الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كوارث في الفلبين
لما كان في فجر اليوم 21 من ذي الحجة أصيبت الفلبين بستة انفجارات اهتزت لها العاصمة مانيلا، وهزت الأبواب الأمامية لوزارة التعليم، وألحقت أضرارًا بعدة سيارات متوقفة، وبمكاتب شركة الخطوط الجوية الصينية ووكالة أفيس لتأجير السيارات في وسط مانيلا، ثم أعقب ذلك زلازل أسفرت عن إصابات في النفوس والمنازل، وعدة كوارث في الثلاثة الأيام التي بعدها، وفي يوم الثلاثاء 25 من ذي الحجة أصيبت الفلبين أيضًا بزلزال شديد اهتزت له العاصمة مانيلا، وهلك بسببه ألف قتيل، وعجزت فرق الإنقاذ عن انتشال الجثث، ووقعت خسائر في الأموال، وتهدمت البيوت وأصيبت الفلبيين بأنفسهم وبيوتهم وأموالهم فسبحان الله المتصرف في خلقه على وفق مراده.
وفي هذه السنة اشتدت وطأة النزاع بين العرب واليهود الصهاينة بحيث أن العرب كانوا ينتظرون بفارغ الصبر جلاء اليهود عن فلسطين لأن فلسطين بلاد عربية لأهلها العرب، إذا قد سمح ليهود روسيا السوفيتية بالهجرة إلى فلسطين، وتدفقت أعداد الألوف مهاجرين من روسيا إلى فلسطين والضفة الغربية، وقد طردوا أهالي فلسطين العرب عن أماكنهم وأجلسوا فيها اليهود المهاجرين، مما كان لذلك أسوأ وقع وأجلّ مصيبة، ولم تثمر المفاوضات، ولم تفد الشكايا التي تبعث من رئيس المنظمة الفلسطينية ومن الأهالي شيئًا، بل كانت صرخة في وادي خلى من البشر، وإذا كانت أمريكا مؤيدة لهذه الهجرة ولم يحدث منها أي ممانعة، لذلك فقد حصل اليهود على ما يريدون، واتسع الخرق على الراقع وخابت الآمال، ولم يحصل العرب على نتيجة تضمن لهم السلام، وأصبحت مسألة الشرق الأوسط ومشكلته تتطور، وبما أن العرب يعلقون آمالهم بأمريكا لأن زمام اليهود بأيديهم، وطريقة الحل عن طريق السلام يملكونها فقد خاب فيهم الظن، لأن كل رئيس من رؤسائها يمثل الذي قبله في الحفاظ على اليهود والدفاع عنهم، وبذل ما يستطاع من
تمكينهم في فلسطين، ولا ريب أنها خائنة في معاملتهم للعرب تلك المعاملة، وما أصيب العرب والمسلمون هناك، بل في كل مكان، وأعظم من هذه المصيبة قيام الصهاينة باعتقال أبناء العرب وسجنهم وتعذيبهم بضرب رؤوسهم بالحجارة وتهشيم جماجمهم وهم أحياء، وتهديم منازلهم وتشريدهم عنها وتقاعسهم عن علاج جراحهم في المستشفيات، وقد أوتي ببقية اليهود فجعلوا في مساكنهم وأجلسوا فيها، ولم يقم مجلس الأمن بما يسند إليه بل كان لا يعرف إلا اسمه، ومما يؤسف له إذاعة الملك حسين بن طلال ملك عمان والأردن أنه يتوقع وصول مليون مهاجر من يهود السوفيات خلال ثمانية عشر شهرًا، ويقول: الحرب قد تندلع بسبب تزايد الهجرة إلى فلسطين، كما أن مما يؤسف له إصابة 32 فلسطينيًا بجروح وكسور، وتهدم قوات اليهود سبعة منازل في مدينة طولكرم وحلحول في ظرف يومين، واعتقلت 37 فلسطينيًا، ولا ريب أنه لا يفل الحديد إلا الحديد، والعدول إلى القوة تستدعي ثلاثة أمور:
إحداها: الاستعداد بالقوة كما أمر الله تبارك وتعالى بقوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] ، وهي اليوم الطائرات والدبابات والذخيرة، وهي القنابل الصاروخية وسائر القنابل على اختلاف أنواعها، والعبوات الناسفة والمدافع الثقيلة على دعائه لا أمل ولا أكثر بل حثنا على اتخاذ الحيطة بقوله:{وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} ثم ثنى مرةً أخرى بقوله: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} حتى قال بعض العلماء: لو قيل لوجوبه لكان وجيهًا، ثم قال تعالى:{وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 102].
الأمر الثاني: التوكل على الله وطلب النصر منه، ومحاسبة النفوس عن العوائق التي تحول بين المسلمين وبين النصر، لأن النصر ينزل من عند الله تعالى.
الأمر الثالث: ما ذكره الله بقوله: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] ، وقد حث تبارك وتعالى على الثبات وذكره تعالى في الاجتماع وتوحيد الصفوف، والتكاتف والتعاضد يحصل للمقصود وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)} [الصف: 4] ، وما حصل من الانهزام والفشل إلا بتفرق الكلمة والتنازع والتخاذل وإحداث نيات لا يرضاها الله ولا رسوله، ولو أن العرب صدقوا الجملة ووقفوا صفًا واحدًا متماسكين متكاتفين لهزموا من أمامهم، وسيجمع الله كلمتهم إن شاء، وتتحسن نيتهم ويزول الشقاق فيما بينهم، وليعلم أن الذي أخرَّ العرب وحصد شوكتهم وأوقع الوهن في قلوبهم والرعب، ونزع هيبتهم من صدور أعدائهم هو ما ذكرنا، فلا قلةً غلبوا وذلك ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف ينتصروا وأوقع الله العداوة فيما بينهم، وتشتت شملهم، وأصبح غالبهم يتناحرون فيما بينهم، وشغلهم الله بأنفسهم، وأصبحت الأمم الأخرى يشمتون بهم، فهذه إيران والعراق يتقاتلون، وهذه لبنان انشقت انشقاقًا، وثارت المواضع فيها أحزابًا يتقاتلون، يكون بحيث لم يجر فيها ذلك النزاع من قديم الدهر ولا حديثه، فسمير جعجع يقاتل عونًا وحزب أمل يقاتل حزب الله الذي سمى نفسه بذلك، وهو التابع لإيران، كما أن الأول تابع لحكومة سوريا، وأصبحت لبنان مسرحًا للقيل والقال والزعازع، وعجزت الأمة عن تسكين تلك الثوائر، كما أن اليهود استولوا على جنوب لبنان وأصبحوا يتقاتلون مع الأهالي والفلسطينيين، وفي ذلك عبرةً لمن يخشى، ولم تجر تلك المذابح في قديم الدهر ولا حديثه، ويمكن أنه لو سكنت تلك الفتن والمحن لما عاد لبنان على وضعه إلى بعد مضي عشرين سنة، أما عن فلسطين وما أصيبت به من الهلاك والدمار فقد التهبت أراضيها ثأرًا وعذابًا بين اليهود وشباب فلسطين، وكانت اليهود تستخدم عليهم الأسلحة النارية، ولم تتورع عن قتل النساء والأطفال الذين لا ذنب لهم، وقامت بهدم المنازل وتشريد السكان، وتطردهم عن مساكنهم كما قدمنا، ولم ترع كبير ولا صغير، وآخر شيء أن
أجلوهم عن الشام جملةً إلا من شاء الله كما جرى في إخراجهم من لبنان إلى المغرب، وإن كان بالإمكان أن يربوا بأنفسهم عن تلك الأعمال الوحشية التي استهدفت لها الأطفال والنساء والعجزة، كما أن هدم بيوت الفلسطينيين وطردهم منها أمر تشمئز منه القلوب، وتنكره الفطر السليمة والعقول المستقيمة، ويقابلهم شباب فلسطين البؤساء الذين لا يملكون من السلاح سوى الحجارة والزجاجات الحارقة، وإشعال إطارات السيارات في طرق اليهود، ثم يقابلهم اليهود مما لديهم من الأسلحة النارية مما بين قتيل وبين جريح وهم وإن كانوا بهذا الوضع ويخسرون يوميًا قتلى وجرحى، فهم يواصلون أعمالهم بنشاط وقوة عزيمة، وكانوا يعذبون شباب هذه الانتفاضة بأنواع التعذيب تارةً بضرب رؤوسهم وتكسير جماجمهم، وتارةً بقطع أيديهم، كل ذلك لأجل أن ينتهوا ويخضعوا للاستعمار اليهودي وتعسفاتهم، ويكفوا عن انتفاضتهم، وبما أن العرب وغير العرب اعترفوا بالدولة الفلسطينية وأنشئوا لها سفارات في ممالكهم فقد بلغ الأمر حده بالفلسطينيين إلى غاية هذه السنة العاشرة من القرن الخامس عشر وهم يكابدون مرارة الحياة، وكانت العرب تمدهم بالمجال وتشجعهم في تحرير بلادهم وتخليصها من براثن أولئك الغزاة الذين فقدوا دينهم وإنسانيتهم، هذا الذي تستطيعه العرب وسائر المسلمين بعد جهاد مرير وحروب مع اليهود لم يستطيعوا إحراز النصر فيها، ومما ينبغي أن يعلم أن العدو بهذا الوضع يستطيع أن يسحق أهالي فلسطين ويمحقهم بيوم أو بعض يوم، ولكن الأمور مرهونة لأوقاتها، ولكن مراعاة للمسؤولية وما تتلقاه اليهود من تعليمات من أسيادهم الأمريكيين يعاملون أهالي فلسطين بتلك المعاملة، يريدون بها أن يكونوا دائمًا خاضعين لسيطرتهم، فقد بلغت مشكلة فلسطين أربعًا وخمسين سنة وهي بهذا الوضع لا تزداد إلا توترًا، وأصبح المسجد الأقصى أولى القبلتين مهددًا من أخطار اليهود، وبما أن الداعمين لليهود حكومات لا يستهان بها فأمريكا وفرنسا وبريطانيا والروس تطالع عن كثب، قد أنزلوهم بفلسطين بين العرب وفي وسط