الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - شعراء الخوارج
رأينا فى غير هذا الموضع كيف أن الخوارج بفرقهم المختلفة من أزارقة وصفرية ونجدات وإباضية ظلوا يحاربون الجيوش الأموية طوال العصر، وكلما قضوا على جماعة منهم هبّت جماعة أخرى تطلب الاستشهاد فى سبيل عقيدتها فى ولاية الأمة وأنه ينبغى أن لا تكون قاصرة على قريش، بل يتولاها خير المسلمين ورعا وتقوى ولو كان عبدا حبشيّا. وقد أخذوا يتصورون الجماعة الإسلامية ضالة عن الطريق الدينى الصحيح، ومضوا يرون جهادها فريضة دينية.
وعلى هذا النحو عاش الخوارج فى هذا العصر للحرب، مستحلّين دماء إخوانهم المسلمين، وهى معيشة طبعت شعرهم بطوابع ميزته من شعر الفرق السياسية الأخرى، فهو شعر ثوّار ترافقهم السيوف فى غدوهم ورواحهم وفى استقرارهم وترحالهم. وقد استعذبوا الموت غير آبهين بالحياة الدنيا، ومن ثمّ كان شعرهم فى جملته حماسيّا، وهى حماسة لا تحركها العصبيات القديمة، عصبيات القبيلة التى كانت تقوم على الأخذ بالثأر، وإنما تحركها عصبية حديثة لعقيدتهم السياسية التى تعمقتهم مؤمنين بأنها تطابق تعاليم الدين الحنيف وأن عليهم أن يجاهدوا فى سبيلها مخلصين، حتى يفوزوا برضا الله وثوابه.
وكان إخلاصهم لدينهم عظيما، غير أنهم ضلوا عن المحجة، إذ مضوا يشرعون سيوفهم ويسلّونها على المسلمين، كأن الإسلام لا يحيا إلا فى معسكراتهم، وبذلك مزّقوا الجماعة الإسلامية، إذ ظلوا ثائرين، وظلت عقيدتهم كأنها مبدأ ثورى يدعوهم دائما إلى الحرب والقتال. وكانوا أتقياء، ولكنهم من غير شك كانوا غالين فى نضالهم، فقد رفضوا الدنيا واستحلوا دماء إخوانهم المسلمين، وأخذوا يجاهدونهم جهادا عنيفا موطّنين أنفسهم على طلب الشهادة فى ميدان هذا الجهاد، حتى كان بينهم من إذا طعن فأنفذه الرمح جعل يسعى فيه إلى
قاتله، وهو يقول:(وعجلت إليك ربّ لترضى)(1) وكأنما وهبوا أنفسهم للموت. ولهم فى ذلك أخبار وأشعار كثيرة يستصغرون فيها الحياة ويهوّنون من شأنها. من ذلك أن رجلا منهم قدّمه الحجاج إلى القتل، فأنشد (2):
ما رغبة النفس فى الحياة وإن
…
عاشت قليلا فالموت لاحقها
وأيقنت أنها تعود كما
…
كان براها بالأمس خالقها (3)
يوشك من فرّ من منيّته
…
فى بعض غرّاته يوافقها
من لم يمت عبطة يمت هرما
…
والموت كأس والمرء ذائقها (4)
وعلى هذه الشاكلة كان الموت أمنية كل خارجى، الموت قعصا بالرماح، حتى يفوز بالاستشهاد وبما عند الله من الثواب، يقول يزيد بن حبناء وكان من الأزارقة:
أبيت وسربالى دلاص حصينة
…
ومغفرها والسيف فوق الحيازم (5)
أريد ثواب الله يوما بطعنة
…
غموس كشدق العنبرىّ بن سالم (6)
فهم يطلبون الموت ويستعذبونه ابتغاء ثواب الله والفوز برضوانه وجناته، وإنهم يستعجلونه تعجلا، يقول قطرى بن الفجاءة (7):
إلى كم تعارينى السيوف ولا أرى
…
معاراتها تدعو إلىّ حماميا (8)
أغارع عن دار الخلود ولا أرى
…
بقاء على حال لمن ليس باقيا
ولو قرّب الموت القراع لقد أنى
…
لموتى أن يدنو لطول قراعيا (9)
(1) المبرد ص 564.
(2)
المبرد ص 43.
(3)
براها: خلقها.
(4)
عبطة: شابا.
(5)
الدلاص: الدرع الملساء اللينة. المغفر: زرد يلبس تحت القلنسوة أو حلق يتقنع به المتسلح.
(6)
غموس: واسعة. العنبرى بن سالم: رجل من الأزارقة كان يقال له الأشدق لسعة فمه.
(7)
انظر فى ترجمة قطرى وأشعاره وفيات الأعيان لابن خلكان والملل والنحل ص 90 وأمالى المرتضى 1/ 637 وفهارس الكامل للمبرد والطبرى والبيان والتبيين.
(8)
تعارينى: تطلبنى عارية. الحمام: الموت.
(9)
القراع: مضاربة السيوف فى الحرب. أنى: آن.
فهو يريد أن يتخلص من الحياة الزائلة وينزح عنها إلى الحياة الباقية التى لا تزول، وهو لذلك يستبطئ الموت، وكأنما ملّ دنياه. وتصوّر لنا هذا الملل إحدى نسائهم المقاتلات، وهى أم حكيم، إذ تقول (1):
أحمل رأسا قد سئمت حمله
…
وقد مللت دهنه وغسله
ألا فتى يحمل عنى ثقله
وكأنما أصبح الموت شعارهم، بل قل الاستشهاد، حتى يلحقوا بالملأ الأعلى وبمن سبقوهم إلى جنات ربهم ونعيمه، يقول أبو بلال مرداس فى خروجه (2):
أبعد ابن وهب ذى النّزاهة والتّقى
…
ومن خاض فى تلك الحروب المهالكا
أحبّ بقاء أو أرجّى سلامة
…
وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا
فياربّ سلّم نيتى وبصيرتى
…
وهب لى التّقى حتى ألاقى أولئكا
فهو يخرج طلبا للاستشهاد حتى يلحق بعبد الله بن وهب الراسبى والسابقين من رفاقه، وهو يدعو ربه صادقا أن ينيله طلبته، فيقتل فى سبيل عقيدته، وكأن الحياة حجاب صفيق يريد أن يجتازه إلى ربه وإلى رفاقه.
وقد جعلهم ذلك لا يبكون قتلاهم ولا يرثونهم بالصورة التى نجدها عند شعراء الفرق الأخرى، إذ كان قتلهم يحقق فى رأيهم السعادة المنشودة، وهى سعادة يطلبها كل خارجى لنفسه، لذلك مضوا يمجدون قتلاهم على شاكلة قول أم عمران الرّاسبى حين قتل ابنها فى يوم دولاب (3):
الله أيّد عمرانا وطهّره
…
وكان عمران يدعو الله فى السّحر
يدعوه سرّا وإعلانا ليرزقه
…
شهادة بيدى ملحادة غدر (4)
ودائما نجد هذه الصورة من الرثاء، إذ يصوّرون استشهاد قتلاهم زلفى إلى الله راسمين فيهم مثلا أعلى للتقوى والصلاح والانكباب على عبادة الله خوفا من
(1) أغانى (دار الكتب) 6/ 150 وتريد أم حكيم بدهن شعرها ما تدهنه به من الطيب.
(2)
المبرد ص 586.
(3)
أغانى 6/ 145.
(4)
ملحادة: من الإلحاد والتاء للمبالغة. غدر: كثير الغدر.
عذاب ربهم، يقول عمرو بن الحصين فى رثاء عبد الله بن يحيى وقائده أبى حمزة ومن قتل من أصحابهما (1):
يا ربّ أسلكنى سبيلهم
…
ذا العرش واشدد بالتّقى أزرى
فى فتية صبروا نفوسهم
…
للمشرفيّة والقنا السّمر (2)
متأهّبين لكل صالحة
…
ناهين من لاقوا عن النّكر
وما يزال يصور خشوعهم وخشيتهم من النار وانكبابهم على العبادة انكبابا لا ينامون فيه إلا اختلاسا وآونة بعد آونة إلى أن يقول:
كم من أخ لك قد فجعت به
…
قوّام ليلته إلى الفجر
متأوّه يتلو قوارع من
…
آى القران مفزّع الصّدر
ويمضى فيصور انصرافهم عن الدنيا ولذاتها واحتسابهم أنفسهم لربهم حتى إذا أشرعت الرماح وسلّت السيوف ورعدت الحرب بصواعق الموت تهافتوا على الموت شوقا إلى الجنة. ولا ريب فى أن هذه صورة جديدة فى الرثاء، تخالف ما نألفه عند غيرهم من الشعراء، فهم لا يبكون فيمن يرثونهم خلال الكرم والمروءة، وإنما يبكون فيهم المثل الأعلى للخارجى من التقوى ورفض الحياة الدنيا وزهرتها ومتاعها، مصورين إقبالهم على الموت الذى يتمنونه لأنفسهم، الموت الذى يفتح لهم أبواب الفراديس والجنان، فهو موت موصول بآمالهم فى حياة الخلد والرضوان. وهو رثاء حماسى، فيه دعوة قوية لمنازلة خصومهم رثاء يفيض بالحنين إلى القتال والمضى قدما حتى تفيض أرواحهم على أعناق أفراسهم، وتتخضب بالدماء صدورها وصدورهم.
وعلى هذه الشاكلة دائما رثاؤهم وحماستهم، فهم يتعطشون للموت، حتى القعدة منهم، فقد كانت فرقهم سوى الأزارقة تجيز القعود عن الحرب. ولكن نحسّ دائما كأن هذا القعود هدنة مسلّحة إلى حين، وبذلك نفسر كثرة ثورات الصفرية بالموصل، مع أنهم كانوا أكثر الخوارج تحمسا للقعود، فهم يقعدون
(1) أغانى (ساسى) 20/ 111 وما بعدها.
(2)
المشرفية: السيوف.
انتظارا للحوادث وتهيؤا للقتال، إلا نفرا منهم، أبوا حمل السلاح وتعلقوا بالحياة، وهو تعلق يردّ فى أكثر الأمر إلى إشفاقهم على بناتهم وأبنائهم أن يقلب لهم الدهر المجنّ من بعدهم، وكان لا يزال ثوّارهم يحمسونهم، ويدعونهم إلى الخروج عن دار المسلمين الباغين فى رأيهم، ويصور ذلك ما رواه المبرد (1) من أن أبا خالد القنانى استحبّ القعود، فلامه قطرىّ بن الفجاءة بمثل قوله:
أبا خالد يا انفر فلست بخالد
…
وما جعل الرّحمن عذرا لقاعد (2)
أتزعم أن الخارجىّ على الهدى
…
وأنت مقيم بين لصّ وجاحد
فكتب إليه أبو خالد.
لقد زاد الحياة إلىّ حبّا
…
بناتى إنهن من الضّعاف
أحاذر أن يرين الفقر بعدى
…
وأن يشربن رنقا بعد صافى (3)
ولا يتحول مثل هذا الاختلاف فى الرأى بينهم إلى هجاء حاد، بل يقف عند هذا اللون من اللوم والاعتذار. وكانوا يحسون حقّا بتعاطف وتراحم قويين بينهم، فهم أصحاب مقالة واحدة، وجمهورهم يدافع عنها بأرواحه حتى الذّماء الأخير. وعلى نحو ما يقطر شعرهم تعاطفا وحماسة يقطر زهدا فى الدنيا ورفضا لها طلبا لما عند الله من حسن المثوبة. ومن المحقق أنهم أوغلوا فى مقالتهم دون رفق ودون تفكير عميق فى المصلحة الحقيقية للأمة وأن من الخير لها أن تجتمع لا أن تتنابذ فرقا وتتقطع شيعا ويسفك الأخ دم أخيه.
وملاحظة أخيرة فى أشعارهم، هى أنهم يبدئون ويعيدون فى معانيهم التى صورناها، ولولا ما يلقانا فيها دائما من صدق العاطفة وحرارة الشعور لأحسسنا فى أثناء قراءتها بغير قليل من الملل والسأم. ولعل هذا هو السبب فى أن شخصياتهم الشعرية قلما تمايزت أو تباينت، وكأنما هى صور متعددة من نمط واحد، صور متشابهة، ومن ثمّ أشكلت نسبة كثير منها إلى أصحابها الحقيقيين على الرواة، فتارة ينسبونها إلى هذا الخارجى أو ذاك. وارجع إلى يوم «دولاب»
(1) المبرد ص 529.
(2)
يا انفر يا للتنبيه أو فى تقدير حذف منادى مثل يا أخى.
(3)
الرنق: الكدر.