الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِأَنَّ كُفْرَهُ الْمُقَارِنَ لَهُ لَا يَمْنَعُهُ فَالطَّارِئُ لَا يَرْفَعُهُ فَلَوْ مِنْ مُسْلِمٍ قُبِلَ كَمَا سَيَجِيءُ
[مَطْلَبٌ فِيمَا يُنْتَقَضُ بِهِ عَهْدُ الذِّمِّيِّ وَمَا لَا يُنْتَقَضُ]
(وَيُؤَدَّبُ الذِّمِّيُّ وَيُعَاقَبُ عَلَى سَبِّهِ دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْقُرْآنَ أَوْ النَّبِيَّ) صلى الله عليه وسلم حَاوِيٌّ وَغَيْرُهُ
ــ
[رد المحتار]
عَنْهُمْ الْأَمَانَ، فَإِنْ نَحْنُ خَالَفْنَا شَيْئًا مِمَّا شَرَطْنَاهُ لَكُمْ وَضَمِنَّاهُ عَلَى أَنْفُسِنَا فَلَا ذِمَّةَ لَنَا وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مِنَّا مَا يَحِلُّ لَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ، وَفِي رِوَايَةِ الْخَلَّالِ: فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ أَمْضِ لَهُمْ مَا سَأَلُوهُ وَأَلْحَقَ فِيهِ حَرْفَيْنِ اشْتَرَطَهُمَا عَلَيْهِمْ مَعَ مَا شَرَطُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنْ لَا يَشْتَرُوا شَيْئًا مِنْ سَبَايَانَا وَمَنْ ضَرَبَ مُسْلِمًا عَمْدًا فَقَدْ خُلِعَ عَهْدُهُ. اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ كِتَابَ الْعَهْدِ بِتَمَامِهِ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ اعْتَمَدَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ اهـ ثُمَّ ذَكَرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ أَنَّهُ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ بِإِحْدَاثِ ذَلِكَ الدَّيْرِ أَيْ الَّذِي أَحْدَثُوهُ فِي زَمَنِهِ، وَأَلَّفَ فِيهِ الرِّسَالَةَ الْمَذْكُورَةَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَا أَلْحَقَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ مِنْ نَقْضِي الْعَهْدِ بِتَمَرُّدِهِمْ وَاسْتِعْلَائِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. اهـ. قُلْت: وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يُقَيِّدُوا بِهَذَا الْقَيْدِ لِظُهُورِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الرَّمْلِيِّ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَى أَمْرٍ لَا يُوجَدُ بِدُونِهِ وَلِأَنَّ مُرَادَهُمْ بَيَانُ أَنَّ مُجَرَّدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ لَا يُنْتَقَضُ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ السَّبِّ وَنَحْوِهِ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ إمَامٍ إذَا فَتَحَ بَلْدَةً يَشْتَرِطُ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي شَرَطَهُ عُمَرُ فَلِذَا تَرَكُوا التَّصْرِيحَ بِهِ عَلَى أَنَّ مَا شَرَطَهُ عُمَرُ عَلَى الشَّامِ وَنَحْوِهَا لَا يَجْرِي حُكْمُهُ عَلَى كُلِّ مَا فَتَحَهُ مِنْ الْبِلَادِ مَا لَمْ يُعْلَمْ اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا. فَصَارَ الْحَاصِلُ: أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لَا يُنْتَقَضُ بِمَا ذَكَرُوهُ مَا لَمْ يُشْتَرَطْ انْتِقَاضُهُ بِهِ فَإِذَا اُشْتُرِطَ انْتَقَضَ، وَإِلَّا فَلَا إلَّا إذَا أَعْلَنَ بِالشَّتْمِ أَوْ اعْتَادَهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَلِمَا يَأْتِي عَنْ الْمَعْرُوضَاتِ وَغَيْرِهَا وَلِمَا ذَكَرَهُ ط عَنْ الشَّلَبِيِّ عَنْ حَافِظِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ إذَا طَعَنَ الذِّمِّيُّ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ طَعْنًا ظَاهِرًا جَازَ قَتْلُهُ لِأَنَّ الْعَهْدَ مَعْقُودٌ مَعَهُ عَلَى أَنْ لَا يَطْعَنَ فَإِذَا طَعَنَ، فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ وَخَرَجَ مِنْ الذِّمَّةِ اهـ لَكِنْ مُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ اشْتِرَاطُ عَدَمِ الطَّعْنِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ كَلَامِهِمْ فَتَأَمَّلْ. [تَنْبِيهٌ]
قَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الشَّتْمَ بِمَا لَا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ وَنَقَلَهُ فِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ أَبِي السُّعُودِ عَنْ الذَّخِيرَةِ بِقَوْلِهِ: إذَا ذَكَرَهُ بِسُوءٍ يَعْتَقِدُهُ وَيَتَدَيَّنُ بِهِ، بِأَنْ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ أَوْ قَتَلَ الْيَهُودَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ نَسَبَهُ إلَى الْكَذِبِ فَعِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ أَمَّا إذَا ذَكَرَهُ بِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ وَلَا يَتَدَيَّنُ بِهِ كَمَا لَوْ نَسَبَهُ إلَى الزِّنَا أَوْ طَعَنَ فِي نَسَبِهِ يُنْتَقَضُ. اهـ. (قَوْلُهُ الْمُقَارِنَ لَهُ) أَيْ لِعَهْدِ الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ فَالطَّارِئُ) أَيْ بِالسَّبِّ (قَوْلُهُ فَلَوْ مِنْ مُسْلِمٍ قُبِلَ) أَيْ إنْ لَمْ يَتُبْ لَا مُطْلَقًا خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الدُّرَرِ هُنَا وَالْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ لَا مَذْهَبُنَا كَمَا سَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَيُؤَدَّبُ الذِّمِّيُّ وَيُعَاقَبُ إلَخْ) أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ تَأْدِيبَهُ وَعَاقَبَهُ بِالْقَتْلِ، إذَا اعْتَادَهُ، وَأَعْلَنَ بِهِ كَمَا يَأْتِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ حَافِظِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّعْزِيرِ أَنَّهُ يُقْتَلُ الْمُكَابِرُ بِالظُّلْمِ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ وَالْمُكَّاسُ وَجَمِيعُ الظَّلَمَةِ وَجَمِيعُ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّهُ أَفْتَى النَّاصِحِيُّ بِقَتْلِ كُلِّ مُؤْذٍ. وَرَأَيْت فِي كِتَابِ الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيِّ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا: لَا يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ بِالسَّبِّ، وَلَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِذَلِكَ لَكِنْ يُعَزَّرُ عَلَى إظْهَارِ ذَلِكَ كَمَا يُعَزَّرُ عَلَى إظْهَارِ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي لَيْسَ لَهُمْ فِعْلُهَا مِنْ إظْهَارِ
قَالَ الْعَيْنِيُّ: وَاخْتِيَارِي فِي السَّبِّ أَنْ يُقْتَلَ. اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ الْهُمَامِ. قُلْت: وَبِهِ أَفْتَى شَيْخُنَا الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ رَأَيْت فِي مَعْرُوضَاتِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ، أَنَّهُ وَرَدَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ بِالْعَمَلِ بِقَوْلِ أَئِمَّتُنَا الْقَائِلِينَ بِقَتْلِهِ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُعْتَادُهُ وَبِهِ أَفْتَى ثُمَّ أَفْتَى فِي بَكْرٍ الْيَهُودِيِّ قَالَ لِبِشْرٍ النَّصْرَانِيِّ نَبِيُّكُمْ عِيسَى وَلَدُ زِنًا بِأَنَّهُ يُقْتَلُ
ــ
[رد المحتار]
أَصْوَاتِهِمْ بِكِتَابِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ الثَّوْرِيِّ، وَمِنْ أُصُولِهِمْ يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ أَنَّ مَا لَا قَتْلَ فِيهِ عِنْدَهُمْ مِثْلُ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ، وَالْجِمَاعِ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ إذَا تَكَرَّرَ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ فَاعِلَهُ، وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْحَدِّ الْمُقَدَّرِ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ وَيَحْمِلُونَ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ مِنْ الْقَتْلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْجَرَائِمِ، عَلَى أَنَّهُ رَأْيُ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ وَيُسَمُّونَهُ الْقَتْلَ سِيَاسَةً. وَكَانَ حَاصِلُهُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَزِّرَ بِالْقَتْلِ فِي الْجَرَائِمِ الَّتِي تَعَظَّمَتْ بِالتَّكْرَارِ، وَشُرِعَ الْقَتْلُ فِي جِنْسِهَا؛ وَلِهَذَا أَفْتَى أَكْثَرُهُمْ بِقَتْلِ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَخْذِهِ، وَقَالُوا يُقْتَلُ سِيَاسَةً، وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ عَلَى أُصُولِهِمْ. اهـ. فَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا قَتْلُهُ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَأَظْهَرَهُ وَقَوْلُهُ وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَخْذِهِ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ عِنْدَنَا لَكِنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ مَذْهَبِنَا وَهُوَ ثَبْتٌ فَيُقْبَلُ (قَوْلُهُ قَالَ الْعَيْنِيُّ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَا أَصْلَ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ اهـ وَرَدَّهُ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ، بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ النَّقْضِ عَدَمُ الْقَتْلِ، وَقَدْ صَرَّحُوا قَاطِبَةً بِأَنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤَدَّبُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِ زَجْرًا لِغَيْرِهِ إذْ يَجُوزُ التَّرَقِّي فِي التَّعْزِيرِ إلَى الْقَتْلِ، إذَا عَظُمَ مُوجِبُهُ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِنَا عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ عَدَمِ الِانْتِقَاضِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ. اهـ. وَلَيْسَ فِي مَذْهَبِنَا مَا يَنْفِي قَتْلَهُ خُصُوصًا إذَا أَظْهَرَ مَا هُوَ الْغَايَةُ فِي التَّمَرُّدِ، وَعَدَمِ الِاكْتِرَاثِ وَالِاسْتِخْفَافِ وَاسْتَعْلَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهٍ صَارَ مُتَمَرِّدًا عَلَيْهِمْ اهـ وَنَقَلَ الْمَقْدِسِيَّ مَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ، ثُمَّ قَالَ، وَهُوَ مِمَّا يَمِيلُ إلَيْهِ كُلُّ مُسْلِمٍ وَالْمُتُونُ، وَالشُّرُوحُ خِلَافُهُ أَقُولُ وَلَنَا أَنْ نُؤَدِّبَ الذِّمِّيَّ تَعْزِيرًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لَوْ مَاتَ كَانَ دَمُهُ هَدْرًا. اهـ.
قُلْت: لَكِنَّ هَذَا إذَا أَعْلَنَ بِالسَّبِّ وَكَانَ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُهُ كَمَا عَلِمْته آنِفًا (قَوْلُهُ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْهُمَامِ) حَيْثُ قَالَ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ سَبَّهُ عليه الصلاة والسلام أَوْ نِسْبَةَ مَا لَا يَنْبَغِي إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُونَهُ كَنِسْبَةِ الْوَلَدِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ إذَا أَظْهَرَهُ يُقْتَلُ بِهِ وَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ وَلَكِنْ عُثِرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَكْتُمُهُ فَلَا وَهَذَا لِأَنَّهُ الْغَايَةُ فِي التَّمَرُّدِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَكُونُ جَارِيًا عَلَى الْعَقْدِ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ الْقَتْلَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَاغِرًا ذَلِيلًا إلَى أَنْ قَالَ: وَهَذَا الْبَحْثُ مِنَّا يُوجِبُ أَنَّهُ إذَا اسْتَعْلَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهٍ صَارَ مُتَمَرِّدًا عَلَيْهِمْ يَحِلُّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُ أَوْ يَرْجِعُ إلَى الذُّلِّ وَالصَّغَارِ. اهـ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ بَحْثٌ خَالَفَ فِيهِ أَهْلَ الْمَذْهَبِ اهـ وَقَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ إنَّ مَا بَحَثَهُ فِي النَّقْضِ مُسَلَّمٌ مُخَالَفَتُهُ لِلْمَذْهَبِ وَأَمَّا مَا بَحَثَهُ فِي الْقَتْلِ فَلَا اهـ أَيْ لِمَا عَلِمْته آنِفًا مِنْ جَوَازِ التَّعْزِيرِ بِالْقَتْلِ وَلِمَا يَأْتِي مِنْ جَوَازِ قَتْلِهِ إذَا أَعْلَنَ بِهِ (قَوْلُهُ وَبِهِ أَفْتَى شَيْخُنَا) أَيْ بِالْقَتْلِ لَكِنْ تَعْزِيرًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُعْتَادُهُ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي الْمَعْرُوضَاتِ أَوْ بِمَا إذَا أَعْلَنَ بِهِ كَمَا يَأْتِي بِخِلَافِ مَا إذَا أُعْثِرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَكْتُمُهُ كَمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ.
(قَوْلُهُ وَبِهِ أَفْتَى) أَيْ أَبُو السُّعُودِ مُفْتِي الرُّومِ بَلْ أَفْتَى بِهِ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إذَا أَكْثَرَ السَّبَّ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُعْتَادُهُ وَمِثْلُهُ مَا إذَا أَعْلَنَ بِهِ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْهُمَامِ إذَا أَظْهَرَهُ يُقْتَلُ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ مُخَالِفًا لِلْمَذْهَبِ، بَلْ صَرَّحَ بِهِ مُحَرِّرُ الْمَذْهَبِ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا إذَا اعْتَادَهُ كَمَا قَيَّدَ بِهِ أَوَّلًا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا أَفْتَى بِهِ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ وَلِمَا مَرَّ عَنْ الْعَيْنِيِّ
لِسَبِّهِ لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اهـ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ كَمَالٍ بَاشَا فِي أَحَادِيثِهِ الْأَرْبَعِينِيَّةِ فِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ: يَا عَائِشَةُ لَا تَكُونِي فَاحِشَةً مَا نَصُّهُ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَنَا إذَا أَعْلَنَ بِشَتْمِهِ عليه الصلاة والسلام صَرَّحَ بِهِ فِي سِيَرِ الذَّخِيرَةِ، حَيْثُ قَالَ: وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ لِبَيَانِ قَتْلِ الْمَرْأَةِ إذَا أَعْلَنَتْ بِشَتْمِ الرَّسُولِ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَدِيٍّ لَمَّا سَمِعَ عَصْمَاءَ بِنْتَ مَرْوَانَ تُؤْذِي الرَّسُولَ فَقَتَلَهَا لَيْلًا مَدَحَهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ» انْتَهَى فَلْيُحْفَظْ
(وَيُؤْخَذُ مِنْ مَالِ بَالِغِ تَغْلِبِينَ وَتَغْلَبِيَّةٍ) لَا مِنْ طِفْلِهِمْ إلَّا الْخَرَاجَ (ضِعْفُ زَكَاتِنَا) بِأَحْكَامِهَا (مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) الْمَعْهُودَةُ بَيْنَنَا لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ كَذَلِكَ (وَ) يُؤْخَذُ (مِنْ مَوْلَاهُ) أَيْ مُعْتِقُ التَّغْلِبِيِّ (فِي الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ كَمَوْلَى الْقُرَشِيِّ) وَحَدِيثُ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» مَخْصُوصٌ بِالْإِجْمَاعِ
ــ
[رد المحتار]
وَالْمَقْدِسِيِّ، لَكِنْ عَلِمْت تَقْيِيدَهُ بِالْإِعْلَانِ، أَوْ بِمَا فِي الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّكْرَارِ (قَوْلُهُ لِسَبِّهِ لِلْأَنْبِيَاءِ) الْمُرَادُ الْجِنْسُ وَإِلَّا فَهُوَ قَدْ سَبَّ نَبِيًّا وَاحِدًا (قَوْلُهُ وَيُؤَيِّدُهُ) أَيْ يُؤَيِّدُهُ قَتْلُ الْكَافِرِ السَّابِّ (قَوْلُهُ فِي أَحَادِيثِهِ) الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَمَا فِي قَوْله مَا نَصُّهُ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِمَعْنَى شَيْءٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَالْجُمْلَةُ مِنْ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ خَبَرُ إنَّ وَنَصُّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى مَنْصُوصِهِ مَرْفُوعٌ، عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ وَالْحَقُّ إلَخْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ إلَى آخِرِهَا أُرِيدَ بِهَا لَفْظُهَا فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ نَصِّهِ وَجُمْلَةُ هَذَا الْمُبْتَدَأِ أَوْ خَبَرِهِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَا الْوَاقِعَةِ مُبْتَدَأً وَجُمْلَةُ مَا وَخَبَرُهَا الْمُقَدَّمُ خَبَرُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ أَنَّ ابْنَ كَمَالٍ وَالْمَعْنَى: أَنَّ ابْنَ كَمَالٍ شَيْءٌ مَنْصُوصُهُ، وَالْحَقُّ إلَخْ ثَابِتٌ فِي أَحَادِيثِهِ الْأَرْبَعِينِيَّةِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ حَيْثُ قَالَ إلَخْ) بَيَانُهُ أَنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ مِنْ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْمَرْأَةِ إذَا أَعْلَنَتْ بِالشَّتْمِ فَهُوَ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الذِّمِّيِّ الْمَنْهِيّ عَنْ قَتْلِهِ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، إذَا أَعْلَنَ بِالشَّتْمِ أَيْضًا، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ بِعِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ سَمِعْت امْرَأَةً مِنْ يَهُودٍ وَهِيَ تَشْتُمُك وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا لَمُحْسِنَةٌ إلَيَّ فَقَتَلْتهَا فَأَهْدَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دَمَهَا»
(قَوْلُهُ تَغْلِبِيٍّ وَتَغْلَبِيَّةٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى الْأَصْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُهَا مِصْبَاحٌ نِسْبَةً إلَى تَغْلِبَ بْنِ وَائِلِ بْنِ رَبِيعَةَ بِوَزْنِ تَضْرِبُ قَوْمٌ تَنَصَّرُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسَكَنُوا بِقُرْبِ الرُّومِ امْتَنَعُوا عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَصَالَحَهُمْ عُمَرُ عَلَى ضِعْفِ زَكَاتِنَا فَهُوَ وَإِنْ كَانَ جِزْيَةً فِي الْمَعْنَى إلَّا أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُهَا مِنْ وَصْفِ الصَّغَارِ، وَتُقْبَلُ مِنْ النَّائِبِ بَلْ شَرَائِطُ الزَّكَاةِ وَأَسْبَابُهَا وَلِذَا أُخِذَتْ مِنْ الْمَرْأَةِ لِأَهْلِيَّتِهَا لَهَا بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ مَوَاشِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ إلَّا الْخَرَاجَ) أَيْ خَرَاجَ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ طِفْلِهِمْ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْأَرْضِ وَلَيْسَ عِبَادَةً بَحْرٌ (قَوْلُهُ ضِعْفُ زَكَاتِنَا) فَيَأْخُذُ السَّاعِي مِنْ غَنَمِهِمْ السَّائِمَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاتَيْنِ، وَمِنْ كُلِّ مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ أَرْبَعَ شِيَاهٍ وَعَلَى هَذَا مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ نَهْرٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِمْ وَرَقَبَتِهِمْ كَمَا فِي الأتقاني يَعْنِي إلَّا إذَا مَرُّوا عَلَى الْعَاشِرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ط عَنْ الْحَمَوِيِّ (قَوْلُهُ كَمَوْلَى الْقُرَشِيِّ) يَعْنِي أَنَّ مُعْتِقَ التَّغْلِبِيِّ كَمُعْتِقِ الْقُرَشِيِّ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَتْبَعُ أَصْلَهُ، حَتَّى تُوضَعَ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ عَلَيْهِمَا وَإِنْ لَمْ يُوضَعَا عَلَى أَصْلِهِمَا تَخْفِيفًا وَالْمُعْتَقُ لَا يَلْحَقُ أَصْلَهُ فِي التَّخْفِيفِ وَلِذَا لَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ مَوْلًى نَصْرَانِيٌّ، وُضِعَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ وَحَدِيثُ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنَّ مَا عَلَّلْتُمْ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَقَ لَا يَلْحَقُ أَصْلَهُ فِي التَّخْفِيفِ مُعَارِضٌ لِلنَّصِّ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ مُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ لَا يَلْحَقُهُ فِي الْكَفَاءَةِ لِلْهَاشِمِيَّةِ وَلَا فِي الْإِمَامَةِ، وَإِذَا كَانَ عَامًّا مَخْصُوصًا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ أَيْضًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعِلَّةِ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ.
(وَمَصْرِفُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَمَالُ التَّغْلِبِيِّ وَهَدِيَّتُهُمْ لِلْإِمَامِ) وَإِنَّمَا يَقْبَلُهَا إذَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ إنَّ قِتَالَنَا لِلدِّينِ لَا الدُّنْيَا جَوْهَرَةٌ (وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ بِلَا حَرْبٍ) وَمِنْهُ تَرِكَةُ ذِمِّيٍّ وَمَا أَخَذَهُ عَاشِرٌ مِنْهُمْ ظَهِيرِيَّةٌ (مَصَالِحُنَا) خَبَرُ مَصْرِفٍ (كَسَدِّ ثُغُورٍ وَبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ وَجِسْرٍ وَكِفَايَةِ الْعُلَمَاءِ) وَالْمُتَعَلِّمِينَ تَجْنِيسٌ وَبِهِ يَدْخُلُ طَلَبَةُ الْعِلْمِ فَتْحٌ (وَالْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ) كَكَتَبَةِ قُضَاةٍ وَشُهُودِ قِسْمَةٍ وَرُقَبَاءِ سَوَاحِلَ (وَرِزْقِ الْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ) أَيْ ذَرَارِيِّ مَنْ ذُكِرَ مِسْكِينٌ وَاعْتَمَدَهُ فِي الْبَحْرِ قَائِلًا: وَهَلْ يُعْطُونَ بَعْدَ مَوْتِ آبَائِهِمْ حَالَةَ الصِّغَرِ؟
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِي مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ
(قَوْلُهُ وَمَصْرِفُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ إلَخْ) قَيَّدَ بِالْخَرَاجِ لِأَنَّ الْعُشْرَ مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَقْبَلُهَا إلَخْ) تَرَكَ قَيْدًا آخَرَ ذَكَرَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُهْدِي لَا يَطْمَعُ فِي إيمَانِهِ لَوْ رُدَّتْ هَدَيْته فَلَوْ طَمِعَ فِي إيمَانِهِ بِالرَّدِّ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ بِلَا حَرْبٍ) فِيهِ أَنَّ مَا قَبْلَهُ مَأْخُوذٌ بِحَرْبٍ، لَكِنْ فَسَّرَهُ فِي النَّهْرِ بِالْمَأْخُوذِ صُلْحًا عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ قَبْلَ نُزُولِ الْعَسْكَرِ بِسَاحَتِهِمْ (قَوْلُهُ مَصَالِحُنَا) نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ وَلَا يُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ نَهْرٌ، وَهُوَ جَمْعُ مَصْلَحَةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ إلَى الْإِسْلَامِ ط عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ (قَوْلُهُ كَسَدِّ ثُغُورٍ) أَيْ حِفْظِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَيْسَ وَرَاءَهَا إسْلَامٌ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى جَمَاعَةٍ يَحْفَظُونَ الطَّرِيقَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ اللُّصُوصِ قُهُسْتَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ وَجِسْرٍ) الْقَنْطَرَةُ مَا بُنِيَ عَلَى الْمَاءِ لِلْعُبُورِ، وَالْجِسْر بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ مَا يُعْبَرُ بِهِ النَّهْرُ وَغَيْرُهُ مَبْنِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ وَمِثْلُهُ بِنَاءِ مَسْجِدٍ وَحَوْضٍ، وَرِبَاطٍ وَكَرْيِ أَنْهَارٍ عِظَامٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ كَالنِّيلِ وَجَيْحُونَ قُهُسْتَانِيٌّ وَكَذَا النَّفَقَةِ عَلَى الْمَسَاجِدِ كَمَا فِي زَكَاةِ الْخَانِيَّةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّرْفُ عَلَى إقَامَةِ شَعَائِرِهَا مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ وَنَحْوِهَا بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَكِفَايَةُ الْعُلَمَاءِ) هُمْ أَصْحَابُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ يُعَلِّمُ الْعُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ، فَيَشْمَلُ الصَّرْفَ وَالنَّحْوَ وَغَيْرَهُمَا حَمَوِيٌّ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ ط. وَفِي التَّعْبِيرِ بِالْكِفَايَةِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ وَكَذَا يُشْعِرُ بِاشْتِرَاطِ فَقْرِهِمْ، لَكِنْ فِي حَظْرِ الْخَانِيَّةِ سُئِلَ عَلِيُّ الرَّازِيّ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ هَلْ لِلْأَغْنِيَاءِ فِيهِ نَصِيبٌ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عَامِلًا أَوْ قَاضِيًا، وَلَيْسَ لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ نَصِيبٌ إلَّا فَقِيهٌ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ الْفِقْهَ أَوْ الْقُرْآنَ. اهـ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: أَيْ بِأَنْ صَرَفَ غَالِبَ أَوْقَاتِهِ فِي الْعِلْمِ وَلَيْسَ مُرَادُ الرَّازِيّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْعَامِلِ، أَوْ الْقَاضِي، بَلْ أَشَارَ بِهِمَا إلَى كُلِّ مَنْ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُفْتِي وَالْجُنْدِيُّ، فَيَسْتَحِقَّانِ الْكِفَايَةَ مَعَ الْغَنِيِّ اهـ وَذَكَرَ قَبْلَهُ عَنْ الْفَتْحِ أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَتَأَهَّلَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ لَكِنْ لِيَعْمَلَ بَعْدَهُ لِلْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ وَالْعُمَّالُ) مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لِمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّهُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ جَمْعُ عَامِلٍ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى أُمُورَ رَجُلٍ فِي مَالِهِ وَعَمَلِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُذَكِّرُ وَالْوَاعِظُ بِحَقٍّ وَعِلْمٍ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ، وَكَذَا الْوَالِي وَطَالِبُ الْعِلْمِ وَالْمُحْتَسِبُ، وَالْقَاضِي، وَالْمُفْتِي وَالْمُعَلِّمُ بِلَا أَجْرٍ كَمَا فِي الْمُضْمِرَاتِ (قَوْلُهُ وَشُهُودِ قِسْمَةٍ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الْقِسْمَةَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَالشُّرَكَاءِ وَاسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِمْ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَشُهُودِ قِيمَةٍ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى التَّقْوِيمِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْقِيمَةِ ط (قَوْلُهُ وَرُقَبَاءِ سَوَاحِلَ) جَمْعُ رَقِيبٍ مِنْ رَقَبْته أَرْقُبُهُ مِنْ بَابِ قَتَلَ: أَيْ حَفِظْته وَالسَّوَاحِلُ جَمْعُ سَاحِلٍ، وَهُوَ شَاطِئُ الْبَحْرِ مِصْبَاحٌ فَالْمُرَادُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ السَّوَاحِلَ، وَهُمْ الْمُرَابِطُونَ فِي الثُّغُورِ أَوْ أَعَمُّ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَرِزْقِ الْمُقَاتِلَةِ) الرِّزْقُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْ الرَّزْقِ بِالْفَتْحِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَامُوسٌ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الرِّزْقُ يُقَالُ لِلْعَطَاءِ الْجَارِي دِينِيًّا كَانَ أَوْ دُنْيَوِيًّا وَلِلنَّصِيبِ وَلِمَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ وَيَتَغَذَّى بِهِ قُهُسْتَانِيٌّ ط (قَوْلُهُ أَيْ ذَرَارِيِّ مَنْ ذُكِرَ إلَخْ) لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَعُمُّ الْكُلَّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُهُسْتَانِيُّ وَمُنْلَا مِسْكِينٍ وَغَيْرُهُمَا، وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي تُوهِمُ تَخْصِيصَهُمْ بِالْمُقَاتِلَةِ وَبِهِ صَرَّحَ شَارِحُ
لَمْ أَرَهُ، وَإِلَى هُنَا تَمَّتْ مَصَارِفُ بَيْتِ الْمَالِ ثَلَاثَةٌ،
ــ
[رد المحتار]
الْمَجْمَعِ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَتَبِعَهُ فِي الْمِنَحِ دُرٌّ مُنْتَقًى، وَفَسَّرَ الذَّرَارِيَّ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ: مَطْلَبٌ مَنْ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ يُعْطَى وَلَدُهُ بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ لَمْ أَرَهُ) نَقَلَ الشَّيْخُ عِيسَى السَّفْطِيُّ فِي رِسَالَتِهِ مَا نَصُّهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ: إنَّ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَفُرِضَ لَهُ اسْتِحْقَاقُهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِذُرِّيَّتِهِ أَيْضًا تَبَعًا لَهُ، وَلَا يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي الْفَتْوَى: عَلَى أَنَّهُ يُفْرَضُ لِذَرَارِيِّ الْعُلَمَاءِ، وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُقَاتِلَةِ، وَمَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا يَسْقُطُ مَا فُرِضَ لِذَرَارِيِّهِمْ بِمَوْتِهِمْ اهـ ط. قُلْت: لَكِنَّ قَوْلَ الْمُتُونِ الْآتِي: وَمَنْ مَاتَ فِي نِصْفِ الْحَوْلِ حُرِمَ مِنْ الْعَطَاءِ يُنَافِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَا يَجْرِي عَلَى الذَّرَارِيِّ عَطَاءٌ مُسْتَقِلٌّ خَاصٌّ بِالذَّرَارِيِّ لِإِعْطَاءِ الْمَيِّتِ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ تَأَمَّلْ، لَكِنَّ مَا مَرَّ عَنْ الْحَاوِي لَمْ أَرَهُ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَلَا فِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ، وَرَاجَعْت مَوَاضِعَ كَثِيرَةً مِنْ كِتَابِ الْخَرَاجِ فَلَمْ أَرَهُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. نَعَمْ قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي رِسَالَتِهِ: وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا أَنَّهُ يُفْرَضُ لِأَوْلَادِهِمْ تَبَعًا وَلَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ الْأَصْلِ تَرْغِيبًا اهـ وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ: أَنَّ إعْطَاءَهُمْ بِالْأَوْلَى لِشِدَّةِ احْتِيَاجِهِمْ، سِيَّمَا إذَا كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي سُلُوكِ طَرِيقِ آبَائِهِمْ. اهـ. مَطْلَبٌ مَنْ لَهُ وَظِيفَةٌ تَوَجَّهَ لِوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ
وَنَقَلَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ عَنْ الْخِزَانَةِ عَنْ مَبْسُوطِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ: إذَا مَاتَ مَنْ لَهُ وَظِيفَةٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِحَقِّ الشَّرْعِ وَإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ كَأَجْرِ الْإِمَامَةِ وَالتَّأْذِينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَلِلْمَيِّتِ أَبْنَاءٌ يُرَاعُونَ وَيُقِيمُونَ حَقَّ الشَّرْعِ وَإِعْزَازَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يُرَاعِي وَيُقِيمُ الْأَبُ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ وَظِيفَةَ الْأَبِ لِأَبْنَاءِ الْمَيِّتِ لَا لِغَيْرِهِمْ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الشَّرْعِ، وَانْجِبَارِ كَسْرِ قُلُوبِهِمْ. اهـ. مَطْلَبٌ تَحْقِيقٌ مُهِمٌّ فِي تَوْجِيهِ الْوَظَائِفِ لِلِابْنِ
قَالَ الْبِيرِيُّ أَقُولُ: هَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا هُوَ عُرْفُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَمِصْرَ وَالرُّومِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ إبْقَاءِ أَبْنَاءِ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانُوا صِغَارًا عَلَى وَظَائِفِ آبَائِهِمْ مُطْلَقًا مِنْ إمَامَةٍ وَخَطَابَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ عُرْفًا مَرْضِيًّا لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ خَلَفِ الْعُلَمَاءِ وَمُسَاعَدَتَهُمْ عَلَى بَذْلِ الْجَهْدِ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، وَقَدْ أَفْتَى بِجَوَازِ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَكَابِرِ الْفُضَلَاءِ الَّذِينَ يُعَوَّلُ عَلَى إفْتَائِهِمْ. اهـ. قُلْت: وَمُقْتَضَاهُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ هِيَ إحْيَاءُ خَلَفِ الْعُلَمَاءِ وَمُسَاعَدَتُهُمْ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ، فَإِذَا اتَّبَعَ الِابْنُ طَرِيقَةَ وَالِدِهِ فِي الِاشْتِغَالِ فِي الْعِلْمِ، فَذَلِكَ ظَاهِرٌ.
أَمَّا إذَا أَهْمَلَ ذَلِكَ وَاشْتَغَلَ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ أَوْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا جَاهِلًا غَافِلًا مُعَطِّلًا لِلْوَظَائِفِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ يُنِيبُ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ، وَيَصْرِفُ بَاقِيَ ذَلِكَ فِي شَهَوَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمَا فِيهِ مِنْ أَخْذِ وَظَائِفِ الْعُلَمَاءِ، وَتَرْكِهِمْ بِلَا شَيْءٍ يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى الْعِلْمِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ عَامَّةَ أَوْقَافِ الْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْوَظَائِفِ فِي أَيْدِي جَهَلَةٍ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ دِينِهِمْ، وَيَأْكُلُونَ ذَلِكَ بِلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَا إنَابَةٍ بِسَبَبِ تَمَسُّكِهِمْ بِأَنَّ خُبْزَ الْأَبِ
فَهَذَا مَصْرِفُ جِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ وَمَصْرِفُ زَكَاةٍ وَعُشْرٍ مَرَّ فِي الزَّكَاةِ، وَمَصْرِفُ خُمُسٍ وَرِكَازٍ مَرَّ فِي السِّيَرِ وَبَقِيَ رَابِعٌ وَهُوَ لُقَطَةٌ وَتَرِكَةٌ بِلَا وَارِثٍ، وَدِيَةُ مَقْتُولٍ بِلَا وَلِيٍّ، وَمَصْرِفُهَا لَقِيطٌ فَقِيرٌ وَفَقِيرٌ بِلَا وَلِيٍّ وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ نَوْعٍ بَيْتًا يَخُصُّهُ وَلَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مِنْ أَحَدِهَا لِيَصْرِفَهُ لِلْآخِرِ وَيُعْطِي بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْفِقْهِ وَالْفَضْلِ فَإِنْ قَصَّرَ كَانَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَسِيبًا زَيْلَعِيٌّ. وَفِي الْحَاوِي: الْمُرَادُ بِالْحَافِظِ فِي حَدِيثِ «لِحَافِظِ الْقُرْآنِ مِائَتَا دِينَارٍ» -
ــ
[رد المحتار]
لِابْنِهِ، فَيَتَوَارَثُونَ الْوَظَائِفَ أَبًا عَنْ جَدٍّ كُلُّهُمْ جَهَلَةٌ كَالْأَنْعَامِ وَيُكَبِّرُونَ بِذَلِكَ فِرَاهُمْ وَعَمَائِمَهُمْ، وَيَنْصَدِرُونَ فِي الْبَلْدَةِ حَتَّى أَدَّى ذَلِكَ إلَى انْدِرَاسِ الْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ، وَأَكْثَرُهَا صَارَ بُيُوتًا بَاعُوهَا أَوْ بَسَاتِينَ اشْتَغَلُوهَا، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ لَا يَجِدُ لَهُ مَأْوًى يَسْكُنُهُ وَلَا شَيْئًا يَأْكُلُهُ فَيَضْطَرُّ إلَى أَنْ يَتْرُكَ الْعِلْمَ، وَيَكْتَسِبَ وَوَقَعَ فِي زَمَانِنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَكَابِرِ دِمَشْقَ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ أَجْهَلَ مِنْهُ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ فَوُجِّهْت مِنْ وَظَائِفِهِ تَوْلِيَةُ مَسْجِدٍ وَمَدْرَسَةٍ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَعْلَمِ عُلَمَاءِ دِمَشْقَ فَذَهَبَ وَلَدُهُ وَعَزَلَهُمَا عَنْ ذَلِكَ بِالرِّشْوَةِ، وَفِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ مِنْ الْأَشْبَاهِ إذَا وَلَّى السُّلْطَانُ مُدَرِّسًا لَيْسَ بِأَهْلٍ لَمْ تَصِحَّ تَوْلِيَتُهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ السُّلْطَانُ إذَا أَعْطَى غَيْرَ الْمُسْتَحِقِّ فَقَدْ ظَلَمَ مَرَّتَيْنِ بِمَنْعِ الْمُسْتَحِقِّ وَإِعْطَاءِ غَيْرِهِ اهـ فَفِي تَوْجِيهِ هَذِهِ الْوَظَائِفِ لِأَبْنَاءِ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ ضَيَاعُ الْعِلْمِ، وَالدِّينِ، وَإِعَانَتُهُمْ عَلَى إضْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ تَوْجِيهُهَا عَلَى أَهْلِهَا وَنَزْعُهَا مِنْ أَيْدِي غَيْرِ الْأَهْلِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا تُوَجَّهُ عَلَى وَلَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَلَى طَرِيقَةِ وَالِدِهِ يُعْزَلُ عَنْهَا وَتُوَجَّهُ لِلْأَهْلِ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ غَرَضَ الْوَاقِفِ إحْيَاءُ مَا أَوْقَفَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَكُلُّ مَا كَانَ فِيهِ تَضْيِيعُهُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِغَرَضِ الشَّرْعِ وَالْوَاقِفِ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
(قَوْلُهُ فَهَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَصَالِحِ وَقَوْلُهُ مَصْرِفُ جِزْيَةٍ، وَخَرَاجٍ أَيْ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا ذُكِرَ مَعَهُمَا (قَوْلُهُ مَرَّ فِي الزَّكَاةِ) أَيْ فِي بَابِ الْمَصْرِفِ (قَوْلُهُ مَرَّ فِي السِّيَرِ) أَيْ فِي فَصْلِ كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ (قَوْلُهُ وَبَقِيَ رَابِعٌ) تَقَدَّمَ هَذَا مَعَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي قَبْلَهُ نَظْمًا لِابْنِ الشِّحْنَةِ فِي آخِرِ بَابِ الْعُشْرِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ وَفَقِيرٌ بِلَا وَلِيٍّ) أَيْ لَيْسَ لَهُ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: يُعْطُونَ مِنْهُ نَفَقَتَهُمْ وَأَدْوِيَتَهُمْ وَيُكَفَّنُ بِهِ مَوْتَاهُمْ وَيُعْقَلُ بِهِ جِنَايَتُهُمْ. اهـ. [تَنْبِيهٌ]
قَالَ فِي الْأَحْكَامِ: الْعُلَمَاءُ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ بِالْعَمَلِ مَعَ الْغِنَى، وَمِنْ النَّوْعِ الثَّانِي بِصِفَةِ الْفَقْرِ وَنَحْوِهِمَا، وَمِنْ النَّوْعِ الثَّالِثِ بِأَحَدِ صِفَاتِ مُسْتَحِقِّيهِ، وَمِنْ النَّوْعِ الرَّابِعِ بِصِفَةِ الْمَرَضِ، وَنَحْوِهِ وَمَنْ خَصَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ بِالْأَوَّلِ نَظَرَ إلَى مَحْضِ صِفَةِ الْعِلْمِ. اهـ. (قَوْلُهُ بَيْتًا يَخُصُّهُ) فَلَا يُخْلَطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِأَنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ حُكْمًا يَخْتَصُّ بِهِ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ لِيَصْرِفَهُ لِلْآخِرِ) أَيْ لِأَهْلِهِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: ثُمَّ إذَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ شَيْءٌ رَدَّهُ فِي الْمُسْتَقْرِضِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَصْرُوفُ مِنْ الصَّدَقَاتِ، أَوْ مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَهُمْ فُقَرَاءُ، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ فِيهِ شَيْئًا لِأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ لِلصَّدَقَاتِ بِالْفَقْرِ وَكَذَا فِي غَيْرِهِ إذَا صَرَفَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَيُعْطِي بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إلَخْ) الَّذِي فِي الزَّيْلَعِيِّ هَكَذَا، وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَصْرِفَ إلَى كُلِّ مُسْتَحِقٍّ قَدْرَ حَاجَتِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فَإِنْ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ حَسِيبًا. اهـ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُسَوِّي فِي الْعَطَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُعْطِيهِمْ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْفِقْهِ وَالْفَضْلِ، وَالْأَخْذُ بِهَذَا فِي زَمَانِنَا أَحْسَنُ فَتُعْتَبَرُ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ اهـ أَيْ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْأَحْوَجَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ الْأَحْوَجِ، وَكَذَا الْأَفْقَهَ وَالْأَفْضَلَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُرَاعَى الْحَاجَةُ فِي الْأَفْقَهِ وَالْأَفْضَلِ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِمَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يُعْطِي مَنْ كَانَ لَهُ زِيَادَةُ فَضِيلَةٍ، مِنْ عِلْمٍ، أَوْ نَسَبٍ أَوْ نَحْوِهِ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِي الْبَحْرِ أَيْضًا عَنْ الْمُحِيطِ وَالرَّأْيُ إلَى الْإِمَامِ مِنْ تَفْضِيلٍ وَتَسْوِيَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمِيلَ فِي ذَلِكَ إلَى هَوًى، وَفِيهِ عَنْ الْقُنْيَةِ وَلِلْإِمَامِ الْخِيَارُ فِي الْمَنْعِ وَالْإِعْطَاءِ فِي الْحُكْمِ. اهـ.