الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مساعدات حربية ولسانية. وحين نتصفح أشعار زفر بن الحارث نجدها تقطر عصبية (1) عنيفة، فهو دائما يتهدد تغلب وكلبا وأخواتها من القبائل اليمنية، وهو فى تهديده لا ينسى ابن الزبير وأنه يقف من دونه ضد قبيلة كلب وزعيمها ابن بحدل الذى يناصر بنى أمية، يقول (2):
أفى الله أما بحدل وابن بحدل
…
فيحيى وأما ابن الزبير فيقتل
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه
…
ولما يكن يوم أغرّ محجّل (3)
ولما يكن للمشرفيّة فوقكم
…
شعاع كقرن الشمس حين ترجّل (4)
وعلى هذا النحو كانت تختلط فى أشعار الطرفين الذحول والثارات بالسياسة.
وظلوا يجترّون ذلك طويلا، إذ نرى جريرا لسان قيس ومحاميها يشنّ هجوما قاسيا على تغلب وشاعرها الأخطل الذى انبرى له يردّ كيده على نحو ما مرّ بنا فى النقائض.
وكان مصعب بن الزبير من فتيان قريش شجاعة وسخاء، فلما ولى العراق لأخيه انهلّت غيوثه على الشعراء، فمدحه منهم كثيرون مثل أعشى همدان ودكين الفقيمى، ولكن المدح من حيث هو لا يهمنا، إنما يهمنا الشعر السياسى الذى كان يدافع عن نظرية ابن الزبير فى الخلافة، هاجيا لبنى أمية مؤلبا عليهم القبائل. ولعل شاعرا لم يبلغ من ذلك ما بلغه
ابن قيس الرقيات
، فهو شاعر الزبيريين ونظريتهم السياسية غير مدافع، ومن ثمّ ينبغى أن نقف عنده قليلا.
ابن (5) قيس الرقيات
اختلف الرواة فى اسمه هل هو عبيد الله أو عبد الله، والأول أرجح، لأن فى أخباره أنه كان له أخ يسمى عبد الله. وعلى نحو ما اختلفوا فى اسمه اختلفوا فى
(1) انظر الجزء الخامس من أنساب الأشراف للبلاذرى فى مواضع متفرقة والأغانى (ساسى) 17/ 112، 20/ 124.
(2)
طبرى 4/ 419.
(3)
يريد يوما مشهورا يبير كلبا ولا يبقى ولا يذر
(4)
المشرفية: السيوف. ترجل: ترتفع.
(5)
انظر فى ترجمة ابن قيس الأغانى (طبع دار الكتب) 5/ 73 وما بعدها والشعر والشعراء 1/ 523 وابن سلام ص 530 وخزانة الأدب 3/ 265 والموشح ص 186 وشواهد المغنى ص 211 وحديث الأربعاء لطه حسين (طبعة الحلبى) 1/ 316 وكتابنا الشعر والغناء فى المدينة ومكة ولعصر بنى أمية (طبع دار المعارف) ص 275. وله ديوان نشره رود كناكس فى فينا سنة 1902 وحققه تحقيقا علميا وأعاد نشره فى بيروت محمد يوسف نجم. والرقيات إما صفة لابن قيس فينّون قيس وإما مضافة. راجع فى ذلك الخزانة.
سبب نعته بالرّقيّات، وأصوب الآراء أنه كان يشبّب بغير فتاة تسمى رقية، فنعت بالرقيات إشارة إلى ذلك. وهو قرشى من بنى عامر بن لؤى، ولد بمكة فى العقد الثالث للهجرة لقيس ابن شريح بن مالك بن ربيعة (النويعم) بن أهيب بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤى. وأقدم أخباره تشير إلى ملازمته لبعض المغنين وتصفحه لبعض النساء فى الحج، ولم تكد تقع عينه على رقية بنت عبد الواحد بن أبى سعد أحد أفراد عشيرته الذين هاجروا مع طائفة منها إلى الجزيرة سنة سبع وثلاثين حتى شغف بها، وسرعان ما أخذ ينظم فيها أشعاره.
ويظهر أنه تحول عن مكة إلى المدينة وأقام بها طويلا، ولعل الذى دفعه إلى ذلك تعلقه بالمغنين والمغنيات. ويسوق صاحب الأغانى أخبارا له مع سائب خاثر وبديح وفند، وهم من مغنى المدينة المشهورين، ونراه يذكر فى بعض شعره دارا له بها (1)، ويبدو أنه لم ينزلها وحده، بل نزلها مع أخيه عبد الله ونفر من عشيرته. وفى اختلاطه بالمغنين ما يدل على أنه كان يحيا حياة لاهية فى المدينة، ونراه يشكو من مروان بن الحكم الذى كان يعقب معاوية بينه وبين سعيد بن العاص فى حكمها، إذ كان كل منهما يليها فترة وكانت فى مروان شدة وغلظة فكان إذا ولى يأخذ المغنين ودورهم بالضبط الشديد، ومن ثمّ تعرّض له ابن قيس يصف شدته وقسوته (2)، وهو فى أثناء ذلك ينظم مقطوعاته فى الغزل، ويترنّم بها المغنون والمغنيات، ويستحسنها الناس استحسانا شديدا.
ونراه يرحل إلى الجزيرة فى أثناء حكم يزيد بن معاوية، ويظهر أنه أراد الابتعاد عن المدينة فى تلك الفترة التى ثارت فيها على يزيد. وهناك جاءته الأنباء بموقعة الحرّة وأن طائفة من أهل بيته قتلوا فيها من بينهم أسامة وسعد ابنا أخيه عبد الله، فهزته تلك الأنباء هزّا عنيفا، فإذا هو يبكى من ماتوا من أهله بكاء حارّا، يقطر بالتورة على يزيد وبنى أمية، يقول:
إن الحوادث بالمدينة قد
…
أوجعننى وقرعن مروتيه (3)
(1) الديوان (طبعة بيروت) ص 24.
(2)
الديوان ص 177 والأغانى 5/ 72 وما بعدها.
(3)
المروة: حجر أبيض تقدح منه النار. وهو مثل يضرب لمن نزل به شر.
ينعى بنو عبد وإخوتهم
…
حلّ الهلاك على أقاربيه (1)
ونعى أسامة لى وإخوته
…
فظللت مستكّا مسامعيه (2)
تبكى لهم أسماء معولة
…
وتقول ليلى: وارزبّتيه
والله أبرح فى مقدّمة
…
أهدى الجيوش، علىّ شكّتيه (3)
حتى أفجّعهم بإخوتهم
…
وأسوق نسوتهم بنسوتيه
ولم يلبث يزيد أن توفى، وتحولت الجزيرة إلى ميادين حروب بين قيس وتغلب على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، واصطدمت عشيرته بعمير بن الحباب بطل قيس فى بعض حروبه، مما جعله يؤثر التحول عن الجزيرة إلى فلسطين، ولم يلبث أن تركها إلى العراق، حيث مصعب بن الزبير. وكان طبيعيّا أن يجذبه إليه، فقد رأيناه حنقا على بنى أمية منذ موقعة الحرّة، يريد أن يقود الجيوش ضدهم، فيثأر لابنى أخيه، ويسبى نساءهم. وجعله ذلك يستشعر عقيدة الزبيريين، فالخلافة ينبغى أن تكون فى قريش روحا وواقعا عمليّا، بحيث تكون حاضرتها فى الحجاز، وبحيث تعتمد على القرشيين لا على كلب وأخواتها من قبائل الشام اليمنية التى أوقعت بأهل المدينة وقعة الحرة المشئومة.
وهو يصدر فى ذلك عن قرشيته من جهة وعن الكلوم التى أصابت فؤاده من أهل الشام من جهة أخرى، ومن ثمّ كان اعتناقه للعقيدة الزبيرية اعتناقا مخلصا، وهو اعتناق يشوبه الحقد على بنى أمية والرغبة الشديدة فى أن ينقضّ حكمهم فى الشام انقضاضا، ولعل خير ما يصور ذلك قصيدته الهمزية التى يفتتحها بقوله:
أقفرت بعد عبد شمس كداء
…
فكدىّ فالرّكن فالبطحاء (4)
ومضى يطيل فى ذكر الأماكن التى هجرها الأمويون إلى دمشق وربوع
(1) بنو عبد: عشيرته نسبها إلى جده السابع.
(2)
استكت المسامع: صمّت وضاقت، هو مثل يضرب للنبأ الشديد يعرك سامعه.
(3)
مقدمة: يريد مقدمة الجيش. الشكة: السلاح التام.
(4)
كداء وكدى: جبلان بمكة. والركن. ركن البيت الحرام. والبطحاء: حيث كان ينزل أشراف مكة حول البيت فى الجاهلية.
الشام منوّها برجالهم وحسانهم من النساء، وكأنه يأسى لهذا المصير الذى انتهت إليه قريش، فقد تفرقت بلدانا وشيعا، حتى طمع فيها الطامعون، ويصرّح بذلك فيقول:
حبّذا العيش حين قومى جميع
…
لم تفرّق أمورها الأهواء
قبل أن تطمع القبائل فى مل
…
ك قريش وتشمت الأعداء
ويمضى فيرد على الخوارج وأشباههم ممن كانوا يرون أن تنزع الخلافة من قريش وتردّ إلى العرب، بل إلى المسلمين جميعا، يقول:
أيها المشتهى فناء قريش
…
بيد الله عمرها والفناء (1)
إن تودّع من البلاد قريش
…
لا يكن بعدهم لحىّ بقاء
فقريش هى عمود الخلافة، ولو أنها زالت عنها لسقط ركنها سقوطا لا يرتفع بعده. ولا يلبث أن يتوجّه بخطابه إلى عبد الملك هاجيا:
قد عمرنا فمت بدائك غيظا
…
لا تميتنّ غيرك الأدواء (2)
ويأخذ فى الفخر بقريش وفضلها على الإسلام والخلافة، فيذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين وحمزة عم الرسول وجعفرا الطيار والزبير بن العوّام حوارىّ النبىّ وأبا عبد الله ومصعبا. ويشير إلى انتصار مصعب على المختار الثقفى، ويعرض لما كان يزعم من أنه يوحى إليه، ويمدح مصعبا، فيقول:
إنما مصعب شهاب من الل
…
هـ تجلّت عن وجهه الظّلماء
ملكه ملك قوّة ليس فيه
…
جبروت ولا به كبرياء
ويعود إلى الافتخار بقريش ورجالاتها فى الجاهلية والإسلام، ويفتخر ببيتها الحرام الذى يحجّ إليه الناس من كل فجّ عميق، ويأسى لحرق جيوش الشام هذا البيت حين حصارها لابن الزبير بعد موقعة الحرّة، ويشيد ببناء ابن الزبير له بعد هذا الحصار، ولا يلبث أن يدعو دعوة عنيفة لحرب عبد الملك
(1) عمرها: يريد بقاءها.
(2)
عمرنا: عشا زمنا طويلا، يشير إلى خلافة ابن الزبير وأنها استقرت له أعواما.
وبنى أمية الذين استتباحوا المدينة والبيت الحرام، وقتلوا الحسين فى كربلاء يقول:
كيف نومى على الفراش ولمّا
…
تشمل الشّام غارة شعواء
تذهل الشّيخ عن بنيه وتبدى
…
عن براها العقيلة العذراء (1)
أنا عنكم بنى أمية مزو
…
رّ وأنتم فى نفسى الأعداء
إنّ قتلى بالطّفّ قد أوجعتنى
…
كان منكم لئن قتلتم شفاء (2)
وهذه هى الأنغام السياسية التى كان يوقّعها على قيثارته الشجية، وكان يضيف إليها مديحا لعبد الله بن الزبير وبيان أنه أحق قرشى بالخلافة. وكان لا يزال يذكر وقعة الحرة مضيفا إليها وقعة مرج راهط التى هزم فيها أنصار ابن الزبير من القبائل القيسية متوعدا عبد الملك بالغارات المبيرة، ومشيدا بمصعب وشجاعته وكرمه وتقواه. وكان قد رأى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت حين لجّ الهجاء بينه وبين يزيد بن معاوية يتخذ الغزل الفاضح برملة أخته وسيلة إلى الهجاء المقذع، فحاكاه فى هذا الاتجاه بغزله بعاتكة زوجة عبد الملك وأم البنين زوجة ابنه الوليد. وفى الوقت نفسه كان يشبب بزوجتى مصعب: عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين تشبيبا كله وقار، وكأنه أزهار ثناء، يريد أن يرضى بها مصعبا. ونحن لا نقرن الصورتين من الغزل بعضهما إلى بعض حتى نرى خبثه ومكره، وكيف استطاع أن يتخذ من الغزل أداة لشعره الزبيرى السياسى ومن قوله فى عائشة، وقد بعث به مصعب إليها وهى غاضبة عليه ليترضّاها (3):
جنّيّة برزت لتقتلنى
…
مطليّة الأصداغ بالمسك
عجبا لمثلك لا يكون له
…
خرج العراق ومنبر الملك (4)
ترمى لتقتلنا بأسهمها
…
ونزنّها بالحلم والنّسك (5)
(1) البرى: الخلاخيل. وقد كنى بذلك عما يصيبهن من فزع شديد.
(2)
الطف: من نواحى الكوفة حيث كربلاء التى قتل فيها الحسين.
(3)
انظر الأغانى (طبع دار الكتب) 11/ 176 وقارن بالديوان ص 141 وقد وصل القطعة بأبيات فى أم البنين لا شك فى أنها ملأت صدر عبد المك موجدة.
(4)
يريد بمنبر الملك الخلافة كأنه يتمناها لمصعب.
(5)
نزنها: ننسبها إلى.
وواضح أنه يحوطها بالنسك والطهارة والعفاف، واقرن هذه الصورة إلى غزله بعاتكة وأم البنين الذى كان يسوقه فى مقدمة مدائحه لمصعب، فإنك ستراه يعرضهما فى صورة تؤذيهما كقوله فى عاتكة:
بدت لى فى أترابها فقتلننى
…
كذلك يقتلن الرجال كذلكا
وقالت لو انّا نستطيع لزاركم
…
طبيبان منا عالمان بدائكا (1)
ويتخيل أم البنين جاءته فى الحلم، فنال منها كل ما أراد، وكأنها امرأة مبتذلة، لا يمسكها طهر ولا عفاف، فهى تمعن معه فى اللهو إلى طلوع الفجر، يقول:
أتتنى فى المنام فقل
…
ت هذا حين أعقبها (2)
فلما أن فرحت بها
…
ومال علىّ أعذبها (3)
شربت بريقها حتى
…
نهلت وبتّ أشربها (4)
وبتّ ضجيعها جذلا
…
ن تعجبنى وأعجبها (5)
وأيقظنا مناد فى
…
صلاة الصبح يرقبها (6)
وظل على هذا النحو يصول ويجول بشعره ضد عبد الملك وبنى أمية ونسائهم، معلنا أن صلاح الأمة لا يتم إلا باجتماعها على ابن الزبير الذى يمثّل الحكم القرشى الصحيح. وما نصل إلى سنة 71 للهجرة حتى يقدم عبد الملك بجيش ضخم إلى العراق لحرب مصعب، فيلقاه فى دير الجاثليق، وقد انفضّ عنه أكثر أنصاره، ولم تبق معه منهم سوى بقية قليلة بينها ابن قيس. ويقتل مصعب ويفرّ ابن قيس إلى الكوفة متفجّعا على صاحبه آسيا لانفضاض العراقيين عنه، ويطلبه عبد الملك، فيستتر منه عند امرأة أنصارية تسمى كثيرة نحو عام، ونظن ظنّا
(1) طبيبان: يريد رسولين، ويريد بالداء الحب الذى سرى فى نفس عاتكة له.
(2)
أعقبها: صارت عقباها لى أى صارت إلى.
(3)
أعذبها: فها.
(4)
نهلت: رويت. أشربها: أسقيها.
(5)
جذلان: فرح.
(6)
يرقبها: أى يرقب الصلاة.
أنها زوجة (1) على بن عبد الله بن العباس، وكان ممن يجيرون على عبد الملك، ولكن يظهر أنه لم يستطع أن يطلب العفو منه على ابن قيس الرقيات لأن ذنبه كان عظيما. ومن ثمّ رأيناه يخرج من مخبئه، ميمّما وجهه شطر عبد الله بن جعفر فى المدينة، ويقال إنه راسل عبد العزيز بن مروان كى يشفع له عند أخيه، ولبّاه عبد العزيز، فأرسل إلى ابنته أم البنين، وكان عبد الملك لا يردّ لها طلبا، أن تشفع فيه، وقبلت شفاعتها، وقيل بل راسلها ابن جعفر وفى رواية أن ابن جعفر هو الذى شفع له عند عبد الملك، ولم يلبث أن مثل بين يديه ينشده بائيته التى يقول فيها:
ما نقموا من بنى أمية إ
…
لاّ أنهم يحلمون إن غضبوا
وأنهم معدن الملوك فلا
…
تصلح إلا عليهم العرب
إن الفنيق الذى أبوه أبو ال
…
عاصى عليه الوقار والحجب (2)
خليفة الله فوق منبره
…
جفّت بذاك الأقلام والكتب
يعتدل التاج فوق مفرقه
…
على جبين كأنه الذّهب
ويظهر أن عبد الملك لم يطب نفسا له، ومن ثم نرى ابن قيس يولّى وجهه شطر العراق فيمدح أخاه بشرا، ويعطيه الجزيل. ويعود من لدنه إلى الحجاز فيعيش فى ظل ابن جعفر يغدق عليه من برّه ونواله، ويجذبه جود عبد العزيز بن مروان بمصر، فيرحل إليه، ويمكث عنده طويلا، حتى إذا فكر عبد الملك فى صرف ولاية العهد عنه إلى ابنه الوليد رأيناه يثور معه على أخيه، إذ يقول فى بعض مدائحه له، مبشرا له بالخلافة وأنها ستصير إليه وإلى بنيه:
لتهنه مصر والعراق وما
…
بالشام من بزّه ومن ذهبه (3)
يخلفك البيض من بنيك كما
…
يخلف عود النّضار فى شعبه (4)
نحن على بيعة الرسول وما
…
أعطى من عجمه ومن عربه
(1) انظر وفيات الأعيان لابن خلكان (طبعة أوربا) ص 412.
(2)
الفنيق: أصله الفحل من الإبل الكريم على أصحابه.
(3)
البز: الثياب والمتاع.
(4)
النضار: يريد الشجر النضر، ويخلف الثانية: ينبت عودا بعد عود.
وبلغت القصيدة عبد الملك فتوعّده، وعرف ذلك ابن قيس، فلم يقرّ له قرار وضاقت الدنيا فى عينيه فنظم قصيدة بديعة يذمّ فيها من يغتابونه عند عبد الملك رياء له ونفاقا افتتحها بقوله
بشّر الظّبى والغراب بسعدى
…
مرحبا بالذى يقول الغراب
وهو فيها يصور ما يلزمه من نحس رمز له بالغراب. ويظهر أنه كان يفد على عبد الملك من حين إلى حين ففى ديوانه مدائح له مختلفة، والطريف أنه يستهلّ بعضها بغزله بأم البنين لا على شاكلة غزله القديم الذى كان يريد به أن يؤذى عبد الملك، ولكن على شاكلة غزله بعائشة بنت طلحة، فهو يصف جمالها ووقارها متلطفا. وليس فى ديوانه مدائح فى الوليد مما يدل على أنه إن كان لحق عصره فإنه لم يعش فيه طويلا. وفى ديوانه قصائد مختلفة مدح بها عبد الله بن جعفر، وهو يشيد به وبجوده إشادة رائعة على شاكلة قوله:
أتيناك نثنى بالذى أنت أهله
…
عليك كما يثنى على الروض جارها
إذا متّ لم يوصل صديق ولم تقم
…
طريق من المعروف أنت منارها
وممن مدحهم ونوّه بهم طويلا طلحة الطلحات الخزاعى والى سجستان، وهو يثنى على كرمه وشجاعته، وفيه يقول حين توفّى بيته المشهور من مرثية فيه بديعة:
نضّر الله أعظما دفنوها
…
بسجستان طلحة الطلحات
وليس له وراء هجائه السياسى سوى قطعة هجا بها عبد العزيز بن عبد الله ابن خالد حين هزم فى حربه للأزارقة، وهو لا يقسو فيها قسوة الهجّائين فى عصره.
وحتى الآن لم نتحدث عن غزله، وهو فى الطليعة من شعراء الغزل المكيين، ولو أنه لم يشغل نفسه بالمديح والدعاية للزبيريين وخلص للغزل على شاكلة عمر بن أبى ربيعة لما قصّر عنه فى هذا الفن، وقد رأيناه فى مطلع حياته يلزم
المغنين والمغنيات، وكان لذلك أثر واسع فى موسيقى شعره، إذ تمتاز بالنقاء والصفاء والعذوبة حتى فى مدائحه ومراثيه. وليس ذلك فحسب، فإنه من أكثر الحجازيين عناية بالأوزان المجزوءة والأخرى القصيرة، وهو من هذه الناحية يطبع شعره بطوابع الغناء التى عاصرته، إذ نجد عنده حلاوة النغم وخفة الأوزان بحيث تحمل كل ما يريد المغنون والمغنيات من أنغام وترنيمات على مثال قوله:
رقىّ بعيشكم لا تهجرينا
…
ومنّينا المنى ثم امطلينا
عدينا فى غد ما شئت إنّا
…
نحبّ-وإن مطلت-الواعدينا
فإما تنجزى عدتى وإما
…
نعيش بما نؤمل منك حينا
وقوله:
رقيّة تيّمت قلبى
…
فواكبدى من الحبّ
وقالوا اداؤه طبّ
…
ألا بل حبّها طبى
وقوله:
حبّ ذاك الدّلّ والغنج
…
والتى فى عينها دعج (1)
والتى إن حدثت كذبت
…
والتى فى وعدها خلج (2)
خبّرونى هل على رجل
…
عاشق فى قبلة حرج
ودائما يجرى غزله على هذه الصورة من عذوبة الألفاظ ورشاقة الألحان.
وهو لا يتغزل بمن سمّين باسم رقية فحسب، إذ نراه يتغزل بكثيرات، غزلا يملؤه بالصبابة واللوعة. وخاصة حين يكون غزله صادقا لا يريد به سياسة ولا ما يشبه السياسة.
(1) الدل: الدلال. الغنج: حسن الدل والمزح. الدعج: شدة سواد العين.
(2)
الخلج: الاضطراب وعدم الثبات على حال.