الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مما ليس له فيها، فإن الدنيا دار فناء، ولا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله عز وجل، فأحذرّكم الله الذى حذرّكم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرّته العجزة، قبل أن تصيروا إلى الدار التى صاروا إليها، فلا تقدروا فيها على توبة، وليست لكم منها أوبة».
وواضح ما فى هذه الموعظة من حسن التقسيم ودقة التفكير وسلامة المنطق والقدرة على الإقناع بالحجة، وحقّا ما قاله عنه بعض معاصريه، وقد استمع إليه فى بعض خطبه، من أنه أوتى حسن البيان وبراعة الخطاب.
3 - خطباء المحافل
مرّ بنا أن العرب عرفوا من قديم هذا اللون من الخطابة، إذ كانوا يقدمون على ملوكهم وأمرائهم، فيخطبون بين أيديهم مثنين عليهم، ومفاخرين بقبائلهم.
وكانوا يخطبون فى أقوامهم مصلحين بين العشائر أو منافرين أو حاثين على الحرب أو داعين لأن تضع أوزارها. وكثيرا ما خطبوا فى الأسواق وفى عقد المصاهرات.
ونراهم بعد فتح مكة يقدمون على الرسول زرافات، يتقدمهم خطباؤهم وكانوا كثيرا ما يخطبون بين أيدى الخلفاء الراشدين. ولا نتقدم فى عصر بنى أمية، حتى تنشط هذه الخطابة نشاطا واسعا، وكان مما أذكى جذوتها فى نفوسهم أن الأمويين وولاتهم فتحوا أبوابهم للعرب، كى يطمئنوا إلى حسن ولائهم لدولتهم، فكانت وفودهم تمثل بين أيديهم، وكانوا يغدقون عليها إغداقا واسعا.
ومعاوية هو أول من فتح أبوابه على مصاريعها لتلك الوفود، فكانت ترد تباعا إلى ساحته، تعلن تارة ولاءها، وتارة تعرض ظلامة لها، وهو دائم الحفاوة بها، يضفى عليها من نواله الغمر، وتبعه الخلفاء الأمويون من بعده يستنوّن سنّته.
وممن اشتهر بالخطابة بين يديه سحبان، خطيب وائل، وقد اشتهر بخطبته «الشّوهاء» التى خطب بها عنده، فلم ينشد شاعر ولم يخطب خطيب (1)،
(1) البيان والتبيين 1/ 348.
ويقول الجاحظ: «إنه كان أذكر الناس لأول كلامه وأحفظهم لكل شئ سلف من منطقه (1)» . ومنهم الأحنف بن قيس خطيب تميم الذى لا يدافع وصحار بن عيّاش العبدى، الذى قال له معاوية:«ما هذه البلاغة التى فيكم؟ قال: شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا (2)» ومعاوية يشير إلى ما اشتهر به قومه بنو عبد القيس من الخطابة. ويذكر الجاحظ من خطبائهم بنو صوحان وكانوا شيعة، ومصقلة بن رقبة ورقبة بن مصقلة وكرب بن مصقلة (3)، ويقول إنه كان لهم خطبة تسمى «العجوز» ومتى تكلموا فلا بد لهم منها أو من بعضها (4) ويقابل آل رقبة وصوحان فى بنى عبد القيس آل الأهتم فى تميم، وعلى رأسهم عمرو بن الأهتم الذى قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وقد استمع إلى بعض كلامه البليغ «إن من البيان لسحرأ» وكان أخوه عبد الله على مثاله خطيبا رائعا، وله مقامات ووفادات (5)، ومثله ابناه صفوان وعبد الله، وخالد بن صفوان وشبيب بن شيبة بن عبد الله. ومن الخطباء الأبيناء عبد العزيز بن زرارة الكلابى، وهو الذى خاطب معاوية بقوله (6):
وواضح ما فى هذه الخطبة القصيرة من دقة التعبير وجمال التصوير. وعلى هذا النحو تمضى خطابة المحافل، إذ كان الخطيب يروّى فيها طويلا حتى يروق لفظه الخليفة ومن بحضرته، وربما جعلهم ذلك يسجعون فى خطابتهم حتى يخلبوا الألباب بحسن بيانهم. وبلغ من إحسانهم لمنطقهم أن كان شباب الكتّاب فى دواوين دمشق يحضرون مقاماتهم حريصين على استماعهم. وكانت هناك مواقف سياسية كثيرة تدعو هؤلاء الخطباء إلى المنافسة الحادة بينهم وأن يحاول كل منهم إحراز الغلبة على نحو ما كان من خطباء الوفود الذين تباروا يوم عقد معاوية
(1) البيان والتبيين 1/ 339.
(2)
البيان والتبيين 1/ 96.
(3)
نفس المصدر 1/ 97.
(4)
البيان والتبيين 1/ 348.
(5)
نفس المصدر 1/ 355.
(6)
البيان والتبيين 2/ 75.
(7)
ألوى هنا: استأثر.
(8)
قطنى: يكفينى.
البيعة لابنه يزيد (1)، وعلى نحو ما كان من عمران بن عصام العنزىّ فى خطبته التى صدر فيها عن رغبة عبد الملك فى خلع عبد العزيز أخيه والبيعة لابنه الوليد (2).
ومن ذلك الجمع بين التهنئة بالخلافة والتعزبة، وكان أول من فتح هذا الباب عبد الله بن همام السلولى الكوفى، فقد دخل على يزيد بن معاوية حين استخلف والناس مجموعون على بابه ينهيّبون القول، فقال (3):
وبذلك انفتح باب الكلام للخطباء. وتلقانا من هذا التأبين الممزوج بالتعزية نصوص متعددة فى المناسبات المماثلة. وممن اشتهر بكثرة الوفادات عليه من خلفاء بنى أمية عبد الملك بن مروان، فكانت ترد على بابه الوفود من كل قطر، وكان الحجّاج كثيرا ما يستصحب معه طائفة من وجوه أهل العراق ويقوم خطباؤهم بين يديه. وكان سليمان ابنه يتأله فوفد عليه غير واعظ من مثل أبى حازم (4)، ولم يكثر الوعاظ على باب كثرتهم على باب عمر بن عبد العزيز (5)، منهم خالد بن صفوان وعبد (6) الله بن الأهتم ومحمد (7) بن كعب القرظى.
وكان هشام بن عبد الملك يوسع لخالد بن (8) صفوان فى مجالسه، ولما فرّ الكميت من سجن خالد القسرى وضاقت به الأرض بما رحبت لجأ إلى ساحته متوسلا ببعض أهله، حتى إذا مثل بين يديه خطب خطبة طويلة (9) يستنزل بها عطفه عليه، فرقّ له وعفا عنه.
(1) البيان والتبيين 1/ 300 وعيون الأخبار 2/ 210 والعقد الفريد 4/ 369 والأمالى 2/ 73، 3/ 177.
(2)
البيان والتبيين 1/ 48.
(3)
زهر الآداب 1/ 49.
(4)
البيان والتبيين 3/ 135.
(5)
زهر الآداب 1/ 7.
(6)
البيان والتبيين 2/ 117.
(7)
نفس المصدر 2/ 34 و 3/ 143، 170 وعيون الأخبار 2/ 343، 370.
(8)
البيان والتبيين 1/ 355 وعيون الأخبار 2/ 341.
(9)
أغانى (ساسى) 15/ 113.