، فكيف وقد اجتمع العلم والعمل.

وبيانه أن العلم مما يصلح به حال البشر فى أفرادهم وجماعاتهم وشعوبهم علم واسع يقل فى الأذكياء من يتقن المدون منه فى الكتب الذى يلقن فى المدارس، ثم يقل من يستطيع تنفيذ ما يتعلمه منه فى أمة يتولى أمر سياستها وإدارة الأحكام فيها، فهل فى الإمكان أن يوجد إنسان يضع هذا العلم ذا الشّعب الكثيرة، بل العلوم العالية، ثم يكون هو الذى يتولى تنفيذها وإصلاح أمة كبيرة بها، ويتم له النجاح فى ذلك بنفسه فى عصره؟.

إن هذا ليس فى استطاعة أحد من البشر، ولم يقع من أحد منهم فيما غير، وأصول هذا الإصلاح وفروعه محفوظة إلى اليوم وقد فسد أكثر البشر لتركهم الاهتداء بها!!

ص: 255

وأما تنفيذ محمد صلى الله عليه وسلم لهذه التعاليم فقد تم فى عشر سنين من تاريخ الهجرة الذى كان بدء حياة الحرية له ولمن آمن به، وقد ظل قبلها يدعو إلى أصولها المجملة عشر سنين أولا بالسر، ثم بالجهر مع احتمال الاضطهاد والإيذاء والتعذيب والتهديد بالقتل والنفى الذى اضطر المؤمنين إلى هجرة بعد هجرة، وبعد الهجرة بالتبع له صلى الله عليه وسلم صار لهم قوة فكان المشركون يعتدون عليهم ويقاتلون فى دار هجرتهم فكانوا فى حالة الحرب وقتال مع المشركين كافة، وكذا أهل الكتاب المجاورين له، وكان صلى الله عليه وسلم عقد لليهود معاهدة بتأمينهم على دينهم وأنفسهم وأموالهم بشرط ألا يظاهروا المشركين عليه، فنقضوا عهده المرة بعد المرة، وظاهروهم بل أغروهم بقتاله، فاضطر إلى قتالهم وإجلائهم من جواره فى الحجاز، وظل المسلمون فى نضال مع المشركين مدة ست سنين، مدافعين عن أنفسهم فى كل قتال دفاع الضعيف- المؤيد من الله- للأقوياء المخذولين، وفى أواخر السنة السادسة عقد معاهدة الحديبية مع المشركين على وضع القتال عشر سنين، ثم غدر المشركون ونقضوا العهد، فعادت حالة الحرب، وفتح المسلمون مكة عاصمة قريش الدينية والدنيوية، ومثابة جميع الأمة العربية، فى سنة ثمان من الهجرة، وحج النبى صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فى آخر سنة عشر، وأنزل الله تعالى عليه فى يوم عرفة منها: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: 3].

ففي عشر سنين تم توحيد الأمة العربية التى كانت أعرق أمم الأرض فى الشقاق والتفرق والعداء، وإنما كان ذلك بتأثير كتاب الله وتأييده عز وجل لرسوله كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: 62، 63]، وبما أعدّه الله تعالى له من إتمام مكارم الأخلاق، وما وفقه وأرشده إليه من حسن السياسة المبنية فى قوله تعالى:

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159]، وذلك أن العرب كانت أعصى خلق الله على الخضوع والطاعة والانقياد، لعراقتهم فى الحرية وشدّة بأسهم وعدم ابتلائهم بالملوك المستبدين القاهرين، والرؤساء الروحيين المسيطرين الذين يذللون الأمم ويخضعونها لكل ذى سلطان قوى.

فليدلنا علماء التاريخ العام على نبى من الأنبياء أو حكيم من الحكماء، أو ملك من

ص: 256

الملوك الفاتحين والمشرعين، ربّى أمة من الأمم فى عشر سنين أو عشرين، فجعلها أهلا لفتح الأمصار، والسيادة على الأمم الحضرية، وسياستها بالعدل والرحمة، وتحويلها عن أديانها ولغاتها بالإقناع وحسن القدوة، ولا نشترط أن تكون هذه الأمة التى علمها وهذبها ووحدها رجل واحد كالأمة العربية فى عتوها ولا أن يكون هذا الرجل أميّا كمحمد صلى الله عليه وسلم.

فأين الوحدة الجرمانية والوحدة الطليانية فى عصر العلوم والفنون والفلسفة والحضارة والقوانين ونظم الاجتماع والحرب، من الوحدة العربية المحمدية فى عهد الأمية والجاهلية؟

بل أين الوحدة الإسرائيلية، فى عهد الآيات والعجائب الكونية من الوحدة العربية الخاصة، ثم الوحدة الإسلامية العامة فى عهد آيات القرآن وعلومه الإلهية؟.

ثم نفّذ ذلك التشريع الأعلى، والهداية المثلى، خلفاء محمد الراشدون، وكثير من ملوك المسلمين الصالحين، بما شهد لهم به تاريخهم، واعترف لهم به المؤرخون المنصفون من الإفرنج وغيرهم، بالجمع بهما بين العدل والرحمة، وبأنهم جدّدوا بهما الحضارة الإنسانية ورقوها، وأحيوا العلوم والفنون الميتة وهذّبوها واستثمروها، وكانوا أساتذة العالم فيها.

ثم كان من قوة هذا الدين فى الحق والفضائل أن عادته جميع أمم الإفرنج وحاربته بجميع قواتها الصليبية- الهمجية منها والمدنية- ثم بعلومها وفنونها ونظمها المدهشة، ولا تزال تحاربه وتبذل الملايين من الدنانير لتحويل أهله عنه، بعد زوال قوة دوله، وغلبة الجهل على شعوبه، بجميع أساليب الدعوة المسماة بالتبشير، وبجميع وسائل القوة والنظام، وبمساعدة الملحدين فيه كالقاديانية، وتقترف دولهم وجمعياتهم الدينية فى ذلك من رذائل الظلم والبغى والكذب ما يتبرأ من مثله شرار المجرمين، ولم يستطيعوا له هدما، ولا أن ينصروا مسلما واحدا عرف الإسلام «1» .

قال الله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ

وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ

[التوبة: 32، 33].

(1) هذا ما نقله الدكتور مارديس المستشرق الفرنسى فى مقدمة تفسيره عن إجماع المبشرين كما تقدم فى مقدمة الطبعة الأولى.

ص: 257