الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضخمة فأزالتها وأحالت الموقع إلى ساحة ترابية جرداء وأصبحت مدينة حماة التي كان يعيش فيها أكثر من ثلاثمائة ألف مواطن بعد المجزرة التي تركتها أثرًا بعد عين لا يوجد فيها سوى أربعين ألف مواطن فقط فروا إلى جهات الأرض من كل جهة.
ذكر بيوت الله التي هدمت
قامت الجنود المدفوعة من قِبل الحاكم حافظ الأسد فجعلت مآذن المساجد أهدافًا لقنابل المدافع والطائرات فقصفت المساجد وهدمتها ومنها المسجد الشرقي في حي الشرقية ومسجد الشيخ إبراهيم في حي الدباغة ومسجد الأفندي وكان هذا المسجد قد سبق في العام الذي قبل هذا أن قصفته السلطة ومسجد سوق الشجرة وجامع الشيخ علوان ومسجد حي الشريعة ومسجد الأشقر في سوق الطويل ومسجد خان الصحن ومسجد المحسنين في حي البياض ومسجد الشيخ زين في حي الشمالية ومسجد حي الحميدية ومسجد عمر بن الخطاب في حي السخانة ومسجد حي المناخ ومسجد المسعود في حي المحالبة ومسجد حي كرم الحوراني ومسجد الشيخ محمد الحامد في حي المحطة ومسجد الحراكي في حي بين الحبرين مسجد صلاح الدين في جنوب الملعب البلدي ومسجد الشهداء في حي الصابوبية ومسجد الإيمان في حي الشريعة ومسجد الأربعين في حي الأميرية والجامع الكبير في حي المدينة ومسجد سعد بن معاذ في حي الغراية ومسجد ترسم بك في حي المجالبة ومسجد الهدى في حي طريق حلب زاوية الشيخ حسين كيلاني في حي الكيلانية، ومسجد الشيخ إبراهيم كيلاني في حي الزنبقي ومسجد الدرابزون في حي القصيدة ومسجد السرجاوي في حي الجراجمة.
وسقط ألوف القتلى ولم يرحموا طفلًا ولم يوقروا شيخًا كبيرًا.
ومما يندى له الجبين ويبعث الأسى أن توجه الرشاشات حيث تسكن أربع عائلات فلما استيقظت الأسر من تحطم بوابة الفناء سمعوا النداء بأن يجتمعوا في إحدى الشقق التي اختارها الغزاة ثم هيأت بنادقهم لحصدهم فحاول أحدهم
التوسل بحمل طفل رضيع ودفعه بكلتا يديه إلى الإمام قائلًا من أجل هذا الرضيع ارحمونا لعل ذلك سيثير عاطفتهم الإنسانية فأطلقوا الرصاص على الطفل وتمزق أمام والده وقتل والده وحصدت الرشاشات البقية.
وأمر الأسد بالعلماء والمشائخ فأخرجوا من بيوتهم وقتلوا في الشوارع وقد بلغ عدد العلماء اثنين وأربعين عالمًا واعتقل من العلماء ستة وعشرون عالمًا منهم أئمة ومنهم مؤذنون ومنهم خطباء حتى خلت مساجد سورية من الأئمة والخطباء الصالحين.
ولا اختبأ بعض الناس تحت الأنقاض ماتوا جوعًا وعطشًا بعدما نفدت أرزاقهم.
ومما يؤسف له أن يصعد صبي إلى الطابق الثالث فتلاحقه الجنود ويلقونه مرميًا من الطابق الثالث، ولما انسحبت عناصر السلطة ظنًّا منها أنها قضت على الأهالي في حماة تحت الأنقاض فكان أفراد كتبت لهم السلامة بعدما واصل الحفارة أعمالهم ليزيلوا الأنقاض، فانسحب أولئك في اليوم 25 من شباط إلى موضع آخر، وإذا حفارة أخرى تعمل قرب الموضع فانسحبوا إلى حمام واختبئوا فيه فلما أن خيم الظلام استبدلوا موضعًا آخر تحت الأنقاض نحو جامع هناك وإذا عناصر السلطة يتمركزون للقنص فوق الأبنية العالية لكنهم عبروا الشارع إلى الحميدية فجامع الشفاء فرآهم أحد العناصر وصرخ بهم ليقفوا لكنهم هربوا من موضع إلى موضع لشجاعتهم بعدما كانت العناصر تلاحقهم بكشاف النور، لكنهم كتبت لهم النجاة.
وفي بعض الأقبية تجمع تسع وثلاثون امرأة مع أطفالهم، وثلاثة رجال هربًا من شرور القصف لم يدر هؤلاء المساكين أن شر القتلة يلاحقهم حتى الأقبية، فانهالت عليهم رصاصات العدو تحصدهم، واختلط أصوات التكبير بصراخ الأطفال بأزيز الطلقات، فما هي إلا لحظات حتى صعدت أرواحهم إلى بارئها.
ومما يدمي الأكباد في هذه المجزرة أن وجد طفل رضيع ابن خمسة أشهر بعد ستة أيام من المذبحة حيًّا يرضع من صدر أمه الميتة دمًا.
وهكذا انتهت تلك المجازر الشنيعة التي تشمئز منها القلوب وتنكرها فطر العالمين.
وكان في اليوم 22 من شباط أمر السفاح رفعت الأسد فنودي بمكبرات الصوت لإحضار جميع المشائخ ومؤذني المساجد وخدامها من المعتقلات في حماة، وكانوا حوالي ألف شيخ وسيقوا إلى مكان مجهول ولا يزال مصير هؤلاء مجهولًا، وأتي بمسيحي إلى العقيد علي ديب أحد قواد الوحدات الخاصة فلما قدم بين يديه قال له يا سيدي إنكم تبحثون عن الإخوان المسلمين وهو مسيحي فأجابه العقيد أن مسيحيي حماه كلهم إخوان مسلمون، وقد يرد على ذلك التصرف سؤال وهو هل كان شعب حماه كله مناوئًا للنظام فما ذنب الأطفال والشيوخ والنساء الذين لم يحملوا السلاح ولم يتدخلوا في الموضوع، وقد قال الله تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى} (1)، ولكن كانت كلمة الإخوان المسلمين قد أصبحت تطلق على كل وطني شريف، ولقد قالت الحكومة السورية التي يرأسها حافظ الأسد بقتل الجرحى والأطباء.
وأصبحت مدينة حماه التي بلغ عدد سكانها مما يلي ثلاثمائة ألف مواطن على التحقيق لم يسلم منهم سوى أربعين ألفًا كتبت لهم النجاة ومنهم من فر إلى جهة من تلك الجهات وبذلوا ما بين أيديهم من حلي النساء لرصدة الطرق ليتركوهم يفرون.
ولما اتصل العقيد الطائفي بسيده الأسد وشكى إليه هذا القتل الجماعي للرجال لأنه سيضيع عليهم فرصة التحقيق لمعرفة المجاهدين فما كان منه إلا أن يتصل
(1) سورة فاطر، آية 18.
بالعقيد الطائفي علي ديب ليحاوره في هذا الأمر فقال يا سيدي إن المعتقلات لا تكفي مع أننا لم نترك مدرسة ومعملًا يصلح للاعتقال إلا استخدمناه فقرر الأسد أن يعتقلوا الثلثين ويقتلوا الثلث الثالث من رجال كل حي وكان يأتي الأمر بأن نسبة القتلى يجب أن تزيد في اليوم عن سبعة آلاف وفي اليوم الذي يليه يجب زيادتها إلى عشرة آلاف يوميًا فصاعدًا وقد سجنوا في مدرسة واحدة خمسة عشر ألف مواطن.
أما تعذيب المعتقلين من أهل حماه فمنها البرد والجوع والظمأ ومنها التعذيب بالملزمة، يؤتى بالمعتقل وتوضع رجله أو يده في الملزمة الضخمة ويشد عليها حتى يتمزق لحمه وتهرس عظامه، كما يوضع الرأس أحيانًا إذا أرادوا القضاء على المواطن نوع آخر كرسي سليمان وهو اسم أطلقه الجلادون على الخازوق الحديدي الذي كان يجلس عليه الشخص حتى يسيل الدم من قفاه ويضرب خلال ذلك بالعصي والأكبال الكهربائية حتى يتسلخ جلده.
ومنها بساط الريح يعلق المعتقل من يديه ورجليه في السقف مع تجريح ظهره وبطنه بالسكين ويترك حتى ينزف دمه ومنها أسلاك الكهرباء توضع في لسان المواطن ودبره وقبله وكما يوضع أحيانًا على سخانة كهربائية مشتعلة حتى تفوح رائحة لحمه.
ومنها الكي بالحديد المحمى، كانت أسياخ الحديد تحمى في النار وتغرز في جسد المواطن في الصدر والظهر والبطن وأي موضع من الجسد يخطر ببال الجلاد، ومنها الخنق فكانوا يخنقون بعض المواطنين خنقًا إذ يضعون رأسه على الجدار ويضغطون بأنبوب على رقبته حتى يموت.
وقد استشهد خلائق كثيرون من الشهداء من هذه التعذيبات، هذا ولا نطيل بذكر هذه الحادثة التي لم ينقل التاريخ مثلها في البشاعة، وقد دمرت مدارسها وحرقت محلاتها وحطمت نواعيرها وحرقت بساتينها وحرقت البيوت ونهبت
الدكاكين ثم هدمت بعد سرقة جميع ما فيها وأعدمت الكيلانية المنسوبة إلى أحد أحفاد الإمام الجليل عبد القادر الجيلاني، وكانت من أعظم آثار سوريا الإسلامية، كل هذه الآثار بالنسف ومدافع الهاون وراجمات الصواريخ وضرب الطائرات وأهوال أخرى ولو أن هذه الضربات كانت بعدو للإسلام لكان أولى.
وفيها في ليلة الخميس ليلة 23/ 1 سقط بيت أفراح في الطائف وكان قد أقيم فيه احتفال حضره 850 مدعو من بين رجل وامرأة وطفل فهلك في أول وهلة 45 ما بين رجل وامرأة وانقلب ذلك القصر من أفراح إلى أتراح وقامت فرق الإنقاذ بانتشال جثث الهلكى يساعدهم المواطنون وقد بلغ عدد الجرحى 97 وأسفرت الكارثة عن مأساة شنيعة، وقد بعث الملك خالد بن عبد العزيز إعانات وتفويضات كبيرة إلى أسر الهلكى جزاه الله خيرًا مما كان له جبر لقلوبهم.
وقد ذكرنا ولاية الملك فهد سدد الله رأيه وأمده بتوفيقه وكان لما أن تولى أمر بصرف راتب شهر إضافي للموظفين ودعوا له وشكروا له تلك المكرمة الطيبة ولما أن افتتح الملك فهد بن عبد العزيز القاعدة الجوية بجدة أنشأ الشاعر محمد حسن فقي هذه القصيدة وأهداها لصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والمفتش العام:
إلى مثل هذا المجد تهفو النوازع
…
وتدعوا إليه منذ كنا الشرائع
ففيه لنا بعد الهدى كل عزة
…
وفيه لمن عادى الردى والبواقع
بدأنا به طفلا وحطناه بالنهى
…
وبالحب قلبًا يحتويه الأضالع
فما زال ينمو بيننا ونصونه
…
فشب الفتى جادت عليه المراضع
وها هو عملاق جناحاه رفعه
…
بها تزدهي أقوامنا والمرابع
إذا هللا هذي الربوع فما هما
…
سوى النار يصلاها العدو المنازع
فما نحن منذ اليوم مطمع طامع
…
ولا دهته بالحقوق المطامع
إذا أنت رمت الحق من دون قوة
…
تقاصره فالحق لا شك ضائع
أبا فيصل جاهدت حتى تبينت
…
لأبصارنا رغم الضباب المطالع
فأنت لهذا الربع تحمي ذماره
…
وما تكتفي بل عن سواه تدافع
فللعرب العرباء منك عوارف
…
تواكبها منك السيوف القواطع
وللمسلمين الأكرمين مودة
…
مرفهة فرت عراها الودائع
مآثر من سلم وحرب تألفت
…
محافل من لألائها ووقائع
ذرائع عن غاياتها ما تنكبت
…
إذا انحرفت غاياتهم والذرائع
كفى شرفًا للمرء تلهمه العلا
…
مجامع تستهدي به وجوامع
يلبيه عبد الله عند ندائه
…
وسلطان يتلو والنجوم السواطع
* * * * *
زهوت بما شاهدت بالأمس حينما
…
تواثب في الجو النسور الطلائع
وأبصرت من حولي التهلل والمنى
…
تكاد ببشر تفيض المدامع
فقلت لنفسي اليوم ما أعذب الروى
…
تطيب بها بعد السهاد المضاجع
ومن قبلها كانت هناك مزارع
…
ومن قبلها كانت هناك مصانع
كما رصعت كل الثغور يوافئ
…
شوامخ في اتقانها وصوامع
إذا ذكرت في العالين تطلعت
…
لها وأشارت أعين وأصابع
تمجدت يومي هل تطلعت باسمًا
…
إلى الأمس زانته فغنى البدائع
فصممت أن نحيا حياة كمثله
…
وأن لا تصد العزم منك الموانع
فتستشرف الأمجاد منك ومن غد
…
منيف وتشدوفي حمانا الروائع
لقد دارت الأيام غير وئيدة
…
فعزت ليوث واستجبت روائع
ولم نك يومًا بالروائع أنما
…
هجعنا فلم تشفق علينا المهاجع
وها نحن نصحو صحوة مضرية
…
فرد بها ما ضيعته المخادع
أولو العزم لا يرضون بالذل والخنا
…
ولو هددتهم بالمنون المصارع
إلى آخرها لأنا نؤثر الاختصار.