المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌1 - المدينة ومكة - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٢

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌العصر الإسلامى

- ‌الكتاب الأولفى عصر صدر الإسلام

- ‌الفصل الأولالإسلام

- ‌1 - قيم روحية

- ‌2 - قيم عقلية

- ‌3 - قيم اجتماعية

- ‌4 - قيم إنسانية

- ‌الفصل الثانىالقرآن والحديث

- ‌1 - نزول القرآن وحفظه وقراءاته

- ‌2 - سور القرآن وتفسيره فى العهد الأول

- ‌3 - اثر القرآن فى اللغة والأدب

- ‌4 - الحديث النبوى

- ‌الفصل الثالثالشعر

- ‌1 - كثرة الشعر والشعراء المخضرمين

- ‌2 - الشعر فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌3 - الشعر فى عصر الخلفاء الراشدين

- ‌4 - شعر الفتوح

- ‌الفصل الرابعالشعراء المخضرمونومدى تأثرهم بالإسلام

- ‌1 - كثرة المخضرمين المتأثرين بالإسلام

- ‌4 - لبيد

- ‌5 - الحطيئة

- ‌الفصل الخامسالنثر وتطوره

- ‌1 - تطور الخطابة

- ‌2 - خطابة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌3 - خطابة الخلفاء الراشدين

- ‌4 - الكتابة

- ‌الكتاب الثانىفى عصر بنى أمية

- ‌الفصل الأولمراكز الشعر الأموى

- ‌1 - المدينة ومكة

- ‌2 - نجد وبوادى الحجاز ونزوح قيس إلى الشمال

- ‌3 - الكوفة والبصرة

- ‌4 - خراسان

- ‌5 - الشام

- ‌6 - مصر والمراكز الأخرى

- ‌الفصل الثانىمؤثرات عامة فى الشعر والشعراء

- ‌1 - الامتزاج بالأمم الأجنبية وتعرّبها وأثر ذلك فى اللغة

- ‌2 - الإسلام وأثره فى موضوعات الشعر

- ‌3 - السياسة

- ‌4 - الحضارة

- ‌5 - الثقافة

- ‌6 - الاقتصاد وموقف العرب من الموالى

- ‌الفصل الثالثشعراء المديح والهجاء

- ‌1 - شعراء المديح

- ‌ نصيب

- ‌القطامى

- ‌2 - شعراء الهجاء

- ‌ ابن مفرّغ

- ‌ الحكم بن عبدل

- ‌3 - شعراء النقائض

- ‌4 - الأخطل

- ‌5 - الفرزدق

- ‌6 - جرير

- ‌الفصل الرابعشعراء السياسة

- ‌1 - شعراء الزبيريين

- ‌ ابن قيس الرقيات

- ‌2 - شعراء الخوارج

- ‌ عمران بن حطّان

- ‌الطّرمّاح

- ‌3 - شعراء الشيعة

- ‌ كثيّر

- ‌الكميت

- ‌4 - شعراء ثورة ابن الأشعث

- ‌ أعشى همدان

- ‌5 - شعراء بنى أمية

- ‌الفصل الخامسطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل الصريح

- ‌ عمر بن أبى ربيعة

- ‌الأحوص

- ‌العرجى

- ‌2 - شعراء الغزل العذرى

- ‌ قيس بن ذريح

- ‌3 - شعراء الزهد

- ‌أبو الأسود الدّؤلى

- ‌4 - شعراء اللهو والمجون

- ‌أبو الهندى

- ‌5 - شعراء الطبيعة

- ‌ذو الرّمّة

- ‌6 - الرّجّاز

- ‌العجّاج

- ‌رؤبة

- ‌الفصل السادسالخطابة والخطباء

- ‌1 - ازدهار الخطابة

- ‌2 - خطباء السياسة

- ‌ زياد بن أبيه

- ‌3 - خطباء المحافل

- ‌ الأحنف بن قيس

- ‌4 - خطباء الوعظ والقصص

- ‌ الحسن البصرى

- ‌الفصل السابعالكتابة والكتّاب

- ‌1 - التدوين

- ‌2 - كثرة الرسائل المدوّنة

- ‌3 - كتّاب الدواوين

- ‌خاتمة

- ‌1 - خلاصة

- ‌2 - تعليق

الفصل: ‌1 - المدينة ومكة

‌الفصل الأول

مراكز الشعر الأموى

‌1 - المدينة ومكة

لا نصل إلى عصر بنى أمية حتى تصبح المدينة ومكة مركزين مهمين من مراكز الشعر، وحتى تتحضّر تحضّرا واسعا، وإذا كانت المدينة فقدت فى هذا العصر أهميتها السياسية، إذ تحولت عنها الخلافة إلى الكوفة فى عهد علىّ ثم إلى دمشق منذ معاوية فإنها ظلت تحتفظ بالتراث الدينى، كما ظلت مستقرّا لأكثر طوائف المجتمع العربى رقة ودماثة. وهيأت لذلك عوامل مختلفة من الثراء الواسع ومما دخلها من عناصر أجنبية كثيرة أسرعت بها إلى التحضر، بل إلى الترف البالغ، أما الثراء فمرجعه إلى ما خلّفه فيها الصحابة الأولون لأبنائهم من أموال جلبوها من الفتوح، فقد رجعوا إليها بحمول الذهب والفضة والجواهر، وابتنوا القصور وبالغوا فى تجميلها وزخرفتها (1)، وقام لهم على خدمة هذه القصور الرقيق الأجنبى الذى اجتلبوه، وكان كثيرا كثرة مفرطة، حتى ليروى عن الزبير بن العوّام مثلا أنه خلّف وحده ألف عبد وأمة (2). ومنذ أن دوّن عمر الدواوين كان يفرض لأهلها الأعطيات الكثيرة، وكان الأمويون يغدقون عليهم إغداقا (3)، استرضاء لهم، حتى يصرفوهم عن التفكير فى الخلافة.

كل ذلك أعدّ لأن تعيش المدينة فى هذا العصر عيشة دعة، إلا فترة قصيرة هى الفترة التى انتقضت فيها على يزيد بن معاوية، وقد دفعت ثمن هذا

(1) انظر مروج الذهب للمسعودى (طبعة باريس) 4/ 254.

(2)

نفس المصدر 4/ 254

(3)

الفخرى ص 127 واليعقوبى 2/ 358 والأغانى 7/ 22.

ص: 139

الانتقاض باهظا فى موقعة الحرة سنة 63 للهجرة، وكأن ذلك كان سحابة عارضة فى سمائها لهذا العصر، فبمجرد انقشاع تلك السحابة خلدت إلى صفو الحياة ونعيمها، ولم يعكّر عليها هذا الصفو و؟ ؟ ؟ شئ، فقد تجنّبت السياسة، ونقرأ فى أخبار أهلها فنجدهم ينعمون عام؟ ؟ ؟ المختلفة (1) رافلين رجالا ونساء فى الثياب الحريرية (2) وأنواع الطيب والعطور (3)، وبالغ النساء خاصة فى اتخاذ صنوف الحلى والجواهر (4).

وطبيعى أن يكثر فى هذا المجتمع المتحضر المترف الشباب العاطل الذى يريد أن يقطع أوقات فراغه الطويل فى لهو برئ، وسرعان ما قدّم له الرقيق الأجنبى ما يريد من هذا اللهو، إذ عنى بالغناء عناية بالغة، عناية استحدث فى أثنائها نظرية الغناء العربية التى نقرأ رقمها فى كتاب الأغانى تالية للأصوات أو كما نقول اليوم الأدوار، وقد جعلوها ستة ضروب، هى الثقيل الأول والثقيل الثانى وخفيف الثقيل والرّمل وخفيف الرمل والهزج، وميّزوا مجرى الصوت فيها بحسب الأصابع، فقالوا مثلا: ثقيل أول بالوسطى وخفيف ثقيل بالسبّابة وخفيف رمل بالبنصر.

واكتمال هذه النظرية على أيدى الرقيق الأجنبى يؤكد أنها تأثرت تأثرا واسعا بألحان الروم والفرس، وليست المسألة مسألة افتراض فإن كبار المغنين الأولين فى المدينة يؤثر عنهم أنهم كانوا يغنون الغناء الفارسى بجانب غنائهم العربى (5)، وكان هناك من يشخص إلى الشام فيتعلم ألحان الروم (6). على أنه ينبغى أن لا نظن من ذلك أن نظرية هذا الغناء العربى نقلت نقلا عن الأجانب فقد تأثرت بغنائهم، ولكنها استوت فى صورة عربية مستقلة. ومما يؤكد ذلك أن مصطلحاتها جميعا عربية وأن من قاموا عليها من الرقيق الأجنبى ولدوا فى بلاد العرب جميعا، ما عدا نشيطا الفارسى. وكانت العادة أن يبدأوا

(1) ابن سعد (طبعة أوربا) 4/ 126.

(2)

ابن سعد 8/ 352 والأغانى 6/ 13 والمعارف ص 274 والأغانى 1/ 310.

(3)

أغانى 9/ 262.

(4)

ابن سعد 8/ 343 وأغانى 8/ 273، 278.

(5)

أغانى (طبعة دار الكتب) 1/ 38، 8/ 321.

(6)

أغانى 1/ 378.

ص: 140

بالغناء العربى، ثم يرحلوا إلى بلاد الفرس والروم فيأخذوا عنهما غناءهم، ويدخلوا ألحانه فى غناء العرب. ومما يدل على ما نزعم أن أكثر الآلات الموسيقية التى يتردد ذكرها فى هذا العصر تديم مثل الصّنج والمزهر والقضيب والدفّ والطبل والمزمار، وحتى آلات العود والطمبور عرفت فى العصر الجاهلى.

على كل حال نهضت المدينة فى هذا العصر بفن الغناء نهضة واسعة، وشاركتها فى ذلك مكة كما سنرى بعد قليل، ولا نغلو إذا قلنا إن البلدتين جميعا لم تبقيا إلا قليلا للعصور التالية كى تضيفه إلى نظريته التى استحدثتاها. وقد أقبل أهل المدينة على هذا الغناء إقبالا شديدا، يشترك فى ذلك عامتهم وخاصتهم وعبّادهم وزهادهم (1) وقضاتهم (2)، حتى لتؤثر عن عمر بن عبد العزيز أصوات تغنّى بها فى إمارته لهم (3). وكان من أشرافهم من جعل داره أشبه بفندق للمغنين والمغنيات، على نحو ما هو مأثور عن عبد الله بن جعفر وقصد الناس لداره يسمعون بها ألوان الغناء (4)، وقد تخرج فى هذه الدار كثيرون من المغنيات والمغنين المطربين.

ومن كبار المغنين الذين اشتهروا بالمدينة فى هذا العصر طويس وهو أول من تغنى بها الغناء المتقن (5) وأول من صنع الهزج والرّمل فى الإسلام (6)، وسائب خاثر مولى ابن جعفر وهو ممن نقلوا ألحان الفرس إلى الغناء العربى (7) ومعبد وهو إمامهم فى الغناء غير منازع، وابن عائشة ومالك الطائى وعطرّد ويونس الكاتب وينسب إليه أول كتاب فى الغناء والأغانى ونسبتها إلى أصحابها.

ومن أشهر المغنيات عزة الميلاء وجميلة وسلاّمة القسّ وحبابة وسلاّمة الزرقاء.

ولعل من الطريف أن نعرف أنه كانت هناك دور مخصصة للسماع يفد عليها شباب المدينة كل ليلة، وأشهر هذه الدور دار جميلة، وكانت تكتظ

(1) أغانى 2/ 238، 4/ 222، 8/ 224.

(2)

أغانى 8/ 277.

(3)

أغانى 9/ 250.

(4)

المسعودى 5/ 385.

(5)

أغانى 3/ 29.

(6)

أغانى 4/ 219.

(7)

أغانى 8/ 331.

ص: 141

بالمغنين والمغنيات، ويعدّ أبو الفرج منهم فى أغانيه عشرات (1)، ويقصّ علينا أخبارا كثيرة عن هذه الدار، نعرف منها ما أصاب الغناء فى المدينة من رقى وازدهار، إذ كانوا يتغنون الغناء المصحوب بالجوقات الكبيرة (2) والآخر المصحوب بالرقص والضرب على الآلات الموسيقية الكثيرة (3). وكانت جميلة أحيانا تقوم باستعراض كبير يضم أشهر المغنين والمغنيات لا فى المدينة فقط، بل أيضا فى مكة (4)، ويقال إنها أرادت الحج فخرجت فى مهرجان ضخم من المغنين والمغنيات ضمّ نحو عشرين مغنيا وخمسين قينة (5).

وعلى هذا النحو عاشت المدينة فى هذا العصر لفن الغناء تنميّه وترقيه، ورقيّه إنما هو رمز لما أصاب مجتمعها من تحول وتطور وتحضر، ولما أخذ به من أسباب الرّفه والنعيم. وكان يلتقى فى هذا المجتمع كثير من الطفيليين وأصحاب الفكاهة والتندير، واشتهر من بينهم أشعب، وكان ماهرا فى إضحاك معاصريه لابنكته ونوادره فحسب، بل أيضا بإشاراته وحركاته. وتطفح كتب الأدب بدعاباته وفكاهاته (6).

ولمع فى هذا المجتمع كثيرات من النساء قدن المرح فيه والظّرف وعملن على تهذيب الأذواق، نذكر من بينهن السيدة سكينة بنت الحسين، وقد ترجم لها أبو الفرج فى أغانيه ترجمة (7)، صور فيها جمالها وبهاءها ووقارها وأخذها بأسباب الزينة حتى إنها عرفت بتصفيف لجمّة شعرها كانت النساء يقلّدنها فيه، بل كان من الرجال من يحاكيها فى جمّتها. وكانت ظريفة مزاحة، وكثيرا ما كان يختلف إليها أشعب لإضحاكها. وكانت تفسح فى مجالسها للرجال وللمغنين والمغنيات وللشعراء، وكثيرا ما كانت تفاضل بينهم.

نحن إذن بإزاء مجتمع متحضر اكتملت له كل الأسباب كى يمرح أهله مرحا بريئا، مرحا قوامه الغناء والدعابة والذوق الراقى المهذب. ولعلنا الآن نفهم

(1) أغانى 8/ 186 وما بعدها.

(2)

أغانى 8/ 218، 8/ 227.

(3)

أغانى 8/ 226.

(4)

أغانى 8/ 188، 8/ 211.

(5)

أغانى 8/ 209.

(6)

انظر ترجمته فى الأغانى (طبعة الساسى) 17/ 83.

(7)

أغانى (طبعة الساسى) 14/ 157 وما بعدها.

ص: 142

حزن أبى قطيفة الأموى على فراق هذا المجتمع حين نفاه ابن الزبير هو وغيره من الأمويين إلى دمشق، فقد أخذ يبكى بلدته فى شعر مؤثّر، مقارنا بينها وبين دمشق. ولا نقرأ هذا الشعر حتى نحس كأنه طرد من فردوسه الأرضى، يقول (1):

القصر فالنّخل فالجمّاء بينهما

أشهى إلى القلب من أبواب جيرون

ويقول (2):

أقطع الليل كلّه باكتئاب

وزفير فما أكاد أنام

إلى أشعار كثيرة (3) تصور رقة حسه وحنينه بل لهفته على الحياة الهنيئة فى مسقط رأسه، مما جعل ابن الزبير يعفو عنه ويأذن له فى الرجوع.

وفى هذا الجو الرقيق الذى زخر بالغناء والمرح نهض الشعر فى المدينة نهضة واسعة. وقد تعاونت على هذه النهضة عناصر كثيرة من الأنصار وممن هاجر إليهم من قريش وغيرهم وممن تعرّب فى بلدتهم من الموالى وأبنائهم تعربا تامّا.

ويستطيع القارئ أن يرجع إلى كتاب الأغانى حيث يجد أبا الفرج يترجم لكثرة غامرة من شعراء المدينة لهذا العصر، وممن ترجم له من الأنصار عبد الرحمن ابن حسان وابنه سعيد والنعمان بن بشير والسّرىّ بن عبد الرحمن والأحوص بن محمد، وترجم من قريش لعبد الرحمن بن الحكم وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب وجعفر بن الزبير والحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وترجم من حلفائهم للفقيهين المشهورين عروة ابن أذينة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ثم ابن أرطاة وابن هرمة.

وممن ترجم لهم من الموالى موسى شهوات وأخوه إسماعيل بن يسار النّسائى، وكان له ولدان شاعران هما محمد وإبراهيم. ووراء هؤلاء الشعراء كثيرون ذكرهم أبو الفرج عرضا.

(1) أغانى (طبعة دار الكتب) 1/ 11، والقصر الذى عناه قصر سعيد بن العاص بالمدينة، الجماء: أرض بها. جيرون: دمشق.

(2)

أغانى 1/ 29.

(3)

انظر ترجمته فى الأغانى 1/ 12 وما بعدها.

ص: 143

وإذا أخذنا نقرأ فى شعر هؤلاء الشعراء وجدنا جمهوره يجرى فى الحب والغزل، وهو شئ طبيعى، دفعت إليه حياة الشباب المترف فى المدينة، كما دفع إليه فن الغناء الجديد. وحقّا بقيت بقية من الهجاء عند عبد الرحمن بن الحكم وعبد الرحمن بن حسان، إذ أدارا معركة هجاء عنيفة (1)، ولكن هذه المعركة تنتهى بهما، ولا تبقى بعد ذلك إلا سهام ضئيلة تظهر من حين إلى حين. وبقيت بقية أوسع من المديح، إذ كان بعض الشعراء يمدح بنى أمية طلبا لنوالهم، على نحو ما نجد عند الأحوص (2) وموسى شهوات (3)، وأخيه إسماعيل بن يسار (4). والمديح والهجاء جميعا ليسا هما اللونين اللذين غلبا هناك على الشعر والشعراء. وفى الحق أن من يبحث عن هذين اللونين ينبغى أن يتجه ببصره إلى العراق أو إلى الشام، أما فى المدينة فكانا يسقطان على هامش شعر الغزل الذى كان يتفق وترف البيئة والذى كان يطلبه المغنون والمغنيات ليضعوا فيه أغانيهم الجديدة. ومن ثمّ طبع هذا الغزل بطوابع غنائية قوية، إذ كان فى حقيقته أغانى تصحب بالغناء والعزف على الآلات الموسيقية. ونستطيع أن نلاحظ هذه الطوابع فى جوانب كثيرة من حيث الكمّ ومن حيث الكيف ومن حيث الوزن، فأما من حيث الكم فهو فى مجموعه مقطوعات لا قصائد طويلة، وهو من حيث الكيف لا يقف عند الأطلال إلا نادرا إنما يقف عند حكاية الحب وتحليل خواطر الشاعر إزاءه، أما من حيث الوزن فإن الشعراء مالوا -تحت تأثير الغناء-إلى الأوزان القصيرة والمجزوءة حتى يتيحوا للمغنين والمغنيات أن يحمّلوا شعرهم ما يريدون من ألحان وأنغام جديدة. وكثيرا ما نجد مغنيا يضع لحنا ويطلب إلى شاعر أغنية يوقّعها عليه (5)، وكان بين الشعراء من يحسّن وضع الألحان على شعره مثل عروة بن أذينة (6) ولا نصل إلى أواخر العصر حتى نجد من بين المغنين والمغنيات من يحسن نظم الشعر مثل أبى سعيد مولى فائد وسلاّمة القسّ، وقد ترجم لهما صاحب الأغانى.

وإذا تركنا المدينة إلى مكة وجدناها تتطابق معها فى كل ما وصفناه من

(1) أغانى (ساسى) 13/ 144.

(2)

أغانى (دار الكتب) 1/ 297 و 4/ 248.

(3)

أغانى 3/ 365.

(4)

أغانى 4/ 408.

(5)

أغانى 2/ 238 وطبعة الساسى 21/ 107.

(6)

أغانى (ساسى) 21/ 109.

ص: 144

مظاهر الحياة والحضارة وفن الغناء الجديد وما اتصل بذلك من شيوع شعر الحب والغزل. وكانت مثلها تغرق فى ثراء واسع ورثه الشباب عن آبائهم، وقد ورثوا عنهم كثيرا، ورثوا ما كان فى حجورهم من أموال التجارة فى العصر الجاهلى، ومعروف أن قوافل مكة كانت تحل محل قناة السويس فى عصرنا، إذ كانت تنقل السّلع بين حوض المحيط الهندى وحوض البحر المتوسط، وانضافت إلى هذه الأموال أموال الفتوح الإسلامية وما فرض لأهلها من أعطيات ورواتب فى دواوين الخلافة وما قسم فيهم الأمويون دائما من أموال، وكان الحج يفئ عليهم كل سنة بما يسدّ خلّة كل محتاج.

فمكة لم تكن تقلّ فى هذا العصر ثراء عن المدينة، وهو ثراء استتبع بناء القصور المشيدة التى تختال جمالا وبهاء، وقد بنى معاوية لنفسه فيها دورا لقّبت «بالرّقط» لاختلاف ألوانها أحضر لها بنّائين من الفرس (1)، ومع ذلك كان إذا حج وقف مبهوتا إزاء بعض قصورها الأخرى (2). ومعروف أنه اتسع فيها بناء القصور والدور اتساعا كبيرا لعهد عبد الله بن الزبير حين اتخذها مقرّا لخلافته (3). وقد عنى كثير من الخلفاء ومن ولاتها الذين أثروا فى الفتوح باستنباط العيون فيها وغرس النخيل والأشجار فى ضواحيها (4) من ذلك ما يروى عن سليمان بن عبد الملك من أنه أراد أن يحج فكتب إلى خالد القسرى عامله عليها أن يجرى له عينا إلى الكعبة من الماء العذب، فصنع بركة فى أصل «ثبير» بحجارة منقوشة، وأسال منها الماء إلى المسجد الحرام فى قصب من رصاص انتهى بفوارة تسكب الماء فى نافورة رخام بين الركن وزمزم (5).

ولم تغرق مكة فى دور وقصور وعيون فحسب، بل لقد أخذت تغرق إلى آذانها فى الترف والنعيم. فإذا نفر من أهلها يأكلون ويشربون فى صحاف الذهب والفضة (6)، ونفر يلبسون مقطعات الخزّ والسندس والديباج والحلل الموشاة

(1) أغانى 3/ 281.

(2)

أغانى 1/ 211.

(3)

الأزرقى 1/ 392.

(4)

المعارف لابن قتيبة (طبعة جوتنجن) ص 164 والأزرقى 1/ 441 وما بعدها.

(5)

اليعقوبى (طبعة أوربا) 2/ 351.

(6)

أغانى 5/ 66.

ص: 145

على كل لون (1)، والطيب وأنواع العطور تفوح منهم (2). وبالغ النساء فى ذلك كله وفى اتخاذ الحلى وصنوف الجواهر (3).

واكتظت مكة-كما اكتظت المدينة-بالرقيق الأجنبى الذى نهض بحاجات أهلها فى مطاعمهم ومشاربهم وتوفير كل أدوات ترفهم. وكان من أهم ما نهض به الرقيق فن الغناء، ونحس ضربا من التعاون الوثيق بين أصحاب هذا الفن فى مكة وأصحابه فى المدينة، فهم دائما يلتقون، حتى ليخيّل إلى الإنسان كأنما كانت إحدى البلدتين ضاحية للأخرى. وكل مغن يحاول أن يبلغ من إتقان هذا الفن مبلغا بعيدا يستهدى فيه ذوقه وما قد يكون عرفه من ألحان الفرس والروم، ومن مقدّميهم وكبارهم فى مكة ابن مسجح الذى اشتهر بأنه أول من غنّى الغناء المتقن، وأنه «نقل غناء الفرس إلى غناء العرب، ثم رحل إلى الشام وأخذ ألحان الروم والبربطيّة والأسطوخوسيّة، وانقلب إلى فارس فأخذ بها غناء كثيرا، وتعلّم الضرب، ثم قدم إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النغم، وألقى منها ما استقبحه من النبرات التى هى موجودة فى نغم غناء الفرس والروم خارجة عن غناء العرب، وغنّى على هذا المذهب، فكان أول من أثبت ذلك ولحّنه وتبعه الناس بعد» (4). وعن هذا الأستاذ المبدع أخذ المغنون والمغنيات فى مكة، ومن أنبههم وأشهرهم ابن محرز، وهو أول من غنى الرّمل (5)، وابن سريج وقد رحل إلى المدينة فأخذ عن طويس وغيره من مغنيها (6)، وكان أول من ضرب على العود الفارسى بالغناء العربى، والغريض وكان لا يلحق فى الندب والنياحة، والأبجر، والهذلى. ومن مغنيات مكة سميّة، وبغوم وأسماء وكانتا مولاتين لابن أبى ربيعة. ومكة إن لم تعرف بدار كبيرة كدار جميلة فى المدينة فإن دار كل مغن فيها كانت تعدّ ناديا من نوادى الغناء.

وعلى نحو ما رأينا أهل المدينة يشغفون بالغناء شغفا شديدا كان أهل

(1) أغانى 5/ 65.

(2)

أغانى 2/ 399، 3/ 47.

(3)

أغانى 8/ 273، 8/ 278 وانظر ابن سعد (طبعة أوربا) 8/ 343.

(4)

أغانى 3/ 276.

(5)

أغانى 1/ 379.

(6)

أغانى 8/ 321.

ص: 146

مكة جميعا حتى فقهاؤهم من مثل عطاء (1) بن أبى رباح وابن (2) جريج وقضاتهم من مثل الأوقص (3) المخزومى. وتبعت ذلك موجة واسعة من المرح، ومن خير من يمثّلها شاعر يسمى الدارمى. كان خفيف الروح، وفى كتاب الأغانى ترجمة (4) طريفة له تصور فكاهاته ودعاباته. واشتهر فى هذا المجتمع المرح فتيات وسيدات شريفات كان لهن أثر بالغ فى رقة الأذواق ورهافة الأحاسيس، مثل الثّريّا (5) بنت على بن عبد الله بن الحارث الأموية، وكان لها قصر عظيم تعقد فيه ندوات يؤمّها المغنون والشعراء، غير من كانوا فيها فعلا، إذ كانت الثريا مولاة للغريض ويحيى قيل وسميّة.

ومعنى ذلك كله أن مجتمع مكة كان على غرار مجتمع المدينة حضارة وترفا ومرحا ورقة وغناء وعزفا كلّ ليلة على أوتار العيدان والطنابير والآلات الموسيقية من كل لون. وأعدّ هذا كله شعراء مكة لأن يجرى جمهور شعرهم فى الغزل والحب، وربما كان أهم شاعر مكىّ تعلق بالهجاء والمديح عبيد الله ابن قيس الرقيات، إذ اتخذه مصعب بن الزبير فى أثناء ولايته على العراق شاعره الذى ينافح عن دعوة الزبيريين ضد بنى أمية. وبعد أن صار الأمر إلى عبد الملك أصبح من مدّاحيه ومداحى أخيه عبد العزيز والى مصر. ولكن حتى ابن قيس أكثر شعره فى الغزل، وعلى غراره العرجى. على أن هناك من عاشوا للغزل وحده حتى فاقوا فيه شعراء المدينة على نحو ما هو معروف عن عمر بن أبى ربيعة، ومن طريف ما كانوا يقولون عنه وعن تأثير غزله:

«إذا أعجزك أن تطرب القرشىّ فغنّه غناء ابن سريج فى شعر عمر بن أبى ربيعة فإنك ترقصه (6)» .

وكلّ ما قلناه عن تأثر غزل أهل المدينة بالغناء من حيث الكم والكيف والوزن ينصبّ انصبابا على غزل أهل مكة، وقد شاع بين الباحثين أن غزل المدينتين جميعا فى هذا العصر غلب عليه الطابع المادى الصريح، بل لقد

(1) أغانى 1/ 257.

(2)

أغانى 1/ 408.

(3)

أغانى 2/ 367.

(4)

أغانى 3/ 45.

(5)

أغانى 1/ 122، 1/ 209 وما بعدها وفى مواضع متفرقة.

(6)

أغانى 1/ 284.

ص: 147