الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ]
(وَيُعَادُ الْمُنْهَدِمُ) أَيْ لَا مَا هَدَمَهُ الْإِمَامُ، بَلْ مَا انْهَدَمَ أَشْبَاهُ فِي آخِرِ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ
ــ
[رد المحتار]
قُلْت: الْكَلَامُ فِي الْإِحْدَاثِ مَعَ أَنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ لَا تُقَرُّ فِيهَا كَنِيسَةٌ وَلَوْ قَدِيمَةً فَضْلًا عَنْ إحْدَاثِهَا لِأَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ السُّكْنَى بِهَا لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا يَأْتِي وَقَدْ بَسَطَهُ فِي الْفَتْحِ وَشَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَتَقَدَّمَ تَحْدِيدُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ أَوَّلَ الْبَابِ الْمَارِّ. مَطْلَبٌ فِي بَيَانِ أَنَّ الْأَمْصَارَ ثَلَاثَةٌ وَبَيَانُ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ فِيهَا [تَنْبِيهٌ]
فِي الْفَتْحِ: قِيلَ الْأَمْصَارُ ثَلَاثَةٌ مَا مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ، كَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ وَوَاسِطٍ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ إحْدَاثُ ذَلِكَ إجْمَاعًا وَمَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً فَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَا فَتَحُوهُ صُلْحًا فَإِنْ وَقَعَ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ جَازَ الْإِحْدَاثُ وَإِلَّا فَلَا إلَّا إذَا شَرَطُوا الْإِحْدَاثَ اهـ مُلَخَّصًا وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثُوا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَقَعْ الصُّلْحُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ أَوْ عَلَى الْإِحْدَاثِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا اسْتِثْنَاءَ فِيهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ. قُلْت: لَكِنْ إذَا صَالَحَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ فَلَهُمْ الْإِحْدَاثُ إلَّا إذَا صَارَ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدُ فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ الْإِحْدَاثِ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَوْ تَحَوَّلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ الْمِصْرِ إلَّا نَفَرًا يَسِيرًا فَلَهُمْ الْإِحْدَاثُ أَيْضًا، فَلَوْ رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ لَمْ يَهْدِمُوا مَا أُحْدِثَ قَبْلَ عَوْدِهِمْ كَمَا فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً فَهُوَ كَذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ أَيْضًا بَلْ هُوَ فِيمَا قُسِمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ أَوْ صَارَ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ بِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَى أَرْضِهِمْ وَجَعَلَهُمْ ذِمَّةً لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ كَنِيسَةٍ لِأَنَّ الْمَنْعَ مُخْتَصٌّ بِأَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْجُمَعُ وَالْحُدُودِ، فَلَوْ صَارَتْ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ مُنِعُوا مِنْ الْإِحْدَاثِ، وَلَا تُتْرَكُ لَهُمْ الْكَنَائِسُ الْقَدِيمَةُ أَيْضًا كَمَا لَوْ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ لَكِنْ لَا تُهْدَمُ، بَلْ يَجْعَلُهَا مَسَاكِنَ لَهُمْ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ، بِخِلَافِ مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهَا قَبْلَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ لَهُمْ الْقَدِيمَةَ وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الْإِحْدَاثِ بَعْدَمَا صَارَتْ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ اهـ مُلَخَّصًا. مَطْلَبٌ لَوْ اخْتَلَفْنَا مَعَهُمْ فِي أَنَّهَا صُلْحِيَّةٌ أَوْ عَنْوِيَّةٌ فَإِنْ وُجِدَ أَثَرٌ وَإِلَّا تُرِكَتْ بِأَيْدِيهِمْ [تَتِمَّةٌ]
لَوْ كَانَتْ لَهُمْ كَنِيسَةٌ فِي مِصْرٍ فَادْعُوَا أَنَا صَالَحْنَاهُمْ عَلَى أَرْضِهِمْ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلْ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَرَادَ مَنْعَهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا وَجَهِلَ الْحَالَ لِطُولِ الْعَهْدِ سَأَلَ الْإِمَامُ الْفُقَهَاءَ، وَأَصْحَابَ الْأَخْبَارِ فَإِنْ وَجَدَ أَثَرًا عَمِلَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَوْ اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ جَعَلَهَا أَرْضَ صُلْحٍ، وَجَعَلَ الْقَوْلَ فِيهَا لِأَهْلِهَا، لِأَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ وَهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِالْأَصْلِ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ السِّيَرِ.
(قَوْلُهُ وَيُعَادُ الْمُنْهَدِمُ) هَذَا فِي الْقَدِيمَةِ الَّتِي صَالَحْنَاهُمْ عَلَى إبْقَائِهَا قَبْلَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْأَبْنِيَةَ لَا تَبْقَى دَائِمًا وَلَمَّا أَقَرَّهُمْ الْإِمَامُ فَقَدْ عَهِدَ إلَيْهِمْ الْإِعَادَةَ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ نَقْلِهَا لِأَنَّهُ إحْدَاثٌ فِي الْحَقِيقَةِ. اهـ.
مَطْلَبٌ إذَا هُدِمَتْ الْكَنِيسَةُ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ لَا تَجُوزُ إعَادَتُهَا
(قَوْلُهُ أَشْبَاهٌ) حَيْثُ قَالَ فِي فَائِدَةٍ نَقَلَ السُّبْكِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْكَنِيسَةَ إذَا هُدِمَتْ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ لَا يَجُوزُ إعَادَتُهَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي حُسْنِ الْمُحَاضَرَةِ. قُلْت: يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّهَا إذَا قُفِلَتْ، لَا تُفْتَحُ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي عَصْرِنَا بِالْقَاهِرَةِ فِي كَنِيسَةٍ بِحَارَةِ زُوَيْلَةَ قَفَلَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إلْيَاسَ قَاضِي الْقُضَاةِ، فَلَمْ تُفْتَحْ إلَى الْآنَ حَتَّى وَرَدَ الْأَمْرُ السُّلْطَانِيُّ بِفَتْحِهَا فَلَمْ يَتَجَاسَرْ حَاكِمٌ عَلَى فَتْحِهَا، وَلَا يُنَافِي مَا نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ قَوْلَ أَصْحَابِنَا يُعَادُ الْمُنْهَدِمُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا هَدَمَهُ الْإِمَامُ لَا فِيمَا تَهَدَّمَ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ.
(مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى الْبِنَاءِ الْأَوَّلِ) وَلَا يَعْدِلُ
ــ
[رد المحتار]
قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَوَاشِي الْبَحْرِ أَقُولُ: كَلَامُ السُّبْكِيّ عَامٌّ فِيمَا هَدَمَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ فِي كَلَامِ الْأَشْبَاهِ يَخُصُّ الْأَوَّلَ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ الْعُمُومُ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّ فِي إعَادَتِهَا بَعْدَ هَدْمِ الْمُسْلِمِينَ اسْتِحْفَافًا بِهِمْ، وَبِالْإِسْلَامِ وَإِخْمَادًا لَهُمْ وَكَسْرًا لِشَوْكَتِهِمْ، وَنَصْرًا لِلْكُفْرِ وَأَهْلِهِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ فِيهِ افْتِيَاتًا عَلَى الْإِمَامِ فَيَلْزَمُ فَاعِلَهُ التَّعْزِيرُ كَمَا إذَا أَدْخَلَ الْحَرْبِيَّ بِغَيْرِ إذْنِهِ يَصِحُّ أَمَانُهُ وَيُعَزَّرُ لِافْتِيَاتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا هَدَمُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهَا تُعَادُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ عُلَمَاءُ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ كَلَامِ السُّبْكِيّ. اهـ. مَطْلَبٌ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إعَادَةِ الْمُنْهَدِمِ أَنَّهُ جَائِزٌ نَأْمُرُهُمْ بِهِ بَلْ الْمُرَادُ نَتْرُكُهُمْ وَمَا يَدِينُونَ [تَنْبِيهٌ]
ذَكَرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَةٍ فِي أَحْكَامِ الْكَنَائِسِ عَنْ الْإِمَامِ السُّبْكِيّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا نَمْنَعُهُمْ مِنْ التَّرْمِيمِ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ جَائِزٌ نَأْمُرُهُمْ بِهِ بَلْ بِمَعْنَى نَتْرُكُهُمْ وَمَا يَدِينُونَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي الَّتِي يُقَرُّونَ عَلَيْهَا كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ وَلَا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمْ، فَلَا يَحِلُّ لِلسُّلْطَانِ وَلَا لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُمْ افْعَلُوا ذَلِكَ وَلَا أَنْ يُعِينَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْمَلَ لَهُمْ فِيهِ، وَلَا يَخْفَى ظُهُورُهُ وَمُوَافَقَتُهُ لِقَوَاعِدِنَا. مَطْلَبٌ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصَّحَابَةِ صُلْحٌ مَعَ الْيَهُودِ
ثُمَّ نُقِلَ عَنْ السِّرَاجِ الْبُلْقِينِيِّ فِي كَنِيسَةٍ لِلْيَهُودِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عِنْدَ فَتْحِ النَّوَاحِي لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ صُلْحٌ مَعَ الْيَهُودِ أَصْلًا. اهـ. قُلْت: وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْبِلَادَ كَانَتْ بِيَدِ النَّصَارَى، وَلَمْ تَزَلْ الْيَهُودُ مَضْرُوبَةً عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ؛ ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الرَّحْمَتِيِّ كَتَبَ عِنْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ فِي خُطْبَةِ الْإِمَامِ بِجَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ مَا نَصُّهُ: ثُمَّ نَقَضَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَهْدَهُمْ فِي وَقْعَةِ التَّتَارِ وَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ فَكَنَائِسُهُمْ الْآنَ مَوْضُوعَةٌ بِغَيْرِ حَقٍّ. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ: حَادِثَةُ الْفَتْوَى فِي أَخْذِ النَّصَارَى كَنِيسَةً مَهْجُورَةً لِلْيَهُودِ
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا حُكْمُ حَادِثَةِ الْفَتْوَى الْوَاقِعَةِ فِي عَامِ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ وَالْأَلْفِ قَرِيبًا مِنْ كِتَابَتِي لِهَذَا الْمَحَلِّ، وَهِيَ أَنَّ كَنِيسَةً لِفِرْقَةٍ مِنْ الْيَهُودِ تُسَمَّى الْيَهُودَ الْقَرَّايِينَ مَهْجُورَةٌ مِنْ قَدِيمٍ لِفَقْدِ هَذِهِ الْفِرْقَةِ وَانْقِطَاعِهِمْ فِي دِمَشْقَ، فَحَضَرَ يَهُودِيٌّ غَرِيبٌ هُوَ مِنْ هَذِهِ الْفِرْقَةِ إلَى دِمَشْقَ، فَدَفَعَ لَهُ النَّصَارَى دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي بِنَائِهَا، وَأَنْ يَجْعَلُوهَا مَعْبَدًا لَهُمْ، وَصَدَّقَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لِقُوَّةِ شَوْكَةِ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَبَلَغَنِي أَنَّ الْكَنِيسَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي دَاخِلِ حَارَةٍ لِلْيَهُودِ مُشْتَمِلَةً عَلَى دُورٍ عَدِيدَةٍ وَأَنَّ مُرَادَ النَّصَارَى شِرَاءُ الْحَارَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِدْخَالُهَا لِلْكَنِيسَةِ، وَطَلَبُوا فَتْوَى عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْإِذْنِ، وَعَلَى كَوْنِهَا صَارَتْ مَعْبَدًا لِلنَّصَارَى، فَامْتَنَعْت مِنْ الْكِتَابَةِ. مَطْلَبٌ فِيمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَهَوِّرِينَ فِي زَمَانِنَا
وَقُلْت: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَكَتَبَ لَهُمْ بَعْضُ الْمُتَهَوِّرِينَ طَمَعًا فِي عَرَضِ الدُّنْيَا أَنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ جَائِزٌ، فَقَوِيَتْ بِذَلِكَ شَوْكَتُهُمْ، وَعَرَضُوا ذَلِكَ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ لِيَأْذَنَ لَهُمْ بِذَلِكَ حَيْثُ وَافَقَ غَرَضُهُمْ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، بِنَاءً عَلَى مَا أَفْتَاهُمْ بِهِ ذَلِكَ الْمُفْتِي وَلَا أَدْرِي مَا يَئُولُ إلَيْهِ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ الْمُشْتَكَى.
عَنْ النَّقْضِ الْأَوَّلِ إنْ كَفَى وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ -
ــ
[رد المحتار]
وَمُسْتَنَدِي فِيمَا قُلْته أُمُورٌ: مِنْهَا مَا عَلِمْته مِنْ أَنَّ الْيَهُودَ لَا عَهْدَ لَهُمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ كَنَائِسَهُمْ الْقَدِيمَةَ أُقِرَّتْ مَسَاكِنَ لَا مَعَابِدَ، فَتَبْقَى كَمَا أُبْقِيَتْ عَلَيْهِ، وَمَا عَلِمْته أَيْضًا مِنْ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ لِقِتَالِهِمْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ التَّتَارِ الْكُفَّارِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ عَهْدٌ فِي كَنَائِسِهِمْ فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ الْآنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ وَسَبُّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ عَهْدَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الشَّامِ مَشْرُوطٌ بِأَنَّ لَا يُحْدِثُوا بِيعَةً، وَلَا كَنِيسَةً، وَلَا يَشْتِمُوا مُسْلِمًا وَلَا يَضْرِبُوهُ، وَأَنَّهُمْ إنْ خَالَفُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ. وَمِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ كَنِيسَةٌ مَهْجُورَةٌ انْقَطَعَ أَهْلُهَا وَتَعَطَّلَتْ عَنْ الْكُفْرِ فِيهَا فَلَا تَجُوزُ الْإِعَانَةُ عَلَى تَجْدِيدِ الْكُفْرِ فِيهَا، وَهَذَا إعَانَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ حَيْثُ تَعَطَّلَتْ عَنْ كُفْرِ أَهْلِهَا. وَقَدْ نَقَلَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ الْقَرَافِيِّ أَنَّهُ أَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يُعَادُ مَا انْهَدَمَ مِنْ الْكَنَائِسِ، وَأَنَّ مَنْ سَاعَدَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ رَاضٍ بِالْكُفْرِ وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ اهـ.
فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ سُوءِ الْمُنْقَلَبِ. وَمِنْهَا: أَنَّ عَدَاوَةَ الْيَهُودِ لِلنَّصَارَى أَشَدُّ مِنْ عَدَاوَتِهِمْ لَنَا، وَهَذَا الرِّضَا وَالتَّصْدِيقُ نَاشِئٌ عَنْ خَوْفِهِمْ مِنْ النَّصَارَى لِقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةٌ لِفِرْقَةٍ خَاصَّةٍ لَيْسَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْفِرْقَةِ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى جِهَةٍ أُخْرَى وَإِنْ كَانَ الْكُفْرُ مِلَّةً وَاحِدَةً عِنْدَنَا كَمَدْرَسَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ مَثَلًا لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ أَنْ يَجْعَلَهَا لِأَهْلِ مَذْهَبٍ آخَرَ وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْمِلَّةُ. وَمِنْهَا: أَنَّ الصُّلْحَ الْعُمَرِيَّ الْوَاقِعَ حِينَ الْفَتْحِ مَعَ النَّصَارَى إنَّمَا وَقَعَ عَلَى إبْقَاءِ مَعَابِدِهِمْ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ إذْ ذَاكَ، وَمِنْ جُمْلَةِ الصُّلْحِ مَعَهُمْ كَمَا عَلِمْته آنِفًا أَنْ لَا يُحْدِثُوا كَنِيسَةً وَلَا صَوْمَعَةً، وَهَذَا إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ بِلَا شَكٍّ، وَاتَّفَقَتْ مَذَاهِبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ عَنْ الْإِحْدَاثِ كَمَا بَسَطَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ بِنَقْلِهِ نُصُوصَ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِحْدَاثِ أَنْ يَكُونَ بِنَاءً حَادِثًا لِأَنَّهُ نَصَّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادُوا أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْتًا لَهُمْ مُعَدًّا لِلسُّكْنَى كَنِيسَةً يَجْتَمِعُونَ فِيهِ يُمْنَعُونَ مِنْهُ لِأَنَّ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَازْدِرَاءٌ بِالدِّينِ. اهـ.
أَيْ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ مَعْبَدٍ لَهُمْ عَارَضُوا بِهِ مَعَابِدَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ الْكَنِيسَةُ كَذَلِكَ جَعَلُوهَا مَعْبَدًا لَهُمْ حَادِثًا فَمَا أَفْتَى بِهِ ذَلِكَ الْمِسْكِينُ خَالَفَ فِيهِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا قَصَدُوهُ مِنْ عِمَارَتِهَا بِأَنْقَاضٍ جَدِيدَةٍ وَزِيَادَتِهِمْ فِيهَا فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَنِيسَةً لَهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَيْضًا وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَفْتَاهُمْ وَسَاعَدَهُمْ وَقَوَّى شَوْكَتَهُمْ يُخْشَى عَلَيْهِ سُوءُ الْخَاتِمَة وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ عَنْ النُّقْضِ) بِالضَّمِّ مَا انْتَقَضَ مِنْ الْبُنْيَانِ قَامُوسٌ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ) ذَكَرَ عِبَارَتَهُ فِي النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ فِي عَقْدِ الْفَرَائِدِ: وَهَذَا أَيْ قَوْلُهُمْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ يُفِيدُ أَنَّهُمْ لَا يَبْنُونَ مَا كَانَ بِاللَّبِنِ بِالْآجُرِّ، وَلَا مَا كَانَ بِالْآجُرِّ بِالْحَجَرِ وَلَا مَا كَانَ بِالْجَرِيدِ، وَخَشَبِ النَّخْلِ بِالنَّقِيِّ وَالسَّاجِ وَلَا بَيَاضَ لَمْ يَكُنْ. قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ أَنْ لَا تُعَادَ إلَّا بِالنَّقْضِ الْأَوَّلِ وَكَوْنُ ذَلِكَ مَفْهُومَ الْإِعَادَةِ شَرْعًا وَلُغَةً غَيْرَ ظَاهِرِ عِنْدِي عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ مُحَمَّدٍ يَبْنُونَهَا وَفِي إجَارَةِ الْخَانِيَّةِ يَعْمُرُوا وَلَيْسَ فِيهِمَا مَا يُشْعِرُ بِاشْتِرَاطِ النُّقْضِ الْأَوَّلِ. مَطْلَبٌ فِي كَيْفِيَّةِ إعَادَةِ الْمُنْهَدِمِ مِنْ الْكَنَائِسِ
وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: وَإِذَا انْهَدَمَتْ الْبِيَعُ وَالْكَنَائِسُ لِذَوِي الصُّلْحِ إعَادَتُهَا بِاللَّبِنِ وَالطِّينِ إلَى مِقْدَارِ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا يَزِيدُونَ عَلَيْهِ، وَلَا يُشَيِّدُونَهَا بِالْحَجَرِ وَالشِّيدِ وَالْآجُرِّ، وَإِذَا وَقَفَ الْإِمَامُ عَلَى بِيعَةٍ جَدِيدَةٍ أَوْ بَنَى مِنْهَا فَوْقَ مَا كَانَ فِي الْقَدِيمِ خَرَّبَهَا وَكَذَا مَا زَادَ فِي عِمَارَتِهَا الْعَتِيقَةِ اهـ وَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنَّ النَّقْضَ الْأَوَّلَ حَيْثُ وُجِدَ
وَأَمَّا الْقَدِيمَةُ فَتُتْرَكُ مَسْكَنًا فِي الْفَتْحِيَّةِ وَمَعْبَدًا فِي الصُّلْحِيَّةِ بَحْرٌ خِلَافًا لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَتَنَبَّهْ
(وَيُمَيِّزُ الذِّمِّيُّ عَنَّا فِي زِيِّهِ) بِالْكَسْرِ لِبَاسَهُ وَهَيْئَتَهُ وَمَرْكَبَهُ وَسَرْجَهُ وَسِلَاحَهُ (فَلَا يَرْكَبُ خَيْلًا) إلَّا إذَا اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ لِمُحَارِبَةٍ وَذَبَّ عَنَّا ذَخِيرَةً وَجَازَ بَغْلٌ كَحِمَارٍ تَتَارْخَانِيَّةٌ وَفِي الْفَتْحِ وَهَذَا عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَاخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ لَا يَرْكَبُ أَصْلًا
ــ
[رد المحتار]
كَافِيًا لِلْبِنَاءِ الْأَوَّلِ لَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَى آلَةٍ جَدِيدَةٍ إذْ لَا شَكَّ فِي زِيَادَةِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ حِينَئِذٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْقَدِيمَةُ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ: وَلَا يُحْدِثُ بِيعَةً وَلَا كَنِيسَةً، وَكَانَ الَأَوْلَى ذَكَرَهُ قَبْلَ قَوْلِهِ وَيُعَادُ الْمُنْهَدِمُ لِأَنَّ إعَادَةَ الْمُنْهَدِمِ إنَّمَا هِيَ فِي الْقَدِيمَةِ دُونَ الْحَادِثَةِ (قَوْلُهُ فِي الْفَتْحِيَّةِ) أَرَادَ بِهَا الْمَفْتُوحَةَ عَنْوَةً بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهَا بِالصُّلْحِيَّةِ (قَوْلُهُ بَحْرٌ) عِبَارَتُهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْبِيَعَ وَالْكَنَائِسَ الْقَدِيمَةَ فِي السَّوَادِ لَا تُهْدَمُ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَأَمَّا فِي الْأَمْصَارِ فَاخْتَلَفَ كَلَامُ مُحَمَّدٍ، فَذَكَرَ فِي الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ تُهْدَمُ الْقَدِيمَةُ وَذَكَرَ فِي الْإِجَارَةِ لَا تُهْدَمُ، وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى هَذَا، فَإِنَّا رَأَيْنَا كَثِيرًا مِنْهَا تَوَالَتْ عَلَيْهَا أَئِمَّةٌ وَأَزْمَانٌ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ لَمْ يَأْمُرْ إمَامٌ بِهَدْمِهَا؛ فَكَانَ مُتَوَارِثًا مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَعَلَى هَذَا لَوْ مَصَّرْنَا بَرِّيَّةً فِيهَا أَوْ كَنِيسَةً فَوَقَعَ دَاخِلَ السُّوَرِ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يُهْدَمَ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْأَمَانِ قَبْلَ وَضْعِ السُّوَرِ فَيُحْمَلُ مَا فِي جَوْفِ الْقَاهِرَةِ مِنْ الْكَنَائِسِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ قَضَاءً فَأَدَارَ الْعُبَيْدِيُّونَ عَلَيْهَا السُّوَرَ، ثُمَّ فِيهَا الْآنَ كَنَائِسُ وَيَبْعُدُ مِنْ إمَامٍ تَمْكِينُ الْكُفَّارِ مِنْ إحْدَاثِهَا جِهَارًا وَعَلَى هَذَا أَيْضًا فَالْكَنَائِسُ الْمَوْضُوعَةُ الْآنَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ غَيْرَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كُلُّهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تُهْدَمَ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ فِي الْأَمْصَارِ قَدِيمَةً، فَلَا شَكَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَوْ التَّابِعِينَ حِينَ فَتَحُوا الْمَدِينَةَ عَلِمُوا بِهَا وَأَبْقَوْهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ الْبَلْدَةُ فُتِحَتْ عَنْوَةً حَكَمْنَا بِأَنَّهُمْ أَبْقَوْهَا مَسَاكِنَ لَا مَعَابِدَ فَلَا تُهْدَمُ وَلَكِنْ يُمْنَعُونَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ فِيهَا لِلتَّقَرُّبِ، وَإِنْ عُرِفَ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا حَكَمْنَا بِأَنَّهُمْ أَقَرُّوهَا مَعَابِدَ فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا بَلْ مِنْ الْإِظْهَارِ. اهـ.
قُلْت: وَقَوْلُهُ فَوَقَعَ دَاخِلَ السُّوَرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُهْدَمَ ظَاهِرُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ مَنْقُولًا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَشَرْحِ السِّيَرِ، وَقَوْلُهُ: وَبَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ إلَخْ قَدَّمْنَا مَا لَوْ اخْتَلَفَ فِي أَنَّهَا فَتَحِيَّةٌ أَوْ صُلْحِيَّةٌ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ الْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ تَبْقَى فِي أَيْدِيهِمْ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ) أَيْ عَنْ التَّتِمَّةِ مِنْ أَنَّهَا فِي الصُّلْحِيَّةِ تُهْدَمُ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ
مَطْلَبٌ فِي تَمْيِيزِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمَلْبَسِ
(قَوْلُهُ وَيُمَيَّزُ الذِّمِّيُّ إلَخْ) حَاصِلُهُ: أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مُخَالِطِينَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِهِمْ عَنَّا كَيْ لَا يُعَامَلَ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ مِنْ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَرُبَّمَا يَمُوتُ أَحَدُهُمْ فَجْأَةً فِي الطَّرِيقِ وَلَا يُعْرَفُ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِذَا وَجَبَ التَّمْيِيزُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِمَا فِيهِ صَغَارٌ لَا إعْزَازٌ لِأَنَّ إذْلَالَهُمْ لَازِمٌ بِغَيْرِ أَذًى مِنْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ بِلَا سَبَبٍ يَكُونُ مِنْهُ بَلْ الْمُرَادُ اتِّصَافُهُ بِهَيْئَةٍ وَضَيْعَةٍ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَمَرْكَبِهِ) مُخَالَفَةُ الْهَيْئَةِ فِيهِ إنَّمَا تَكُونُ إذَا رَكِبُوا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَغَالِبُ ظَنِّي أَنِّي سَمِعْته مِنْ الشَّيْخِ الْأَخِ كَذَلِكَ نَهْرٌ. قُلْت: وَهُوَ كَذَلِكَ فَفِي رِسَالَةِ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ فِي الْكَنَائِسِ، وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يَخْتِمُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ بِالرَّصَاصِ وَيَرْكَبُوا عَلَى الْأُكُفِ عُرْضًا (قَوْلُهُ سِلَاحِهِ) تَبِعَ فِيهِ الدُّرَرَ وَهُوَ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ، وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ تَمْيِيزِهِ فِي سِلَاحِهِ بِأَنْ لَا يَحْمِلَ سِلَاحًا، وَهُوَ بَعِيدٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ إلَخْ) لَكِنَّهُ يَرْكَبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِإِكَافٍ لَا بِسَرْجٍ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ نَهْرٌ (قَوْلُهُ وَذَبٍّ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ دَفْعٍ وَطَرْدِ الْعَدُوِّ (قَوْلُهُ وَجَازَ بَغْلٌ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عِزٌّ وَشَرَفٌ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ جَوَازُ رُكُوبِهِ لِبَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ وَكَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ
إلَّا لِضَرُورَةٍ وَفِي الْأَشْبَاهِ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنْ لَا يَرْكَبُوا مُطْلَقًا وَلَا يَلْبَسُوا الْعَمَائِمَ وَإِنْ رَكِبَ الْحِمَارَ لِضَرُورَةٍ نَزَلَ فِي الْمَجَامِعِ (وَيُرَكِّبُ سَرْجًا كَالْأُكُفِ) كَالْبَرْذَعَةِ فِي مُقَدَّمَةِ شِبْهِ الرُّمَّانَةِ (وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ وَيُظْهِرُ الْكُسْتِيجَ) فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ الزُّنَّارُ مِنْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ وَهَلْ يَلْزَمُ تَمْيِيزُهُمْ بِكُلِّ الْعَلَامَاتِ خِلَافٌ أَشْبَاهٌ. وَالصَّحِيحُ إنْ فَتَحَهَا عَنْوَةً فَلَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَعَلَى الشَّرْطِ تَتَارْخَانِيَّةٌ (وَيُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ الْعِمَامَةِ) وَلَوْ زَرْقَاءَ أَوْ صَفْرَاءَ عَلَى الصَّوَابِ نَهْرٌ وَنَحْوُهُ فِي الْبَحْرِ وَاعْتَمَدَهُ فِي الْأَشْبَاهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَإِنَّمَا تَكُونُ طَوِيلَةً سَوْدَاءَ (وَ) مِنْ (زُنَّارٍ -
ــ
[رد المحتار]
كُلِّهَا عَنْ قَوْلِهِ وَيَرْكَبُ سَرْجًا كَالْأُكُفِ.
(قَوْلُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَمَا إذَا خَرَجَ إلَى قَرْيَةٍ أَوْ كَانَ مَرِيضًا فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَالْمُعْتَمَدُ أَنْ لَا يَرْكَبُوا) كَتَبَ بَعْضُهُمْ هُنَا أَنَّ الصَّوَابَ يَرْكَبُونَ بِالنُّونِ، كَمَا هُوَ عِبَارَةُ الْأَشْبَاهِ لِعَدَمِ النَّاصِبِ وَالْجَازِمِ وَأَنْ مُخَفَّفَةٌ مِنْ الثَّقِيلَةِ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ. أَقُولُ: هَذَا التَّصْوِيبُ خَطَأٌ مَحْضٌ، لِأَنَّ الْمُخَفَّفَةَ مِنْ الثَّقِيلَةِ الَّتِي لَا تَنْصِبُ الْمُضَارِعَ شَرْطًا أَنْ تَقَعَ بَعْدَ فِعْلِ الْيَقِينِ أَوْ مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ نَحْوَ - {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ} [المزمل: 20]- {أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ} [طه: 89]- وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ الْمَصْدَرِيَّةُ النَّاصِبَةُ نَحْوَ - {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184]- (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ وَلَوْ حِمَارًا (قَوْلُهُ فِي الْمَجَامِعِ) أَيْ فِي مَجَامِعِ الْمُسْلِمِينَ إذَا مَرَّ بِهِمْ فَتْحٌ (قَوْلُهُ كَالْأُكُفِ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ إكَافٍ مِثْلُ حِمَارٍ وَحُمُرٍ مِصْبَاحٌ فَكَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْإِكَافِ الْمُفْرَدِ (قَوْلُهُ كَالْبَرْذَعَةِ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ كَالْأُكُفِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْبَرْذَعَةُ بِالذَّالِ وَالدَّالِ حُلْسٌ يُجْعَلُ تَحْتَ الرَّحْلِ وَالْجَمْعُ الْبَرَاذِعُ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ. وَفِي عُرْفِ زَمَانِنَا هِيَ لِلْحِمَارِ مَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ السَّرْجِ لِلْفَرَسِ اهـ فَالْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ لَا اللُّغَوِيُّ (قَوْلُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ) أَيْ لَا يَسْتَعْمِلُهُ وَلَا يَحْمِلُهُ لِأَنَّهُ عِزٌّ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يُمْنَعُونَ عَنْهُ.
قُلْت: وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ تُعْرَفُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ دُرٌّ مُنْتَقًى (قَوْلُهُ وَيُظْهِرُ الْكُسْتِيجُ) بِضَمِّ الْكَافِ وَبِالْجِيمِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مَعْنَاهُ الْعَجْزُ وَالذُّلُّ كَمَا فِي النَّهْرِ، فَيَشْمَلُ الْقَلَنْسُوَةَ وَالزُّنَّارَ وَالنَّعْلَ لِوُجُودِ الذُّلِّ فِيهَا، وَلِقَوْلِهِ فِي الْبَحْرِ وَكُسْتِيجَاتُ النَّصَارَى قَلَنْسُوَةٌ سَوْدَاءُ مِنْ اللُّبَدِ مُضَرَّبَةٌ وَزُنَّارٌ مِنْ الصُّوفِ اهـ فَتَعْبِيرُهُ بِخُصُوصِ الزُّنَّارِ بَيَانٌ لِبَعْضِ أَنْوَاعِهِ. اهـ. ح (قَوْلُهُ الزُّنَّارُ) بِوَزْنِ تُفَّاحٍ وَجَمْعُهُ زَنَانِيرُ مِصْبَاحٌ، وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُغْرِبِ أَنَّهُ خَيْطٌ غَلِيظٌ بِقَدْرِ الْأُصْبُعِ يَشُدُّهُ الذِّمِّيُّ فَوْقَ ثِيَابِهِ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الصُّوفِ أَوْ الشَّعْرِ وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لَهُ حَلْقَةً تَشُدُّهُ كَمَا يَشُدُّ الْمُسْلِمُ الْمِنْطَقَةَ بَلْ يُعَلِّقُهُ عَلَى الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ وَلَوْ زَرْقَاءَ أَوْ صَفْرَاءَ) أَيْ خِلَافًا لِمَا فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْعَلَامَةَ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مُتَعَارَفُهَا، وَفِي بِلَادِنَا جُعِلَتْ الْعَلَامَةُ فِي الْعِمَامَةِ فَأُلْزِمَ النَّصَارَى بِالْأَزْرَقِ وَالْيَهُودُ بِالْأَصْفَرِ، وَاخْتَصَّ الْمُسْلِمُونَ بِالْأَبْيَضِ قَالَ فِي النَّهْرِ: إلَّا أَنَّهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ: وَأَمَّا لُبْسُ الْعِمَامَةِ وَالزُّنَّارِ الْإِبْرَيْسَمِ فَجَفَاءٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمُكْسِرَةٌ لِقُلُوبِهِمْ وَهَذَا يُؤْذِنُ بِمَنْعِ التَّمْيِيزِ بِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة حَيْثُ صَرَّحَ بِمَنْعِهِمْ مِنْ الْقَلَانِسِ الصِّغَارِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ طَوِيلَةً مِنْ كِرْبَاسٍ مَصْبُوغَةٍ بِالسَّوَادِ مُضَرَّبَةً مُبَطَّنَةً، وَهَذَا فِي الْعَلَامَةِ أَوْلَى وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَمَنْعُهُمْ مِنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ هُوَ الصَّوَابُ الْوَاضِحُ بِالتِّبْيَانِ فَأَيَّدَ اللَّهُ سُلْطَانَ زَمَانِنَا، وَلِسَعَادَتِهِ أَبَّدَ وَلِمُلْكِهِ شَيَّدَ وَلِأَمْرِهِ سَدَّدَ إذْ مَنَعَهُمْ مِنْ لُبْسِهَا اهـ. قُلْت: وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ مِنْ إلْزَامِهِمْ لُبْسَ الْقَلَانِسِ الطَّوِيلَةِ الْمُضَرَّبَةِ، وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ وَمَنْ مَنَعَهُمْ مِنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ. [تَنْبِيهٌ]
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَكَذَا تُؤْخَذُ نِسَاؤُهُمْ بِالزِّيِّ فِي الطُّرُقِ فَيَجْعَلُ عَلَى مَلَاءَةِ الْيَهُودِيَّةِ خِرْقَةً صَفْرَاءَ وَعَلَى النَّصْرَانِيَّةِ زَرْقَاءَ وَكَذَا فِي الْحَمَّامَاتِ. اهـ.
أَيْ فَيَجْعَلُ فِي أَعْنَاقِهِنَّ طَوْقَ الْحَدِيدِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى قُلْت: وَسَيَجِيءُ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ فِي النَّظَرِ إلَى الْمُسْلِمَةِ كَالرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَصَحِّ فَلَا تَنْظُرُ أَصْلًا إلَى الْمُسْلِمَةِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ اهـ وَمُفَادُهُ مَنْعُهُنَّ مِنْ دُخُولِ حَمَّامٍ فِيهِ مُسْلِمَةٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِنْ كَلَامِهِمْ هُنَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا تَكُونُ طَوِيلَةً سَوْدَاءَ)
الْإِبْرَيْسَمِ وَالثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ) كَصُوفٍ مُرَبَّعٍ وَجُوخٍ رَفِيعٍ وَأَبْرَادٍ رَقِيقَةٍ وَمِنْ اسْتِكْتَابٍ وَمُبَاشَرَةٍ يَكُونُ بِهَا مُعَظَّمًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ. وَفِي الْحَاوِي: وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَازِمَ الصِّغَارَ فِيمَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَيْهِ فَيُمْنَعُ مِنْ الْقُعُودِ حَالَ قِيَامِ الْمُسْلِمِ عِنْدَهُ بَحْرٌ. وَيَحْرُمُ تَعْظِيمُهُ، وَتُكْرَهُ مُصَافَحَتُهُ، وَلَا يُبْدَأُ بِسَلَامٍ إلَّا لِحَاجَةٍ وَلَا يُزَادُ فِي الْجَوَابِ عَلَيَّ وَعَلَيْك وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ وَيُجْعَلُ عَلَى دَارِهِ عَلَامَةٌ وَتَمَامُهُ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ أَحْكَامِ الذِّمِّيِّ. وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ: وَيُمْنَعُونَ مِنْ اسْتِيطَانِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ قَالَ عليه الصلاة والسلام «لَا يَجْتَمِعُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ دِينَانِ» وَلَوْ دَخَلَ لِتِجَارَةٍ جَازَ وَلَا يُطِيلُ. وَأَمَّا دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ الْمَنْعَ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَدَمَهُ وَالسِّيَرُ الْكَبِيرُ آخِرُ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
ــ
[رد المحتار]
ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْعِمَامَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ لِلْقَلَنْسُوَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَنْعُهُمْ مِنْ الْعِمَامَةِ وَلَوْ غَيْرَ طَوِيلَةٍ وَإِلْزَامُهُمْ بِالْقَلَنْسُوَةِ الطَّوِيلَةِ كَمَا عَلِمْته فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ وَالْقَلَنْسُوَةُ هِيَ الَّتِي يُدْخِلُ فِيهَا الرَّأْسَ وَالْعِمَامَةُ مَا يُدَارُ عَلَيْهَا مِنْ مِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ الْإِبْرَيْسَمِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَالرَّاءِ وَفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ الْحَرِيرُ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْحَرِيرَةُ وَاحِدَةُ الْحَرِيرِ وَهُوَ الْإِبْرَيْسَمِ (قَوْلُهُ كَصُفُوفٍ مُرَبَّعٍ) لِعِلَّةِ الْفَرْجِيَّةِ فَإِنَّهُ الْآنَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ ط (قَوْلُهُ وَأَبْرَادٍ رَقِيقَةٍ) الْبُرْدُ نَوْعٌ مِنْ الثِّيَابِ مُخَطَّطٌ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ) حَيْثُ قَالَ: بَلْ رُبَّمَا يَقِفُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ خِدْمَةً لَهُمْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَغَيَّرَ خَاطِرُهُ مِنْهُ، فَيَسْعَى بِهِ عِنْدَ مُسْتَكْتِبِهِ سِعَايَةً تُوجِبُ لَهُ مِنْهُ الضَّرَرُ ثُمَّ قَالَ: وَتُجْعَلُ مَكَاعِبُهُمْ خَشِنَةً فَاسِدَةَ اللَّوْنِ وَلَا يَلْبَسُوا طَيَالِسَةً كَطَيَالِسَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَرِدْيَةً كَأَرْدِيَتِهِمْ هَكَذَا أُمِرُوا وَاتَّفَقَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ. اهـ.
وَقَالَ أَيْضًا وَلَا شَكَّ فِي وُقُوعِ خِلَافِ هَذَا فِي هَذِهِ الدِّيَارِ. اهـ. قُلْت: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ اسْتَأْسَدَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
أَحْبَابَنَا نُوَبُ الزَّمَانِ كَثِيرَةٌ
…
وَأَمَرُّ مِنْهَا رِفْعَةُ السُّفَهَاءِ
فَمَتَى يُفِيقُ الدَّهْرُ مِنْ سَكَرَاتِهِ
…
وَأَرَى الْيَهُودَ بِذِلَّةِ الْفُقَهَاءِ
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَازِمَ الصَّغَارَ) أَيْ الذُّلَّ وَالْهَوَانَ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَنْبَغِيَ هُنَا بِمَعْنَى يَجِبُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ إظْهَارُ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَدَمُ تَعْظِيمِهِمْ لَكِنْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إذَا دَخَلَ يَهُودِيٌّ الْحَمَّامَ إنْ خَدَمَهُ الْمُسْلِمُ طَمَعًا فِي فُلُوسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ تَعْظِيمًا لَهُ فَإِنْ كَانَ لِيَمِيلَ قَلْبُهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا كُرِهَ وَكَذَا لَوْ دَخَلَ ذِمِّيٌّ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَامَ لَهُ لِيَمِيلَ قَلْبُهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ عَظَّمَهُ لِغِنَاهُ كُرِهَ اهـ قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ: وَإِنْ قَامَ تَعْظِيمًا لِذَاتِهِ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ كَفَرَ لِأَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ فَكَيْفَ بِتَعْظِيمِ الْكُفْرِ. اهـ. قُلْت: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ قَامَ لَهُ خَوْفًا مِنْ شَرِّهِ فَلَا بَأْسَ أَيْضًا بَلْ إذَا تَحَقَّقَ الضَّرَرُ، فَقَدْ يَجِبُ وَقَدْ يُسْتَحَبُّ عَلَى حَسَبِ حَالِ مَا يَتَوَقَّعُهُ (قَوْلُهُ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ) بِأَنْ يُلْجِئَهُ إلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ، وَعِبَارَةُ الْفَتْحِ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِمْ فِي الطَّرِيقِ.
(قَوْلُهُ وَيَجْعَلُ عَلَى دَارِهِ عَلَامَةً) لِئَلَّا يَقِفَ سَائِلٌ فَيَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ أَوْ يُعَامِلَهُ فِي التَّضَرُّعِ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ فَتْحٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ) أَفَادَ أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، بَلْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ كُلُّهَا كَذَلِكَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمْنَا تَحْدِيدَهَا، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ قَالَهُ عليه الصلاة والسلام فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَمَا أَخْرَجَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ وَبَسَطَهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَلَا يُطِيلُ) فَيُمْنَعُ أَنْ يُطِيلَ فِيهَا الْمُكْثَ حَتَّى يَتَّخِذَ فِيهَا مَسْكَنًا لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي الْمُقَامِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مَعَ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ كَحَالِهِمْ فِي غَيْرِهَا بِلَا جِزْيَةٍ وَهُنَاكَ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ التِّجَارَةِ، بَلْ