الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَمْ أَرَهُ وَخَطَرَ لِي أَنَّهُ يُخَيِّرُهُ بَيْنَ أَنْ يَعْمُرَهَا أَوْ يَرُدَّهَا لِوَرَثَةِ الْوَاقِفِ. قُلْت: فَلَوْ هُوَ الْوَارِثُ لَمْ أَرَهُ.
وَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ مَا يُفِيدُ اسْتِبْدَالَهُ أَوْ رَدَّ ثَمَنِهِ لِلْوَرَثَةِ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ
[مَطْلَبٌ فِي الْوَقْفِ إذَا خَرِبَ وَلَمْ يُمْكِنْ عِمَارَتُهُ]
(وَصَرَفَ)
ــ
[رد المحتار]
تَعْمِيرِهِ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ الْعِمَارَةِ مِنْ مَالِهِ يُؤَجِّرُهَا الْمُتَوَلِّي وَيُعَمِّرُهَا مِنْ غَلَّتِهَا لِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ لِلْغَلَّةِ وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُتَوَلِّيَ وَامْتَنَعَ مِنْ عِمَارَتِهَا يُنَصِّبُ غَيْرَهُ لِيُعَمِّرَهَا أَوْ يُعَمِّرَهَا الْحَاكِمُ كَمَا مَرَّ. نَعَمْ قَدْ تَظْهَرُ الثَّمَرَةُ فِيمَا إذَا كَانَتْ غَلَّتُهَا لَا تَفِي بِعِمَارَتِهَا، فَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الشَّرْطِ لَزِمَهُ أَنْ يُعَمِّرَهَا مِنْ مَالِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَا عَلِمْته مِنْ كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَلِأَنَّ كَلَامَ الْوَاقِفِ لَا يَصْلُحُ مُلْزِمًا لَهُ بِتَعْمِيرِهَا إذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ.
(قَوْلُهُ: لَمْ أَرَهُ) قَالَ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ هَذَا وَالْحَالُ بِهَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ تَصِيرَ نَقْصًا عَلَى الْأَرْضِ كَرَمَادٍ تَسْفُوهُ الرِّيَاحُ اهـ أَيْ لَوْ تُرِكَتْ بِلَا عِمَارَةٍ تَصِيرُ هَكَذَا (قَوْلُهُ: أَوْ يَرُدُّهُ لِوَرَثَةِ الْوَاقِفِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ عَجِيبٌ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِاسْتِبْدَالِ الْوَقْفِ إذَا خَرِبَ وَصَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْأَرْضِ وَالدَّارِ، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ هِشَامٌ: سَمِعْت مُحَمَّدًا يَقُولُ الْوَقْفُ إذَا صَارَ بِحَيْثُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَسَاكِينُ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَبِيعَهُ وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ غَيْرَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِلْقَاضِي. اهـ. وَأَمَّا عَوْدُ الْوَقْفِ بَعْدَ خَرَابِهِ إلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ أَوْ وَرَثَتِهِ فَقَدْ قَدَّمْنَا ضَعْفَهُ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ السُّكْنَى إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يُوجَدْ مُسْتَأْجِرٌ بَاعَهَا الْقَاضِي وَاشْتَرَى بِثَمَنِهَا مَا يَكُونُ وَقْفًا، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمَشَايِخِ أَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِبْدَالِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ إنَّمَا هُوَ الْأَرْضُ لَا الْبَيْتُ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي رِسَالَةِ الِاسْتِبْدَالِ اهـ كَلَامُ الْبَحْرِ وَاعْتَرَضَهُ الرَّمْلِيُّ بِأَنَّ كَلَامَ الْمُنْتَقَى الْمَذْكُورِ شَامِلٌ لِلْأَرْضِ وَالْبَيْتِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ (قَوْلُهُ: فَلَوْ هُوَ الْوَارِثُ لَمْ أَرَهُ) قَبْلَ هَذَا عَجِيبٌ مِنْ الشَّارِحِ بَعْدَ مَا رَأَى كَلَامَ الْبَحْرِ خُصُوصًا، وَقَدْ أَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الِاسْتِبْدَالُ فَقَطْ، وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ بِالْوَارِثِ وَغَيْرِهِ وَبِهِ ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ. اهـ.
قُلْت: بَلْ هُوَ عَجِيبٌ مِنْ الْمُعْتَرِضِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُعْتَرِضِ الْبَحْرُ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمَشَايِخِ إلَخْ. نَعَمْ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ الرَّمْلِيُّ وَكَذَا مَا قَدَّمْنَا عَنْ الْفَتْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَعَادَ إلَى الْمِلْكِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّ دَارَ الْغَلَّةِ إذَا خَرِبَتْ إنَّمَا يَعُودُ إلَى الْمِلْكِ عِنْدَهُ نَقْضُهَا دُونَ سَاحَتِهَا لِأَنَّ سَاحَتَهَا يُمْكِنُ اسْتِغْلَالُهَا وَلَوْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعَدِّ لِلْغَلَّةِ كَرِبَاطٍ أَوْ حَوْضٍ خَرِبٍ فَهَذَا يَعُودُ إلَى الْمِلْكِ كُلِّهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
مَطْلَبٌ فِي الْوَقْفِ إذَا خَرِبَ وَلَمْ يُمْكِنْ عِمَارَتُهُ (قَوْلُهُ: وَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ سُئِلَ عَنْ وَقْفٍ انْهَدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يُعَمِّرُ مِنْهُ، وَلَا أَمْكَنَ إجَارَتُهُ وَلَا تَعْمِيرُهُ، هَلْ تُبَاعُ أَنْقَاضُهُ مِنْ حَجَرٍ وَطُوبٍ وَخَشَبٍ؟ أَجَابَ: إذَا كَانَ الْأَمْوَالُ كَذَلِكَ صَحَّ بَيْعُهُ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ، وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ وَقْفٌ مَكَانَهُ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ رَدَّهُ إلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ إنْ وُجِدُوا وَلَا يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ. اهـ.
قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَيْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَالرَّدُّ إلَى الْوَرَثَةِ أَوْ إلَى الْفُقَرَاءِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، حَيْثُ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَبِقَوْلِ مُحَمَّدٍ تَأَمَّلْ. .
1 -
[تَتِمَّةٌ] قَالَ فِي الدُّرَرِ الْمُنْتَقَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخَانَ لَوْ احْتَاجَ إلَى الْمَرَمَّةِ آجَرَ بَيْتًا أَوْ بَيْتَيْنِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ يُؤْذِنُ لِلنَّاسِ بِالنُّزُولِ سَنَةً، وَيُؤَجِّرُ سَنَةً أُخْرَى وَيَرُمُّ مِنْ أُجْرَتِهِ وَقَالَ النَّاطِفِيُّ الْقِيَاسُ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَجُوزَ إجَارَةُ سَطْحِهِ لِمِرَمَّتِهِ مُحِيطٌ، وَفِي الْبُرْجَنْدِيِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ عِمَارَةِ أَوْقَافِ الْمَسْجِدِ وَالْحَوْضِ وَالْبِئْرِ وَأَمْثَالِهَا حُكْمُ الْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ. اهـ.
الْحَاكِمُ أَوْ الْمُتَوَلِّي حَاوِي (نَقْضَهُ) أَوْ ثَمَنَهُ إنْ تَعَذَّرَ إعَادَةُ عَيْنِهِ (إلَى عِمَارَتِهِ إنْ احْتَاجَ وَإِلَّا حَفِظَهُ لَهُ لِيَحْتَاجَ) إلَّا إذَا خَافَ ضَيَاعَهُ فَيَبِيعَهُ وَيُمْسِكَ ثَمَنَهُ لِيَحْتَاجَ حَاوِي.
(وَلَا يُقْسَمُ) النَّقْضُ أَوْ ثَمَنُهُ (بَيْنَ مُسْتَحِقِّ الْوَقْفِ) لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الْمَنَافِعِ لَا الْعَيْنِ
(جَعَلَ شَيْءٌ) أَيْ جَعَلَ الْبَانِي شَيْئًا (مِنْ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا) لِضِيقِهِ وَلَمْ يَضُرَّ بِالْمَارِّينَ (جَازَ) لِأَنَّهُمَا لِلْمُسْلِمِينَ
ــ
[رد المحتار]
قَوْلُهُ: نَقْضُهُ) بِتَثْلِيثِ النُّونِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبُرْجَنْدِيُّ أَيْ الْمَنْقُوضُ مِنْ خَشَبٍ وَحَجَرٍ وَآجُرٍّ وَغَيْرِهَا شَرْحُ الْمُلْتَقَى (قَوْلُهُ: إنْ احْتَاجَ) بِأَنْ أُحْضِرَتْ الْمُؤَنُ أَوْ كَانَ الْمُنْهَدِمُ لِقِلَّتِهِ لَا يُخِلُّ بِالِانْتِفَاعِ، فَيُؤَخِّرُهُ لِلِاحْتِيَاجِ وَإِلَّا فَبِالِانْهِدَامِ تَتَحَقَّقُ الْحَاجَةُ، فَلَا مَعْنَى لِلشَّرْطِ حِينَئِذٍ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ وَأَغْفَلَهُ فِي الْبَحْرِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ: لِيَحْتَاجَ) الْأَوْلَى لِلِاحْتِيَاجِ كَمَا عَبَّرَ فِي الْكَنْزِ (قَوْلُهُ: فَيَبِيعُهُ) فَعَلَى هَذَا يُبَاعُ النَّقْضُ فِي مَوْضُوعَيْنِ: عِنْدَ تَعَذُّرِ عَوْدِهِ وَعِنْدَ خَوْفِ هَلَاكِهِ بَحْرٌ، وَيُزَادُ مَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ بَيْعِهِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الِانْتِفَاعُ بِهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ وَقْفُ الْوَاقِفِ أَمَّا إذَا اشْتَرَاهُ الْمُتَوَلِّي مِنْ مُسْتَغَلَّاتِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَا هَذَا الشَّرْطِ لِأَنَّ فِي صَيْرُورَتِهِ وَقْفًا خِلَافًا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَقْفًا فَلِلْقَيِّمِ أَنْ يَبِيعَهُ مَتَى شَاءَ لِمَصْلَحَةٍ عَرَضَتْ. اهـ. وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي مَتْنًا.
(قَوْلُهُ: لَا الْعَيْنُ) لِأَنَّهَا حَقُّ الْمَالِكِ أَوْ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخِلَافِ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ عَدَمُ جَوَازِ قِسْمَةِ حُصُرِ الْمَسْجِدِ الْعَتِيقَةِ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَكَذَا مَا بَقِيَ مِنْ شَمْعِ رَمَضَانَ وَزَيْتِهِ لِلْإِمَامِ، وَالْوَقَّادِينَ حَمَوِيٌّ إلَّا إذَا كَانَ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ الْمُؤَذِّنَ يَأْخُذُهُ بِلَا صَرِيحِ إذْنِ الدَّافِعِ، فَلَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ ط.
قُلْت: وَشَجَرُ الْوَقْفِ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْعَيْنِ لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْفَتْحِ سَأَلَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ عَنْ شَجَرَةِ وَقْفٍ يَبِسَ بَعْضُهَا وَبَقِيَ بَعْضُهَا قَالَ مَا يَبِسَ مِنْهَا فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ غَلَّتِهَا وَمَا بَقِيَ مَتْرُوكٌ عَلَى حَالِهَا وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الْفَضْلِيِّ إنْ لَمْ تَكُنْ مُثْمِرَةً يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ الْقَلْعِ لِأَنَّهُ غَلَّتُهَا وَالْمُثْمِرَةُ لَا تُبَاعُ إلَّا بَعْدَ الْقَلْعِ كَبِنَاءِ الْوَقْفِ. اهـ. وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ غَصَبَ وَقْفًا فَنَقَضَ فَمَا يُؤْخَذُ بِنَقْصِهِ يُصْرَفُ إلَى مَرَمَّتِهِ لَا إلَى أَهْلِ الْوَقْفِ لِأَنَّهُ بَدَلُ الرَّقَبَةِ وَحَقُّهُمْ فِي الْغَلَّةِ لَا فِي الرَّقَبَةِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: جُعِلَ شَيْءٌ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَشَيْءٌ نَائِبُ فَاعِلٍ وَالْأَصْلُ مَا فَسَّرَ بِهِ الشَّارِحُ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِيمَا مَرَّ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ: أَيْ جَعَلَ الْبَانِي) ظَاهِرُهُ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ لَيْسَ لَهُ ذِكْرُ ذَلِكَ وَسَنَذْكُرُ مَا يُخَالِفُهُ. مَطْلَبٌ فِي جَعْلِ شَيْءٍ مِنْ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا (قَوْلُهُ: مِنْ الطَّرِيقِ) أَطْلَقَ فِي الطَّرِيقِ فَعَمَّ النَّافِذَ وَغَيْرَهُ وَفِي عِبَارَتِهِمْ مَا يُؤَيِّدُهُ ط وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: لِضِيقِهِ وَلَمْ يَضُرَّ بِالْمَارِّينَ) أَفَادَ أَنَّ الْجَوَازَ مُقَيَّدٌ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ ط (قَوْلُهُ: جَازَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ وَقَدْ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: الْمَسْجِدُ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْ جَانِبِ الطَّرِيقِ لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ بَلْ هُوَ طَرِيقٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَفَعَ حَوَائِطَهُ عَادَ طَرِيقًا كَمَا كَانَ قَبْلَهُ. اهـ. شُرُنْبُلَالِيَّةٌ. قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي مَسْجِدٍ جُعِلَ كُلُّهُ مِنْ الطَّرِيقِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا أُدْخِلَ مِنْ الطَّرِيقِ فِي الْمَسْجِدِ، وَهَذَا
(كَعَكْسِهِ) أَيْ كَجَوَازِ عَكْسِهِ وَهُوَ مَا إذَا جُعِلَ فِي الْمَسْجِدِ مَمَرٌّ لِتَعَارُفِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي الْجَوَامِعِ.
وَجَازَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ فِيهِ حَتَّى الْكَافِرُ إلَّا الْجُنُبُ وَالْحَائِضَ وَالدَّوَابُّ زَيْلَعِيٌّ
(كَمَا جَازَ جَعْلُ) الْإِمَامِ (الطَّرِيقَ مَسْجِدًا لَا عَكْسُهُ)
ــ
[رد المحتار]
لَا مَانِعَ مِنْ أَخْذِهِ حُكْمَ الْمَسْجِدِ حَيْثُ جُعِلَ مِنْهُ كَمَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَقَدْ مَرَّ قُبَيْلَ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ فِي بَحْثِ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ أَنَّ مَا أُلْحِقَ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ مُلْحَقٌ بِهِ فِي الْفَضِيلَةِ نَعَمْ تَحَرِّي الْأَوَّلِ أَوْلَى اهـ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: كَعَكْسِهِ) فِيهِ خِلَافٌ كَمَا يَأْتِي تَحْرِيرُهُ وَهَذَا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْفَتْحِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: لِتَعَارُفِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي الْجَوَامِعِ) لَا نَعْلَمُ ذَلِكَ فِي جَوَامِعِنَا.
نَعَمْ تَعَارَفَ النَّاسُ الْمُرُورَ فِي مَسْجِدٍ لَهُ بَابَانِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ طَرِيقًا، وَأَنْ يَدْخُلَهُ بِلَا طَهَارَةٍ اهـ. نَعَمْ يُوجَدُ فِي أَطْرَافِ صَحْنِ الْجَوَامِعِ رِوَاقَاتٌ مَسْقُوفَةٌ لِلْمَشْيِ فِيهَا وَقْتَ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ أَوْ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْجَامِعِ لَا لِمُرُورِ الْمَارِّينَ مُطْلَقًا كَالطَّرِيقِ الْعَامِّ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ فَمَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ إلَى الْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ يَمُرُّ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَطْ لِيَكُونَ بَعِيدًا عَنْ الْمُصَلِّينَ؛ وَلِيَكُونَ أَعْظَمَ حُرْمَةً لِمَحَلِّ الصَّلَاةِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى الْكَافِرُ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ حَتَّى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِهِ غَايَةً هُنَا. قُلْت: فِي الْبَحْرِ عَنْ الْحَاوِي: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ الْكَافِرُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ وَسَائِرَ الْمَسَاجِدِ لِمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُهِمَّاتِ اهـ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ فِي دُخُولِهِ لِغَيْرِ مُهِمَّةٍ بَأْسًا وَبِهِ يُتَّجَهُ مَا هُنَا فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا جَازَ إلَخْ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ فِيهِ نَوْعُ اسْتِدْرَاكٍ بِمَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَاكَ فِي اتِّخَاذِ بَعْضِ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا، وَهَذَا فِي اتِّخَاذِ جَمِيعِهَا وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا إذَا لَمْ يَضُرَّ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّرَرَ ظَاهِرٌ فِي اتِّخَاذِ جَمِيعِ الطُّرُقِ مَسْجِدًا الْإِبْطَالُ حَقُّ الْعَامَّةِ مِنْ الْمُرُورِ الْمُعْتَادِ لِدَوَابِّهِمْ وَغَيْرِهَا فَلَا يُقَالُ بِهِ إلَّا بِالتَّأْوِيلِ بِأَنْ يُرَادَ بَعْضُ الطَّرِيقِ لَا كُلُّهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ وَأُجِيبَ بِأَنَّ صُورَتَهُ مَا إذَا كَانَ لِمَقْصِدٍ طَرِيقَانِ، وَاحْتَاجَ الْعَامَّةُ إلَى مَسْجِدٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ أَحَدِهِمْ مَسْجِدًا وَلَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ (قَوْلُهُ: لَا عَكْسُهُ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ طَرِيقًا وَفِيهِ نَوْعُ مُدَافَعَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ إلَّا بِالنَّظَرِ لِلْبَعْضِ وَالْكُلِّ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ.
قُلْت: إنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ تَابَعَ صَاحِبَ الدُّرَرِ مَعَ أَنَّهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ نَقَلَ أَوَّلًا جَعَلَ مِنْ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا وَمِنْ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا جَازَ ثُمَّ رَمَزَ لِكِتَابٍ آخَرَ، لَوْ جَعَلَ الطَّرِيقَ مَسْجِدًا يَجُوزُ لَا جَعْلُ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي الطَّرِيقِ فَجَازَ جَعْلُهُ مَسْجِدًا، وَلَا يَجُوزُ الْمُرُورُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَجُزْ جَعْلُهُ طَرِيقًا اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ فِي جَعْلِ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ، وَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ أَنْ يَجْعَلُوا شَيْئًا مِنْ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ فَقَدْ قِيلَ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ صَحِيحٌ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْعَتَّابِيَّةِ عَنْ خُوَاهَرْ زَادَهْ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ ضَيِّقًا وَالْمَسْجِدُ وَاسِعًا لَا يَحْتَاجُونَ إلَى بَعْضِهِ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ كُلَّهَا لِلْعَامَّةِ اهـ وَالْمُتُونُ عَلَى الثَّانِي، فَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدَ لَكِنَّ كَلَامَ الْمُتُونِ فِي جَعْلِ شَيْءٍ مِنْهُ طَرِيقًا، وَأَمَّا جَعْلُ كُلِّ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا نَعَمْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة سُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ عَنْ أَهْلِ مَسْجِدٍ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا الْمَسْجِدَ رَحْبَةً وَالرَّحْبَةَ مَسْجِدًا أَوْ يَتَّخِذُوا لَهُ بَابًا أَوْ يُحَوِّلُوا بَابَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَأَبَى الْبَعْضُ ذَلِكَ قَالَ إذَا اجْتَمَعَ أَكْثَرُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ لَيْسَ لِلْأَقَلِّ مَنْعُهُ. اهـ.
قُلْت وَرَحْبَةُ الْمَسْجِدِ سَاحَتُهُ، فَهَذَا إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ جَعْلَ بَعْضِهِ رَحْبَةً فَلَا إشْكَالَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ جَعْلَ كُلِّهِ فَلَيْسَ فِيهِ إبْطَالُهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ تَحْوِيلُهُ بِجَعْلِ الرَّحْبَةِ مَسْجِدًا بَدَلَهُ بِخِلَافِ جَعْلِهِ طَرِيقًا تَأَمَّلْ، ثُمَّ ظَاهِرُ مَا نَقَلْنَاهُ أَنَّ تَقْيِيدَ الشَّارِحِ أَوَّلًا بِالْبَانِي، وَثَانِيًا بِالْإِمَامِ غَيْرُ قَيْدٍ نَعَمْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي مَسْجِدٍ ضَاقَ بِأَهْلِهِ
لِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ لَا الْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ
(تُؤْخَذُ أَرْضٌ) وَدَارٌ وَحَانُوتٌ (بِجَنْبِ مَسْجِدٍ ضَاقَ عَلَى النَّاسِ بِالْقِيمَةِ كُرْهًا) دُرَرٌ وَعِمَادِيَّةٌ.
(جَعَلَ) الْوَاقِفُ (الْوِلَايَةَ لِنَفْسِهِ جَازَ) بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ لِأَحَدٍ فَالْوِلَايَةُ لَهُ عِنْدَ الثَّانِي. وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ نَهْرٌ، خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ، ثُمَّ لِوَصِيِّهِ إنْ كَانَ وَإِلَّا فَلِلْحَاكِمِ فَتَاوَى
ــ
[رد المحتار]
لَا بَأْسَ بِأَنْ يُلْحَقَ بِهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَامَّةِ إذَا كَانَ وَاسِعًا وَقِيلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَقِيلَ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا فُتِحَتْ الْبَلْدَةُ عَنْوَةً لَا لَوْ صُلْحًا (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ) فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الطَّرِيقِ مَكْرُوهَةٌ كَالْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ فَالصَّوَابُ لِعَدَمِ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ يَعْنِي أَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً وَهِيَ أَنَّهُمْ لَوْ أَرَادُوا الصَّلَاةَ فِي الطَّرِيقِ لَمْ يَجُزْ فَكَانَ فِي جَعْلِهِ مَسْجِدًا ضَرُورَةً، بِخِلَافِ جَعْلِ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَسْجِدِيَّةِ أَبَدًا فَلَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُرُورُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا يَخْفَى فِي أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ هَذَا كَوْنُ الْمُرَادِ مُرُورَ أَيِّ مَارٍّ وَلَوْ غَيْرَ جُنُبٍ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ آخَرُ، وَقَدْ عَلِمْت تَرْجِيحَ خِلَافِهِ وَهُوَ جَوَازُ جَعْلِ شَيْءٍ مِنْهُ مَسْجِدًا وَتَسْقُطُ حُرْمَةُ الْمُرُورِ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ لَكِنْ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ، فَلِذَا لَمْ يَجُزْ الْمُرُورُ فِيهِ لِجُنُبٍ وَنَحْوِهِ كَمَا مَرَّ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَتُؤْخَذُ أَرْضٌ) فِي الْفَتْحِ: وَلَوْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ وَبِجَنْبِهِ أَرْضُ وَقْفٍ عَلَيْهِ أَوْ حَانُوتٌ جَازَ أَنْ يُؤْخَذَ وَيُدْخَلَ فِيهِ اهـ زَادَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَتَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ: وَقْفٌ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمَسْجِدِ يُفِيدُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَقْفًا عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ لَكِنَّ جَوَازَ أَخْذِ الْمَمْلُوكَةِ كُرْهًا يُفِيدُ الْجَوَازَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْوَقْفُ كَذَلِكَ وَلِذَا تَرَكَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ هَذَا الْقَيْدَ وَكَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: بِالْقِيمَةِ كُرْهًا) لِمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم لَمَّا ضَاقَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَخَذُوا أَرَضِينَ بِكُرْهٍ مِنْ أَصْحَابِهَا بِالْقِيمَةِ وَزَادُوا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَحْرٌ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ قَالَ فِي نُورِ الْعَيْنِ: وَلَعَلَّ الْأَخْذَ كُرْهًا لَيْسَ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ضَاقَ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مَسْجِدٌ آخَرُ إذْ لَوْ كَانَ فِيهِ مَسْجِدٌ آخَرُ يُمْكِنُ دَفْعُ الضَّرُورَةِ بِالذَّهَابِ إلَيْهِ نَعَمْ فِيهِ حَرَجٌ لَكِنَّ الْأَخْذَ كُرْهًا أَشَدُّ حَرَجًا مِنْهُ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا فِعْلُ الصَّحَابَةِ إذْ لَا مَسْجِدَ فِي مَكَّةَ سِوَى الْحَرَامِ اهـ. .
مَطْلَبٌ فِي اشْتِرَاطِ الْوَاقِفِ الْوِلَايَةَ لِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: جَازَ بِالْإِجْمَاعِ) كَذَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَقَالَ: لِأَنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ مُعْتَبَرٌ فَيُرَاعَى لَكِنَّ الَّذِي فِي الْقُدُورِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ هِلَالٍ أَيْضًا وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَقَدْ رَدَّ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ دَعْوَاهُ الْإِجْمَاعَ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ أَنَّ اشْتِرَاطَهَا يُفْسِدُ الْوَقْفَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَنَازَعَهُ فِي النَّهْرِ وَأَطَالَ وَأَطَابَ. وَحَاصِلُ: مَا ذَكَرَهُ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَاخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فِي تَأْوِيلِ مَا نُقِلَ عَنْهُ وَإِنَّ هِلَالًا أَدْرَكَ بَعْضَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلَفْظُ الْمَشَايِخِ يُقَالُ عَلَى مَنْ دُونَهُ. اهـ.
مَطْلَبٌ فِي تَرْجَمَةِ هِلَالِ الرَّائِيِّ الْبَصْرِيِّ وَفِي الْفَتْحِ هِلَالٌ الرَّائِيُّ هُوَ هِلَالُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُسْلِمٍ الْبَصْرِيُّ نُسِبَ إلَى الرَّأْيِ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَرَأْيِهِمْ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ يُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ الْبَصْرِيِّ وَيُوسُفُ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ: إنَّ هِلَالًا أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ وَوَقَعَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا الرَّازِيّ وَفِي الْمُغْرِبِ هُوَ تَحْرِيفٌ لِأَنَّهُ مِنْ الْبَصْرَةِ لَا مِنْ الرَّيِّ وَالرَّازِيِّ نِسْبَةً إلَى الرَّيِّ وَهَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ) أَيْ عَنْ السِّرَاجِيَّةِ
ابْنِ نُجَيْمٍ وَقَارِئِ الْهِدَايَةِ وَسَيَجِيءُ
(وَيُنْزَعُ) وُجُوبًا بَزَّازِيَّةٌ (لَوْ) الْوَاقِفُ دُرَرٌ فَغَيْرُهُ بِالْأَوْلَى (غَيْرَ مَأْمُونٍ) أَوْ عَاجِزًا أَوْ ظَهَرَ بِهِ فِسْقٌ كَشُرْبِ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ فَتْحٌ،
ــ
[رد المحتار]
مِنْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا الْوَقْفُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِهِ يُفْتِي (قَوْلُهُ: وَسَيَجِيءُ) أَيْ فِي الْفَصْلِ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُ الْمَتْنِ وِلَايَةُ نَصْبِ الْقَيِّمِ إلَى الْوَاقِفِ ثُمَّ لِوَصِيِّهِ ثُمَّ لِلْقَاضِي.
مَطْلَبٌ يَأْثَمُ بِتَوْلِيَةِ الْخَائِنِ (قَوْلُهُ: وَيُنْزَعُ وُجُوبًا) مُقْتَضَاهُ إثْمُ الْقَاضِي بِتَرْكِهِ وَالْإِثْمُ بِتَوْلِيَةِ الْخَائِنِ وَلَا شَكَّ فِيهِ بَحْرٌ. لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا عَنْ الْخَصَّافِ أَنَّ لَهُ عَزْلَهُ أَوْ إدْخَالَ غَيْرِهِ مَعَهُ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَفْعُ ضَرَرِهِ عَنْ الْوَقْفِ، فَإِذَا ارْتَفَعَ بِضَمِّ آخَرَ إلَيْهِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَعْزِلُهُ الْقَاضِي بِمُجَرَّدِ الطَّعْنِ فِي أَمَانَتِهِ بَلْ بِخِيَانَةٍ ظَاهِرَةٍ بِبَيِّنَةٍ، وَأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ وَتَابَ وَأَنَابَ أَعَادَهُ، وَأَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنْ التَّعْمِيرِ خِيَانَةٌ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ الْوَقْفَ أَوْ بَعْضَهُ أَوْ تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا جَائِزًا عَالِمًا بِهِ اهـ وَقَوْلُهُ: لَا يَعْزِلُهُ الْقَاضِي بِمُجَرَّدِ الطَّعْنِ إلَخْ سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي الْفُرُوعِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ قَرِيبًا عَلَى حُكْمِ عَزْلِ الْقَاضِي بِلَا حُجَّةٍ وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ قُبَيْلَ قَوْلِهِ بَاعَ دَارًا حُكْمُ عَزْلِ الْوَاقِفِ لِلنَّاظِرِ. مَطْلَبٌ فِيمَا يُعْزَلُ بِهِ النَّاظِرُ [تَنْبِيهٌ] إذَا كَانَ نَاظِرًا عَلَى أَوْقَافٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ فِي بَعْضِهَا أَفْتَى الْمُفْتِي أَبُو السُّعُودِ بِأَنَّهُ يُعْزَلُ مِنْ الْكُلِّ.
قُلْت: وَيَشْهَدُ قَوْلُهُمْ فِي الشَّهَادَةِ أَنَّ الْفِسْقَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَفِي الْجَوَاهِرِ الْقَيِّمُ إذَا لَمْ يُرَاعِ الْوَقْفَ يَعْزِلُهُ الْقَاضِي وَفِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ إذَا زَرَعَ الْقَيِّمُ لِنَفْسِهِ يُخْرِجُهُ الْقَاضِي مِنْ يَدِهِ قَالَ الْبِيرِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّاظِرَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ إعَارَةِ الْكُتُبِ الْمَوْقُوفَةِ كَانَ لِلْقَاضِي عَزْلُهُ، وَمِنْ الثَّانِي لَوْ سَكَنَ النَّاظِرُ دَارَ الْوَقْفِ وَلَوْ بِأَجْرِ الْمِثْلِ لَهُ عَزْلُهُ لِأَنَّهُ نَصَّ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ السُّكْنَى وَلَوْ بِأَجْرِ الْمِثْلِ. اهـ. وَفِي الْفَتْحِ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِالْجُنُونِ الْمُطْبِقِ سَنَةً لَا أَقَلَّ وَلَوْ بَرِئَ عَادَ إلَيْهِ النَّظَرُ قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي الْمَشْرُوطِ لَهُ النَّظَرُ أَمَّا الْمَنْصُوبُ الْقَاضِي فَلَا وَفِي الْبِيرِيِّ أَيْضًا عَنْ أَوْقَافِ النَّاصِحِيِّ الْوَاقِفُ عَلَى قَوْمٍ وَلَا يُوصَلُ إلَيْهِمْ مَا شُرِطَ لَهُمْ يَنْزِعُهُ الْقَاضِي مِنْ يَدِهِ وَيُوَلِّيهِ غَيْرُهُ اهـ وَيَنْعَزِلُ الْمُتَوَلِّي مِنْ قِبَلِ الْوَاقِفِ بِمَوْتِ الْوَاقِفِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْمُفْتَى بِهِ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُ إلَّا إذَا جَعَلَهُ قَيِّمًا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: لَوْ الْوَاقِفُ) أَيْ لَوْ كَانَ الْمُتَوَلِّي هُوَ الْوَاقِفَ (قَوْلُهُ: فَغَيْرُهُ بِالْأَوْلَى) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ لِلْقَاضِي عَزْلَ الْمُتَوَلِّي الْخَائِنِ غَيْرِ الْوَاقِفِ بِالْأَوْلَى.
مَطْلَبٌ فِي شُرُوطِ الْمُتَوَلِّي (قَوْلُهُ: غَيْرَ مَأْمُونٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْإِسْعَافِ: وَلَا يُوَلَّى إلَّا أَمِينٌ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ مُقَيَّدَةٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ تَوْلِيَةُ الْخَائِنِ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ، وَكَذَا تَوْلِيَةُ الْعَاجِزِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَكَذَا الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَكَذَا الْمَحْدُودُ فِي قَذْفٍ إذَا تَابَ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَقَالُوا: مَنْ طَلَبَ التَّوْلِيَةَ عَلَى الْوَقْفِ لَا يُعْطَى لَهُ وَهُوَ كَمَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ لَا يُقَلَّدُ اهـ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا شَرَائِطُ الْأَوْلَوِيَّةِ لَا شَرَائِطُ الصِّحَّةِ وَأَنَّ النَّاظِرَ إذَا فَسَقَ اسْتَحَقَّ الْعَزْلَ وَلَا يَنْعَزِلُ كَالْقَاضِي إذَا فَسَقَ لَا يَنْعَزِلُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُفْتَى بِهِ.
أَوْ كَانَ يَصْرِفُ مَالَهُ فِي الْكِيمْيَاءِ نَهْرٌ بَحْثًا
ــ
[رد المحتار]
مَطْلَبٌ فِي تَوْلِيَةِ الصَّبِيِّ وَيُشْتَرَطُ لِلصِّحَّةِ بُلُوغُهُ وَعَقْلُهُ لَا حُرِّيَّتُهُ وَإِسْلَامُهُ لِمَا فِي الْإِسْعَافِ لَوْ أَوْصَى إلَى الصَّبِيِّ تَبْطُلُ فِي الْقِيَاسِ مُطْلَقًا وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هِيَ بَاطِلَةٌ مَا دَامَ صَغِيرًا، فَإِذَا كَبِرَ تَكُونُ الْوِلَايَةُ لَهُ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا يَجُوزُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانُهُ لِأَهْلِيَّةٍ فِي ذَاتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ تَصَرُّفَهُ الْمَوْقُوفَ لِحَقِّ الْمَوْلَى يَنْفُذُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِتْقِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ ثُمَّ الذِّمِّيُّ فِي الْحُكْمِ كَالْعَبْدِ فَلَوْ أَخْرَجَهُمَا الْقَاضِي ثُمَّ عَتَقَ الْعَبْدُ وَأَسْلَمَ الذِّمِّيُّ لَا تَعُودُ إلَيْهِمَا. اهـ. بَحْرٌ مُلَخَّصًا وَنَحْوُهُ فِي النَّهْرِ.
وَفِي فَتَاوَى الْعَلَّامَةِ الشَّلَبِيِّ: وَأَمَّا الْإِسْنَادُ لِلصَّغِيرِ فَلَا يَصِحُّ بِحَالٍ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ بِالنَّظَرِ وَلَا عَلَى سَبِيلِ الْمُشَارَكَةِ لِغَيْرِهِ لِأَنَّ النَّظَرَ عَلَى الْوَقْفِ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَالصَّغِيرُ يُوَلَّى عَلَيْهِ لِقُصُورِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوَلَّى عَلَى غَيْرِهِ اهـ وَفِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ عَنْ وَقْفِ هِلَالٍ لَهُ قَالَ: وِلَايَتُهَا إلَى وَلَدِي وَفِيهِمْ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ يُدْخِلُ الْقَاضِي مَكَانَ الصَّغِيرِ رَجُلًا وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ الْكِبَارَ مَقَامَهُ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْهُ مَا مَرَّ عَنْ الْإِسْعَافِ بِهَذِهِ النُّقُولِ صَرِيحَةٌ بِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَصْلُحُ نَاظِرًا وَأَمَّا مَا فِي الْأَشْبَاهِ فِي أَحْكَامِ الصِّبْيَانِ، مِنْ أَنَّ الصَّبِيَّ يَصْلُحُ وَصِيًّا وَنَاظِرًا وَيُقِيمُ الْقَاضِي مَكَانَهُ بَالِغًا إلَى بُلُوغِهِ كَمَا فِي مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ مِنْ الْوَصَايَا اهـ فَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَنْظُومَةِ قَوْلَهُ وَنَاظِرًا ثُمَّ رَأَيْت شَارِحَ الْأَشْبَاهِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي بَابِ الْوَصِيِّ عَنْ الْمُجْتَبَى. مِنْ أَنَّهُ لَوْ فَوَّضَ وِلَايَةَ الْوَقْفِ لِلصَّبِيِّ صَحَّ اسْتِحْسَانًا فَفِيهِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُجْتَبَى صَرَّحَ بِهِ نَفْسُهُ فِي الْحَاوِي بِقَوْلِهِ: وَلَوْ أَوْصَى إلَى صَبِيٍّ فِي وَقْفِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي الْقِيَاسِ، وَلَكِنْ اسْتِحْسَانُ أَنْ تَكُونَ الْوِلَايَةُ إلَيْهِ إذَا كَبِرَ. اهـ. وَهَذَا هُوَ مَا مَرَّ عَنْ الْإِسْعَافِ نَعَمْ رَأَيْت فِي أَحْكَامِ الصِّغَارِ لِلْأُسْرُوشَنِيِّ عَنْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ قَالَ الْقَاضِي: إذَا فَوَّضَ التَّوْلِيَةَ إلَى صَبِيٍّ يَجُوزُ إذَا كَانَ أَهْلًا لِلْحِفْظِ وَتَكُونُ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ كَمَا أَنَّ الْقَاضِيَ يَمْلِكُ الصَّبِيَّ وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ لَا يَأْذَنُ اهـ وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ مَا فِي الْإِسْعَافِ وَغَيْرِهِ عَلَى غَيْرِ الْأَهْلِ لِلْحِفْظِ بِأَنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ، أَمَّا الْقَادِرُ عَلَيْهِ فَتَكُونُ تَوْلِيَتُهُ مِنْ الْقَاضِي إذْنًا لَهُ فِي التَّصَرُّفِ، وَلِلْقَاضِي أَنْ يَأْذَنَ لِلصَّغِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَلِيُّهُ. مَطْلَبٌ فِيمَا شَاعَ فِي زَمَانِنَا مِنْ تَفْوِيضِ نَظَرِ الْأَوْقَافِ لِلصَّغِيرِ
وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ مَا شَاعَ فِي زَمَانِنَا مِنْ تَفْوِيضِ نَظَرِ الْأَوْقَافِ لِصَغِيرٍ لَا يَعْقِلُ وَحُكْمَ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ بِصِحَّةِ ذَلِكَ خَطَأٌ مَحْضٌ وَلَا سِيَّمَا إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ تَوْلِيَةَ النَّظَرِ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ إذَا وُلِّيَ بَالِغٌ عَاقِلٌ رَشِيدٌ وَكَانَ فِي أَهْلِ الْوَقْفِ أَرْشَدُ مِنْهُ لَا تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ لِمُخَالَفَتِهَا شَرْطَ الْوَاقِفِ، فَكَيْفَ إذَا كَانَ طِفْلًا لَا يَعْقِلُ، وَثَمَّ بَالِغٌ رَشِيدٌ إنَّ هَذَا لَهُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ وَاعْتِقَادُهُمْ أَنَّ خَبَرَ الْأَبِ لِابْنِهِ لَا يُفِيدُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ حُكْمِ الشَّرْعِ، وَمُخَالَفَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَإِعْطَاءِ الْوَظَائِفِ مِنْ تَدْرِيسٍ وَإِمَامَةٍ وَغَيْرِهَا إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا كَمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي الْجِهَادِ فِي آخِرِ فَصْلِ الْجِزْيَةِ كَيْفَ وَلَوْ أَوْصَى الْوَاقِفُ بِالتَّوْلِيَةِ لِابْنِهِ لَا تَصِحُّ مَا دَامَ صَغِيرًا حَتَّى يَكْبَرَ فَتَكُونُ الْوِلَايَةُ لَهُ كَمَا مَرَّ، وَكَذَلِكَ اعْتِقَادُهُمْ أَنَّ الْأَرْشَدَ إذَا فُوِّضَ، وَأُسْنِدَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لِمَنْ أَرَادَ صَحَّ؛ لِأَنَّ مُخْتَارَ الْأَرْشَدِ أَرْشَدُ فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الرُّشْدَ فِي أُمُورِ الْوَقْفِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالرَّشِيدِ لَا تَحْصُلُ لَهُ بِمُجَرَّدِ اخْتِيَارِ غَيْرِهِ لَهُ كَمَا لَا يَصِيرُ الْجَاهِلُ عَالِمًا بِمُجَرَّدِ اخْتِيَارِ الْغَيْرِ لَهُ فِي وَظِيفَةِ التَّدْرِيسِ، وَكُلُّ هَذِهِ أُمُورٌ نَاشِئَةٌ عَنْ جَهْلٍ وَاتِّبَاعِ الْعَادَةِ الْمُخَالِفَةِ لِصَرِيحِ الْحَقِّ بِمُجَرَّدِ تَحْكِيمِ الْعَقْلِ الْمُخْتَارِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ (قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ يَصْرِفُ مَالَهُ فِي الْكِيمْيَاءِ) لِأَنَّهُ اُسْتُقْرِئَ مِنْ أَحْوَالِ مُتَعَاطِيهَا أَنَّهَا تَسْتَجِرُّهُ إلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي يَدِهِ وَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ دُيُونٌ بِهَذَا السَّبَبِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَجُرَّهُ