الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونزلت الكلمة على الأزد بردا وسلاما، فأغمدت الأسنة وحقنت الدماء.
وعلى هذا النحو تثبت خطب الأحنف وسيرته صدق فراسة ابن الخطاب فيه، إذ اعتبره سيد قومه وخطيب مصره.
4 - خطباء الوعظ والقصص
نشط الوعظ والقصص الدينى فى هذا العصر نشاطا عظيما، فقد كان الوعّاظ والقصّاص فى كل بلدة إسلامية لا ينون عن وعظ المسلمين، وقد أفرد لهم الجاحظ فى بيانه صحفا كثيرة، أورد فيها أسماء طائفة من مبرّزيهم وكثيرا مما كانوا يعظون به الناس. ومن أشهر من وقف عندهم هو وغيره من أصحاب كتب الأدب والتاريخ الأسود بن سريع وهو أول من قصّ بالبصرة (3)، وكان يقابله فى الكوفة زيد (4) بن صوحان وفى المدينة عبيد بن عمير (5) وكان عبد الله بن عمر يتأثر بقصصه ووعظه حتى ليبكى من شدة تأثره. ومن القصّاص أيضا إبراهيم (6) التّيمى الكوفى وسعيد بن جبير، وكان يقص بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر (7)، ومسلم (8) بن جندب قاصّ مسجد المدينة، وذرّ (9) بن عبد الله، وكان بليغا، وهو الذى كان يقصّ فى جند ابن الأشعث حاثّا الناس على حرب الحجاج، ومطرّف
(1) استشرى: تفاقم. الشنآن: العداوة.
(2)
حسك الصدور: الحقد.
(3)
ابن سعد ج 7 ق 1 ص 28.
(4)
ابن سعد ج 6 ص 84.
(5)
ابن سعد ج 5 ص 341 والبيان والتبيين 1/ 367.
(6)
ابن سعد ج 6 ص 199.
(7)
ابن سعد ج 6 ص 178.
(8)
البيان والتبيين 1/ 367.
(9)
انظر فى مواعظه عيون الأخبار 2/ 298 والعقد 3/ 198.
ابن عبد الله الشّخيّر وكان يقصّ فى مكان أبيه بمسجد البصرة (1)، ومنهم وهب (2) بن منبّه ويزيد بن أبان الرّقاشى، ويذكر الجاحظ من وعظه (3). «ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نعص، وليتنا إذ عصينا لم نمت، وليتنا إذ متنا لم نبعث، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذّب، وليتنا إذ عذبنا لم نخلّد» .
فالقصّاص كانوا وعّاظا فى الوقت نفسه، بل هم لا يقصّون إلا من أجل الوعظ، وممن اشتهروا بوعظهم عبد (4) الله بن عمرو بن العاص فى مصر ورجاء (5) ابن حيوة والأوزاعى (6) فى الشام وسعيد (7) بن المسيّب وأبى حازم الأعرج فى المدينة، ولثانيهما مواعظ كثيرة كان يعظ بها سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، ومن قوله فى بعض هذه المقامات وقد سئل ما مالك؟ قال:
مالان: الثقة بما عند الله واليأس مما فى أيدى الناس (8). ومن وعاظ المدينة أيضا محمد (9) بن كعب القرظى واعظ عمر بن عبد العزيز. وكان العراق يموج بالوعاظ موجا، من مثل ابن (10) شبرمة ومورّق (11) العجلى وبكر (12) بن عبد الله المزنىّ والشّعبى (13) وأيوب (14) السّختيانى ومحمد بن واسع الأزدى البصرى، وقد تولى الوعظ فى جيش قتيبة بن مسلم بخراسان وفيه يقول إنه أحب إلىّ من مائة ألف سيف شهير وسنان طرير (15). ومن كبار الوعاظ والقصاص مالك (16) بن دينار، وكان يقول فى قصصه: ما أشد فطام الكبير، وينشد:
وتروض عرسك بعد ما هرمت
…
ومن العناء رياضة الهرم
(1) البيان والتبيين 1/ 367 وعيون الأخبار 2/ 289.
(2)
انظر فى مواعظه عيون الأخبار 2/ 272 وما بعدها، 2/ 281، 328.
(3)
البيان والتبيين 1/ 262.
(4)
عيون الأخبار 2/ 294.
(5)
انظر طرفا من مواعظه فى صفة الصفوة 4/ 186.
(6)
انظره فى صفة الصفوة 4/ 228.
(7)
راجع صفة الصفوة 2/ 44.
(8)
البيان والتبيين 3/ 139.
(9)
انظر البيان والتبيين 2/ 34، 3/ 143، 170.
(10)
البيان والتبيين 1/ 336 والعقد 3/ 150، 183.
(11)
البيان والتبيين 1/ 353 وانظر 2/ 198.
(12)
نفس المصدر 1/ 353 وانظر 3/ 141.
(13)
البيان والتبيين 2/ 322 وصفة الصفوة 3/ 40.
(14)
راجع صفة الصفوة 3/ 212.
(15)
البيان والتبيين 3/ 273 والعقد الفريد 3/ 170 وطرير: محدد.
(16)
البيان والتبيين 2/ 79 وصفة الصفوة 3/ 197.
ومنهم إياس بن معاوية قاضى البصرة، وكان يضرب به المثل فى الذكاء وصدق الفراسة (1)، ومنهم خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة الأهتميان التميميان، وفيهما يقول الجاحظ:«ما علمت أنه كان فى الخطباء أحد كان أجود خطبا من خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة للذى يحفظه الناس ويدور على ألسنتهم من كلاهما (2)» ويقول فى خالد: «ومن الخطباء المشهورين فى العوام والمقدّمين فى الخواص خالد بن صفوان. . ولكلامه كتاب يدور فى أيدى الورّاقين (3)» وقد لحق خالد عصر أبى العباس السفاح، وكان من سمّاره، ويؤثر عنه أنه كان يقول:«احذروا مجانيق الضعفاء يعنى الدعاء (4)» ومن قوله: «بتّ ليلتى كلها أتمنى فملأت البحر الأخضر بالذهب الأحمر فإذا الذى يكفينى من ذلك رغيفان وكوزان وطمران (5)» وروى له ابن قتيبة موعظة طويلة وعظ بها سليمان ابن عبد الملك وأبكاه (6).
ومن كبار وعّاظ العصر وقصّاصه الحسن البصرى، وفيه يقول الجاحظ:
«أما الخطب (الدينية) فإنا لا نعرف أحدا يتقدم الحسن البصرىّ فيها (7)» وممن يأتى بعده فى الوعظ عبد الله بن شداد، وهو القائل:«أرى داعى الموت لا يقلع وأرى من مضى لا يرجع (8)» . ومن كبار القصّاص والوعّاظ الفضل بن عيسى الرقاشى، وكان يسجع فى وعظه (9)، ويقول الجاحظ إنه «كان من أخطب الناس وكان متكلما قاصّا مجيدا (10)» وهو الذى يقول فى قصصه:«سل الأرض فقل من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا (11)» . ومن أشهر الوعاظ وأنبههم واصل (12) بن عطاء رأس المعتزلة، وكان أغزر خطباء عصره
(1) البيان والتبيين 1/ 98 وما بعدها.
(2)
البيان والتبيين 1/ 317.
(3)
نفس المصدر 1/ 339 - 340.
(4)
البيان والتبيين 3/ 274.
(5)
نفس المصدر 3/ 164 والطمر: الثوب البالى.
(6)
عيون الأخبار 2/ 341.
(7)
البيان والتبيين 1/ 354.
(8)
نفس المصدر 2/ 113.
(9)
البيان والتبيين 1/ 290.
(10)
البيان والتبيين 1/ 306.
(11)
نفس المصدر 1/ 308.
(12)
انظر فى ترجمة واصل الملل والنحل للشهرستانى ص 31 وما بعدها وأنساب السمعانى وابن خلكان ولسان الميزان 6/ 214.
وأبلغهم وأعجبهم وأبينهم، ويروى أنه حضر يوما مجلس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز فى إمارته على العراق (126 - 129 هـ) وحضره معه خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة والفضل بن عيسى الرقاشى، وتبارى الأربعة بين يديه فى الخطابة، ففضلهم بخطبته المشهورة التى جانب فيها الراء، إذ كان يلثغ فيها لثغا فاحشا، ونوّه بذلك بشار بن برد طويلا، قبل أن يفسد رأى واصل فيه، على شاكلة قوله (1):
أبا حذيفة قد أوتيت معجبة
…
فى خطبة بدهت من غير تقدير
وقوله:
تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا
…
وحبّروا خطبا ناهيك من خطب
فقام مرتجلا تغلى بداهته
…
كمرجل القين لما حفّ باللهب (2)
وجانب الراء لم يشعر بها أحد
…
قبل التّصفّح والإغراق فى الطلب
ولا نستطيع أن نزعم كما زعم بشار أن واصلا ألقى هذه الخطبة على البديهة فإن من يرجع إليها يحسّ أثر التروية والتحضير وأنه تأتّى لها فى أناة حتى اتسقت فى نسقها البديع، وهى من خير مواعظ العصر وأجملها وأبرعها، وقد استهلّها بتحميد وتمجيد أطنب فيهما إطنابا لا نعرفه لأحد من رصفائه، على هذا النمط (3):
«الحمد لله القديم بلا غاية، والباقى بلا نهاية، الذى علا فى دنوّه، ودنا فى علوّه، فلا يحويه زمان ولا يحيط به مكان، ولا يئوده (4) حفظ ما خلق، ولم يخلقه على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعا، وعدّله اصطناعا، فأحسن كلّ شئ خلقه، وتمّم مشيئته، وأوضح حكمته، فدلّ على ألوهيته، فسبحانه لا معقّب (5) لحكمه ولا دافع لقضائه، تواضع كل شئ لعظمته، وذلّ كل شئ لسلطانه، ووسع كلّ شئ فضله، لا يعزب عنه مثقال حبّة وهو السميع العليم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده إلها تقدّست أسماؤه، وعظمت آلاؤه، وعلا عن صفات
(1) انظر فى هذا البيت وما يليه البيان والتبيين 1/ 24.
(2)
القين: الحداد.
(3)
انظر فى هذه الخطبة الحلقة الثانية من الرسائل النادرة لعبد السلام هرون وجمهرة خطب العرب لأحمد زكى صفوت 2/ 482.
(4)
يئوده: يثقله.
(5)
لا معقب: لا راد.
كل مخلوق، وتنزّه عن شبيه كل مصنوع، فلا تبلغه الأوهام، ولا تحيط به العقول والأفهام، يعصى فيحلم، ويدعى فيسمع، ويقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون».
وواضح أن واصلا يستظهر فى هذا التحميد والتمجيد آى القرآن الكريم فى وصف عظمة الله وجلاله، حتى ليستعين بلفظها. وأيضا فإنه يستظهر ما كان يقرّره من نفى التجسيم عن الله، وأنه ليس كمثله شئ من مخلوقاته. وقد مضى يصلى على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مطيلا فى صلاته كما أطال فى حمده. وبقبس من صنيعه أخذ الكتّاب من أمثال عبد الحميد يطيلون فى تحميداتهم وصلاتهم على الرسول. ويأخذ بعد ذلك فى الحث على التقوى والعمل الصالح والتنفير من الدنيا ومتاعها الزائل، يقول:
وواصل فى هذه الفقرة يردّد ما كان يجرى على لسان الوعاظ من الدعوة إلى تقوى الله حق تقواه، ويحذر من الدنيا وبرقها الخلّب وما يطوى فيها من نعيم لا يلبث أن يزول، وإنها لتحت أعينهم تمدّ لهم فى غوايات الشهوات، والعاقل من ازورّ عنها وكبح جماح نفسه وردّها عن أهوائها، فالموت بالمرصاد وعمّا قليل لا يكون للمرء سوى ما قدّم من عمل صالح، فليتزود كلّ لمعاده قبل فوات الفرصة وحلول الأجل. ويسترسل على هدى القرآن الكريم يتحدث عن الدول والأمم الغابرة، متخذا من ذلك العبرة يقول:
«أين الملوك الذين بنوا المدائن، وشيّدوا المصانع، وأوثقوا الأبواب، وكاثفوا الحجّاب، وأعدّوا الجياد، وملكوا البلاد، واستخدموا التّلاد، قبضتهم بمحملها (1)
(1) المحمل: الشقان على البعير يحمل فيهما شخصان. والمعنى احتوت عليهم.
وطحنتهم بكلكلها (1)، وعضّتهم بأنيابها، وعاضتهم من السّعة ضيقا، ومن العزة ذلا، ومن الحياة فناء، فسكنوا اللّحود، وأكلهم الدود، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، ولا تجد إلا معالمهم، ولا تحسّ منهم من أحد، ولا تسمع لهم نبسا».
وهذا الشطر من موعظة واصل يصور لنا كيف كان القصاص يتحدثون طويلا عن الأمم الداثرة والدول الزائلة حديثا أطالوا فيه مستوعبين لقصص الرسل وشعوبهم وخاصة تلك التى عصتهم، وما صبّ الله عليها من عذابه مما دفعهم دفعا إلى جلب ما ورثه أهل الديانات السماوية من أخبار عن الأنبياء، يقصدون بذلك إلى الموعظة الحسنة. ويعود واصل إلى الوصية بالتقوى والانتفاع بالقرآن وما به من أحسن القصص وأبلغ المواعظ، وكفى به واعظا هاديا.
ويشيد الجاحظ ببلاغة واصل وأنه كان أحد الأعاجيب فى بلاغته، إذ كان فاحش اللّثغة فى الراء، فخلّص كلامه منها تخليصا، بحيث لم يكن أحد يفطن لذلك لبيانه الرائع، يقول: إنه كان داعية ورئيس نحلة. وعرف أن مخرج لثغته شنيع وأنه يقارع أرباب النحل وزعماء الملل وأن لا بد له من حسن البيان وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة، ومن أجل الحاجة إلى ذلك «رام إسقاط الراء من كلامه وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله ويساجله، ويتأتّى لستره والراحة من هجنته حتى انتظم له ما حاول واتّسق له ما أمّل. ولولا استفاضة هذا الخبر وظهور هذه الحال حتى صار لغرابته مثلا ولطرافته معلما لما استجزنا الإقرار به والتأكيد له. ولست أعنى خطبه المحفوظة ورسائله المخلّدة، لأن ذلك يحتمل الصنعة، وإنما عنيت محاجّة الخصوم ومناقلة (2) الأكفاء ومفاوضة الإخوان. . وذكر ذلك أبو الطّروق الضّبىّ فقال
عليم بإبدال الحروف وقامع
…
لكل خطيب يغلب الحقّ باطله (3)»
ولا شك فى أن عدول واصل عن الكلمات ذوات الراء فى جميع محاوراته آية بينة على تمام آلته فى البلاغة وإحكام صنعته. وكان رأسا فى الوعظ والاعتزال
(1) الكلكل: الصدر.
(2)
مناقلة: مدافعة.
(3)
البيان والتبيين 1/ 14 وما بعدها.
معا، وخرّج كثيرين على مذهبه، طافوا البلاد يعظون الناس ويدعون إلى مقالته، وكان من أهم ما يدعو إليه حرية الإرادة، وأن الفاسق فى منزلة بين منزلتى المؤمن والكافر. والطريف أننا نجد صفوان الأنصارى يصف أتباعه فيقول (1):
له خلف شعب الصّين فى كل ثغرة
…
إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر (2)
رجال دعاة لا يفلّ عزيمهم
…
تهكّم جبّار ولا كيد ماكر
وأوتاد أرض الله فى كل بلدة
…
وموضع فتياها وعلم التشاجر (3)
وما كان سحبان يشقّ غبارهم
…
ولا الشّدق من حيّى هلال بن عامر (4)
وهو لا ينوّه بوعظهم فحسب، بل ينوه أيضا بقدرتهم على الجدل والإقناع وتقرير الأدلة فى عقول الناس. ويمضى فيصور براعة واصل فى هذا العلم الجديد، علم التشاجر، وكيف كان يقتدر على إيراد الحجج ودفع الشّبه عند خصومه من أرباب الملل والنحل، مستطردا من ذلك إلى وصف تقواه وتقوى أتباعه، يقول:
تلقّب بالغزّال واحد عصره
…
فمن لليتامى والقبيل المكاثر (5)
ومن لحرورىّ وآخر رافض
…
وآخر مرجىّ وآخر جائر (6)
وأمر بمعروف وإنكار منكر
…
وتحصين دين الله من كل كافر
يصيبون فصل القول فى كل موطن
…
كما طبّقت فى العظم مدية جازر
وسيماهم معروفة فى وجوههم
…
وفى المشى حجّاجا وفوق الأباعر
وفى ركعة تأتى على الليل كلّه
…
وظاهر قول فى مثال الضمائر
(1) البيان والتبيين 1/ 25.
(2)
السوس الأقصى: كورة بالمغرب كانت حاضرتها طنجة.
(3)
علم التشاجر: يريد به علم الجدال فى العقيدة أو علم الكلام.
(4)
الشدق: البلغاء.
(5)
خير الأقوال فى تلقيب واصل بالغزال أنه كان يجلس فى سوق الغزالين ليعرف المتعففات من النساء فيجعل صدقته لهن. انظر المبرد ص 546.
(6)
الحرورية: الخوارج
ويهمنا ما وقف عنده صفوان والجاحظ بعده من محاجّة واصل لخصومه من أرباب الملل: من الحروريّة ورافضة الشيعة والمرجئة، فقد انبثقت من الوعظ شعبة من الجدل فى العقيدة، هيأت لظهور علم التشاجر كما يقول صفوان أو علم الكلام كما اصطلح المتأخرون، فظهر القدرية بزعامة الحسن البصرى، وظهر المرجئة بزعامة غيلان الدمشقى وغيره من دعاة هذا المذهب فى العراق وخراسان.
وفى كل مكان نسمع عن مجادلات أصحاب هذه الفرق بعضهم مع بعض، ومع الخوارج والشيعة وبعض خلفاء بنى أمية (1). واحتدمت هذه المجادلات احتداما شديدا، وقد احتفظت الكتب ببقايا منها تدل دلالة بينة على أنها شحذت العقول كما شحذت الألسنة، ومن خير ما يصورها محاورة واصل بن عطاء مع عمرو ابن عبيد بمجلس الحسن البصرى فى مرتكب الكبيرة، وكان الحسن يراه مؤمنا فاسقا، ويراه الخوارج كافرا، وتراه المرجئة مؤمنا غير فاسق ولا كافر، لأنهم كما قدمنا كانوا يفصلون الإيمان عن العمل. ورأى واصل أن مرتكب الكبيرة فى منزلة وسطى بين منزلتى المؤمن والكافر، فهو ليس مؤمنا ولا كافرا. وكان عمرو بن عبيد من تلاميذ الحسن البصرى، فجمع بينه وبين واصل ليناظره فى رأيه. ويقص علينا المرتضى هذه المناظرة (2)، ويقدم لها بأن واصلا أقبل ومعه جماعة من أصحابه إلى حلقة الحسن وفيها عمرو بن عبيد، فحاوره فى رأيه، وردّ عليه واصل ردّا مفحما مستخدما بعض آى الذكر الحكيم، شافعا ذلك بقياس منطقى دقيق. واقتنع عمرو فترك مقالة الحسن إلى مقالة واصل، وأصبح بعد ذلك من رءوس المعتزلة.
والحق أن واصل بن عطاء يعدّ رمزا لكل ما أصاب عقل الوعّاظ وأصحاب المقالات فى هذا العصر من دقة لا فى مناظراته ومحاوراته فحسب، بل أيضا فى آزائه، فإن فكرة المنزلة بين المنزلتين التى وضع فيها مرتكبى الكبائر فكرة لا يؤتاها إلا من استبصر المعانى وعرف حدودها ومقاديرها ومداخلها ولطائفها، وكان واصل يجمع إلى ذلك قدرة واسعة فى الجدل والظفر بخصومه، وهو ظفر
لا يأتى عفوا، وإنما يأتى من تصفّح الأدلة ومعرفة صحيحها من سقيمها وجيدها من زائفها.
فإذا قلنا إن الخطابة العربية تطورت تطورا واسعا بتأثير عقول هؤلاء المتكلمين لم نكن مغالين، إذ دعمت فيها الأدلة ودقّت المعانى، واستتمت شعبا كثيرة من خفياتها ودفائنها. وليس هذا فحسب، فإن هؤلاء الوعاظ المتكلمين وازنوا بين خطابتهم والجماهير التى كانت تستمع إليهم، وكانت أخلاطا من خاصة وعامة ومن عرب وموال، ومن ثمّ فتحوا الأبواب واسعة للأسلوب المولّد الجديد، وهو أسلوب لا يرتفع عن الموالى وفئات العامة بما قد يكون فيه من لفظ غريب، ولا يهبط عن العرب وفئات الخاصة بما فيه من لفظ مبتذل، أسلوب وسط، عماده الفصاحة والوضوح.
ولم يكونوا يخطبون غالبا وقوفا شأن خطباء السياسة والمحافل، إنما كانوا يخطبون جلوسا، ومن حولهم تلاميذهم ومستمعوهم فى حلقات، وهم من هذه الناحية يعدّون محاضرين أكثر منهم خطباء بالمعنى الدقيق، وهيأ لهم ذلك شيئا من التروّى والتمهل كان له أثره فى روعة الأداء، حتى لنرى فريقا منهم يعمد إلى السجع فى وعظه مثل أسرة الرقاشيين (1)، وكان بينها غير متكلم مثل الفضل ابن عيسى الرقاشى. ولكن هذا ليس الأسلوب الذى شاع فى تلك البيئة، إنما شاع أسلوب آخر كان يقوم على الازدواج والترادف، وهو واضح فى خطبة واصل التى مرّت بنا، وفى خطابة الحسن البصرى وغيلان (2) الدمشقى، وإنما ألجأهم إليه ضيق معانى الوعظ، فاضطروا إلى الترادف وترداد الكلام. ومن غير شك هم الذين أعدّوا لهذا الأسلوب الذى نراه ينتقل منهم إلى عبد الحميد ومن تلاه من كتاب العصر العباسى أمثال الجاحظ، ولا أغلو إذا قلت إنهم أعدوا لشيوع لون الطباق فى كتابات العباسيين، فقد جعلهم حديثهم عن الطاعة والعصيان والحياة والموت والجنة والنار يصوغون خطابتهم على المطابقة والمقابلة بين المعانى.
(1) انظر فى هذه الأسرة البيان والتبيين 1/ 306 وما بعدها.
(2)
انظر فى مواعظه عيون الأخبار 2/ 245.
وليس هذا كل ما أهدوه إلى النثر العربى، فإنهم أهدوا إليه أيضا كثيرا من الوصايا البلاغية التى يموج بها كتاب البيان والتبيين للجاحظ، إذ تحولوا يعلّمون شباب البصرة والكوفة كيف يحسنون خطابتهم سواء من حيث إشاراتهم أم من حيث منطقهم أم من حيث تنقيح معانيهم أم من حيث تصفية ألفاظهم، وكيف يلائمون بين اللفظ والمعنى وبين كلامهم ومستمعيهم وطبقاتهم، ومتى يستحبّ الإيجاز ومتى يستحب الإطناب، وكيف أن المعوّل دائما على وضوح الدلالة حتى يصنع الكلام فى القلوب صنيع الغيث فى التربة الكريمة. وبذلك هيأوا لظهور قواعد البلاغة العربية، ولعل من الطريف أن أقدم النصوص المتصلة بماهيتها تضاف إلى أحد متكلميهم ووعّاظهم، فقد روى الجاحظ أن سائلا سأل عمرو بن عبيد ما البلاغة؟ فأجاب (1):
وعلى هذا النحو كان تلاميذهم لا يزالون يدفعونهم إلى الحديث عن آلات البلاغة، وكيف يحرزون لأنفسهم التفوق فى الخطابة وفى المحاورة والمناظرة، ويؤثر عن خالد بن صفوان أنه كان يقول:«اعلم-رحمك الله-أن البلاغة ليست بخفة اللسان وكثرة الهذيان، ولكنها بإصابة المعنى والقصد إلى الحجة» (2) وكان شبيب بن شيبة يقول: «الناس موكّلون بتفضيل جودة الابتداء وبمدح صاحبه، وأنا موكّل بتفضيل جودة القطع وبمدح صاحبه، وحظّ جودة القافية وإن كانت كلمة واحدة أرفع من حظ سائر البيت (3)» . ولم يكونوا يتفقدون
(1) البيان والتبيين 1/ 114 وانظر العقد الفريد 2/ 260 وزهر الآداب 1/ 93.
(2)
العقد الفريد 2/ 261.
(3)
البيان والتبيين 1/ 112.