الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان لا يزال يكثر من حديث الموت، وأنه نازل عما قريب، فينبغى لكل إنسان أن يعدّ العدّة للرحيل، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من عمل عملا صالحا، ومن قوله فى ذلك:
إذا الجسد المعمور زايل روحه
…
خوى وجمال البيت يا نفس آهله
وقد كان فيه الروح حينا يزينه
…
وما الغمد لولا نصله وحمائله
إذا الأرض خفّت بعد ثقل جبالها
…
وخلّى سبيل البحريا نفس ساحله
فلا يرتجى عونا على حمل وزره
…
مسئ وأولى الناس بالوزر حامله
ونراه يدعو إلى الرضا بقضاء الله، فلا معدى عنه، ولا منصرف إلا إليه، وأولى بنا أن نصبر وأن لا نجزع، وهو يردد ذلك فى أشعاره على شاكلة قوله:
وإن جاء مالا تستطيعان دفعه
…
فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا
ويظهر أنه كان شاعرا مكثرا، يدل على ذلك قول الجاحظ واصفا زهدياته:
«لو أن شعر سابق البربرى كان مفرقا فى أشعار كثيرة لصارت تلك الأشعار أرفع مما هى عليه بطبقات. . ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالا لم تسر.
ومتى لم يخرج السامع من شئ إلى شئ لم يكن لذلك عنده موقع».
4 - شعراء اللهو والمجون
رأينا فى غير هذا الموضع كيف تحضر العرب فى هذا العصر، وكيف أن كثيرين منهم أترفوا ترفا شديدا، إذ أحاطوا أنفسهم بكل مظاهر النعيم من قصور باذخة ومطاعم وملابس أنيقة، وجوار ورقيق. ودائما حين تغرق الأمم فى الترف يتورط كثير من أبنائها فى آثام مختلفة من اللهو والمجون، وإذا كنا لاحظنا فيما أسلفنا انتشار موجة من الزهد فى العصر كان لها آثار عميقة فى
الشعر والشعراء فإن هذه الموجة انحسرت عن كثير من الأفراد إذ الناس ليسوا سواسية، منهم من يجد فى الدين ومثاليته الروحية متاعه، ومنهم من ينحرف عن الدين إلى حياة ماجنة يتهالك فيها على اللهو والخمر.
ومعروف أن الإسلام حرّم الخمر، وأن عمر شدّد فى عقابها حين وجد بعض المسلمين يقترفونها من مثل أبى محجن الثقفى، وقصة صلاة الوليد بن عقبة والى الكوفة لعثمان بالناس وهو سكران مشهورة. غير أن أمثاله وأمثال أبى محجن فى عصر الخلفاء الراشدين كانوا قليلين. ونحن لا نمضى فى عصر بنى أمية، حتى تظهر آثار الفتوح وما حملت من أموال وحضارات وصور من الترف إلى العرب، فتحضرت مكة والمدينة، بل أترفتا، وتحضر العرب الذين خرجوا فى الفتوح واستقروا فى البيئات الجديدة، وأخذ كثير منهم يندفع فى الاستمتاع بالحياة، وبالغ نفر فى هذا الاستمتاع، متحررا من قوانين الدين. وكلما تقدمنا فى العصر ازداد ذلك قوة وحدة، وخاصة فى البيئات.
البعيدة التى رحل إليها العرب، وظهروا على ما فيها من خمور، وأقصد بيئة خراسان، حيث كانت تزخر بالخمر وبالطبول والمزامير، وقد مرّ بنا كيف أن واليا عليها-هو قتيبة بن مسلم-اضطرّ حين وجد تفشى الخمر فى جنده أن يعاقب على احتسائها بالقتل.
والحق أنها كانت تنتشر فى كل البيئات، وقلما نجدها فى مكة والمدينة حيث كانت تنتشر دور الغناء. ومن الشعراء الذين نهلوا من كئوسها فى هذه البيئة لعهد معاوية ابن أرطاة (1)، وعبثا حاول مروان بن الحكم والى المدينة أن يردّه عنها، وفيها يقول:
إنا لنشربها حتى تميل بنا
…
كما تمايل وسنان بوسنان
ومنهم عبد الرحمن بن الحكم (2) الذى كان يهاجى عبد الرحمن بن حسان، وفيها يقول:
(1) راجع فى ابن أرطاة الأغانى (طبع دار الكتب) 2/ 242 وما بعدها.
(2)
انظر فى ترجمته أغانى (دار الكتب) 13/ 259 وراجع المبرد ص 52 والبيان والتبيين 3/ 348.
ترى شاربيها حين يعتورانها
…
يميلان أحيانا ويعتدلان
وممن كانوا يحتسونها فى هذه البيئة لأواخر العصر ابن ميّادة (1) مادح الوليد ابن يزيد بن عبد الملك ونديمه، وهو من مخضرمى الدولتين، وفيها يقول:
ومعتّق حرم الوقود كرامة
…
كدم الذّبيح تمجّه أوداجه (2)
ضمن الكروم له أوائل حمله
…
وعلى الدّنان تمامه ونتاجه (3)
ومثله ابن هرمة (4)، وكان مشغوفا بها كلفا، وهو القائل:
أسأل الله سكرة قبل موتى
…
وصياح الصّبيان يا سكران
وإذا تركنا الحجاز إلى العراق وجدنا كثيرين يقبلون على الخمر فى غير حياء ولا استخفاء، وكأنما كانت الفتن هناك وما حمّلتهم من الخطوب باعثا لهم على المجون، حتى ينسوا به عناءهم، ومن ثم مضى نفر منهم يعلن معاقرته لها، وأنه لن ينصرف عنها، على شاكلة سحيم (5) بن وثيل الرياحى التميمى، وكان فيه غير قليل من بقايا الجاهلية، وأكبر الدلالة على ذلك معاقرته لغالب أبى الفرزدق التى مرت بنا، والتى مضى فيها ينافسه فى نحر إبله لقومه، ويظهر أنه كان يكثر من الشراب كثرة جعلت امرأته حدراء تراجعه وتكثر من مراجعته، فقال:
تقول حدراء ليس فيك سوى ال
…
خمر معيب يعيبه أحد
فقلت: أخطأت بل معاقرتى ال
…
خمر وبذلى فيها الذى أجد
(1) انظر فى ترجمته أغانى (دار الكتب) 2/ 261 والشعر والشعراء 2/ 747 والخزانة 1/ 76 والبيان والتبيين 3/ 343.
(2)
المعتق: الشراب القديم. حرم الوقود: لم يطبخ بالنار. الأوداج: جمع ودج وهو عرق فى العنق.
(3)
تمامه: يقصد تمام مدة حمله.
(4)
راجع فى ترجمته أغانى (دار الكتب) 4/ 367 والشعر والشعراء 2/ 729 والخزانة 1/ 203 والموشح ص 223.
(5)
انظر فى ترجمته ابن سلام ص 489 والإصابة 3/ 164 والخزانة 1/ 123 والشعر والشعراء 2/ 626.
هو الثناء الذى سمعت به
…
لا سبد مخلدى ولا لبد (1)
ويحك لولا الخمور لم أحفل ال
…
عيش ولا أن يضمّنى لحد (2)
هى الحيا والحياة واللهو لا
…
أنت ولا ثروة ولا ولد
ويقف السرادق الذّهلى هذا الموقف نفسه من ابنته، فيعلن أنه لن يكف عنها، إذ صارت له غذاء لا يستطيع الصبر عنه (3). ويلقانا فى عهد زياد بن أبيه حارثة (4) بن بدر أحد عماله وخلصائه ومدّاحه، كلفا بها كلفا شديدا، وله فيها أشعار كثيرة رواها أبو الفرج فى ترجمته يجاهر فيها بأنه لن يكفّ عنها، مهما أكثر لائموه، على شاكلة قوله:
يعيب علىّ الرّاح من لو يذوقها
…
لجنّ بها حتى يغيّب فى القبر
علام تذمّ الراح والراح كاسمها
…
تريح الفتى من همّه آخر الدهر
فلمنى فإنّ اللوم فيها يزيدنى
…
غراما بها إن الملامة قد تغرى
وكان يذهب مذهبه فى الإدمان عليها مالك بن أسماء صهر الحجاج الثقفى وواليه على أصبهان، وله فيها أشعار ساقها أبو الفرج فى ترجمته (5). ولعل عراقيّا لم يشتهر بها كما اشتهر الأقيشر (6) الأسدى وكان كوفيّا خليعا ماجنا، وفيها يقول:
أفنى تلادى وما جمّعت من نشب
…
قرع القواقيز أفواه الأباريق (7)
ويقول:
كميت إذا فضّت وفى الكأس وردة
…
لها فى عظام الشاربين دبيب
(1) لا سبد ولا لبد: مثل أى لا قليل ولا كثير.
(2)
اللحد: شق للميت فى جانب القبر.
(3)
الشعر والشعراء 2/ 670.
(4)
انظر ترجمته فى الأغانى (طبع الساسى) 21/ 13 وأمالى المرتضى 1/ 380 وما بعدها وراجع فهارس الكامل للمبرد والبيان والتبيين والطبرى.
(5)
انظر ترجمته فى الأغانى (ساسى) 16/ 40 والخزانة 2/ 485 ومعجم الشعراء ص 266 والموشح ص 220 والشعر والشعراء 2/ 756.
(6)
انظر فى ترجمة الأقيشر أغانى (دار الكتب) 11/ 251 والشعر والشعراء 2/ 541 ومعجم الشعراء ص 273 والخزانة 2/ 279 والموشح ص 221.
(7)
التلاد: المال القديم. النشب: الغقار والضياع. القواقيز: الكئوس وأوانى الخمر التى تشرب فيها.
وإذا مضينا إلى خراسان وسجستان وجدنا كثيرين يتورطون فيها، وكأنما كان تغلغلهم فى الشرق دافعا لهم إلى الإمعان فى المجون والتحرر من قوانين الدين، أو لعلهم كانوا يريدون أن يزيحوا بها عن كواهلهم ما كانوا يحسون به من آلام الغربة وعناء الحروب. ويروى البلاذرى أن ثلاثة نفر من أهل الكوفة كانوا فى جيش الحجاج الذى وجهه إلى الديلم، وكانوا يتنادمون، فمات أحدهم، فدفنه صاحباه، ومضيا يشربان عند قبره، فإذا بلغته الكأس أراقاها على القبر، وبكيا. ومات الثانى فدفنه صاحبه، وظل عند قبرهما يشرب ويبكى إلى أن لحق بهما، وقبورهم هناك تعرف بقبور الندماء (1). ومن الشعراء الذين اشتهروا بمعاقرتها والنظم فيها هناك الشّمردل (2) بن شريك، وكان قد خرج للغزو فى تلك الديار مع ثلاثة من إخوته. فماتوا جميعا ورثاهم رثاء حارّا، وكأنه كان يغرق فيها حزنه. ومنهم أبو جلدة اليشكرى الذى سبق أن عرضنا له فى شعراء ثورة ابن الأشعث، وكان يدمنها إدمانا ثم تاب عنها، فقال (3):
سأركض فى التقوى وفى العلم بعد ما
…
ركضت إلى أمر الغوىّ المشهّر
ونحن لا نصل إلى أواخر هذا العصر حتى تشتد موجة المجون فى خراسان والعراق جميعا، وخاصة الكوفة، حيث تنشأ جماعة كبيرة من المجان على رأسها مطيع وحماد الراوية وحماد عجرد ويحيى بن زياد، وهم جميعا ممن عاشوا فى الدولتين الأموية والعباسية، وهم من هذه الناحية أكثر صلة بالعصر العباسى منهم بالعصر الأموى، ولذلك رأينا أن نؤخر الحديث عنهم. على أنهم يلفتوننا فى قوة إلى تهالك الناس على المجون فى الكوفة فى أواخر العصر، تهالكا تحرروا فيه من كل خلق وعرف ودين. ولعل مما هيأ لهذا الانحلال الخلقى على الأقل عند بعض الأفراد فى هذا العصر أن بعض خلفاء بنى أمية المتأخرين جعلوا يقبلون على اللهو، يتقدمهم فى ذلك يزيد بن عبد الملك، وابنه الوليد الذى أكبّ على الخمر والمجون إكبابا، كما اكبّ على نظم الخمريات وهو وأبو الهندى شاعر سجستان أهم من عاشوا هذه الحياه الاجنة.
(1) فتوح البلدان ص 320.
(2)
انظر ترجمته فى أغانى (دار الكتب) 13/ 351 وما بعدها والشعر والشعراء 2/ 685
(3)
أغانى (دار الكتب) 11/ 230.
الوليد (1) بن يزيد
ولد لأبيه يزيد بن عبد الملك فى سنة 88 للهجرة، فتفتحت عينه على النعيم والترف، بل على اللهو والمجون، إذ كان أبوه كلفا بالخمر والغناء، حتى فى خلافته. إذ كان يستقدم مغنىّ مكة والمدينة ومغنياتهما، واشترى سلاّمة القس وحبابة، وانصرف عن شئون الدولة إليهما وإلى الغناء والطرب والقصف. وقد نشأ ابنه الوليد على مثاله، بل لقد أخذ يسرف فى المجون واللهو إسرافا شديدا، حتى فكر هشام بن عبد الملك الذى خلف أباه أن يصرف ولاية العهد عنه لفساد خلقه، ولكنه توفّى سنة 125 قبل أن يحقق فكرته. واستوى الوليد على عرش الخلافة. فإذا هو يحوّل قصره ببادية شرقى الأردن مقصفا كبيرا للخمر والعزف والغناء، إذ لم يترك مغنيا فى مكة والمدينة دون أن يستقدمه، وأخذ يعبّ من كئوس المجون عبّا، جعل أهله يتنكرون له، ويقتله ابن عمه يزيد بن الوليد فى جمادى الآخرة سنة 126 تؤازره اليمانية ثأرا لخالد القسرى وما كان من تعذيبه له وقتله.
وعلى هذا النحو يذهب ضحية مجونه، ومما لا شك فيه أنه كان ماجنا يعكف على الخمر والغناء، ويعيش للهو والصيد والقنص، حتى بعد خلافته، فقد ظل فى نفس الجو الماجن، الذى كان يتنفسه قبل اعتلائه عرش الخلافة، ومن ثم آثر قصره ببادية شرقى الأردن على دمشق مستقر الخلافة الأموية، ومضى يجلب إليه المغنين والمغنيات وآلات اللهو والطرب لا من الحجاز فقط. بل أيضا من خراسان، فقد أسلفنا فى غير هذا الموضع أنه كلّف نصر بن سيار أن يبعث إليه بما فى ولايته الخراسانية من الخيل والبراذين الفارهة وآلات الصيد، ومن أباريق الذهب والفضة وتماثيل السباع والظباء، ومن البرابط والطنابير والوصيفات والصنّاجات، فجمع له نصر من ذلك أشياء
(1) انظر فى ترجمة الوليد أغانى (دار الكتب) 7/ 1 وما بعدها والطبرى فى سنتى 125 و 126 وكتابنا التطور والتجديد فى الشعر الأموى ص 318 وحديث الأربعاء 1/ 169 وقد نشر ديوانه فى مطبوعات المجمع العلمى العربى بدمشق.
كثيرة، كانت موضع التندر بين الشعراء والأتقياء.
وينبغى أن لا نمضى مع الرواة فى كل ما تحدثوا به عن مجونه، إذ نراهم يجعلونه مانويّا زنديقا، يسخر بالقرآن الكريم بل يمزقه تمزيقا (1)، وفى الوقت نفسه تذكر بعض الروايات أنه قتل وهو يقرأ القرآن ويقول: يوم كيوم عثمان (2).
وفى الحق أن أبناء عمه من الأمويين كانوا أول من بالغ فى وصفه بالمجون، ثم جاء العباسيون بعدهم، فاستغلوه فى التشنيع على خلفاء بنى أمية، وأنهم انزلقوا إلى الدرك الأسفل من انتهاك ما حرّم الله ومن شرب الخمر وإتيان الفسق، بل الكفر جملة والخروج من حدود الدين. ونحن مع تنحيتنا لهذه المبالغات التى لعبت فيها السياسة دورا كبيرا نحتفظ للوليد بمجونه وعكوفه على اللهو والصيد والقنص وإدمانه للخمر ولهجه بالغناء لهجا مسرفا.
وكان الوليد شاعرا مبدعا، فأنفق شعره فى الخمر، وله أشعار فى الغزل والحب، ولكنها دون أشعار الخمر فى الإبداع والروعة، ويظهر أنه ثقف كل ما نظم فيها قديما، وخاصة عند عدى (3) بن زيد العبادى، وقد مضى ينميّه ويضيف إليه من مواهبه ومشاعره وملكاته ما أتاح لفن الخمريات أن يأخذ طريقه إلى الظهور، إذ لم تعد أشعار الخمر عنده توضع فى ثنايا قصيدة أو فى مقدمتها كما كان الشأن عند عدى وعند الأعشى، بل أصبحت تنظم فى مقطوعات، لها وحدتها الموضوعية والمعنوية، تنبض بالحياة وتخفق بالجذل والسرور، لسبب طبيعى، هو أن ناظمها عاشق للخمر، وهو ينظمها فى غمرة عشقه، وكأنما تفجّر له ينابيع الفرح تفجيرا. واقرأ له هذه الخمرية:
اصدع نجىّ الهموم بالطّرب
…
وانعم على الدّهر بابنة العنب
واستقبل العيش فى غضارته
…
لا تقف منه آثار معتقب
من قهوة زانها تقادمها
…
فهى عجوز تعلو على الحقب
(1) راجع الأغانى 7/ 46 وما بعدها، 7/ 72.
(2)
انظر الطبرى 5/ 551.
(3)
انظر الأغانى 7/ 65.
أشهى إلى الشّرب يوم جلوتها
…
من الفتاة الكريمة النّسب
فقد تجلّت ورقّ جوهرها
…
حتى تبدّت فى منظر عجب
كأنها فى زجاجها قبس
…
تذكو ضياء فى عين مرتقب
فهى فرحة الحياة ونعيمها، بل هى قبس سماوى يهبط بردا وسلاما على قلوب المحزونين، فيزيل ما فيها من أحزان وهموم، ويردها إلى نشوة الفرح والمسرة.
واقرأ أيضا هذه الخمرية:
علّلانى واسقيانى
…
من شراب أصبهانى
من شراب الشيخ كسرى
…
أو شراب القيروان
إن فى الكأس لمسكا
…
أو بكفّى من سقانى
أو لقد غودر فيها
…
حين صبّت فى الدّنان
كلّلانى توّجانى
…
وبشعرى غنّيانى
إنما الكأس ربيع
…
يتعاطى بالبنان
وحميّا الكأس دبّت
…
بين رجلى ولسانى
وهى تجرى أيضا فى نطاق الفرحة العميقة بالخمر، بل لعلها أقوى من سابقتها تعبيرا عن فرحته بها، فهى فى رأيه عطر الوجود بل ربيعه، وهو يتلظى بنشوتها التى تسرى فى جسده من فرعه إلى قدمه. وهو بحق يعدّ رائد العباسيين من أمثال أبى نواس فى هذا الفن من فنون الشعر، ولاحظ ذلك النقاد قديما فقال أبو الفرج:«وللوليد فى ذكر الخمر وصفتها أشعار كثيرة، قد أخذها الشعراء فأدخلوها فى أشعارهم، وسلخوا معانيها، وأبو نواس خاصة، فإنه سلخ معانيه كلها وجعلها فى شعره» .
ولم تستتم الخمرية عنده وحدتها الموضوعية والمعنوية وهذا الحب الذى يجعلها كاللهب المندلع فحسب، فإنها استتمت عنده أيضا التفاعل الحميم بين المعانى والألفاظ، بل بين المعانى والإيقاعات إذ كان عازفا محسنا، يحسن اللعب على أوتار العيدان والتوقيع على الطبول والدفوف، وله أصوات