المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌5 - الحطيئة - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٢

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌العصر الإسلامى

- ‌الكتاب الأولفى عصر صدر الإسلام

- ‌الفصل الأولالإسلام

- ‌1 - قيم روحية

- ‌2 - قيم عقلية

- ‌3 - قيم اجتماعية

- ‌4 - قيم إنسانية

- ‌الفصل الثانىالقرآن والحديث

- ‌1 - نزول القرآن وحفظه وقراءاته

- ‌2 - سور القرآن وتفسيره فى العهد الأول

- ‌3 - اثر القرآن فى اللغة والأدب

- ‌4 - الحديث النبوى

- ‌الفصل الثالثالشعر

- ‌1 - كثرة الشعر والشعراء المخضرمين

- ‌2 - الشعر فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌3 - الشعر فى عصر الخلفاء الراشدين

- ‌4 - شعر الفتوح

- ‌الفصل الرابعالشعراء المخضرمونومدى تأثرهم بالإسلام

- ‌1 - كثرة المخضرمين المتأثرين بالإسلام

- ‌4 - لبيد

- ‌5 - الحطيئة

- ‌الفصل الخامسالنثر وتطوره

- ‌1 - تطور الخطابة

- ‌2 - خطابة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌3 - خطابة الخلفاء الراشدين

- ‌4 - الكتابة

- ‌الكتاب الثانىفى عصر بنى أمية

- ‌الفصل الأولمراكز الشعر الأموى

- ‌1 - المدينة ومكة

- ‌2 - نجد وبوادى الحجاز ونزوح قيس إلى الشمال

- ‌3 - الكوفة والبصرة

- ‌4 - خراسان

- ‌5 - الشام

- ‌6 - مصر والمراكز الأخرى

- ‌الفصل الثانىمؤثرات عامة فى الشعر والشعراء

- ‌1 - الامتزاج بالأمم الأجنبية وتعرّبها وأثر ذلك فى اللغة

- ‌2 - الإسلام وأثره فى موضوعات الشعر

- ‌3 - السياسة

- ‌4 - الحضارة

- ‌5 - الثقافة

- ‌6 - الاقتصاد وموقف العرب من الموالى

- ‌الفصل الثالثشعراء المديح والهجاء

- ‌1 - شعراء المديح

- ‌ نصيب

- ‌القطامى

- ‌2 - شعراء الهجاء

- ‌ ابن مفرّغ

- ‌ الحكم بن عبدل

- ‌3 - شعراء النقائض

- ‌4 - الأخطل

- ‌5 - الفرزدق

- ‌6 - جرير

- ‌الفصل الرابعشعراء السياسة

- ‌1 - شعراء الزبيريين

- ‌ ابن قيس الرقيات

- ‌2 - شعراء الخوارج

- ‌ عمران بن حطّان

- ‌الطّرمّاح

- ‌3 - شعراء الشيعة

- ‌ كثيّر

- ‌الكميت

- ‌4 - شعراء ثورة ابن الأشعث

- ‌ أعشى همدان

- ‌5 - شعراء بنى أمية

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل الصريح

- ‌ عمر بن أبى ربيعة

- ‌الأحوص

- ‌العرجى

- ‌2 - شعراء الغزل العذرى

- ‌ قيس بن ذريح

- ‌3 - شعراء الزهد

- ‌أبو الأسود الدّؤلى

- ‌4 - شعراء اللهو والمجون

- ‌أبو الهندى

- ‌5 - شعراء الطبيعة

- ‌ذو الرّمّة

- ‌6 - الرّجّاز

- ‌العجّاج

- ‌رؤبة

- ‌الفصل السادسالخطابة والخطباء

- ‌1 - ازدهار الخطابة

- ‌2 - خطباء السياسة

- ‌ زياد بن أبيه

- ‌3 - خطباء المحافل

- ‌ الأحنف بن قيس

- ‌4 - خطباء الوعظ والقصص

- ‌ الحسن البصرى

- ‌الفصل السابعالكتابة والكتّاب

- ‌1 - التدوين

- ‌2 - كثرة الرسائل المدوّنة

- ‌3 - كتّاب الدواوين

- ‌خاتمة

- ‌1 - خلاصة

- ‌2 - تعليق

الفصل: ‌5 - الحطيئة

الإسلام تعمق روحه، وأنه استشعر معانيه ومواعظه، فمضى يحيلها أبياتا وأشعارا، بل قصائد دينية، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن من أجود هذه القصائد لاميته المقيدة التى يقول فيها (1):

إن تقوى ربّنا خير نفل

وبإذن الله ريثى وعجل (2)

أحمد الله فلا ندّ له

بيديه الخير ما شاء فعل

من هداه سبل الخير اهتدى

ناعم البال ومن شاء أضلّ

فاكذب النفس إذا حدّثتها

إنّ صدق النفس يزرى بالأمل

غير أن لا تكذبنها فى التّقى

واخزها بالبرّ، لله الأجلّ (3)

ونراه يذكر فى هذه القصيدة رحلة له لعلها رحلته إلى الكوفة كما يذكر فقده لأربد ويبكيه. وعلى هذا النحو يظل لبيد بشعره الإسلامى مستمسكا بالعروة الوثقى زاجرا عن الدنيا وخدعها داعيا إلى أن يكفّ الإنسان عن سيئاته ومرغّبا له فى الباقيات الصالحات حتى يغتنم بقية أجله بخير عمله.

‌5 - الحطيئة

(4)

اسمه جرول. ولقّب بالحطيئة لقصره أو لدمامته، وقد ولد لأمة تسمى الضّراء، كانت لأوس بن مالك العبسى. ونشأ فى حجره مغموزا فى نسبه، وجعله ذلك قلقا مضطربا منذ أخذ يحسّ الحياة من حوله، وزاد فى اضطرابه وقلقه ضعف جسمه وقبح وجهه، إذ كانت تقتحمه العيون، ولم يكن فيه

(1) الشعر والشعراء 1/ 238 والديوان ص 174 وما بعدها.

(2)

النفل: العطية. الريث: البطء.

(3)

اخزها: سسها واقهرها.

(4)

انظر فى ترجمة الحطيئة ابن سلام ص 81 وما بعدها والشعر والشعراء 1/ 280 والأغانى (طبع دار الكتب) 2/ 157 والإصابة 2/ 63 والخزانة 1/ 408 وحديث الأربعاء لطه حسين (طبعة الحلبى) 1/ 153 وما بعدها. ونشر ديوانه فى إستانبول، ونشره جولد تسيهر والشنقيطى، وكذلك نشره نعمان أمين طه بمطبعة الحلبى، وسنعتمد على نشرته.

ص: 95

فضل شجاعة يستطيع أن يتلافى به هوان شأنه فى «عبس» على نحو ما صنع عنترة من قبله. ومن ثمّ نشأ يشعر بغير قليل من المرارة، ولعل هذا هو السبب فى غلبة الهجاء عليه.

ولما تيقظت فى نفسه موهبة الشعر لزم زهير بن أبى سلمى يعلمه إحكام صنعه على نحو ما كان يعلم ابنه كعبا. ومر بنا أن الحطيئة كان يروى شعر كعب أيضا، وأنه طلب إليه أن ينوّه به، حتى يدور على الألسنة ذكره. ومعنى ذلك أن الحطيئة من مدرسة زهير التى كانت تعنى بالتعبير وصقله وتصفيته من كل شائبة، كما كانت تعنى بالمعانى ودقتها.

ويضيئ الإسلام فى الجزيرة، فلا يسارع إليه، ومن هنا اختلف الرواة هل قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة فأعلن إسلامه على شاكلة كعب، أو أنه تأخر فى اعتناقه الإسلام، حتى توفّى الرسول الكريم. ونراه يسارع إلى الرّدّة، معينا بشعره المرتدّين ضد أبى بكر وخلافته، حتى ليقول:

أطعنا رسول الله إذ كان بيننا

فيا لعباد الله ما لأبى بكر

أيورثها بكرا، إذا مات، بعده

فتلك، وبيت الله، قاصمة الظهر

على أن من الرواة من نسب هذين البيتين إلى غيره (1). وقد عاد مع المرتدين إلى الإسلام.

وجمهور شعره يدور فى المديح والهجاء، ويقول الأصمعى:«كان الحطيئة جشعا سؤولا ملحفا دنئ النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيلا، قبيح المنظر، رثّ الهيئة، مغموز النسب، فاسد الدين، وما تشاء أن تقول فى شاعر من عيب إلا وجدته، وقلما تجد ذلك فى شعره» (2). وقد يكون الأصمعى بالغ فى نعته بهذه الصفات، وحقّا كان يمدح سادة القبائل بشعره منذ نشأ فى الجاهلية من أمثال عيينة بن حصن الفزارى وزيد الخيل، وكان يتورط فيما

(1) انظر الطبرى 2/ 477 حيث نسب البيتين إلى أخيه الخطيل وقارن بالديوان ص 329 والأغانى 2/ 157.

(2)

أغانى (دار الكتب) 2/ 163.

ص: 96

بينهم من خصومات ومنافرات، إذ نراه يقف فى صف عيينة بن حصن حين نافر ابن عمه زبّان بن سيار، كما نراه يقف فى صف علقمة بن علاثة حين نافر عامر بن الطفيل (1). وكان غيره من الشعراء يصنعون صنيعه، فقد كان الأعشى ولبيد يقفان فى صف عامر. وقد تكون حادثته مع الزّبرقان بن بدر هى التى شوهته، ذلك أنه لقيه فى عهد عمر بن الخطاب يؤمّ المدينة، وكان على صدقات قومه، فلما عرفه دلّه على داره حيث زوجه وعشيرته، فنزل بأهله، وفزع بنو أنف الناقة-إذ كانوا ينافسون عشيرة الزبرقان-حين علموا ذلك، وعملوا على أن يفسدوا العلاقة بينه وبين زوج الزبرقان، وكانت قد تراخت فى استقباله. وأتيحت بذلك الفرصة لبنى أنف الناقة، فضموا الحطيئة إليهم وبالغوا فى إكرامه، وانطلق يثنى عليهم ثناء رائعا معرّضا بالزبرقان بمثل قوله يخاطبه:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى (2)

ورفع الزبرقان أمره إلى عمر، فحكّم حسان بن ثابت فيه، فلما حكم بأنه هجاه حبسه. وأخذ الحطيئة يستعطفه بأبياته المشهورة التى يقول فيها:

ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ

زغب الحواصل لا ماء ولا شجر (3)

ألقيت كاسبهم فى قعر مظلمة،

فاغفر عليك سلام الله يا عمر

ولان له قلب عمر. فعفا عنه بعد أن أخذ عليه العهد أن لا يعود إلى الهجاء ويقال إنه اشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم (4).

ونحن إذا قرأنا أشعاره المختلفة التى عرض فيها للزّبرقان وجدناه لا يقذع فى هجائه، إنما يمسّه على نحو ما رأينا فى بيته السالف برفق، عامدا إلى التهكم والسخرية. ولا نشك فى أن الإسلام هو الذى خفّف من حدة لسانه، ونراه يصرّح بذلك إذ يقول (5):

(1) ابن سلام ص 93 وما بعدها.

(2)

يريد المطعوم المكسو.

(3)

ذو مرخ: واد بالحجاز. الأفراخ: سغار الطير شبه بها أولاده. زغب الحواصل: لم ينبت على حواصلهم سوى الزغب القصير، كناية عن صغرهم وأنهم لا يقوون على الطيران.

(4)

انظر فى القصة الأغانى 2/ 179 وما بعدها.

(5)

الديوان ص 98.

ص: 97

ولما أن مدحت القوم قلتم

هجوت ولا يحلّ لك الهجاء

ألم أك مسلما فيكون بينى

وبينكم المودّة والإخاء

ولم أشتم لكم حسبا ولكن

حدوت بحيث يستمع الحداء

فهو يذكر حرمة الإسلام، ويتذمم بها، ويقول إنه حين مدح بنى أنف الناقة وحدا بهم فسمعه قوم الزبرقان جعلوا ذلك ذمّا لهم وهجاء، لمدحه خصومهم. ونراه يولّى وجهه نحو علقمة بن علاثة، لينشده إحدى مدائحه فيه، ولكن الموت يسبقه إليه فيجزل له ابنه فى العطاء. ويتجه نحو العراق فى عهد عثمان. فيمدح الوليد بن عقبة واليه على الكوفة، ويذود عنه حين يطعن عليه أهلها. وقد حملت عليه أبيات فى ذمه. ويمدح من بعده سعيد بن العاص الذى خلفه فى تلك الولاية، كما يمدحه فى ولايته لمعاوية على المدينة (49 - 55 هـ). ونرى أهلها يجمعون له من أموالهم خشية معرة لسانه. والمظنون أنه توفّى فى ولاية سعيد آنفة الذكر.

وقد كان على شاكلة زهير يعنى بشعره وتجويده عناية شديدة، وقد أثر عنه أنه كان يقول:«خير الشعر الحولىّ المحكّك» فهو ممن كان يتأنّون فى شعرهم، ويعيدون فيه النظر، حتى تخرج جميع الأبيات مستوية فى الجودة والروعة.

ولعل ذلك ما جعله يكثر من المقطّعات، ونراه فى مطوّلاته يشبّب ويصف الصحراء وحيوانها الوحشى والأليف. ومدائحه لا تقل عن مدائح زهير جودة على شاكلة قوله فى بنى أنف الناقة:

يسوسون أحلاما بعيدا أناتها

وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدّ

أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا

وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا

وكانوا يعيّرون باسمهم، فما هو إلا أن قال معرّضا بالزبرقان وعشيرته:

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم

ومن يسوّى بأنف الناقة الذّنبا

ص: 98

حتى أصبح اللقب فخرا لهم. وتروى له أهاج فى زوج أمه وفى أمه وفى ضيفانه. وكلها مزاح. حتى لنراه يمزح مع نفسه، فيقول:

أرى لى وجها شوّه الله خلقه

فقبّح من وجه وقبّح حامله

أما بخله الذى أشار إليه الأصمعى والرواة، فقد غسله بكثرة مديحه للكرم، وبقصيدته «وطاوى ثلاث» (1) وفيها يصور أعرابيّا فقيرا نزل به ضيف، وعياله من حوله يتضوّرون جوعا، فهمّ أن يذبح له أحدهم، لولا أن عنّت له أتان وحشية، فصادها وأطعمها ضيفه. والقصيدة رائعة فى وصف غريزة الكرم العربية.

والحق أن الرواة بالغوا فى اتهامه بالبخل ودناءة النفس، كما بالغوا فى اتهامه بفساد الدين، قد يكون رقيقه ولكنه ليس فاسده، فقد كان يستشعره فى الهجاء بشهادة لسانه كما قدمنا. ونراه فى مديحه يكثر من ذكر جزاء الله لممدوحه على ما يقدم له من برّه على شاكلة قوله فى بعض ممدوحيه:

فليجزه الله خيرا من أخى ثقة

وليهده بهدى الخيرات هاديها

وقد يستهل المدح بالثناء على الله فى مثل قوله:

الحمد لله إنى فى جوار فتى

حامى الحقيقة نفّاع وضرّار

وقال أبو عمرو بن العلاء: لم تقل العرب بيتا قط أصدق من بيت الحطيئة (2):

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

لا يذهب العرف بين الله والناس

ولعل فى ذلك ما يدل على أنه حسن إسلامه، وأبلغ فى الدلالة على ذلك قوله فى وصف التقى والعمل الصالح (3):

ولست أرى السعادة جمع مال

ولكن التقىّ هو السعيد

وتقوى الله خير الزاد ذخرا

وعند الله للأتقى مزيد

(1) الديوان ص 395 وما بعدها.

(2)

أغانى 2/ 173.

(3)

أغانى 2/ 175 والديوان ص 393.

ص: 99

فالسعادة فى رأيه ليست فى الدنيا وأموالها ومتاعها الزائل، وإنما هى فى الآخرة ونعيمها ومتاعها الخالد الذى لا ينال إلا بالتقوى، فهى السعادة الحقيقية.

ومعنى ذلك أن الإسلام لم يظل بعيدا عن روح الحطيئة، بل أخذ يرسل فيها مثل هذه الإشعاعات النيرة.

6 -

النابغة (1) الجعدىّ

هو عبد الله (2) بن قيس من بنى جعدة العامريين، ولد بالفلج جنوبى نجد، ولما شبّ اضطرب فيما يضطرب فيه قومه من حروب، ويقال إنه ظل ثلاثين عاما فى الجاهلية لا ينطق الشعر ثم تفجّر على لسانه، فسمّى النابغة لنبوغه فيه بأخرة، ويقال إن نبوغه فيه إنما كان فى الإسلام.

والنابغة الجعدى فى جاهليته مثل لبيد يتغى بمفاخر قومه وانتصاراتهم فى حروبهم ويهجو خصومهم وخاصة بنى أسد الذين قتلوا أخا له فى بعض حروبهم مع قبيلته، وقد بكاه كثيرا، ومن بكائه فيه قصيدته التى يؤبّنه فيها بقوله (3):

فتى كملت أخلاقه غير أنه

جواد فما يبقى من المال باقيا

فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه

على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا

ويقال إنه كان يفد بشعره على اللخميين فى الحيرة. ولما أخذت وفود العرب تفد على الرسول صلى الله عليه وسلم معلنة إسلامها وفد عليه مع قومه سنة تسع للهجرة وأنشده قصيدة يقول فيها:

(1) انظر فى ترجمة النابغة: الشعر والشعراء 1/ 247 وابن سلام ص 103 وما بعدها والأغانى (طبعة دار الكتب) 5/ 1 وما بعدها وأسد الغابة 5/ 2 والاستيعاب ص 320 والإصابة 6/ 218 وأمالى المرتضى 1/ 263 والمعمرين ص 64 والخزانة 1/ 512 والموشح ص 64. وقد جمعت ماريا نالينو أشعاره ونشرتها فى روما سنة 1953.

(2)

اختلف المؤرخون فى اسمه هل هو عبد الله ابن قيس أو قيس بن عبد الله أو حبان بن قيس.

(3)

الشعر والشعراء 1/ 252 والديوان ص 123.

ص: 100

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا

وإنا لنبغى فوق ذلك مظهرا

فقال له الرسول الكريم: فأين المظهريا أبا ليلى؟ فأجابه: الجنة. وأعجب الرسول بشعره ومنطقه، فقال له: لا يفضض الله فاك (1).

ويظنّ أنه لم يرجع مع قومه إلى منازلهم، بل أقام فى المدينة مهاجرا، حتى إذا كانت الفتوح خرج مع العرب ميمما نحو الشرق والفرس مجاهدا فى سبيل الله ونشر الدعوة المحمدية. وقد أخذ يضيف إلى رائعته التى أنشدها الرسول أبياتا كثيرة، تصور حياته فى الإسلام وابتغاءه رضوان الله بجهاده وتقواه جميعا يقول (2):

أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى

ويتلو كتابا كالمجرّة نيّرا (3)

وجاهدت حتى ما أحسّ ومن معى

سهيلا إذا مالاح ثمّت غوّرا (4)

أقيم على التقوى وأرضى بفعلها

وكنت من النار المخوفة أوجرا (5)

وعاد إلى المدينة وتشوّق إلى منازل قومه فى البادية، فاستأذن عثمان فى الإلمام بهم فأذن له، حتى إذا نشبت الحروب بين على ومعاوية وجدناه فى صفوف على بصفّين، يرجز بخصومه وينظم الأشعار فى مديحه وهجاء معاوية من مثل قوله (6):

قد علم المصران والعراق

أن عليّا فحلها العتاق (7)

إن الألى جاروك لا أفاقوا

لهم سياق ولكم سياق

قد علمت ذلكم الرّفاق

سقتم إلى نهج الهدى وساقوا

إلى التى ليس لها عراق

فى ملّة عادتها النّفاق (8)

(1) أغانى 5/ 8

(2)

أغانى 5/ 9 والديوان ص 33 وما بعدها.

(3)

المجرة: مجموعة من النجوم الصغيرة ينتشر ضوءها فيرى كأنه بقعة بيضاء.

(4)

غور النجم: غاب.

(5)

أوجر: خائف.

(6)

أغانى 5/ 31 والديوان ص 133.

(7)

المصران: الكوفة والبصرة. العتاق: الكريم.

(8)

التى ليس لها عراق: التى لا تعرف لها غاية.

ص: 101

ولعل هذا هو الذى جعله يصطدم بكعب بن جعيل شاعر معاوية.

ويروى أنه لما قتل على وتحولت الخلافة إلى معاوية كتب إلى مروان عامله على المدينة أن يأخذ أهله وأمواله، فاستعطفه بأبيات ألانت قلبه فعفا عنه.

ونراه يقف دائما مع قومه، حتى ليضطر أبو موسى الأشعرى والى البصرة لعمر أن يضربه أسواطا، وكأنما كانت فيه بقية من عصبيته الجاهلية. ولا نشك فى أن هذه البقية فيه هى التى دفعته إلى الاصطدام بأوس ابن مغراء، ويقول ابن سلاّم إنه غلب عليه ولم يكن إليه فى الشعر ولا قريبا.

ونزل مع قومه بأصبهان، وهناك نراه يتهاجى مع سوّار بن أوفى القشيرى، وتتصدى له زوجه ليلى الأخيلية، ويغلبان عليه جميعا. وهما أيضا لم يكونا إليه فى الشعر، وربما كان لتعمق الإسلام فى نفسه أثر فى تلك الهزائم، إذ كان يتحرج من المضى فى الهجاء المقذع، ويقول ابن سلام إن الأخطل هجاه بأخرة. ولما دعا ابن الزبير لنفسه فى أواخر خلافة يزيد بن معاوية قدم عليه فى مكة ومدحه بقصيدة رائعة يقول فيها (1).

حكيت لنا الصّدّيق لما وليتنا

وعثمان والفاروق فارتاح معدم

وسوّيت بين الناس فى العدل فاستووا

فعاد صباحا حالك الليل مظلم

وأثابه ابن الزبير ثوابا جزيلا. وعاد إلى أصبهان، غير أنه لم يلبث أن توفّى بها عن سن عالية سنة خمس وستين. وهو بلا شك من المعمرين، غير أن الرواة بالغوا فى ذلك حتى قالوا إنه أقدم من النابغة الذبيانى وأنه عمّر مائة وثمانين سنة بل تزيد، مستشهدين بما أضيف إليه من مثل قوله (2):

تذكّرت شيئا قد مضى لسبيله

ومن عادة المحزون أن يتذكّرا

نداماى عند المنذر بن محرّق

أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا

والمنذر بن محرق هو المنذر بن ماء السماء الذى قتل فى بعض حروبه مع الغساسنة سنة 556 للميلاد، ولا شك فى أن هذا الشعر مصنوع عليه.

(1) الكامل للمبرد (طبعة رايت) ص 704 والديوان ص 137.

(2)

أغانى 5/ 6

ص: 102

ومن المحقق أن النابغة كان أحد الشعراء الذين استضاءوا بالإسلام وتعاليمه الروحية، وقد خرج يجاهد فى سبيل الله، وهو يتلو القرآن آناء الليل وأطراف النهار، فكان طبيعيّا أن يستلهمه فى شعره. وهو من هذه الناحية من خير الأمثلة على أثر الإسلام فى شعر المخضرمين ومدى هذا الأثر، إذ عبّر فى غير قصيدة عن خشية الله وتقواه من مثل قوله (1):

منع الغدر فلم أهمم به

وأخو الغدر إذا همّ فعل

خشية الله وأنّى رجل

إنما ذكرى كنار بقبل (2)

وهو دائم الحديث عن نعمة الله عليه بالإسلام، وتحوله من ظلمات الوثنية إلى أضواء الدين الحنيف، يقول (3):

عمّرت حتّى جاء أحمد بالهدى

وقوارع تتلى من القرآن

ولبست مل الإسلام ثوبا واسعا

من سيب لا حرم ولا منّان (4)

وليس كل ما نجده عنده من أثر الإسلام أبياتا مفردة تتخلل قصائده، فإن له موعظة بليغة رواها غير راو، وهى تطّرد على هذا النمط (5):

الحمد لله لا شريك له

من لم يقلها فنفسه ظلما

المولج الليل فى النهار وفى اللّي

ل نهارا يفرّج الظّلما

الخافض الرّافع السماء على ال

أرض ولم يبن تحتها دعما (6)

الخالق البارئ المصوّر فى ال

أرحام ماء حتى يصير دما

من نطفة قدّها مقدّرها

يخلق منها الأبشار والنّسما

ثمّ عظاما أقامها عصب

ثمّت لحما كساه فالتأما

ثم كسا الرّأس والعواتق أب

شارا وجلدا تخاله أدما (7)

(1) الديوان ص 81 وانظر الحيوان 3/ 504.

(2)

القبل: النشز من الأرض يستقبلك ورأس كل أكمة أو جبل.

(3)

الديوان ص 137 وأمالى المرتضى 1/ 266.

(4)

مل الإسلام: من الإسلام. سيب: عطاء. حرم: مناع.

(5)

الشعر والشعراء 1/ 253 وانظر الديوان ص 102.

(6)

دعم: دعائم وعمد.

(7)

العواتق: جمع عاتق وهو المنكب.

ص: 103

والصّوت واللّون والمعايش وال

أخلاق شتّى وفرّق الكلما

ثمّت لا بدّ أن سيجمعكم

والله، جهرا، شهادة قسما

فائتمروا الآن ما بدا لكم

واعتصموا إن وجدتم عصما

فى هذه الأرض والسماء، ولا

عصمة منه إلا لمن رحما

يا أيها الناس هل ترون إلى

فارس بادت، وخدّها رغما (1)

أمسوا عبيدا يرعون شاءكم

كأنما كان ملكهم حلما

أو سبأ الحاضرين مأرب إذ

يبنون من دون سيله العرما

فمزّقوا فى البلاد واعترفوا ال

هون وذاقوا البأساء والعدما (2)

وبدّلوا السّدر والأراك به ال

خمط وأضحى البنيان منهدما (3)

والنابغة فى مطلع هذه العظة يثنى على الله بما هو أهله، مقررا إيمانه بوحدانيته وأنه لا شريك له، ونحسّ أنه يستعير لفظه من الذكر الحكيم، فهو يستهل قوله بكلمة «الحمد لله» ولا يلبث أن يستلهم مثل قوله تعالى:{إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»} . ويتحدث فى البيت الثانى عن نظام الكون المنبئ عن قدرة الله وجليل صنعه له وتقديره على نظام بديع، مستعيرا من القرآن نفس لفظه فى قوله جلّ وعز:{(قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ. .} {.}

{بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ).}

وفى البيت الثالث مضى ينظم قوله تعالى: {(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها).} وخرج فى البيت الرابع من خلقه للكون إلى خلقه للإنسان واستمر ينظم مثل قوله جلّ وعز: {(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ).} وهو يمضى فيتحدث عن البعث والنشأة الثانية محذرا مخوما. وما يلبث أن يتحدث عن

(1) رغم الخد: كناية عن الذل.

(2)

اعترفوا الهون: عرفوه.

(3)

السدر والأراك: شجر لا ينتفع بثمره الخمط: ثمر الأراك أو هو نبت مر.

ص: 104

القرون والأمم البائدة مكملا بذلك العظة والعبرة، بالضبط على نحو ما نقرأ فى القرآن من حديث عما أصاب الأمم الباغية من هلاك، وقد اقتبس منه ما جاء فيه عن دولة سبأ اقتباسا تتطابق فيه الألفاظ واقرأ قوله تعالى:{(لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ. .} {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا. .} {وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)} ، فإنك تجده قد نظم الآيات الكريمة فى أبياته الثلاثة الأخيرة.

وأكبر الظن أنه قد اتضح اتضاحا لا لبس فيه أن أهل نجد والبوادى كان مثلهم مثل أهل الحواضر حين دخلوا فى الإسلام فقد تمثلوه وتألقت أضواؤه فى صدورهم وفى أشعارهم، حتى لتتحول جوانب منها إلى مواعظ خالصة ينفّرون فيها الناس من الدنيا ونعيمها الفانى، حاثّين لهم على التزود بالتقوى والعمل الصالح.

ص: 105