الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وواضح من كل ما سبق أن الشيعة كانت تستغرق أشعارهم فى عصر بنى أمية منازع قوية من حب آل البيت حبّا قد ينتهى إلى الزهد فى الدنيا، ومنازع أخرى من الثورة على بنى أمية، ثورة تطوى فى داخلها رغبة شديدة فى أن تسفك دماؤهم كما سفكت دماء شهدائهم: الحسين وزيد بن على، ومن قبلهما على نفسه. ودائما يبكون هؤلاء الشهداء الذين استأثروا بهم وملكوا عليهم كل شئ، وإنهم ليدلعون فى قلوبهم نارا لا تطفأ من الأسى والحزن العميق. ويحسن بنا أن نقف قليلا عند
كثيّر
شاعر الكيسانية، والكميت شاعر الزيدية.
كثيّر (1)
هو كثيّر بن عبد الرحمن بن أبى جمعة، شاعر حجازى من خزاعة كان ينزل المدينة كثيرا، وكان قميئا شديد القصر محمّقا وفى الأغانى أخبار كثيرة عن حمقه وعبث الناس به لهذا الحمق. وكان أول ما ساق فيه شعره الغزل، إذ كان راوية لجميل بن معمر العذرى، وهو فى جمهور غزله يترنّم بعزّة بنت حميل الضّمرية، وقد اشتهر بغزله فيها حتى سمّى كثير عزّة، وأروع أشعاره فيها تائيته التى يقول فى تضاعيفها:
هنيئا مريئا غير داء مخامر
…
لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
وهو يلتزم فى رويها التاء واللام جميعا، مما يدل من بعض الوجوه على أنه كان متكلفا فى غزله، ويقول ابن سلام: إنه كان يتقول ولم يكن عاشقا ولا صادق الصبابة.
ولا نصل إلى سنة 65 للهجرة ودعوة المختار الثقفى لابن الحنفية، وتكوينه حوله نظرية الكيسانية، حتى يصبح أكبر بوق لهذه النظرية، فهو يعتنقها اعتناقا بكل ما يداخلها من غلو ومن أفكار متطرفة، كفكرة التناسخ وأن
(1) انظر فى ترجمة كثير أغانى (دار الكتب) 9/ 2 وما بعدها و 12/ 174 وفى مواضع متفرقة، وابن سلام ص 457 وما بعدها والشعر والشعراء 1/ 480 والفرق بين الفرق ص 28 والموشح ص 143 ومعجم الشعراء ص 242 والخزانة 2/ 376 ومرآة الجنان 1/ 202 ومعاهد التنصيص وابن خلكان والملل والنحل ص 111 وحديث الأربعاء 1/ 358 وما بعدها. وقد نشر بيريس ديوانه فى الجزائر.
قبس النبوة لا يزال يتنقل فى على وأبنائه، وكفكرة أن ابن الحنفية هو المهدى المنتظر وفيه يقول:
هو المهدىّ خبّرناه كعب
…
أخو الأحبار فى الحقب الأوالى (1)
ونراه يمتلئ حقدا على ابن الزبير حين رآه ينزل غضبه على إمامه ويحبسه فى سجن عارم بمكة، لدعوة المختار الثقفى له فى الكوفة وإخراجه واليه منها.
وكان ابن الزبير كما مرّ بنا قد عاذ بالبيت الحرام لعهد يزيد بن معاوية، فتوجه إليه كثيّر يقول:
تخبّر من لا قيت أنك عائذ
…
بل العائذ المظلوم فى سجن عارم
وصىّ النبىّ المصطفى وابن عمّه
…
وفكّاك أغلال ونفّاع غارم
أبى فهو لا يشرى هدى بضلالة
…
ولا يتّقى فى الله لومة لائم
ونحن بحمد الله نتلو كتابه
…
حلولا بهذا الخيف خيف المحارم (2)
بحيث الحمام آمن الرّوع ساكن
…
وحيث العدوّ كالصديق المسالم
وما فرح الدنيا بباق لأهله
…
ولا شدّة البلوى بضربة لازم
وواضح أنه يسجّل على ابن الزبير خرقه لما فرض الإسلام من أمن لكل من لاذ بالحرم، حتى الحمام فإنه لا يحل صيده ولا التعرض له، ومع ذلك يتعرض ابن الزبير لابن الحنفية وصى على أو بعبارة أخرى وصى الرسول الكريم الذى يأخذ بأيدى العناة، والذى يتقى الله حق تقواه.
ويردّ ابن الزبير لابن الحنفية حريته، فيخرج عن جواره، ويلحق بعبد الملك فى دمشق، وكثيّر فى ركابه، فيكرمه وينزله منزلا عليّا هو وشاعره. ومن هنا نفهم الصلة التى انعقدت بين كثير وعبد الملك، فقد أصبح من مداحه،
(1) كعب: هو كعب الأحبار، كان ممن يقصون فى العهد الأول.
(2)
الخيف: ناحية من منى بمكة.
وأخذ يثيره على ابن الزبير متمنيا لو انتصر عليه وأزال سلطانه عن الحجاز والعراق جميعا، حتى إذ ارآه يعدّ جيشه لحرب مصعب أخذ يحثه على المبادرة لحربه بمثل قوله:
إذا ما أراد الغزو لم تثن همّه
…
حصان عليها عقد درّ يزينها (1)
نهته فلما لم تر النّهى عاقه
…
بكت فبكا مما شجاها قطينها (2)
وظل يمدح عبد الملك. وارتحل إلى مصر يمدح أخاه عبد العزيز واليها وظن بعض المعاصرين فى مديحه لبنى أمية ضربا من النفاق (3)، وهو لم يكن فى مديحه لهم منافقا، إنما كان تابعا فى ذلك لإمامه الذى رآه يمنح عبد الملك ولاءه. وحتى لو لم يدخل ابن الحنفية فى بيعة عبد الملك لكان مدحه له تقية لا نفاقا، ومرّ بنا أن الشيعة كانوا يجيزون التقية خشية على أنفسهم، وبين أيدينا أخباره مع عبد الملك وهى تقطع بأنه كان يكرمه مع معرفته بتشيعه وأنه يصر عليه إصرارا. على أنه كان يحمّل مديحه له كثيرا من السموم، كتصويره له بأنه حية ما تزال تلدغ، يقول:
يقلّب عينى حيّة بمحارة
…
إذا أمكنته شدّة لا يقيلها (4)
ونراه حين يعرض لخلافته يسلكه من طرف خفى فى مجموعة الخلفاء الذين لا تقر غالبية الشيعة خلافتهم وترى أنهم اغتصبوها اغتصابا من ورثتها الشرعيين، إذ كان يجعله سابع الخلفاء مسقطا خلافة على، لأنها الخلافة الصحيحة فى رأيه بين تلك الخلافات الظالمة، يقول:
وكنت المعلّى إذ أجيلت قداحهم
…
وجال المنيح وسطها يتقلقل
والمعلّى هو القدح السابع من قداح الميسر، وهو أعلاها نصيبا، أما المنيح فلا نصيب له. وواضح أنه لم يرد أن عبد الملك أعلى الخلفاء الذين سبقوه كعبا، بل موّه بذلك فى الظاهر، وعنى فى الباطن أنه السابع بين الخلفاء الذين لا
(1) الحصان: العفيفة.
(2)
القطين، الخدم والوصفاء.
(3)
انظر حديث الأربعاء لطه حسين (طبعة الحلبى) 1/ 363.
(4)
المحارة هنا: جحر الحية. الشدة: الهجمة على العدو. بقيلها: يفسخها. أراد أنه يبرم عزيمته ولا يتردد.
ترتضى الشيعة إمامهم. ومن ثمّ يقابل عبد الملك فى ترتيب هؤلاء الخلفاء القدح السابع بين القداح وهو المعلى، وقد صرح بذلك فى مدحة له أخرى، إذ يقول
وكان الخلائف بعد الرسو
…
ل لله كلهم تابعا
شهيدان من بعد صدّيقهم
…
وكان ابن حرب لهم رابعا (1)
وكان ابنه بعده خامسا
…
مطيعا لمن قبله سامعا
ومروان سادس من قد مضى
…
وكان ابنه بعده سابعا
وعلى هذا النحو لم يتخلّ عن عقيدته فى مديحه لعبد الملك. وربما كان عمر بن عبد العزيز أهم من أخلص له فى مديحه لبنى أمية، وهو إخلاص مرجعه فى رأينا إلى موقفه من آل البيت فإنه بالغ فى إكرامهم ومنع عماله منعا باتّا من سبّهم على المنابر، وكان صالحا تقيّا، وفيه يقول كثيّر مشيرا إلى هذه المكرمة:
وليت فلم تشتم عليّا ولم تخف
…
بربّا ولم تقبل إشارة مجرم
وصدّقت بالفعل المقال مع الذى
…
أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم
وقد لبست لبس الهلوك ثيابها
…
تراءى لك الدّنيا بكفّ ومعصم (2)
وتومض أحيانا بعين مريضة
…
وتبسم عن مثل الجمان المنظّم (3)
فأعرضت عنها مشمئزّا كأنما
…
سقتك مدوفا من سمام وعلقم (4)
تركت الذى يفنى وإن كان مونقا
…
وآثرت ما يبقى برأى مصمّم
وأضررت بالفانى وشمّرت للذى
…
أمامك فى يوم من الهول مظلم
والحق أن كثيرا ظل مخلصا لعقيدته الشيعية، وهو إخلاص لا يقف عند إشادته بابن الحنفية ووصفه بأنه مهدىّ أو وصىّ، أوصى له على، بل يتجاوز ذلك إلى استشعاره ما كان يؤمن به الكيسانية من رجعة أئمتهم بعد
(1) الشهيدان: عمر وعثمان. الصديق: أبو بكر. ابن حرب: معاوية.
(2)
الهلوك: المرأة تشغف بالرجال.
(3)
الجمان: اللؤلؤ.
(4)
المدوف: المخلوط. السمام: جمع سم.