الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ببعض القول، فهجاه حاجب، وبادله الهجاء، ولقّبه فى هجائه بالفيل، فأصبح ذلك علما عليه فسمّاه الناس حاجبا الفيل، وله يقول فى بعض أهاجيه:
أحاجب! لولا أن أصلك زيّف
…
وأنك مطبوع على اللؤم والكفر
وأنى لو أكثرت فيك مقصّر
…
رميتك رميا لا يبيد يد الدهر
وله أشعار كثيرة فى مدح المهالبة ورثائهم، وقد بكى يزيد حين قتل فى معاركه مع بنى أمية طويلا، وهو فى مديحه ورثائه لهم يستشعر عصبية القبيلة استشعارا قويّا. وأكبر الظن أنه توفى قبل نهاية العقد الأول من القرن الثانى.
3 - شعراء النقائض
هيأ استعار العصبيات فى البصرة وخراسان لاشتعال الهجاء طوال هذا العصر، كما هيأ لنمو فن النقائض نموّا واسعا، وقد أعدّت لهذا النمو أسباب كثيرة، يرجع بعضها إلى عوامل اجتماعية وبعضها إلى عوامل عقلية. أما العوامل الاجتماعية فمردّها إلى حاجة المجتمع العربى خاصة فى البصرة إلى ضرب من الملاهى يقطع به الناس أوقاتهم الطويلة. ودائما حين تنشأ المدن تنشأ معها أوقات فراغ تبعث أهلها على أن يملئوها إما بالدرس والنظر العقلى وإما بلهو يختلفون إليه.
وفعلا نهضت-كما رأينا فى غير هذا الموضع-دراسات دينية وعقلية مختلفة، وكان لا بد أن ينشأ بجانبها نوع من أنواع الملاهى يجد فيه الفارغون من العمل تسليتهم، وقد رأينا المدينة ومكة تقبلان على الغناء وتجدان فيه حاجة أهلهما من التسلية واللهو. ولم تتجه قبائل العراق هذا الاتجاه، إذ كانت شديدة الصلة بحياتها البدوية القديمة، وأخذت نيران الهجاء تشتعل فيها اشتعالا شديدا.
حينئذ انبرى الهجّاءون يملأون أوقات الناس هناك بأهاجيهم، وسرعان ما تحولوا بها إلى نقائض مثيرة، فشاعر قبيلة من القبائل ينظم قصيدة من القصائد فى الفخر بقبيلته وأمجادها ويتعرض لخصّومها من القبائل الأخرى فينبرى له شاعر
من شعراء تلك القبائل يرد عليه بقصيدة على وزن قصيدته ورويّها، وكأنه يريد أن يظهر تفوقه عليه من ناحية المعانى ومن ناحية الفن نفسه، ويتجمّع الناس من حواليهما يصفّقون ويهتفون ويصيحون (1). وبذلك تحولت النقائض من غاية الهجاء الخالص إلى غاية جديدة هى سدّ حاجة الجماعة الحديثة فى البصرة إلى ضرب من ضروب الملاهى.
وتدخلت فى صنع النقائض بجانب هذه العوامل الاجتماعية عوامل عقلية مردّها إلى نمو العقل العربى ومرانه الواسع على الحوار والجدل والمناظرة فى النّحل السياسية والعقيدية وفى الفقه وشئون التشريع. وعلى ضوء من ذلك كله أخذ شعراء النقائض يتناظرون فى حقائق القبائل ومفاخرها ومثالبها، وكل منهم يدرس موضوعه دراسة دقيقة ويبحث فى أدلته ليوثّقها وفى أدلة خصمه لينقضها دليلا دليلا، وكأننا أصبحنا بإزاء مناظرات شعرية، وهى مناظرات كانت تتخذ سوق المربد مسرحا لها، فالشعراء يذهبون هناك، ويذهب إليهم الناس ويتحلّقون من حولهم، ليروا من تكون له الغلبة على زميله أو زملائه.
وأهمّ من وقفوا حياتهم على تنمية تلك النقائض القبلية مستلهمين فيها ظروف العصر وأحداثه السياسية جرير والفرزدق التميميان (2). وكان أولهما من عشيرة كليب اليربوعية، والثانى من عشيرة مجاشع الدارمية، وقد ظلا يتناظران نحو خمسة وأربعين عاما فى عشيرتيهما من جهة وفى قيس وتميم من جهة ثانية، فإن ظروفا كثيرة جعلت جريرا يقف فى صفوف قيس محاميا عنها ضد خصومها، وذلك أن عشيرته اليربوعية أسرعت بالبيعة لابن الزبير، فاتفق هوى عشيرته مع هوى قيس، وتصادف أن كان قد قتل مجاشعىّ الزبير بن العوام حين لجأ بعد موقعة الجمل إلى مجاشع، وأيضا تصادف أن لجأت النّوار زوج الفرزدق حين غاضبته إلى ابن الزبير، فأعانها عليه، مما جعل الفرزدق يهجوه (3).
(1) أغانى (دار الكتب) 10/ 152 وطبعة ساسى 19/ 103.
(2)
شرح أبو عبيدة نقائض الشاعرين، وحقق الشرح ونشره بيقن سنة 1905 فى ثلاثة أجزاء ضخمة. ونشر الشرح نشرة ناقصة بتحقيق الصاوى سنة 1935.
(3)
أغانى (دار الكتب) 9/ 324 وما بعدها
ونحن لا نصل إلى حكم القباع والى ابن الزبير على البصرة سنة 66 حتى نجد الشاعرين التميميين ملتحمين فى تلك المناظرة، يدل على ذلك أننا نجدهما فى نقيضتين لهما يعلنان نكيرهما على هذا الوالى، إذ أمر بهدم بيتهما لما يثيران من ضغائن بين القبائل (1). ويقول الرواة إن سبب التحامهما أن شاعرا من عشيرة سليط اليربوعية يسمى غسّانا هجا جريرا فسقط عليه بهجاء مرير، فاستغاث منه بالبعيث (2) المجاشعى، فأغاثه بمثل قوله فى جرير وعشيرته:
أترجو كليب أن يجئ حديثها
…
بخير وقد أعيا كليبا قديمها
فانصبّ جرير عليه وعلى مجاشع شواظ نار، وأفحش بنسائهم إفحاشا شديدا جعلهن يستغثن منه بالفرزدق. وكان معروفا بإقذاعه فى الهجاء، وقصته مع زياد بن أبيه وهربه منه لهجائه بنى فقيم التميميين معروفة، ووجدنه عاكفا على حفظ القرآن الكريم، يريد أن يبدأ سيرة جديدة، فما زلن به يستثرنه قائلات إن جريرا هتك عورات نسائك، وظللن يوردن عليه ذلك حتى أحفظنه، فهجا جريرا، واستطار الهجاء بينهما وامتدا به لا إلى عشيرتيهما فحسب، بل أيضا إلى قيس وتغلب وتميم.
وبذلك تكاملت حلقات هذه المناظرة العنيفة بين الشاعرين. وكان كثير من الشعراء ينزلق فيها متحيزا للفرزدق على جرير، فكان يشوى وجوههم ووجوه عشائرهم بنيران هجائه، فينسحبون منهزمين على شاكلة الرّاعى (3)، وكان من سوء حظّه أن فضّل الفرزدق على جرير بقوله:
يا صاحبىّ دنا الرّواح فسيرا
…
غلب الفرزدق فى الهجاء جريرا
وهجاه بقصيدة بائية، فنظم جرير قصيدة هجاه بها كما هجا الفرزدق، ويقول الرواة إنه ما زال يعدّها «حتى عرف أن الناس قد جلسوا مجالسهم
(1) شرح النقائض لأبى عبيدة (طبعة بيقن) ص 607، 683 وانظر أنساب الأشراف للبلاذرى 5/ 278.
(2)
انظر فى ترجمة البعيث ابن سلام ص 326 وما بعدها وفى مواضع متفرقة والشعر والشعراء 1/ 472 والاشتقاق ص 241 وابن عساكر 5/ 122 ومعجم الأدباء 11/ 52.
(3)
انظر فى ترجمة الراعى ابن سلام ص 372، 434 وفى مواضع متفرقة والشعر والشعراء 1/ 377 وأغانى (ساسى) 20/ 168 وفى ترجمة جرير، وفى الخزانة 1/ 502 والموشح ص 157
بالمربد، وكان له مجلس، وللفرزدق مجلس، فدعا بدهن (طيب) فادّهن وكفّ (1) رأسه، وكان حسن الشّعر، ثم قال: يا غلام أسرج لى، فأسرج له حصانا، ثم قصد مجلس الفرزدق والراعى، فتوجه للراعى يقول له: أبعثك نسوتك تكسبهن المال بالعراق، أما والذى نفس جرير بيده لترجعن إليهن بميسر (2) يسوءهن ولا يسرّهن (3)، ثم اندفع فأنشد قصيدته، وفيها يقول للراعى بيته المشهور:
فغضّ الطّرف إنك من نمير
…
فلا كعبا بلغت ولا كلابا
ولم يلبث الراعى أن انصرف من مجلس الفرزدق يعلوه الخزى والصّغار، واتجه توا إلى منازل قبيلته نمير فى نجد، وهو يردّد: فضحنا والله جرير، وهم يقولون: هذا شؤمك.
وإنما أطلنا فى هذا الخبر لنعطى صورة عن شاعر النقائض فى المربد، وكيف كان بحتفل بثيابه وزينته، وكيف كان له مجلس يتحلق فيه الناس من حوله ليستمعوا إلى شعره بين الصياح والتهليل، وأيضا لندل على قدرة جرير فى الهجاء وكيف كان يفضح من يتعرضون له فضيحة الأبد. ويقال إنه أسقط فى الهجاء ثلاثة وأربعين شاعرا، ويقال بل ثمانين ونيفا، كانت أقواسهم أضعف من أن ترميه بمثل سهامه المصمية، وممن ثبت له قليلا ثم اندحر عمر بن لجأ التّيمىّ (4)، وله يقول:
أتوعدنا ونمنع ما أردنا
…
ونأخذ من ورائك ما نريد
ويقضى الأمر حين تغيب تيم
…
ولا يستأذنون وهم شهود
لئام العالمين كرام تيم
…
وسيّدهم-وإن رغموا-مسود
(1) كف رأسه: جمع شعره وضم أطرافه.
(2)
المير: جلب الطعام للأهل والعشيرة.
(3)
انظر فى هذا الخبر أغانى (دار الكتب) 8/ 29.
(4)
انظر فى ترجمة عمر بن لجأ ابن سلام ص 363 وما بعدها وص 499 وما بعدها وفى مواضع متفرقة والشعر والشعراء 2/ 662 والاشتقاق ص 185 والخزانة 1/ 359 وفهرس الجزء الثامن من الأغانى والموشح ص 127 وما بعدها.
وقد جعله دفاعه عن قيس يصطدم بالأخطل شاعر تغلب، وسنعرض لذلك عما قليل. وفى الحق أن الفرزدق أهم شاعر اشتبك معه، إذ كان على شاكلته يعرف كيف يبرى نبال الهجاء المصمية، وقد تبادل معه نقائض كثيرة، وظلا سنين طويلة يتحاوران ويتجادلان وكل منهما يغترف من نبع لا ينضب فى نفسه.
ومن يرجع إلى شرح أبى عبيدة لنقائضهما يجده يستعين على شرحه لها بأيام العرب، ذلك لأن الشاعرين لم يتركا يوما للقبائل التى يتحدثان عنها دون أن يذكراه. فجرير يتحدث عن أيام يربوع وقيس، والفرزدق يتحدث عن أيام مجاشع وتميم، وقد يضيف إلى ذلك حديثا عن أيام تغلب انتصارا للأخطل. وهما لا يتحدثان عن أيام الجاهلية فحسب، بل يتحدثان أيضا عن أيام الإسلام، وخاصة ما كان بين تميم وقيس فى خراسان، إذ دفعت تميما الحوادث هناك لكى تنكّل بعبد الله بن خازم السّلمى والى ابن الزبير حين ثار على عبد الملك بعد قتل مصعب، كما نكلت بعد ذلك بقتيبة بن مسلم الباهلى حين ثار على سليمان ابن عبد الملك.
ومعنى ذلك أن جريرا والفرزدق درسا دراسة عميقة تاريخ القبائل العربية فى الجاهلية والإسلام واستلهما هذا التاريخ فى نقائضهما، بحيث تعدّ وثائق تاريخية طريفة. وكان ذلك من غير شك يصعّب عمل النقيضة، لأنها لم تكن هجاء فحسب، بل كانت أيضا دراسة، ولم يكن الشاعر يدرس تاريخ القبائل التى كان يحامى عنها فحسب، بل كان يدرس أيضا تاريخ القبائل التى يهجوها ليقف على الأيام التى انهزمت فيها، حتى ينشر مخازيها فى الناس.
وواضح أن أساس الهجاء فى النقائض كان يقوم على العصبيات القبلية، وقد مرّ بنا فى غير هذا الموضع أن هذه العصبيات اختلطت فى العصر الأموى بالسياسة، وهيأ ذلك النقيضة لأن تخوض فى مديح الخلفاء والولاة، بحيث أصبحت لا تحتوى فخرا وهجاء فحسب، بل تحتوى كذلك مديحا، كما تحتوى نسيبا وغزلا. والشاعر فى كل هذه الموضوعات يستلهم الإسلام فى معانيه، كما يستلهم قدرة العقل العربى الجديدة على الجدال ونقض الدليل بالدليل، وقدرته أيضا على التوليد فى المعانى. وبذلك كله أصبحت النقيضة
عند الفرزدق وجرير عملا فنيّا معقدا. ولعل من الخير أن نقف عند نقيضتين للشاعرين نرى فيهما جملة ما كانا يعرضان له من المعانى، ونحن نختار للفرزدق نقيضته:
تحنّ بزوراء المدينة ناقتى
…
حنين عجول تبتغى البوّ رائم (1)
وهو فى غزلها يستشعر الإسلام خائفا وجلا من يوم الحساب. ونراه يعتذر مما قد بدر منه من أشعار تصوّره فاسقا، ويدعوها لغوا من القول، وإنه ليقول:
ولست بمأخوذ بلغو تقوله
…
إذا لم تعمّد عاقدات العزائم
وهو يشير بذلك إلى قوله تعالى: {(لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ)} ويمضى فيمدح سليمان بن عبد الملك بمثل قوله:
جعلت لأهل الأرض نورا ورحمة
…
وعدلا وغيث المغبرات القواتم (2)
وكان الحجاج لجّ فى البيعة لعبد العزيز بن الوليد من دون سليمان، وتوفّى قبل خلافته، فنكّل بمن لجّوا معه من ولاته على المشرق. ونرى الفرزدق يهجو الحجاج هجاء مرّا صوّره فيه طاغيا باغيا، لقى جزاء بغيه وطغيانه من ربه، فأصابه بما أصاب به ابن نوح حين ارتقى إلى جبل فغرق مع الغارقين وما أصاب به أصحاب الفيل إذ ترميهم طير أبابيل. ولم يزل به حتى جعله من أهل النار.
وممن يتلقون كتابهم بالشمال. وخرج الفرزدق من ذلك إلى قتيبة بن مسلم الباهلى وثورته على سليمان بخراسان، وافتخر بأن تميما بزعامة وكيع بن أبى سود هى التى قضت عليه، ومضى يكيل لقيس وشاعرها جرير هجاء مريرا، متعرضا لثورة ابن خازم وقضاء تميم عليه ولأيام تغلب على قيس فى الجزيرة. ويتجسّم له جرير كأنه قيس نفسها فيقول:
(1) البو: جلد ولد الناقة يحشى، ويعرض على أمه فترأمه أى تحن إليه ظنا منها أنه ولدها حقيقة.
(2)
المغبرات القواتم: السنوات المجدبة.
وألقيت من كفّيك حبل جماعة
…
وطاعة مهدىّ شديد النّقائم (1)
ويسمّى أصحاب قتيبة مشركين، يضربون فيهم بسيف سليمان الذى ضرب الله به مشركى قريش فى يوم بدر. ويعيّر جريرا بما يأخذ من هدايا قيس، ويعتذر عن حادث نبوّ السيف فى يده مما سنعرض له عما قليل. ويفتخر على صاحبه فخرا عارما بتميم وأيامها فى الجاهلية وأمجادها العريقة فى الحروب، ويهجو عشيرته برعيها الحمير، ومن ثم يسميه ابن المراغة (الأتان) فهم ليسوا فرسانا ولا أهل خيل وحروب، ويقول:
فيا عجبا حتى كليب تسبنى
…
وكانت كليب مدرجا للشتائم
ودائما يصف كليب باللؤم والدناءة، ويفحش فى النّيل من نسائها ومن أم جرير خاصة، ولا يترك مذمة إلا ويلفح بها جريرا وعشيرته، وفيها يقول من نقيضة أخرى:
ولو ترمى بلؤم بنى كليب
…
نجوم الليل ما وضحت لسار
ولو يرمى بلؤمهم نهار
…
لدنّس لؤمهم وضح النهار
وما يغدو عزيز بنى كليب
…
ليطلب حاجة إلا بجار
ووقف جرير فى الصف المقابل يردّ عليه نقيضته التى لخصناها آنفا، فمضى بعد غزلها يتحدث عن الفرزدق وفسقه الذى اشتهر به، يقول:
لقد ولدت أمّ الفرزدق فاجرا
…
وجاءت بوزواز قصير القوائم (2)
وما كان جار للفرزدق مسلم
…
ليأمن قردا ليله غير نائم
أتيت حدود الله مذ أنت يافع
…
وشبت فما ينهاك شيب الّلهازم (3)
تتبّع فى الماخور كلّ مريبة
…
ولست بأهل المحصنات الكرائم (4)
(1) المهدى هنا سليمان بن عبد الملك، لقبه بالمهدى كما يلقب الشيعة أئمتهم.
(2)
الوزواز: الخفيف، كناية عن قصره.
(3)
اللهازم: أصول اللحية.
(4)
المحصنات: العفيفات.
ومضى يصمه بأخته جعشن، وكانت سيدة طاهرة، ولكنه الهجاء، كما وصمه بأنه قين ابن قين، فهو ليس شريف الأصل كما يزعم. وكان لجده قيون، فرمى جدّته بهم، كى يغيظه ويحفظه. ودائما يردد له جرير ذلك كما يردد قذفه فى أخته، وأيضا فإنه كان يردد كما فى هذه النقيضة أن مجاشعا لم تحفظ للزبير حق جواره، ولو أنه كان جارا لقيس أو ليربوع لحفظا له جواره، كل ذلك ليضرب من حواليه نطاقا من الذل. وكان الذى قتل قتيبة بن مسلم الباهلى وكيع بن أبى سود اليربوعى، فهو ليس مجاشعيا؛ إنما هو من قوم جرير، ومن ثمّ يقول له:
فغيرك أدّى للخليفة عهده
…
وغيرك جلّى عن وجوه الأهاتم (1)
فإن وكيعا حين خارت مجاشع
…
كفى شعب صدع الفتنة المتفاقم
لقد كنت فيها يا فرزدق تابعا
…
وريش الذّنابى تابع للقوادم (2)
وبذلك استلّ منه الفخر بحادثة وكيع، وجعلها لقومه اليربوعيين، لا لمجاشع وشاعرها الفرزدق. وأخذ يفخر بباهلة قبيلة قتيبة القيسية وأيامها فى الجاهلية، وعمّم الفخر بقيس وأيامها ضد تغلب فى الجزيرة، وعيّر تغلب بمسيحيتها وما تدفع من خراج لخليفة المسلمين، وكان عمر قبل منها أن تدفع صدقة كالعرب لا جزية، ولكن جريرا يأبى إلا أن يسمّى ما تدفعه جزية، ثلبا وتعييرا. ويعود إلى أيام قيس فى الجاهلية، يعددها، ويعدد مالها من انتصارات على تميم وخاصة على دارم.
وتصادف أن كان جرير والفرزدق يصحبان سليمان بن عبد الملك فى أثناء حجّة له. وجاءوه بأسرى من الروم، فأمر بحزّ حلاقمهم، وأعطى لبعض من صحبوه أسياف يضربون بها رءوس هؤلاء الروم، وعرف بعض القيسيين أن سيطلب إلى الفرزدق أن يضرب أحدهم، فدسّوا له سيفا كليلا لا يقطع، فلما ضرب به لم يصنع شيئا فى الرومىّ. وانتهزها جرير، فكان يكرر له هذا
(1) الأهاتم: من أشراف تميم
(2)
القوادم: الريشات الطويلة فى مقدمة جناح الطائر، والذنابى ما خلفها من ريشات قصيرة.
الحادث ليضحك أهل المربد عليه، بما يصور من خوره وجبنه، ومن ثمّ يقول له الفرزدق فى نقيضته السالفة:
فهل ضربة الرومىّ جاعلة لكم
…
أبا عن كليب أو أبا مثل دارم
ونرى جريرا يردّ عليه بمثل قوله:
بسيف أبى رغوان سيف مجاشع
…
ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم (1)
ضربت به عند الإمام فأرعشت
…
يداك وقالوا محدث غير صارم
ضربت به عرقوب ناب بصوأر
…
ولا تضربون البيض تحت الغماغم (2)
عنيف بهزّ السيف قين مجاشع
…
رفيق بأخرات الفئوس الكرازم (3)
وكان الفرزدق كثير الافتخار بيوم صوءر، وهو يوم نحر فيه أبوه غالب للناس مائة بعير وقيل أربعمائة، فجلّل له جرير هذه المكرمة بعار الجبن، فأبوه وهو إنما يضربان، بمثل هذا السيف الذى نبا فى يده، عراقيب الإبل لا صدور الفرسان. ويقول له إنك قين لا تحسن الضرب بالسيف، بل تفزع وتهلع حين تمسك به، إنما تحسن الإمساك بالفئوس فهى صناعتك.
وواضح أن جريرا لم يقف بنبوّ السيف فى يد الفرزدق ووصفه بأنه قين ابن قين عند حد الثّلب، بل لقد تحول بهما إلى عنصرين من عناصر الإضحاك على الفرزدق. واستخرج من الوصف الأخير أبياتا مضحكة كثيرة تدل أبلغ الدلالة على ما أصاب العقل العربىّ عند جرير من قدرة على التوليد فى المعانى، كما نرى فى مثل قوله:
إذا آباؤنا وأبوك عدّوا
…
أبان المقرفات من العراب (4)
فأورثك العلاة وأورثونا
…
رباط الخيل أفنية القباب (5)
(1) ابن ظالم: هو الحارث بن ظالم المرى أحد فرسان قيس فى الجاهلية.
(2)
الناب: الناقة المسنة. البيض: خوذ المحاربين. الغماغم: أصوات الجيوش، جمع غمغمة.
(3)
أخرات: جمع خرت وهو الثقب فى أعلى الفأس. الكرازم: الفئوس ضخمة الرءوس.
(4)
المقرفات: الهجينات التى لا يخلص نسبها. العراب: الأصيلات فى العروبة.
(5)
العلاة: سندان الحداد.
وقوله:
هو القين وابن القين لا قين مثله
…
لفطح المساحى أو لجدل الأداهم (1)
وقوله:
ورقّع لجدّك أكياره
…
وأصلح متاعك لا تفسد
وأدن العلاة وأدن القدوم
…
ووسّع لكيرك فى المقعد
وكان جرير يعرف كيف يستخرج من كل شئ هذا العنصر من عناصر الإضحاك، وقد غاظه من الفرزدق انضمامه إلى الأخطل النصرانى ضده، فأخذ يضحك عليه سامعيه فى المربد بمثل قوله:
وإنك لو تعطى الفرزدق درهما
…
على دين نصرانيّة لتنصّرا
وقوله:
يحبّك يوم عيدهم النّصارى
…
ويوم السّبت شيعتك اليهود
ولعل فى هذا ما يدل أكبر الدلالة على أن النقائض عند الشاعرين الكبيرين:
جرير والفرزدق إنما كان يقصد بها قبل كل شئ إلى تسلية الجماعة العاطلة التى تكونت فى المدينتين الكبيرتين: البصرة والكوفة. وقد بدأت بأسباب قبلية، ولكنها تطورت إلى مناظرة يراد بها ملء أوقات العاطلين، وهى مناظرة كانت تقاطع بالتهليل والتصفيق. ومن ثم لم تأخذ شكلا جادّا من أشكال الهجاء المعروفة عند العرب. ولو أنها أخذت شكلا من هذه الأشكال لشهرت معها السيوف، وخاصة حين يأخذ جرير والفرزدق فى قذف نساء العشائر والأمهات والأخوات.
إنها لم تعد هجاء بالمعنى القديم، بل أصبحت فنّا يقصد به إلى إمتاع الناس فى البصرة وقطع أوقات فراغهم. ولذلك كان الخلفاء والولاة يستقدمون شاعريها المبرزين، ليتناشدا أمامهم ابتغاء اللهو والتسلية (2). وكل الأخبار تؤكد أن جريرا والفرزدق كانا متصافيين متوادّين لا متخاصمين متباغضين، فهما يجتمعان
(1) فطح المساحى: تسويتها وتعريضها الجدل أيضا: التسوية. الأداهم: جمع أدهم، وهو القيد.
(2)
أغانى (طبع دار الكتب) 8/ 37، 76.
عند الخلفاء والولاة، وهما يرحلان إلى دمشق سويّا، وإذا نزلت بأحدهما شدة أو حزبه أمر وقف الآخر معه يمدّ له يد العون، فإذا طلب جرير لحرب الأزارقة تشفّع له الفرزدق (1)، وإذا هجا الفرزدق خالدا القسرىّ وحبسه تشفع له جرير عنده (2)، وما يزال به يستعطفه ويسترحمه، لعله يلين له قلبه ويطلقه (3). ونراه حين يلبّى القدر قبله يرثيه رثاء حارّا بمثل قوله:
ولا حملت بعد الفرزدق حرّة
…
ولا ذات حمل من نفاس تعلّت (4)
هو الوافد المحبوّ والراتق الثّأى
…
إذا النّعل يوما بالعشيرة زلّت (5)
فلم تكن المسألة مسألة هجاء حادّ إنما كانت مسألة مناظرة فنية بالشعر فى عصبيات القبائل والعشائر، على نحو ما كان يتناظر فى عصرنا أصحاب الصحافة الحزبية فى آرائهم السياسية مدافعين مهاجمين، وتظل لهم فى أثناء ذلك صداقتهم.
وواضح مما قدمنا أن نقائض جرير والفرزدق نشأت تلبية لحاجة أهل البصرة إلى ما يسدّ فراغهم ويشغل أوقاتهم، ولم يلبث الشاعران أن حققا لهم كل ما كانوا يبغون من ذلك، إذ تحولا بفن الهجاء القديم إلى هذه النقائض الجديدة التى استضاءا فيها بقدرة العقل العربى الحديثة على الجدال والتوليد فى المعانى. وارجع إلى أى فكرة عندهما كفكرة أن الفرزدق قين أو فكرة ذل بنى كليب فسترى كلا منهما يعرض الفكرة التى يقف عندها فى صور كثيرة، إذ ما يزال يولّد فيها، وما يزال يستنبط ويفرّع ويشعّب، وكأنما يريد أن لا يبقى فيها بقية. وانظر فى أى نقيضة يردّ بها أحدهما على خصمه، فستراه يقف بإزاء كل بيت قاله صاحبه ويردّ عليه صنع المتناطرين من أهل اللّدد والخصومة فى المسائل العقيدية، فهو يحاول جاهدا أن يبطل كل فكرة اعتمد عليها صاحبه فى هجائه وأن ينقضها نقضا. ومن ثمّ كنا نرى أن نقائض جرير والفرزدق فن جديد، وهى ككل فن يتصف بهذه الصفة، سبقتها مقدمات فى العصور
(1) أغانى (ساسى) 19/ 28.
(2)
أغانى 19/ 42.
(3)
الديوان ص 178.
(4)
تعلت: تطهرت.
(5)
الثأى: الفساد والضعف. زلت: عثرت.
السالفة، ولكنها استوت عند الشاعرين فى صورة جديدة، وهى صورة معقدة، إذ اعتمدت على دراسة التاريخ القديم والحديث للقبائل ودراسة مفاخرها ومثالبها.
كما اعتمدت على استيحاء روح الإسلام وما شاع فى العصر من قدرة على الجدال والحوار، وأخذت تظهر فيها ظاهرة لم تكن شائعة فى الهجاء القديم، وهى ظاهرة التندير على المهجوّ وقبيلته، حتى تضحك المستمعين فى المربد، وحتى تمدهم بما يريدون من التسلية ومن التهليل والصياح والصفير والتصفيق.
ومن ثمّ لم يترك كل من الشاعرين شيئا يثير الضحك فى خصمه إلا أثاره، كأن يقول الفرزدق فى جرير:
يهدى الوعيد ولا يحوط حريمه
…
كالكلب ينبح من وراء الدار
أو يقول فى كليب عشيرته:
يستيقظون إلى نهاق حمارهم
…
وتنام أعينهم عن الأوتار (1)
أو يقول:
أتعدل أحسابا لئاما أدقّة
…
بأحسابنا إنى إلى الله راجع
وكان جرير يلقاه بمثل قوله:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا
…
أبشر بطول سلامة يا مربع
وقوله:
خذوا كحلا ومجمرة وعطرا
…
فلستم يا فرزدق بالرجال
وهو يتفوق على الفرزدق فى هذا الجانب تفوقا واضحا، ومن ثم كان هجاؤه أكثر مرارة وأشد نكاية.
وساقت الظروف الأخطل شاعر تغلب ليصطدم بجرير شاعر قيس ومحاميها المناضل عنها. وكان الأخطل-كما قدمنا-يهاجى قيسا فى الحروب التى
(1) الأوتار: جمع وتر وهو الثأر.
نشبت بينها وبين قبيلته منذ موقعة مرج راهط سنة 65 وكان شعراؤها يردّون عليه، فيفجمهم بأهاجيه المقذعة.
وشاءت المقادير أن يلمّ بالعراق فى ولاية بشر بن مروان، فاصطدم هناك بجرير، ويقول الرواة إنه أحفظه إذ فضل الفرزدق عليه (1) وطبيعى أن يفضل الأخطل الفرزدق وينحاز له ضد شاعر قيس بل يجلب عليه، فلم يكن منشأ التفضيل الحكم الفتى من حيث هو، إنما كان منشؤه الخصومة العنيفة بين تغلب وقيس. وسرعان ما استطار الهجاء بين الشاعرين. وإذا هما يخلّفان طائفة كبيرة من النقائض، جمعها أبو تمام (2). وقد ظلا ينظمانها منذ سنة 73 إلى أن توفّى الأخطل حوالى سنة 92. وهو يعدّ مع جرير والفرزدق فحول الشعر فى هذا العصر. يقول الجاحظ:«والذين هجوا فوضعوا من قدر من هجوه، ومدحوا فرفعوا من قدر من مدحوا، وهجاهم قوم فردوا عليهم، فأفحموهم، وسكت عنهم بعض من هجاهم مخافة التعرض لهم، وسكتوا عن بعض من هجاهم رغبة بأنفسهم عن الرد عليهم، وهم إسلاميون، جرير والفرزدق والأخطل» (3)
وجميع الظواهر التى لاحظناها فى نقائض جرير والفرزدق نجدها مجسمة فى نقائض جرير والأخطل، فهما جميعا يعنيان بتاريخ القبائل فى الجاهلية والإسلام، وهما يخلطان العصبيات بالسياسة. وقد ساقت الظروف تغلب لتقف فى صفوف بنى أمية ضد قيس، على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، كما ساقت الأخطل التغلبى ليكون شاعر بنى أمية منذ عصر معاوية ولسانهم الناطق فى الجزيرة والعراق. وربما كانت قصيدة «خفّ القطين» للأخطل أروع نقائضه مع جرير، ونراه يستهلها بالنسيب ووصف حزنه لفراق أحبته، وهو يتبعهم طرفه مولّها، حتى ليشبّه نفسه بالسكران المنتشى، ويصف الخمر وصفا قصيرا، وهو موضوع لم يكن جرير ولا الفرزدق يلمّان به، لتحريم الإسلام للخمر، وكان الأخطل نصرانيا، فانفرد بهذا الموضوع فى شعره.
(1) ابن سلام ص 387، 408 وأغانى 8/ 315 ونقائض جرير والفرزدق ص 871.
(2)
نشر صالحانى هذه النقائض فى بيروت سنة 1022 عن مخطوطة فى الآستانة، وقد اشتملت هذه المخطوطة على بعض نقائض الشاعرين، ومن الممكن أن يستخرج من ديوانيهما نقائض أخرى لهما.
(3)
البيان والتبيين 4/ 83.
على أنه لم يطنب فيه هنا، فقد تركه إلى وصف ظعن الحبيبة، مستلهما زهيرا فى هذا الوصف ومضيفا إليه تصويرا لأخلاق النساء، وإقبالهن على الشباب وانصرافهن عن الشيوخ. وخرج من ذلك إلى مديح عبد الملك، فمدحه من حيث هو خليفة، منوّها بجوده، ومشبها له فى هذا الجود بالفرات، وهى صورة يتأثر فيها تأثرا واضحا بصورة النابغة للنعمان بن المنذر فى معلقته. ويمضى فيفصّل الحديث عن حربه لمصعب بن الزبير ومهارته فى قيادة الجيوش والظفر بخصومه.
ويمدح أسرته الأموية منوها بشرفها العريق وأنفتها وحمايتها عن الحقوق وبأسها وقوة مراسها وحلمها وصلابتها. ويشيد بوقوفه فى صفوف بنى أمية ونضاله أعداءهم، كما يشيد بنصر قبيلته لهم، ويحمل على زفر بن الحارث زعيم قيس، وكان قد دخل فى طاعة عبد الملك، وكأنه يبغى أن يحفظه عليه وعلى قبيلته، يقول:
بنى أمية إلى ناصح لكم
…
فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر
ويستطرد إلى انتصارات تغلب على قيس فى حروبهما بالجزيرة، ويزعم أنه لولا هذه الانتصارات ما دخلت قيس فى طاعة بنى أمية! وقد مرّ بنا أنها نكلت بتغلب بعد موقعة الحشّاك التى قتل فيها فارسها عمير بن الحباب وأن زفر بايع عبد الملك قبل قدومه بجيوشه لحرب مصعب، لا قهرا من تغلب، ولكن بعد نظر. ومضى الأخطل يهجو قيسا حتى إذا بلغ من ذلك كل ما يريد انتقل إلى جرير وعشيرته كليب، فأقذع فى هجائها إقذاعا شديدا بمثل قوله:
أما كليب بن يربوع فليس لهم
…
عند التفارط إيراد ولا صدر (1)
مخلّفون ويقضى الناس أمرهم
…
وهم بغيب وفى عمياء ما شعروا (2)
ملطّمون بأعقار الحياض فما
…
ينفكّ من دارمىّ فيهم أثر (3)
قوم أنابت إليهم كلّ مخزية
…
وكل فاحشة سبّت بها مضر (4)
على العيارات هدّاجون قد بلغت
…
نجران أو حدّثت سوءاتهم هجر (5)
(1) التفارط: التقدم للاستقاء من الآبار، والإيراد: ورود الماء. والصدر: الصدور عنه.
(2)
يريد أنهم لا يستشارون ولا يعبا بهم.
(3)
يقول إنهم يلطمون حيث يكونون فى مؤخرات الحياض، تلطمهم دارم عشيرة الفرزدق لعزتها وشرفها.
(4)
أنابت: رجعت وتناهت.
(5)
العيارات: جمع عير وهو الحمار، يهجوء بأنهم أصحاب حمر لا أصحاب خيل. الهدج: تقارب الخطو.
ويأخذ فى هجاء جرير هجاء عنيفا يقذع فيه إقذاعا شديدا. وعلى هذه الشاكلة لا يزال الأخطل فى نقائضه لجرير يذمّ عشيرته. راميا لها بكل ما يستطيع من نبال الذل والخسّة والدناءة، وهو يتحدث فيها عن مواقع تغلب مع قيس فى الإسلام وما حققت من بعض الانتصارات، وكثيرا ما يضمّ إلى ذلك فخرا بأيامها فى الجاهلية، كما يضم انتصارا للفرزدق وعشيرته دارم، حتى يبلغ من جرير كل ما يريد من هجاء مرير.
وكان جرير ينقضّ عليه كالصّقر الجارح، فيضع تحت عينه مخازى تغلب وهزائمها فى حروبها مع قيس سواء فى يوم ماكسين الذى نكّل بها فيه عمير بن الحباب أو فى يوم الكحيل الذى نكل بها فيه زفر بن الحارث أو فى يوم البشر الذى نكّل بها فيه الجحّاف السّلمىّ، ضامّا إلى ذلك انتصارات قبيلته: يربوع فى الجاهلية وملججا فى هزائم تغلب قبل الإسلام، مفتخرا عليه افتخارا عنيفا بمثل قوله يردّ عليه نقيضته السالفة:
نحن اجتبينا حياض المجد مترعة
…
من حومة لم يخالط صفوها كدر (1)
لم يخز أول يربوع فوارسهم
…
ولا يقال لهم كلا إذا افتخروا
هل تعرفون بذى بهدى فوارسنا
…
يوم الهذيل بأيدى القوم مقتسر (2)
خابت بنو تغلب إذ ضلّ فارطهم
…
حوض المكارم إن المجد مبتدر (3)
الظاعنون على العمياء إن ظعنوا
…
والسائلون بظهر الغيب ما الخبر (4)
الآكلون خبيث الزاد وحدهم
…
والنازلون إذا واراهم الخمر (5)
إنى رأيتكم والحقّ مغضبة
…
تخزون أن يذكر الجحّاف أوزفر
كانت وقائع قلنا لن ترى أبدا
…
من تغلب بعدها عين ولا أثر
حتى سمعت بخنزير ضغا جزعا
…
منهم فقلت أرى الأموات قد نشروا (6)
(1) الحومة: معظم الماء.
(2)
ذو بهدى: يوم ليربوع على تغلب وفيه أسرت فارسها الهذيل بن هبيرة.
(3)
الفارط: الذى يتقدم قبل الإبل ليملأ لها الحوض.
(4)
يريد أنهم لا يعرفون الأمر إلا تدبرا، فهم لا يسألون فى شئ وهم يسألون عن أخبار الناس.
(5)
الخمر: الموضع المستتر، يقول إنهم ينزلون به فرارا من الضيفان والحقوق التى تلزمهم.
(6)
نشروا: حيوا وبعثوا.
وواضح أنه يردّ على معانيه معنى معنى، وقد لقبه فى البيت الأخير بأنه خنزير إشارة إلى أنه نصرانى، وكان يسقط عليه من هذا الجانب دائما، وهو يمضى فى نفس هذه النقيضة، فيقول.
رجس يكون إذا صلّوا، أذانهم
…
قرع النواقيس لا يدرون ما السّور (1)
وما لتغلب إن عدّت مساعيها
…
نجم يضيئ ولا شمس ولا قمر
الضاحكين إلى الخنزير شهوته
…
يا قبّحت تلك أفواها إذا كشروا (2)
والمقرعين على الخنزير ميسرهم
…
بئس الجزور وبئس القوم إذ يسروا (3)
جاء الرسول بدين الحق فانتكثوا
…
وهل يضير رسول الله أن كفروا
وكان الأخطل إذا سمعه يقول ذلك وشبهه انجحر، ولم يستطع له جوابا، ومن ثم كان جرير يقول إننى أعنت عليه بكفره. وأعين عليه أيضا بمهارته فى التندير على خصمه، ومما يجمع الجانبين جميعا قوله فى نقيضة ثانية:
قبح الإله وجوه تغلب كلما
…
شبح الحجيج وكبّروا إهلالا (4)
عبدوا الصّليب وكذّبوا بمحمد
…
وبجبرئيل وكذّبوا ميكالا
المعرسين إذا انتشوا ببناتهم
…
والدّائبين إجارة وسؤالا (5)
والتغلبىّ إذا تنبّح للقرى
…
حكّ استه وتمثّل الأمثالا (6)
ولو انّ تغلب جمّعت أحسابها
…
يوم التفاضل لم تزن مثقالا
نبّئت تغلب ينكحون رخالهم
…
وترى نساؤهم الحرام حلالا (7)
لا تطلبنّ خؤولة فى تغلب
…
فالزّنج أكرم منهم أخوالا
(1) يريد سور القرآن الكريم.
(2)
يريد أنهم إذا نظروا إلى الخنزير ضحكوا شهوة للحمه.
(3)
الميسر: اللعب بالقداح على الجزور وهو ما يذبحونه من بعير أو ناقة. يقول إنهم نصارى ولذلك ييسرون ويقامرون على الخنزير.
(4)
شبح: رفع يديه بالدعاء. الإهلال: رفع الصوت.
(5)
يقول إنهم بين أجير وسائل.
(6)
تنبح: كانوا ينبحون فى الظلام إذا ضلوا لتردّ عليهم كلاب الحى، فيستهدون بها للقرى وهو الطعام والضيافة.
(7)
الرخال: أولاد الضأن.
ويقول فى نقيضة ثالثة:
إن الذى حرم المكارم تغلبا
…
جعل الخلافة والنبوة فينا
مضر أبى وأبو الملوك فهل لكم
…
يا خزر تغلب من أب كأبينا (1)
هذا ابن عمىّ فى دمشق خليفة
…
لو شئت ساقكم إلىّ قطينا (2)
وما زالا يتهاجيان حتى حضر الأخطل الموت، فقيل له ألا توصى؟ فقال توّا:
أوصّى الفرزدق عند الممات
…
بأمّ جرير عيارها (3)
ولم يكد يسمع بذلك جرير، حتى نظم فيه هجاء عنيفا من وزن هذا البيت وقافيته يقول فيه:
وزار القبور أبو مالك
…
فأصبح ألأم زوّارها (4)
والحق أن جريرا كان يتفوق على خصميه جميعا فى الهجاء، وقد شهد له الأخطل بذلك، إذ قال للفرزدق فيما يروى الرواة: «إن جريرا أوتى من سير الشعر ما لم نؤته، قلت أنا بيتا ما أعلم أن أحدا قال أهجى منه، قلت:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم
…
قالوا لأمهم بولى على النار
فلم يروه إلا حكماء أهل الشعر، وقال هو:
والتغلبىّ إذا تنبّح للقرى
…
حكّ استه وتمثّل الأمثالا
فلم تبق سقاة ولا أمثالها إلا رووه (5)». ولعل من الخير أن نلمّ بحياة هؤلاء الشعراء الثلاثة وأشعارهم، إذ عدّهم الرواة والنقاد فحول هذا العصر ومبرّزيه فى الهجاء والمديح جميعا.
(1) الخزر: ضيق فى مؤخر العين، يكنى به جرير عن اللؤم.
(2)
القطين هنا: الخدم والعبيد.
(3)
أعيار: جمع عير وهو الحمار.
(4)
أبو مالك: كنية الأخطل.
(5)
أغانى 8/ 318.