الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذو الرّمّة
(1)
هو غيلان بن عقبة من بنى عدى بن عبد مناة، لقّب بذى الرمة لقوله فى بعض شعره يصف الوتد:«أشعث باقى رمّة التقليد» والرّمة: القطعة البالية من الحبل، وأضيفت إلى التقليد لأن الوتد يتقلد بها. وقيل: لقّب بذى الرمة لأنه كان-وهو غلام-يتفزّع، فأتت به أمه مقرئ قبيلته، فكتب له معاذة فى جلد غليظ، وعلّقتها أمه على يساره برمّة من حبل فسمّى ذا الرمة.
وقيل إن مية التى شغفت قلبه حبّا هى التى لقّبته بذلك حين ألمّ بخبائها وطلب منها أن تسقيه ماء، وكان على كتفه رمة، فلما أتته بالماء، وكانت لا تعرفه، قالت له:
اشرب يا ذا الرمة. وقد ولد بصحراء الدهناء بالقرب من بادية اليمامة، لأم من بنى أسد تسمى ظبية. وكان له ثلاثة إخوة كلهم شعراء، هم مسعود وأوفى وهشام، وفى بعض الروايات أن أوفى ابن عمه، أما أخوه الثالث فاسمه جرفاس.
وقد ولد حوالى عام 77 للهجرة، وتلقّن الكتابة، وليس بين أيدينا أخبار كثيرة عن نشأته الأولى، ونراه ينظم الشعر فى خلاف نشب بين قبيلته وعتيبة بن طرثوث بسبب بئر كانت لقومه، ومن ثم مضى يمدح المهاجر بن عبد الله والى اليمامة مثنيا على حكومته العادلة فى هذا الخلاف. ومن أخباره المتصلة بقبيلته أيضا أنه نزل مع نفر منها على عشيرة امرئ القيس بن عبد مناة، فلم يكرموهم، فانطلق يهجوهم، وكان ذلك سببا فى اصطدامه بشاعرهم المسمى هشاما المرئى، ولم يستطع هشام أن يثبت له لضعف شاعريته، على الرغم مما أمدّه به جرير من بعض الأشعار.
وتدل أخباره على أنه كان ينزل الكوفة والبصرة-ويطيل النزول فيهما-منذ مطالع القرن الثانى للهجرة مادحا رجالاتهما، وأول ما نستقبله من ذلك مديحه
(1) انظر فى ذى الرمة ابن سلام ص 465 وما بعدها والشعر والشعراء 1/ 506 وأغانى (ساسى) 16/ 106 وابن خلكان فى غيلان والموشح للمرزبانى ص 170 والخزانة 1/ 50 ومرآة الجنان اليافعى 1/ 253 وفهارس الأغانى والبيان والتبيين والحيوان والكامل للمبرد وأمالى المرتضى، وكتابنا «التطور والتجديد فى الشعر الأموى» ص 265 وقد نشر مكارتنى ديوانه فى كمبريدج سنة 1919
لهلال بين أحوز المازنى فى انتصاراته على المهالبة سنة 102 وقضائه على من بقى منهم بعد معارك مسلمة بن عبد الملك قضاء مبرما. وقد مدح عبد الملك بن بشر بن مروان نائب مسلمة على البصرة. وتولّى على العراق فى سنة 103 عمر بن هبيرة الفزارى فاتصل به ومدحه، حتى إذا خلفه خالد الفسرى منذ سنة 105 رأيناه يمدح نوابه ومن ولاهم الشرطة والأحكام، وعلى رأسهم نائبه أبان بن الوليد البجلى، ومالك بن المنذر بن الجارود صاحب شرطته. وأهم من مدحهم بلال ابن أبى بردة الأشعرى الذى ولى شئون الشرطة لخالد فى البصرة سنة 109، ثم ولى منذ سنة 110 أمور البصرة كلها: القضاء والصلاة والأحداث، وظل يليها إلى أن توفى الشاعر. وقد امتدت رحلاته فى طلب النوال إلى دمشق وخاصة فى عهد هشام بن عبد الملك، فله فيه غير قصيدة، كما امتدت إلى مكة حيث مدح واليها إبراهيم بن هشام المخزومى، ولما ولى فارس أبان بن الوليد قصده ومدحه.
وقد هجا فى بعض شعره حكيم بن عياش الكلبى الكوفى الذى كان يتعصب لليمن تعصبا مسرفا.
والعناصر الإسلامية واضحة فى شعر ذى الرمة، فهو يمدح بالتقوى ويهجو بالضلال، ودائما يذكر فى رحلاته الصحراوية التيمم والقصر فى الصلاة وتلاوة آى الذكر الحكيم، ويظهر أنه كان كثير الاختلاف إلى مجالس الوعّاظ والمتكلمين فى عصره، حتى لنراه يعتنق مذهب القدرية فى العدل على الله جل جلاله وفى حرية الإرادة، ويناقش رؤبة فى ذلك ويعلو عليه فى نقاشه (1)، ومما صدر فيه عن مذهبه قوله فى الغزل:
وعينان قال الله كونا فكانتا
…
فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
وقد تعرض له بعض من سمعوه ينشده، يقول: هلا قلت: فعولين، وكأنه لم يلتفت إلى أنه يتحرز بذلك من القول بخلاف العدل وأن عمل الإنسان وعمل جوارحه بإرادته. ويجمع معاصروه على أن كان ذكيّا ذكاء حادّا وأنه كان كنزا من كنوز الفطنة وذخائرها الدقيقة، كما كان كنزا من كنوز العلم بالشعر القديم واللغة، وقد شغف بشعر الراعى، حتى قالوا إنه كان راويته
(1) أمالى المرتضى 1/ 19
ولعله هو الذى ألهمه عنايته بالصحراء ووصف مناظرها الطبيعية، وقد مضى يتغناها إلى أن دفن فى أحضانها سنة 117 للهجرة.
وذو الرمة يتخلف فى المديح والهجاء جميعا عن فحول عصره أمثال الفرزدق وجرير، وكأن الطبيعة وما اقترن بها من حبه لم يبقيا فيه بقية. وملهمته الأولى فى الديوان ميّة بنت طلبة بن قيس بن عاصم، فقد رآها فى بعض رحلاته، فشغفت قلبه حبّا، وظل يتغنى باسمها وحبها فى كل مكان. وفى الديوان أخرى تسمى خرقاء، ولعله كان يكنى بها عن مية، وإن كان من الرواة من زعم أنها امرأة أخرى. وحبّ ذى الرمة حب عفيف كله أنين وزفرات ودموع وحنين بالغ من مثل قوله:
وقفت على ربع لميّة ناقتى
…
فما زلت أبكى عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثّه
…
تكلّمنى أحجاره وملاعبه (1)
وقوله:
وحبّها لى سواد الليل مرتعدا
…
كأنها النار تخبو ثم تلتهب
وقوله:
أدارا بحزوى هجت للعين عبرة
…
فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق (2)
وقوله:
أجل عبرة كادت لعرفان منزل
…
لميّة لو لم تسهل الماء تذبح
ولعل شاعرا عربيّا لم يكثر من وصف دموعه كما أكثر ذو الرمة، وعبثا كان يطفئ بها نيران الحب المندلعة فى قلبه لمية، وقد مضى يتعزّى عنها بمحرابها الذى كانت تعيش فيه، فإذا هو أكبر شاعر يتغنى بالصحراء العربية، وحقّا كان الشعراء قبله وحوله يصفونها، ولكنه امتاز منهم بأنه عشقها، عشق أيامها ولياليها ورمالها وكثبانها وآجامها وأعشابها وأشجارها وحيوانها الأليف والوحشى
(1) أسقيه: أدعو له بالسقيا.
(2)
حزوى: موضع بديار تميم. يرفض: يسيل. يترقرق: يسكن فى العين جائلا.
وكل ما يطوى فيها من آبار وسمائم وسراب وطير ورياح وكل ما يلمع فى سمائها من كواكب ونجوم وسحاب وغيوم.
وكأنما وجد ذو الرمة عشقه الحقيقى فى الصحراء، فإذا هو ينقل مناظرها إلى شعره فى لوحات رائعة، وارجع إلى القصيدة الأولى فى ديوانه التى يفتتحها بوصف دموعه التى تسيل دائما ولا تفتر، إذ يقول:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
…
كأنه من كلى مفريّة سرب (1)
فإنك ستراه يخص محبوبته بنحو عشرين بيتا، ثم يمضى فى نحو مائة بيت يصور ثلاثة مشاهد رائعة من مشاهد الصحراء التى كانت تبهج نفسه، أولها مشهد أتن الوحش وحمارها، وهو يقودها فى يوم حارّ إلى ماء بعيد، تصل إليه، وتهوى عليه تريد أن تشفى غلّتها، فيتعرض لها صائد مختف وراء الأشجار بسهامه، فتفرّ على وجهها، وتطيش سهامه، ودائما تطيش هذه السهام فى شعر ذى الرمة حبّا للحيوان. والمشهد الثانى مشهد ثور الوحش فى كناسه مكتنّا من المطر، وقد ترامت حوله حنادس الليل ووساوسه، وتتفلت أضواء الصباح فيخرج من كناسه للرعى وإذا بصائد قد أرسل عليه كلابه، فيمزقها إربا، وينكشف عنه همه وروعه. والمشهد الثالث مشهد الظليم وصاحبته يرعيان بعيدا عن أفراخهما، ويكفهرّ الجو، فيسرعان إليها خيفة أن يسقط عليها برد السماء أو بعض السباع. وذو الرمة فى المشاهد الثلاثة يشبه الرسامين الذين يحشدون فى لوحاتهم جميع الجزئيات والتفاصيل، فهو يجسّم صورة الحيوان وصورة الصحراء من حوله برمالها ومفازاتها وأعشابها ونباتاتها وغدرانها، وهو إلى ذلك يبثّ فى الحيوان مشاعر الإنسان وما يعتريه من وساوس وهواجس.
وقد صور فى الثور حين هاحمته الكلاب شعوره بعزته وكأنه يمثّل فيه البدوى وإحساسه بكرامته، كما صور فى الظليم وصاحبته عاطفة الأبوة والأمومة الرحيمة.
ولعل هذه أهم خاصة تميّز وصف الحيوان الوحشى عند ذى الرمة إذ يحمّله
(1) الكلى: الرقع فى عروة المزادة. مفرية: مقطوعة، يشبه عينه التى يسيل دمعها برقع المزادة اليالية التى لا تنى ترسل الماء.
عواطف الإنسان ومشاعره، ومن أروع ما يصور ذلك عنده قوله فى ظبية وابنها أو خشفها:
إذا استودعته صفصفا أو صريمة
…
تنحّت ونصّت جيدها بالمناظر (1)
حذارا على وسنان يصرعه الكرى
…
بكل مقيل عن ضعاف فواتر (2)
وتهجره إلا اختلاسا نهارها
…
وكم من محبّ رهبة العين هاجر
حذار المنايا رهبة أن يفتنها
…
به وهى إلا ذاك أضعف ناصر (3)
وواضح أنه صور محبة الظبية لابنها وكيف تخشى عليه السباع، فهى تبعد عنه حتى لا تدلّها عليه، وعينها مشدودة إليه، وقد امتلأ قلبها بالحنان والحب والشفقة. وعلى هذا النحو كان يبثّ فى الحيوان مشاعر الإنسان وأحاسيسه.
وبجانب هذه الخاصة فى وصف الطبيعة الحية نجد خاصة أخرى فى وصف الطبيعة الصامتة، إذ ملأها بالحياة والحركة، ولكن كيف يأتى بذلك فى خمود الصحراء وهمودها؟ لقد استعان فى النهار بالسراب، فإذا ذرى الجبال تتحرك كأنها خيل ظالعة أو إبل تهدى للنّحر عند البيت الحرام، أو لعلها سفن تجرى فى الفرات، أما إذا جنّه الليل فحسبه النجوم التى يرى فيها صورة بقر الوحش والظباء. وجعله هذا التمثل لما يجرى فى الأرض والماء والسماء يقع على صور فريدة من مثل قوله فى وصف ظباء تبدو له من آفاق بعيدة:
كأنّ بلادهن سماء ليل
…
تكشّف عن كواكبها الغيوم
وقوله فى ظباء أخرى:
كأن أدمانها والشمس جانحة
…
ودع بأرجائها فضّ ومنظوم (4)
وقوله فى وصف الإبل ورحلتها فى الصحراء:
كأنّ مطايانا كل؟ ؟ ؟ مفازة
…
قراقير فى صحراء دجلة تسبح (5)
(1) الصفصف: الأرض المستوية. صريمة: رملة. نصت: نصبت مستقصية.
(2)
الكرى: النوم. المقيل: وقت القيلولة.
(3)
يفتنها: يسبقنها.
(4)
الأدمان: الظباء، فض: متفرق.
(5)
القراقير: السفن.