المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا: أقوالهم في القرآن الكريم: - دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه - جـ ٢

[إسحاق السعدي]

فهرس الكتاب

- ‌الربانية وموقف المستشرقين منها

- ‌تمهيد

- ‌مفهوم الربانيَّة

- ‌أ- معنى الربانية لغة:

- ‌ب- معنى الرَّبَّانيَّة اصطلاحًا:

- ‌القرآن الكريم المصدر الأساس لربانية تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة

- ‌أ- تعريف القرآن الكريم وأشهر أسمائه:

- ‌ب- مصدر القرآن الحريم ونصه:

- ‌السنة الشريفة ومنزلتها من القرآن الكريم

- ‌أولًا: تعريف السنة:

- ‌ثانيًا: منزلة السُّنَّة من القرآن الكريم:

- ‌موقف المستشرقين من خصيصة الربَّانيَّة

- ‌أولًا: أقوالهم في القرآن الكريم:

- ‌ثانيًا: أقوالهم في السنة النبوية والسيرة النبوية:

- ‌العالمية وموقف المستشرقين منها

- ‌تمهيد

- ‌مفهوم العالمية

- ‌أ- تعريف العالميَّة لغة:

- ‌ب- تعريف العالميَّة في الاصطلاح:

- ‌دلائل عالمية الإسلام من الكتاب والسنة، ووقائع السيرة النبوية، وأحداث التاريخ الإسلامي

- ‌أولًا: القرآن الكريم:

- ‌ثانيًا: وأمَّا في السنة النبوية:

- ‌دلائل عالمية الأُمَّة الإسلاميَّة، من العقيدة والنظم

- ‌موقف المستشرقين من خصيصة العالَمِيَّة

- ‌أولًا: موقف المنكرين لخصيصة العالَمِيَّة وأدلة إنكارهم مع الرد عليها:

- ‌ثانيًا: موقف من نفى خصيصة العالمية من حيد حونها من المبادئ التي تميزت بها الأُمَّة الإسلاميَّة على الرغم من الإقرار بها تاريخيًّا بسبب ما أفضى إليها تطور الأمَّة، وتدل على هذا الموقف آراء بعض المستشرقين، كما يتضح مِمَّا يأتي:

- ‌ثالثًا: موقف المتشككين في عالمية الإسلام:

- ‌الوسطية وموقف المستشرقين منها

- ‌تمهيد

- ‌مفهوم الوسطية

- ‌أ- الوسطيَّة في اللغة:

- ‌ب- أمَّا عن معانيها

- ‌وسطية الأُمَّة في مجال العقيدة والعبادة

- ‌أولًا: في الجانب العقدي:

- ‌ثانيًا: في جانب العبادة:

- ‌وسطية الأُمَّة في مجال التشريع والأخلاق

- ‌أولًا: في مجال التشريع:

- ‌ثانيًا: في مجال الأخلاق:

- ‌موقف المستشرقين من خصيصة الوسطية

- ‌وفيما يأتي بعض النماذج على ذلك:

- ‌ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره بعض المستشرقين عن هذه الوسطية:

- ‌الإيجابية الخيرة وموقف المستشرقين منها

- ‌تمهيد

- ‌مفهوم الإيجابية الخيرة

- ‌أ- المسارعة:

- ‌ب- السبق:

- ‌جوانب مفهوم إيجابية الأمة الإسلامية

- ‌موقف المستشرقين من خصيصة إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة

- ‌النموذج الأول:

- ‌النموذج الثاني:

- ‌تحقيق العبودية للَّه وموقف المستشرقين منها

- ‌تمهيد

- ‌مفهوم العبادة، ومقتضياتها

- ‌أ- العبادة في اللغة:

- ‌ب- العبادة في الاصطلاح:

- ‌ج- مقتضيات العبادة في الإسلام:

- ‌أنواع العبادة وصورها

- ‌ومن العبادات الاعتقاديَّة:

- ‌ومن العبادات القلبيَّة:

- ‌ومن العبادات اللفظيَّة:

- ‌ومن العبادات البدنيَّة:

- ‌أمَّا العبادات الماليَّة:

- ‌روح العبادة وأسرارها

- ‌آثار العبادة في الفرد وفي الأُمّة

- ‌أولًا: الصلاة:

- ‌ثانيًا: الزكاة:

- ‌ثالثًا: الصوم:

- ‌رابعًا: الحج:

- ‌موقف المستشرقين من قضية العبودية للَّه

- ‌ويعالج هذا في نقطتين بارزتين:

- ‌فمن أقوال المستشرقين وآرائهم:

- ‌أمَّا الرد على أقوالهم وآرائهم فستتركز في النقاط الآتية:

- ‌ولعل مِمَّا يدلُّ على صحة هذا الفهم والتفسير ما يأتي:

- ‌تحقيق الاستخلاف وموقف المستشرقين منها

- ‌تمهيد

- ‌مفهوم الاستخلاف وأهميته

- ‌أ- معنى الاستخلاف في اللغة:

- ‌ب- مفهوم الاستخلاف عند بعض المفسرين والعلماء والباحثين:

- ‌ج- تعريف الاستخلاف في الاصطلاح:

- ‌د- أهمية الاستخلاف:

- ‌مقومات الاستخلاف بعامّة

- ‌أولًا: العلم:

- ‌ثانيًا: التسخير:

- ‌مقومات استخلاف الأمَّة الإسلامية بخاصة

- ‌أولًا: العلم:

- ‌ثانيًا: التسخير:

- ‌موقف المستشرقين من قضية استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة

- ‌وسيلة اللغة العربية وموقف المستشرقين منها

- ‌مكانة اللغة العربيَّة وارتباطها بالإسلام

- ‌موقف المستشرقين من اللغة العربيَّة

- ‌الرد على الشبهة الأولى:

- ‌الرد على الشبهة الثانية:

- ‌الرد على الشبهة الثالثة:

- ‌الرد على الشبهة الرابعة:

- ‌وسيلة تاريخ الإسلام وحضارته وموقف المستشرقين منه

- ‌تمهيد

- ‌الالتزام بالإسلام والاعتزاز به

- ‌أ- أمَّا في المفاهيم

- ‌ب- الالتزام بالإسلام والاعتزاز به في المناهج

- ‌1 - السببيَّة:

- ‌2 - القانونية التاريخيَّة:

- ‌3 - منهج البحث الحسي (التجريبي):

- ‌جـ- الالتزام بالإسلام والاعتزاز به من خلال المواقف

- ‌الوعي الثقافي الشامل

- ‌الناحية الأولى:

- ‌الناحية الثانية:

- ‌التعاون والتكامل

- ‌الدعوة والجهاد

- ‌1 - الجهاد التربوي:

- ‌2 - الجهاد التنظيمي:

- ‌3 الجهاد العسكري:

- ‌موقف المستشرقين من تاريخ الإسلام وحضارته

- ‌أولًا: نقد بعض المستشرقين للمنهج الاستشراقي:

- ‌ثانيًا: نقد بعض المفكرين والباحثين من العرب والمسلمين للمنهج الاستشراقي:

- ‌ثالثًا: نماذج لأهم القضايا التي تطرقت إليها دراسات المستشرقين لتاريخ الإسلام وحضارته:

- ‌1 - الدعوة والجهاد

- ‌2 - العادات والتقاليد:

- ‌3 - الجانب السياسي والحضاري من تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة:

- ‌رابعًا: استخلاص موازين البحث عند المستشرقين:

- ‌مبحث ختامي

- ‌تقويم الحركة الاستشراقية ومنهج الإسلام في مواجهتها

- ‌أساليب مواجهة تحدي الاستشراق والمستشرقين ووسائلها

- ‌الخاتمة

- ‌1 - في ضوء الدراسة التأصيلية لتميز الأُمَّة الإسلاميَّة، تبين الآتي:

- ‌أ- عقيدة التوحيد

- ‌ب- الشريعة الإسلاميَّة الغراء

- ‌ج- الأخُوَّة الإسلاميَّة ووحدة الأمَّة

- ‌د- الخصائص التي تفرد بها تَمَيُّز الأمَّة الإسلاميَّة؛ وأهمها:

- ‌هـ - أهداف تَمَيُّز الأمَّة الإسلاميَّة

- ‌و- وسائل تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة

- ‌2 - وفي ضوء الدراسة النقديَّة لموقف المستشرقين من تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، تبين الآتي:

- ‌المصادر والمراجع

- ‌نبذة تعريفية الإدارة العامة للأوقاف

الفصل: ‌أولا: أقوالهم في القرآن الكريم:

‌موقف المستشرقين من خصيصة الربَّانيَّة

من أبرزت ما يوضح موقف المستشرقين من خصيصة الربَّانيَّة موقفهم من القرآن الكريم، والسنة النبوية وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتدل نماذج من أقوالهم في ذلك على حقيقة هذا الموقف، وذلك وفق ما يأتي:

أولًا: أقوالهم في مصدر القرآن الكريم مع الرد عليها.

ثانيًا: أقوالهم في السنة النبوية والسيرة النبوية مع الرد عليها.

‌أولًا: أقوالهم في القرآن الكريم:

تناول كثيرٌ من المستشرقين القرآن الكريم بالطعن والتشكيك من جوانب عدَّة؛ من حيث لفظه ومعناه، وتلاوته وأسلوبه، ونظمه وشكله، وطريق تنزيله وتدوينه، وثبوته، والأحكام المستنبطة منه، وما ورد فيه من أخبار وقصص، وكذا فيما ورد فيه من مغيبات، والأوامر والنواهي، وما يتصل بتاريخ القرآن الكريم وتفسيره، وكأنهم بعملهم هذا يرمون إلى إحداث اللغو فيه كما فعل المشركون من قبل:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون} [فصلت: 26].

ولعل من أبرز أقوالهم في القرآن الكريم التي تبين موقفهم من خصيصة الربانية ما يتعلق بمصدر القرآن الكريم، إذ يحاول معظمهم -بشكل مباشر وغير مباشر- أن ينسبه إلى محمد صلى الله عليه وسلم وينفي كونه وحيًا من اللَّه؛ ويبثون محاولاتهم تلك في مؤلفاتهم عن القرآن الكريم (1)، وفيما صنعوه من

(1) انظر: عمر إبراهيم رضوان: آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره ص 99 - 188، (مرجع سابق)، تناول الباحث ثلاثة عشر كتابًا مؤلفة حول القرآن الكريم لثلاثة عشر مستسْرقًا أفردوا تلك المؤلفات عن القرآن الكريم، وفي فصل آخر تناول مؤلفات أخرى خصصت للحديث عن القرآن الكريم صفحات منها، وختم ذلك الفصل بذكر =

ص: 552

ترجمات لمعانيه بمختلف اللغات الغربية (1)، وكذلك في الموسوعات ودوائر المعارف، ونحو ذلك من الأعمال التي أصدروها تحت مسمى البحث العلمي (2).

وإذا كانت تراجم معاني القرآن الكريم إلى اللاتينية، أو الإنجليزية، أو الفرنسية، أو غيرها تعدُّ -في الغرب- السبيل إلى معرفة مصدر القرآن الكريم؛ فقد حرص المستشرقون الذين تخصصوا في هذا المجال على ترسيخ الاعتقاد لدى كل من يطلع على تلك التراجم من الغربيين بأن مؤلف القرآن الكريم هو محمد صلى الله عليه وسلم لنفي كونه رباني المصدر؛ ومن أمثلة ذلك ما ورد في مقدمة ترجمة (جورج سيل) لمعاني القرآن الكريم بالإنجليزية الصادرة في عام 1149 هـ - 1736 م:(أمَّا إنَّ محمدًا كان في الحقيقة مؤلف القرآن والمخترع الرئيس له فأمر لا يقبل الجدل، وإنْ كان من المرجح -مع ذلك- أن المعاونة التي حصل عليها في خطته هذه لم تكن معاونة يسيرة، وهذا واضح في أنَّ مواطنيه لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك)(3).

= 108 عنوانًا حول القرآن الكريم ما بين كتاب مستقل عن القرآن الكريم أو مقال أو بحث أو دراسة؛ انظر: المرجع السابق نفسه: ص 220 - 131.

(1)

انظر: محمد صالح البُنْدَاق: المستشرقون وترجمة القرآن الكريم، (مرجع سابق)، وانظر: ساسي سالم انحاج: الظاهرة الاستشراقية: 2/ 309 - 313، (مرجع سابق).

(2)

انظر: محمد حسين علي الصغير: المستشرقون والدراسات القرآنية، أفرد فصلًا عن كتابة المستشرقين حول تاريخ القرآن. . .، وآخر حول ترجمة القرآن. . . وآخر حول التحقيق والفهرسة والتدوين. . . وآخر حول الدراسات الموضوعية في القرآن الكريم. . . ثُمَّ قوم الجهود الاستشراقية في فصل آخر وختم دراسته بمعجم للدراسات الاستشراقية للقرآن الكريم؛ مرتبة على الحروف الهجائية من الألف إلى النون؛ انظر: المرجع نفسه: ص 105 - 122.

(3)

نقلًا عن إبراهيم اللبان: المستشرقون والإسلام (ملحق مجلة الأزهر، عدد صفر =

ص: 553

وقد أصبحت فرية تأليف محمد صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم من المسلمات لدى غالبية المستشرقين حتى العصر الراهن، وإذا كان بعضهم يورد ذلك بطريقة غير مباشرة، وبأسلوب أقل حِدَّة فإنَّهم -بالجملة- يحرصون على أن يبدو هذا الأمر في سياق ما يطلقون عليه الاستنتاجات العلمية (1).

ولَمَّا كان القرآن الكريم قد اشتمل على كثير من القصص والتاريخ والعلوم والمعارف والنظم والمغيبات، وغير ذلك مِمَّا تميز به من معالم الرؤية الشاملة الدقيقة للإنسان والكون والحياة، وهذه الأمور لا يتصور معرفتها والإحاطة من محمد صلى الله عليه وسلم ولا من قومه، فقد زعم أكثر المستشرقين -على أساس من إنكارهم المصدر الرباني، ودعواهم أن القرآن من تأليف

محمد صلى الله عليه وسلم قد اعتمد في تأليفه للقران الكريم على مصادر عِدَّة من أهمها:

1 -

الكتاب المقدس، وفي ذلك يقول (ريتشارد بل) في كتابه: مقدمة القرآن: (إن الجانب الأكبر من المادة التي استعملها محمد ليفسر تعاليمه ويدعمها قد استمده من مصادر يهودية ونصرانية)(2).

= 1390 هـ) ص 44 (مرجع سابق)، وانظر: زقزوق: الاستشراق ص 83، (مرجع سابق)، وانظر: أحمد غراب: رؤية إسلامية للاستشراق ص 34 - 36، (مرجع سابق)، وانظر: إبراهيم خليل إبراهيم: المستشرقون والمبشرون في العالم العربي ص 58.

(1)

انظر: زقزوق: الاستشراق. . . ص 83، وانظر: ثابت عيد: ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الألمانية بين سموم المستشرقين وجهود المسلمين: ص 17، من جريدة الحياة 2 شعبان 1416 هـ، العدد [11994]، وهو مقال نشر في أربع حلقات على التوالي كان هذا الحلقة الأخيرة، وفيه دلَّلَ الباحث بأنَّ تراجم المستشرقين لمعاني القرآن الكريم إلى اللغات الأوروبية في القديم والحديث ترتكز على ركيزة واحدة مهما تغيَّر الأسلوب، وهي أن مصدر القرآن الكريم بشريٌّ وليس ربانيًّا.

(2)

اللبان: المستشرقون. .: ص 42 (المرجع السابق نفسه)، وانظر: زقزوق: الاستشراق. . . ص 84، (المرجع السابق نفسه).

ص: 554

وقال آخر: (إن النصارى العرب سائرون في معتقداتهم في الاتجاه غير الصحيح؛ ولهذا كان هناك مجال لظهور الآراء البدعيَّة المنحرفة، ولولا ذلك لما كان محمد على علم بأمثال تلك الآراء التي تنكر صلب المسيح)(1)، والذي يعنيه هذا المستشرق أن مصدر القرآن الكريم ليس ربانيًّا، وإنَّما جاء به محمد من لدنه متأثرًا بنصارى العرب؛ لأنهم ينكرون صلب المسيح ووافقهم القرآن الكريم في ذلك، وهذا يؤكد -من وجهة نظر ذلك المستشرق- أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم هو مؤلف القرآن الكريم (2).

2 -

الاعتماد على اليهود، وهذا مبنى من وجهة النظر الاستشراقية على أمور عِدَّة، منها:

أ- التشابه بين القرآن الكريم مع كتب اليهود في القصص كقصة ابني آدم وقصة هاروت وماروت وقصة موسى عليه السلام، ونحو ذلك (3).

ب- التشابه بين القرآن والتوراة في بعض القضايا العقدية والتشريعية.

ج- التأثر والاقتباس في فواتح السور، وكذلك تقسيمه إلى سور وآيات (4).

وعن ذلك قال (لوت): (إنَّ محمدًا مدين بفكرة فواتح السور من مثل: الم، حم. . . إلخ لتأثير أجنبي)(5)، ويرجح أنه تأثير يهودي (6).

3 -

الاعتماد على الراهب (بحيرى)، وهذه المقولة تشكل لدى كثير

(1) انظر: زقزوف: الاستشراق. . . ص 85، (مرجع سابق).

(2)

انظر: المرجع السابق نفسه: ص 85.

(3)

انظر: ساسي سالم الحاج: الظاهرة الاستشراقية. . . 2/ 322، (مرجع سابق).

(4)

انظر: أحمد غراب: رؤية إسلامية للاستشراق. . . ص 134، (مرجع سابق).

(5)

نقلًا عن زقزوف: الاستشراق. . . ص 85، (المرجع السابق نفسه).

(6)

انظر: المرجع السابق نفسه: ص 85.

ص: 555

من المستشرقين مصدر إلهام لمحمد صلى الله عليه وسلم ويزعمون (أنَّ محمَّدًا قد تمثل في نفسه ما سمعه من الراهب (بحيرى) في رحلته التجارية إلى الشام، وخرج على الناس يعلن دينه الجديد الذي لفقه من الدينين الكبيرين) (1).

4 -

الاعتماد على الوسط الوثني الذي عاش فيه، واستدلوا على ذلك بالآتي:

أ- التشابه بين بعض آيات القرآن وبعض أشعار الجاهليين من أمثال (امرؤ القيس) في قوله:

دنت الساعة وانشق القمر

عن غزال صاد قلبي ونفر (2)

إلى قوله:

بسهام من لحاظِ فاتك

تركتني كهشيم المحتضر (3)

و (أُميَّة بن أبي الصلت): الذي وصف طوفان نوح عليه السلام وغرق فرعون، وذكر الساعة وأهوالها، من مثل قوله -على حد زعمهم-:

ويومٌ موعدهم أن يحشروا زمرًا

يوم التغابن إذ لا ينفع الحذر

مستوثقين مع الداعي

كأنهم رجل الجرادرمته الريح فانتشر

وأبرزوا بصعيد. . جرز

وأنزل العرش والميزان والزبر

يقول خزانها ما كان عندكم

ألم يكن جاءكم من ربكم نذر

(1) المرجع السابق نفسه: ص 85.

(2)

أوردها (توسدال)؛ نقلأ عن: التهامي نقرة: القرآن والمستشرقون: مناهج المستشرقين. . 1/ 4، (مرجع سابق)، وقد بحثتُ عن هذه الأبيات في سائر دواوينه ولم أجدها، ولعلّها من المنحولات في الشعر الجاهلي التي لاقت رواجًا لدى المستشرقين.

(3)

المرجع السابق نفسه: ص 34.

ص: 556

قالوا بلى فتبعنا فتية. . . بطروا

وغرَّنا طول هذا العيش والعمر (1)

ب- التشابه بين عقائد الإسلام وشعائره وبين عادات الجاهليَّة وتقاليدها، وعلى هذا فالقرآن الكريم امتداد للحركة الدينية التي كانت سائدة في الوسط الوثني مثل: مناسك الحج، وتقديس الكعبة، ونحو ذلك) (2).

5 -

ذات الرسول صلى الله عليه وسلم وأنَّه مصدر القرآن الكريم مع تأثره بالمؤثرات السابقة مجتمعة أو متفرقة، ولكنَّه المصدر الأساس في القرآن الكريم، ثُمَّ يتفرع عن هذه المقولة اتجاهان:

الأول: يرى أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان مصابًا بالصرع والهلوسة أو الجنون، ومنهم من زعم أنَّه ساحر وأنَّ ما جاء به السحر (3).

الثاني: ينفي عن الرسول صلى الله عليه وسلم كل هذه الاتهامات، ويصفه بالصدق والإخلاص، ولكنه مع ذلك يتفق وبقية المستشرقين في كون القرآن الكريم صدر عن محمد صلى الله عليه وسلم وأنه في مصدره وليس من عند اللَّه، كما ينفي الوحي ونبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، أمَّا تفسيره للقران الكريم وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما حققه من قيام أُمَّة وتأسيس دولة وإنشاء حضارة؛ فإنه يعزو ذلك إلى (الخيال الخلَّاق).

يقول (مونتغمري وات): (من وجهة نظري هناك خيال خلَّاق متدفق

(1) التهامي نقرة: المرجع السابق نفسه: ص 33، 34، وهذه الأبيات أيضًا مِمَّا وضع على لسان أُميَّة، كما أشار إلى ذلك جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 6/ 495، (مرجع سابق).

(2)

انظر: مصطفى السباعي: الاستشراق والمستشرقون. . . (مرجع سابق): ص 46. وانظر: كليرتسدال: مصادر الإسلام: ص 6، نقلًا عن عمر رضوان: آراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره. . . 1/ 240، (مرجع سابق).

(3)

انظر: عمر رضوان: المرجع السابق نفسه: 1/ 371، 381 - 405.

ص: 557

لدى محمد، وإنَّ معظم الأفكار الناجمة عن هذا الخيال صحيحة وعادلة، ولكن ليست كل الأفكار القرآنية صحيحة وعادلة، بل توجد على الأقل نقطة واحدة غير صحيحة، ألا وهي أن الوحي أو الخيال الخلَّاق أسمى من تصرفات الإنسان العادية باعتبارها مصدرًا لوقائع تاريخيَّة مجملة) (1).

هذه بعض النماذج من مزاعم المستشرقين حول مصدر القرآن الكريم، والحقيقة أنَّ (أكثرهم يكادون يتفقون على أنَّه ليس من عند اللَّه، وعلى أن محمدًا استقى مادته من الأحبار والرهبان. . . وكان يتلقى عنهم المعلومات الدينيَّة من كتب العهدين)(2)، وحتى أولئك المستشرقين الذين أثنوا على محمدٍ صلى الله عليه وسلم ووصفوه بالعظمة والعبقرية والخيال الخلَّاق يلتقون مع غيرهم من المستشرقين الذين زعموا بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم اعتمد في تأليفه القرآن الكريم على الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد، فالكلُّ ينفي ربانية المصدر بصفتها خصيصة من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، ولا يُسْتَثْنَى منهم إلَّا أفراد قلائل انفكوا عن المنهج الاستشراقي الموجَّه، واعترفوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته وبأن الإسلام صادر عن اللَّه عز وجل وبأن ربانية المصدر من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وسيتضح ذلك من خلال الردود على مزاعم المستشرقين.

وقبل الرد على تلك المزاعم ألمح إلى أبرز ما ترتَّب على نفي ربانيَّة مصدر الإسلام، وكون محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي لفق القرآن الكريم، إذ كرس المستشرقون مجهوداتهم حهول تأليف محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم ليترسخ

(1) انظر: مونتغمري وات: WAAT(M.) Monamet،op.cit،P.210

نقلًا عن ساسي سالم الحاج، الظاهرة الاستشراقية 2/ 355 (مرجع سابق).

(2)

انظر: التهامي نقرة: القرآن والمستشرقون: مناهج المستشرقين: 1/ 26، (مرجع سابق).

ص: 558

الاعتقاد من خلال الدراسات الاستشراقية بأنَّ الإسلام دين بشري وضعه محمد صلى الله عليه وسلم (1)، وبالتالي جاء وصف المسلمين (بالمحمدية) أو (المحمديون) إزاء وصف النصرانية بـ (المسيحية)، ومِمَّا يترتب على ذلك أنَّه ما دام الإسلام دين محمد ومحمد بشر؛ فإنَّ الإسلام لا يستحق الانتشار ولا السيادة، ويلزم أنْ لا ينتشر لأنه وضعي ومصدره بشري، أمَّا المسيحية فهي على حد زعمهم منسوبة إلى المسيح، وهو جزء من الإله في عقيدتهم وعلى ذلك فالنصرانية دين سماوي لا بُدَّ أن يعلو وينتشر (2).

إنَّ مثل هذه المحاور التي تدور عليها دراسات المستشرقين تدلنا بما فيه الكفاية على أن تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة أحد أهدافها البارزة، ومن يدري فلعل تلك الحروب الصليبية الطاحنة التي تحاول استئصال المسلمين في بقاع شتى من العالم بكل قسوة وتعسف تنطلق من هذه العقيدة التي رسختها الدراسات الاستشراقية في أذهان صانعي القرار في الغرب، ولا سيما بعد عودة العالم عامة إلى العقيدة الدينيَّة، وارتكاز النظام العالمي الجديد عليها فيما يظهر، واللَّه أعلم.

أمَّا الردود على تلك المزاعم حول مصدر القرآن الكريم فيأتي أبرزها في النقاط الآتية:

1 -

يردُّ على المستشرقين بالردود القرآنية على المشركين؛ لأنَّ المستشرقين حذوا في موقفهم المعادي للقرآن حذو مشركي مكة، فقد زعموا بأنَّ الذي يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم عبدٌ رومي (3)، كان يصنع السيوف في

(1) انظر: ساسي سالم الحاج: الظاهرة الاستشراقية. . 2/ 312، (مرجع سابق).

(2)

انظر: هستون سميت: ديانات الإنسان. . نقلًا عن عباس محمود العقاد: الإسلام دعوة عالمية ومقالات أخرى: ص 119، من منشورات المكتبة العصرية - بيروت (بدون تاريخ).

(3)

سبق ذكر هذا الشخص وما ذكره المفسرون حوله وأنه كان قينًا نصرانيًّا قيل اسمه (بلعام) وقيل: (يعيش)، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام: ص 270 - 271. وانظر: =

ص: 559

مكة فردَّ عليهم المولى عز وجل زعمهم بقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103].

وفي سورة (الفرقان) إجمال لادعاءاتهم ودحضها، قال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} [الفرقان: 4 - 11].

وفي سورة (الحاقة) نفي لدعواهم، وذكرٌ لما يلزم منها لو كانت صحيحة، قال تعالى:{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} [الحاقة: 41 - 51].

وفي سورة (الشعراء) وصف لطريق نزوله ومصدره والمراد منه، قال تعالى:{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 - 195] إلى قوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ

= الجواب الصحيح. . لابن تيمية 1/ 405، وانظر: تفسير الطبري 14/ 119 وما بعدها و 18/ 137 وما بعدها، (مراجع سابقة).

ص: 560

عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [الشعراء: 198 - 201].

وبعد بضع آيات ينفي -جَلَّ وعلا- أن تتنزل به الشياطين أو تسمعه قبل نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 210 - 212].

كذلك بيَّن اللَّه -جَلَّ وعلا- أنَّ ما حدث لمحمد صلى الله عليه وسلم من هذه التهم سنَّة جرت عليها الكفارُ مع أنبيائهم، قال تعالى:{مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [فصلت: 2 - 43](1).

2 -

وفيما يتعلق بالقصص القرآني؛ سواءً قصص العرب، أو اليهود، أو النصارى، وما حدث في تاريخ الجميع من انحراف وفساد وضلال وتحريف وتعطيل في مجال العقيدة أو الشريعة أو المنهج والسلوك، فكل ما ورد في القرآن الكريم لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا قومه على علم بحقيقته ولا يدري به، قال تعالى:{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49]، وقال تعالى:{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102].

وإذا كان بعض ما ورد في القرآن الكريم من قصص أهل الكتاب يتوافق مع بعض ما لديهم من بقايا الحقائق والوقائع التاريخية؛ فإنَّ القرآن الكريم قد أورد وجوهًا أخرى لذلك القصص، وعلى نحو يجهله أهل الكتاب مثل قصة مريم عليه السلام، قال تعالى:{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44].

(1) وانظر: ابن تيمية: الجواب الصحيح. .: 1/ 161 - 162، (مرجع سابق).

ص: 561

وبالجملة فإنَّ القصص في القرآن الكريم قد جاء بما هو أوسع مِمَّا يعرفه اليهود والنصارى في شتَّى بقاع العالم وما يعرفه العرب وما يعرفه الراهب (بحيرى)، وجاء في سورة أكمل وأعلى مِمَّا يعرفه جميع البشر.

يقول جواد علي: (. . . التفاصيل المذكورة في القرآن وفي الحديث عن العرش والكرسي وعن اللَّه وملائكته وعن القيامة والجنّة والنار والحساب والثواب والعقاب، ونحو ذلك. . . لم ترد تفاصيله عند اليهود ولا النصارى)(1).

والسؤال الذي يفرض نفسه عندئذٍ من أين أخذ محمد صلى الله عليه وسلم كل ذلك؟! إنها النبوَّة والوحي والرسالة، إنَّه الإعجاز الذي يُعَدُّ من دلائل نبوّة المصطفى صلى الله عليه وسلم (2)، قال تعالى:{إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 4 - 5] إنَّه وحي اللَّه الذي اصطفى له صفوة من الخلق هم أنبياء اللَّه ورسله، قال تعالى:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 163 - 166].

إذًا فالقرآن الكريم من الكتب السماوية التي يؤمن بها المسلمون أُنْزِلَ

(1) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 8/ 495، (مرجع سابق)، وانظر: أحمد محمد شاكر، في تعليقه على مادة حديث في دائرة المعارف الاسلاميَّة: 13/ 401 - 408، (مرجع سابق).

(2)

انظر: الإمام الباقلاني: إعجاز القرآن. .: ص 31، 38، 39 - 56، 57 - 72، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر، الطبعة الأولى، 1406 هـ - 1986 م، عن مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.

ص: 562

مصدقًا لها، ومهيمنًا عليها:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48]، صدر عن اللَّه وحده لا شريك له، وأوحى به إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى الأنبياء من قبله، وإذا كان المستشرقون -كما قال أحد الباحثين-:(يعترفون بالوحي والأنبياء فلماذا ينكرون على محمد صلى الله عليه وسلم ما يجيزونه لليهود والنصارى، ولماذا لا يكون الإسلام حلقة أخيرة في حلقات الأديان ولبنة متممة لذلك الصرح الشامخ. . .، أمَّا إذا كانوا ينكرون الوحي، ويجعلون الأديان على صعيد واحد مع الاتجاهات الفكرية البشرية؛ فإنَّ منهجهم هذا مرفوض وقاصر عن فهم طبيعة الأديان، وعندها تكون الأديان جميعًا مهدَّدَة بموجة إلحادية تعصف بكل القوى الروحية في العالم)(1).

ولكن الغريب في أمر أولئك المستشرقين أنهم جعلوا ربانية المصدر للإسلام مجالًا للنقد والجدل النظري والمنهج التجريبي، ونأوا بالديانة النصرانية عن ذلك أو بعبارة أدق، (لم يحاولوا التشكيك في وحي عيسى عليه السلام باسم المنهج العلمي نفسه بل صانوه، وأقاموا الدعوى على أنَّه بديهي التسليم وبعيد عن مجال الجدل العقلي النظري أو العلمي التجريبي)(2).

ويتساءل أحد المفكرين عن هذا التناقض والنظرة المتعصبة إزاء الوحي، إذ يسلمون به لعيسى عليه السلام وينكرونه في حق رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول:(إذا كان الوحي -كأمر غير اعتيادي- يخضع للطريقة العلميَّة الحديثة، أفلا يقضي المنهج السليم أن يكون أنواع الوحي في ذلك سواء، فلِمَ يناقش نوع واحد من الوحي (الوحي المحمدي) باسم العلم ويتشكك

(1) انظر: زقزوق: الاستشراق. . ص 86، 89، 120، (مرجع سابق).

(2)

محمد البهي: الفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار: ص 247، (مرجع سابق)، وانظر: عرفان عبد الحميد: المستشرقون والإسلام: ص 21، (مرجع سابق).

ص: 563

فيه، ويصان الآخر، ويقال فيه: إنه بديهي التسليم وبعيد عن مجال الجدل العقلي النظري، أو العلمي التجريبي. . والهجوم على الإسلام. . في فكرة (بشرية القرآن)، يقابله رفق ورقة في التعبير عن "المسيحية" أو عن الكنيسة) (1).

3 -

ويرد على المستشرقين بردود علماء الإسلام على النصارى وغيرهم (2) ممن أثار شبهة بشرية القرآن الكريم (لأن المستشرقين يجترون افتراءات من سبقهم من المشركين واليهود والنصارى، وإذا كان علماء المسلمين، والذين هداهم اللَّه للإسلام من علماء أهل الكتاب بأقوالهم وكتاباتهم الصريحة قد زلزلوا تلك الشبهات من جذورها حتى غدت هشيمًا تذروه الرياح؛ فإنَّ ردودهم الشَّافية ومنهجهم العلمي ومجادلتهم الشرعيَّة من أنجع الردود على شبهات المستشرقين حول مصدر القرآن الكريم)(3).

4 -

أمَّا قول (جورج سيل): (وهذا واضح في أنَّ مواطنيه -يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك) مستدلًا بمجرد اعتراضهم على تأليف الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم -حسب زعمه- فإنَّ المنهج العلمي يلزم (سيل) باستقصاء هذا الاعتراض ليوضح لقارئيه نهاية الدعوى التي

(1) انظر: محمد البهي: الفكر الإسلامي. .: ص 247، 248، (المرجع السابق نفسه)، وانظر: عرفان عبد الحميد: المستشرقون والإسلام. . ص 21، (المرجع السابق نفسه).

(2)

انظر: المبحث الختامي ص 1157، (البحث نفسه).

(3)

انظر: محمد أحمد محمد عبد القادر خليل ملكاوي: بشرية المسيح ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم في نصوص كتب العهدين (ردٌّ على شبه المنصرين والمستشرقين) وهو القسم الثاني لكتاب المناظرة الكبرى بين العلامة الشيخ رحمه الله، والقسيس الدكتور فندر: ص 7، الطبعة الأولى 1413 هـ - 1993 م، مطابع الفرزدق التجارية - الرياض. وانظر: جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 6/ 493، (مرجع سابق).

ص: 564

أشار إليها، وبنى عليها استنتاجاته الضَّالَّة بيد أنَّه، ومن سلك منهجه من المستشرقين -كما قال أحد الباحثين-:(يضعون الفكرة أولًا، ثُمَّ يبحثون عن أدلة تؤيدها مهما كانت واهية، ويلجؤون إلى الاعتماد على أسلوب المغالطات والأكاذيب واقتطاع النصوص والحوادث التاريخية وفقًا لأهوائهم ونزعاتهم، وهذا عكس المنهج العلمي في الاستدلال)(1).

ولو التزم (سيل) بالمنهج العلمي لذكر ردّ القرآن الكريم على مشركي مكة ولكنه يعرف بعمق كيف يؤثر القرآن الكريم بقوة حجته وبيانه ويجلو الحق، فترك هذا الجانب مجافاة للمنهج العلمي الصحيح، وافْتِئاتًا على الحقيقة التاريخية في هذه الدعوى التي أثارها، وكانت نهايتها التاريخية ظهور الحق وعلو كلمة اللَّه، ودخول الناس في دين اللَّه أفواجًا، ونزول قول اللَّه تعالى:{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فقد نزلت هذه الآية بعد أن نصر اللَّه عبده وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، وثبت للدنيا بأسرها بأنَّ القرآن الكريم كلام اللَّه أوحاه إلى نبي الرحمة والهدى. . . وبأنَّ اعتراضات مشركي مكة ودعواهم قد تهافتت، فنَّدَها القرآن الكريم، وكذبتها الوقائع التاريخية ولكن (سيل) وزمرته في غمرتهم لاهون.

5 -

أمَّا مقولة (لوت) عن التأثير الأجنبي في القرآن الكريم وترجيحه أن يكون التأثير يهوديًا، وأن محمدًا -كما يزعم- مدان لهذا التأثير في فواتح السور؛ من مثل (آلم. .) ونحوها فإنَّ هذا المستشرق نسي أو تناسى أن عدد السور التي افتتحت بهذه الحروف تسع وعشرون سورة، نزل منها سبع وعشرون سورة على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة قبل مجاورته لليهود في

(1) عبد الرحمن حبنكة: أجنحة المكر الثلاثة. .: ص 147، (مرجع سابق).

ص: 565

المدينة، ونزلت سورتان فقط، هما (البقرة، وآل عمران) بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة (1).

ثُمَّ إنَّ هذا المستشرق نسي أو تناسى أن علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم باليهود في المدينة كانت علاقة دعوة وجهاد، ولم تكن علاقة تأثرٍ وتلمذةٍ واقتباس (2).

6 -

أمَّا تأثير الراهب (بحيرى) على الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب ملاقاته إيَّاه في رحلته التجارية إلى الشام (3)، فإنَّ ذلك مردود من الناحيتين العقليَّة والتاريخية:

فمن الناحية العقليَّة كيف يُمكن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحصل قدرًا من المعارف والعلوم والمغيبات والقصص في لقاءٍ عابر لا يُمكن لعقل سليم أن يتصور مثل ذلك، ولئن كانت بعض مزاعم المستشرقين في هذا الصدد تقتصر على مجرد أنَّه بثَّ في روع الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّه النبي المنتظر (4)، فإنَّ

(1) انظر: إبراهيم الأبياري: تاريخ القرآن: ص 172، 173، (مرجع سابق).

(2)

انظر: محمد عبد اللَّه دراز: مدخل إلى القرآن الكريم: ص 151، (مرجع سابق).

(3)

جاء في المصادر الاسلاميَّة أنَّه صلى الله عليه وسلم سافر مرَّة مع عمه أبي طالب إلى (بُصْرَى) التي كانت موطنًا لصوامع الرهبان ومنهم (بحيرى) وأنَّ عمره آنذاك تسع سنين كما في: الكامل في التاريخ لابن الأثير: 1/ 23، 2/ 278، (مرجع سابق)، والروض الأنف للسهيلي: 2/ 221، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل، الطبعة الأولى، 1387 هـ - 1967 م، عن دار الكتب الحديثة، القاهرة، وعيون الأثر لابن سيد الناس: 1/ 52، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي. .، الطبعة الثانية 1400 هـ - 1980 م، عن منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت. وقيل: وهو ابن اثنتي عشرة سنة كما يرى ابن الجوزي في كتابه: الوفا بأحوال المصطفى 1/ 131، الطبعة الأولى 1386 هـ - 1966 م، عن دار الكتب الحديثة القاهرة، إذ يقول:(لَمَّا خرج أبو طالب إلى الشام خرج معه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المرة الأولى وهو ابن اثنتي عشرة سنة).

(4)

انظر: شوقي أبو خليل؛ كارل بروكلمان في الميزان: ص 35، (مرجع سابق)، أورد مقولات لنفرٍ من المستشرقين أمثال (سيديو) و (نورمان دنيال) و (لوبون)، زعموا فيها أنَّ (القرآن من تأليف الراهب بحيرى أعطاه محمدًا أثناء وجوده في بلاد الشام).

ص: 566

مجرد هذا البثّ أو الإيهام لا يكفي تفسيرًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم والحكمة والنبوة.

ومن الناحية التاريخية؛ لم يثبت في كتب التاريخ والسيرة أنَّ أحدًا من قوم الرسول صلى الله عليه وسلم أثار هذا الاحتجاج مع قوته لو وقع بالفعل، وإذ لم يحتج به المشركون مع شدّة عدائهم للرسول صلى الله عليه وسلم وحاجتهم لمثل هذه الحجة كان ذلك دليلًا على إسقاط هذه الحجّة (1).

ومن ناحية أخرى فإنَّ حادثة ملاقاة الرسول صلى الله عليه وسلم للراهب (بحيرى)، قد أثير حولها كثيرٌ من التساؤلات والتشكيك في سندها التاريخي (2)، مِمَّا دعا المستشرق (هوارت) إلى القول:(لا تسمح النصوص العربية التي عشر عليها، ونشرت وبحثت منذ ذلك الوقت بأن نرى في الدور المسند إلى هذا الراهب السوري إلَّا مجرد قصة من نسج الخيال)(3).

ولو صحت قصة الراهب (بحيرى) كما وردت في المصادر الإسلاميَّة فإنها حجة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته وليست ضدها كما فسرها بعض المستشرقين؛ لأن ما تفوه به الراهب (بحيرى) مجرد بشارة بنبوة الرسول

(1) انظر: ساسي سالم الحاج: الظاهرة الاستشراقية. . . 2/ 333، 334، (مرجع سابق).

(2)

لدراسة موسعة حول ما قيل عن سند الروايات التي ذكرت رحلة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الشام وخبر ملاقاته بـ (بحيرى) راجع الآتي:

• الذهبي: تاريخ الإسلام. . . 1/ 55 - 60، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، عن دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية 1409 هـ - 1989 م.

• عماد الدين خليل: دراسة في السيرة: ص 39، 40 وص 271، 272، (مرجع سابق).

• أبو الحسن الندوي: السيرة النبوية: ص 103 - 105، طبعة دار الشروق، جدة، 1977 م.

• محسن عبد الحميد: تحقيق قصة بحيرى، مجلة الجامعة، عدد [4] سنة [9]: ص 69 - 73.

(3)

نقلًا عن محمد عبد اللَّه دراز: مدخل إلى القرآن الكريم: ص 134، (مرجع سابق)، وانظر: زقزوق: الاستشراق. .: ص 85، (مرجع سابق).

ص: 567

-صلى الله عليه وسلم جرت على لسان غيره في كثير من المواقف التي ذكرت في بعض المصادر التاريخية (1).

7 -

أمَّا دعوى المستشرقين بأنَّ (الوسط الوثني) أو البيئة التي عاش فيها الرسول صلى الله عليه وسلم كانت مصدرًا من مصادر القرآن الكريم باعتباره تشابه مع شعر بعض الشعراء الجاهليين مثل (امرئ القيس) و (أميَّة بن أبي الصلت)، فإنَّ الرد على هذه المزاعم من وجوه كثيرة (2)، من أبرزها:

أ- كيف يسمح المنهج العلمي للمستشرقين بقبول الأخبار والروايات التي ذكرت تلك الأشعار المشابهة لبعض آيات القرآن الكريم على لسان (امرئ القيس) و (أميَّة بن أبي الصلت)، وهم يشككون -بل يتجاوز أكثرهم

(1) انظر: ابن إسحاق: سيرة ابن إسحاق: ص 53 - 57، تحقيق: محمد حميد اللَّه، (مرجع سابق)، وسيرة ابن هشام 1/ 205 - 207، (مرجع سابق)، وتاريخ الطبري 2/ 277، 278، (مرجع سابق)، وتهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر، ج- 1، الجزء الأول، المجلد الأول: ص 270 - 271، ترتيب: عبد القادر بدران، الطبعة الثالثة: 1407 هـ - 1987 م، عن دار التراث العربي، بيروث، وانظر: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني: 1/ 168 - 174، (مرجع سابق)، ونهاية الأرب للنويري: 16/ 90 - 92، طبعة القاهرة، 1374 هـ - 1955 م، عن وزارة الثقافة. .، المؤسسة المصرية العامة للتأليف. .، والسيرة النبوية لابن كثير 1/ 243 - 249، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت، (بدون تاريخ)، والخصائص الكبرى للسيوطي 1/ 84، (مرجع سابق).

وأصل قصة ملاقاة الرسول صلى الله عليه وسلم مع الراهب (بحيرى) ما ورد في بعض كتب السنة واشتهر عند أهل المغازي، ومن أصحها ما أخرجه الترمذي عن عبد الرحمن بن غزوان ولقبه قراد وكنيته أبو الفرج، وقد قال عنها الترمذي بعد أن ساق الرواية:(هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) الترمذي: الجامع الصحيح. . . 5/ 550 - 551، الحديث رقم [3620]، (مرجع سابق).

(2)

لمزيد من الاطلاع على دحض تلك المزاعم؛ انظر: جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 6/ 492 - 499، (مرجع سابق)

ص: 568

الشك إلى الجحود- فيما يتعلق بالأخبار والروايات الواردة في السيرة النبوية والسنة المطهرة مع أنَّ تلك الأخبار والروايات الواردة في أشعار (امرئ القيس) و (أميَّة بن أبي الصلت) أدنى إلى الشك، وأقل صحة وصدقًا.

وقد تساءل بعض الباحثين عن هذا المنهج الزائغ ونقد ذلك الموقف الاستشراقي نقدًا لاذعًا إذ قال: (والغريب في أمر المستشرقين في هذا الموضوع وأمثاله، أنَّهم يشكون في صحة (السيرة) نفسها، ويتجاوز بعضهم الشك إلى الجحود، فلا يرون في السيرة مصدرًا تاريخيًا صحيحًا، وإنَّما هي عندهم كما ينبغي أن تكون عند العلماء جميعًا طائفة من الأخبار والأحاديث تحتاج إلى التحقيق والبحث العلمي الدقيق ليَمْتَاز صحيحها من منحولها: هم يقفون هذا الموقف العلمي من السيرة ويعلون في هذا الموقف؛ ولكنهم يقفون من أميَّة بن أبي الصلت وشعره موقف المستيقن المطمئن، مع أن أخبار أميَّة ليست أدنى إلى الصدق، ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة. فما سرّ هذا الاطمئنان الغريب إلى نحوه من الأخبار دون النحو الآخر؟، أيمكن أن يكون المستشرقون أنفسهم لم يبرؤوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات) (1).

ب- وهذه الأشعار التي رويت عن (امرئ القيس)، و (أميَّة بن أبي الصلت) أثبت بعض الناقدين بأنها منحولة ومتكلِّفة، ونظمت في العصر الإسلامي، يقول العقاد: (وأيسر ما يبدو من جهل هؤلاء الخابطين في أمر العربية قبل الإسلام وعلاقتها بلغة القرآن الكريم، أنَّهم يحسبون أن العلماء المسلمين يجدون في بحث تلك الأبيات وصبًا واصبًا لينكروا نسبتها إلى

(1) طه حسين: في الأدب الجاهلي: ص 143، الطبعة الثانية عشرة، 1977 م، عن دار المعارف، القاهرة، وانظر: التهامي نقرة: القرآن والمستشرقون: مناهج المستشرقين. .: 1/ 33، (مرجع سابق).

ص: 569

الجاهليَّة، ولا يلهمهم الذوق الأدبي أن نظرة واحدة كافية لليقين بإدحاض نسبتها إلى امرئ القيس أو غيره من شعراء الجاهلية) (1).

وانتقد أحد المستشرقين القول بأنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم تأثر بشعر (أُمَيَّة بن الصلت) وأنَّ ذلك الشعر من مصادر القرآن الكريم بقوله: (أمَّا القول بأن محمدًا قد اقتبس شيئًا من قصائد أُمَيَّة فهو زعم بعيد الاحتمال)(2).

إلَّا أنَّه سقط هو أيضًا في الدعوى الاستشراقية الدراجة في أوساط المستشرقين، وهي الزعم بأنَّ اليهودية والنصرانية هما مصدرا القرآن الكريم، وأدرج الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم في زمرة المتأثرين بأهل الكتاب؛ إذ يقول:(ومحمد وأُمَيَّة وغيرهما من رجال الدين. . اقتبسوا جميعًا من مصادر واحدة)(3).

وقد عُلِّق على أقواله بردودٍ من أبرزها:

• إنَّ المشركين لم يعدوا شعر أميّة بن أبي الصلت من مصادر القرآن مع شدّة عدائهم للرسول صلى الله عليه وسلم وحاجتهم والحالة هذه لمثل هذا القادح، وإذ لم يجعلوه مصدرًا من مصادر القرآن الكريم تبين من ذلك أنَّه (4)(لم تكن مشابهة بين شعر أُميَّة والقرآن المجيد)(5).

(1) الإسلاميات، المجلد السابع، الجزء الثالث: ص 258، الطبعة الأولى، 1974 م، دار الكتاب اللبناني، بيروت، وانظر: التهامي نقرة: القرآن والمستشرقون: مناهج المستشرقين: 1/ 34، (المرجع السابق نفسه).

(2)

نقلًا عن دائرة المعارف الإسلاميَّة: 4/ 436، (مرجع سابق).

(3)

دائرة المعارف الإسلاميَّة: 4/ 463، (المرجع السابق نفسه).

(4)

انظر: محمد معرفة: تعليق على مادة (أُمَيَّة بن أبي الصلت) في دائرة المعارف الإسلاميَّة؛ المرجع السابق نفسه: 4/ 465.

(5)

محمد عرفة: المرجع السابق نفسه: 4/ 465، ولا ينفي ذلك كون الرسول صلى الله عليه وسلم قد سمع شعر أمية وأثنى عليه، كما ورد لدى مسلم: صحيح مسلم: 4/ 1767، كتاب الشعر، الحديث رقم (2255)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (مرجع سابق).

ص: 570

(إنَّ الأشعار المنسوبة إلى أُمَيَّة في أخبار القرون الأولى وما شابه ذلك ليست له، بل نحله الرواة إيَّاها. . فيها الصنعة. . وفيها ضعف المولدين. . وليس فيها قوة الجاهليين)(1).

هذه أبرز الردود على مقولة المستشرقين في هذا الصدد، أمَّا ما يتعلق بمزاعمهم عن التشابه بين القرآن الكريم وبعض عادات الجاهليَّة وتقاليدها ونظمها فقد سبق الرد عليها (2).

8 -

تناول محمد عبد اللَّه دراز جميع الافتراضات المتعلقة باحتمال وجود مصدر بشري للقرآن الكريم، وناقشها مناقشة علميَّة أظهر من خلالها زيف تلك الافتراءات وبطلانها، وقال إنَّ:(جميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها، وعدم قدرتها على تقديم أيِّ احتمال لطريق طبيعي أتاح له -يقصد النبي صلى الله عليه وسلم فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة، [وعلى الرغم من] الجهد الذهني الذي نبذ له لتضخيم معلوماته السمعية، ومعارف بيئته، فإنَّه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرًا كافيًا لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون. . .)(3).

9 -

اعترف بعض الغربيين بإعجاز القرآن الكريم، وأنَّ مصدره إلهي، وقال: (لو كان محمد مؤلف القرآن فكيف استطاع في القرن السابع من

(1) المرجع السابق نفسه: 4/ 465، وانظر: تور أندريا: المرجع السابق نفسه: 4/ 464، غير أنَّه اتهم مفسري القرآن الأولين بالانتحال وخصَّ على سبيل المثال: السدي وابن عباس. انظر: المرجع السابق: 4/ 464.

(2)

انظر: مبحث العقيدة: ص 364 - 370، (البحث نفسه).

(3)

محمد عبد اللَّه دراز: مدخل إلى القرآن الكريم. . ص 165، (مرجع سابق)، وانظر: زقزوق: الاستشراق ص 86، (مرجع سابق).

ص: 571

العصر المسيحي أن يكتب ما اتضح أنه يتفق اليوم مع العلوم الحديثة. . .) (1).

ثُمَّ يستشهد بعلم الأجنَّة، وتطور الجنين، وأنَّ القرآن الكريم وصفها بصورة تطابق معطيات علم الأجنَّة الحديث (2).

ومع التقدير لهذا الباحث وما توصل إليه إلَّا أنَّه ينبغي ألا يَنْسَاق المسلمون وراء بريق التفسير العلمي للقران الكريم؛ لأنَّه هو الحجّة. . . وهو المهيمن على غيره من الكتب والعلوم فما وافقه من معطيات العلم ونظرياته وحقائقه فهو شاهد لها، وليست هي الفيصل في ذلك، وإنَّما تؤخذ العبرة، ويلزم الخصم بمنطقة من باب الدعوة والجدل.

10 -

وقد اعترض بعض المستشرقين ومنهم المستشرق السويدي (توراندريه) على تلك الطريقة التي سلكها عامَّة المستشرقين في البحث ومحاولتهم أن يثبتوا بشرية القرآن الكريم، وأعلن أن جوهر النبوة لا يُمكن تحليله إلى مجموعة من آلاف العناصر الجزئية، وأن الإسلام لا ينكر صلاته بالديانة اليهودية والنصرانية وعقيدة الحنيفية وتقاليد العرب، ولكن لا يعني ذلك أنَّه مجرد مجموعة من هذه العناصر (3).

وعلى الرغم من كون (توراندريه) لم يرقَ في كلامه إلى الاعتراف التام بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلَّا أنَّه يقترب من بيان عقيدة الإسلام في الكتب السماوية والرسل؛ قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ

(1) موريس بوكاي: القرآن والتوراة والإنجيل والعلم. . ص 145، عن الفتح للإعلام العربي- مصر، (بدون تاريخ)، وانظر: زقزوق: الاستشراق. . . ص 36، (مرجع سابق).

(2)

انظر: موريس بوكاي: المرجع السابق نفسه: ص 232 - 234.

(3)

نقلًا عن: التهامي نقرة: القرآن والمستشرقون: مناهج المستشرقين. .: 1/ 36، (مرجع سابق).

ص: 572