الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كالنساء والأطفال والشيوخ، وبصرفها معظم ثروات شعوبها فى هذه السبل، وفى سبيل ظلمهم للشعوب الضعيفة التى ابتليت بسلطانها، وسلبها لثروتهم وحريتهم فى دينهم ودنياهم. فالعالم البشرىّ كلّه فى شقاء من سياسة هذه الدول الباغية الخبيثة الطويّة. وكل ما عقد من المؤتمرات لدرء أخطارها لم يزد نارها إلا استعارا، ولو حسنت نياتها وأنفقت هذه الملايين التى تسلبها من مكاسب شعوبها وغيرهم فى سبيل الإصلاح الإنسانى العام لبلغ البشر بها أعلى درجات الثراء والرخاء.
كل ما ذكر معلوم باليقين، فهو حق واقع ما له من دافع.
وإن من المعلوم من استقراء تاريخ هذه الحضارة المادية أن هذه الشرور كانت لازمة لها، ونمت بنمائها، فكان هذا برهانا على أنّ الفنون والعلوم البشرية المحضة غير كافية لجعل البشر سعداء فى حياتهم الدنيا، فضلا عن سعادتهم فى الحياة الآخرة، وإنما تتم السعادة لهم بهداية الدين، فالإنسان مدنّى الطبع، ومتديّن بالطبع، أو بالفطرة كما يقول الإسلام.
من أجل ذلك فكّر بعض عقلاء أوروبا وغيرهم فى اللجوء إلى هداية الدين وأنه هو العلاج لأدواء هذه الحضارة المادية والترياق لسمومها، وتمنوا لو يبعث فى الغرب أو فى الشرق نبىّ جديد بدين جديد يصلح الله بهدايته فسادها، لأنّ الأديان المعروفة لهم لا تصلح لهذا العصر وقد فسر حال جميع أهلها «1» ، وكان من يسمون دينهم دين المحبة، مصداقا لقول الله تعالى: فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [المائدة: 14].
بيد أنّ هؤلاء المفكرين لا يعرفون حقيقة دين القرآن، وهو الدين الإلهى العام، والمانع لهم من معرفته ثلاثة حجب تحول دون النظر الصحيح فيه، وعدم فهمهم للقرآن كما يجب أن يفهم، فأما الحجب دونه فهذا بيانها بالإيجاز.
الحجب الثلاثة بين حقيقة الإسلام وشعوب الإفرنج:
(الحجاب الأول): الكنيسة؛ أو الكنائس التى عادته منذ بلغتها دعوته، وطفقت تصوره بصور مشوهة باطلة، بدعاية عامة فيها من افتراء الكذب وأقوال الزور والبهتان ما لم يعهد مثله فى أهل ملة من البشر فى زمن من الأزمان، وألفت فى ذلك من الكتب والرسائل، والأغانى والأناشيد والقصائد، ما يعرف بطلانه كل مؤرخ مطلع على الحقائق، ثم إنها جعلت تشويهه ووجوب معاداته ركنا من أركان التربية والتعليم فى جميع مدارسها والمدارس
(1) أول من نقل لنا هذا الرأى جريدة السياسة منذ سنين ثم تكرر نقله.
التى يتولى خريجوها تعليم الناس فيها؛ فما من أحد يتعلم فيها من أتباعها إلا وهو يعتقد أن جميع المسلمين أعداء للمسيح والمسيحيين كافة. فيجب عليه عداوتهم ما استطاع.
والحق الواقع أن الإسلام هو صديق المسيحية المتمم لهدايتها، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الفارقليط روح الحق الذى بشر به المسيح عليه السلام «1» .
(الحجاب الثانى): رجال السياسة الأوروبية؛ فإنهم ورثوا عداوة الإسلام من الكنيسة وتلقوا مفترياتها فى الطعن عليه بالقبول، وضاعف هذه العداوة له والضراوة بحرية طمعهم فى استعباد شعوبه واستعمار ممالكهم.
وإذا كان رجال الدين قد ملئوا الدنيا كذبا وافتراء على الإسلام- ومن أسس الدين الصدق وقول الحق والحب والرحمة والعدل والإيثار- فأى شىء يكثر فعله على رجال السياسة وأساس بنائها الكذب، وأقوى أركانها الجور والظلم والعدوان، والقسوة والإثرة والخداع؟ وهو ما نراه بأعيننا ونسمع أخباره بآذاننا كلّ يوم فى المستعمرات الأوروبية بل نحن نعلم أنّ سبب افتراء رجال الدين على الإسلام هو السياسة لا الدين نفسه، وأن قاعدتهم المشهورة (الغاية تبرّر الوسيلة) سياسية لا إنجيلية، فما كان لدين أن يبيح الجرائم والرذائل باتخاذها وسيلة لمنفعة أهله وإن كانت دينية.
(الحجاب الثالث): سوء حال المسلمين فى هذه القرون الأخيرة؛ فقد فسدت حكوماتهم وشعوبهم، واستحوذ عليهم الجهل بحقيقة دينهم ومصالح دنياهم، حتى صاروا حجة لأعدائهم فيهما على أنه لا خير فيهم ولا فى دينهم، وأمكن هؤلاء الأعداء أن يفتنوا بهذه الحجة الداحضة أكثر من يتخرج فى مدارسهم السياسية الإلحادية، والدينية التنصيرية، من أبناء ملتهم أو جلدتهم ومن غيرهم، حتى نابت المسلمين أنفسهم أيضا، وهم يختارون من هذه النابتة الأفراد التى تتولى أعمال الحكومة والتعاليم فى مدارسها فى كل قطر خاضع لنفوذ دولهم الفعلى بأى اسم من أسمائه. من فتح وامتلاك وحماية واحتلال وانتداب أو لنفوذهم السياسى والتعليمى، كما فعلوا فى بلاد الترك وإيران، لتساعدهم على هدم كل شىء إسلامى فيها من اعتقاد وأدب وتشريع.
وقد كان السيد جمال الدين الأفغانى- حكيم الإسلام وموقظ الشرق- يرى أن هذا الحجاب أكثف الحجب الحائلة بين شعوب أوروبا الحرة والإسلام، ونقل لى الثقة عنه أنه
(1) راجع آخر الفصل 15 وأوائل (16: 12 - 14) من إنجيل يوحنا.