الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقومات الاستخلاف بعامّة
من خلال مفهوم الاستخلاف وأهميته يتضح أنّه على نوعين اثنين، أحدهما: استخلاف عام لجميع البشر، والآخر: استخلاف خاص بالمؤمنين، و (نستطيع أن نُمَيِّز بين نوعين من أنواع الخلافة: خلافة كونيَّة يشترك فيها الناس جميعًا، وخلافة شرعيَّة خاصة بالمؤمنين وحدهم) (1)، فالخلافة الشرعية (هي التي ينبغي أن تمسك بزمام الخلافة الكونيَّة لتضبط حركتها، ولتوجهها إلى طريق الخير)(2).
ينبغي إجمال مقومات استخلاف الأُمَّة بعامَّة، ثُمَّ يعقبه مقومات استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة بخاصة، أمَّا مقومات الاستخلاف بعامَّة فيمكن بيانها فيما يأتي:
أولًا: العلم:
أساسه قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، قال ابن قيم الجوزية -في صدد حديثه عن قصَّة استخلاف آدم عليه السلام في الأرض وسؤال الملائكة ربهم بقولهم:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]: (إنّه سبحانه أظهر فضل الخليفة عليهم بما خصَّه به من العلم الذي لم تعلمه الملائكة، وأمرهم بالسجود له تكريمًا له وتعظيمًا له، وإظهارًا لفضله، ثُمَّ إنّه سبحانه لما علم آدم ما علَّمه، ثُمَّ امتحن الملائكة بعلمه فلم يعلموه فأنبأهم به آدم، وكان في طي ذلك جوابًا لهم عن كون هذا الخليفة لا فائدة في جعله في الأرض فإنَّه يفسد فيها،
(1) أحمد حسن فرحات: الخلافة في الأرض: ص 38، (مرجع سابق).
(2)
المرجع السابق نفسه: ص 38.
ويسفك الدماء، فأراهم من فضله وعلمه خلاف ما كان ظنهم) (1).
وبهذا تتضح أهميَّة العلم في الاستخلاف، وأنَّه من مقومات الاستخلاف الرئيسية، وفي ذلك يقول أحد الباحثين:(أمَّا تحقيق السيادة فيقوم على ركيزتين، الأولى: وهبها اللَّه للإنسان فهي ركيزة ذاتية وتتمثل في الفاعلية الإنسانية، التي تعمل بترشيد من العلوم التجريبيَّة التي تمكن الإنسان من توسيع دائرة عمله، وتأكيد وترسيخ وتقوية فاعليته، فعلم الأسماء يدخل مقومًا أساسيًا في هذه الركيزة؛ لأنّ العلم التجريبي ليس سوى معرفة خصائص الأشياء، والقوانين التي تحكم العلاقات والتأثير بينها، فإذ عرف الإنسان طبيعة الشيء، أو الحي وخصائصه، وتأثيره وتأثره بغيره استطاع تسخيره له والانتفاع به، وتحقيق سيادته عليه، فالعلم التجريبي هو المؤهل الذاتي المحقق لسيادة الإنسان في الأرض)(2).
ومِمَّا يلحظ في قضية الاستخلاف من حيث المبدأ والتاريخ، أنَّ هذا النوع من العلم قد ينفك عن الخلافة الشرعيَّة، ويتأتى للأمم الكافرة، وتستطيع عن طريقه أن تحقق شيئًا من السيادة والعلو في الأرض، وبمعنى آخر أن تقيم حضارة بالمفهوم الوضعي، وقد وصف اللَّه بعض الناس بأنهم:{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7]، قال ابن عباس في تفسيرها:(يعني الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جُهَّال)(3).
(1) بدائع الفوائد 4/ 138، 139، عن دار الفكر (بدون تاريخ)، وانظر: بدائع التفسير 1/ 303، 304، (مرجع سابق).
(2)
فاروق الدسوقي: استخلاف الإنسان في الأرض ص 23، 24، (مرجع سابق) وانظر: صبحي الصالح: الإسلام ومستقبل الحضارة: ص 26 - 30، الطبعة الثانية، 1995 م، عن دار قتيبة - بيروت.
(3)
صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير القرآن الكريم: ص 399، (مرجع سابق). وانظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 3/ 427، (مرجع سابق).
وقال بعض المفسرين: (إنَّما يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا فينظرون إلى الأسباب، ويجزمون بوقوع الأمر، الذي في رأيهم، انعقدت أسباب وجوده، ويتيقنون عدم الأمر الذي لم يشاهدوا له من الأسباب المقتضية لوجوده شيئًا، فهم واقفون مع الأسباب، غير ناظرين إلى مسببها، المتصرف فيها، {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}، قد توجهت قلوبهم، وأهواؤهم، وإراداتهم إلى الدنيا، وشهواتها، وحكامها، فعملت لها، وسعت وأقبلت بها وأدبرت وغفلت عن الآخرة، ومن العجيب أن هذا القسم من الناس، قد بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا، إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب، وأظهروا من العجائب الذريَّة، والكهربائية، والمراكب البرية والبحرية والهوائية، ما فاقوا به وبرزوا، وأعجبوا بعقولهم، ورأوا غيرهم عاجزًا عما أقدرهم اللَّه عليه)(1).
ويندرج تحت هذا النوع من العلم ما توصَّل إليه الإنسان في هذا العصر من (أنواع المعارف الإنسانية، سواء كان مصدرها العقل كالرياضيات، أم الحس والتجربة بالإضافة إلى العقل كالطب)(2). ولكنها مهدَّدة بصور عدّة من العقاب الإلهي إذا لم ترتبط بالإيمان باللَّه، والسير في طريقه المستقيم، قال تعالى:{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [الأنعام: 6]، وقال تعالى: {فَكُلًّا
(1) السعدي: تيسر الكريم الرحمن 6/ 111، 112، (مرجع سابق).
(2)
عبد الرحمن بن زيد الزنيدي: مصادر المعرفة في الفكر الديني والفلسفي (دراسة نقدية في ضوء الإسلام): ص 48، الطبعة الأولى 1412 هـ - 1992 م، عن المعهد العالمي للفكر الاسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، ومكتبة المؤيد - الرياض، وانظر: ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله 1/ 33، 34، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، (مرجع سابق).
أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40]، وقال تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 42 - 45]
فهذه الآيات تبين -بجلاء ووضوح - أنّ اللَّه عز وجل علم الإنسان، وبهذا العلم مكَّنه من استعمار الأرض وعمرانها وسيادته عليها وعلى كثير من المخلوقات الموجودة فيها حتى من بني جنسه، وأنّ هذا التمكين يُمثّل البلاء والامتحان، فإنْ أحسن وحقق عبوديته للَّه واستقام على الطريق المستقيم فاز في الدنيا والآخرة، وإن تنكب الطريق وظلم وطغى وبغى فإنَّه يصبح عرضة للعقاب التدريجي الذي يمثل الإنذار والدعوة لتصحيح المسار والعودة إلى صراط اللَّه المستقيم فإن حدث هذا تاب اللَّه عليه ومتعه إلى حين، وهذا ما حدث لقوم يونس عليه السلام، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 96 - 98]، وإن استمر الإنسان في انحرافه ولم يتعظ تتابعت عليه الآيات، وكانت كل آية أكبر من أختها (1)، حتى يتم (الاستئصال التام كما حدث لقوم لوط وفرعون وغيرهم)(2).
(1) قال تعالى: {وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 48].
(2)
عبد السلام بن نصر اللَّه الشريف: سنة اللَّه في عقاب الأمم في القرآن الكريم: ص 49، 50 الطبعة الأولى 1415 هـ - 1994 م عن دار المعراج الدولية للنشر - الرياض.
ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل: 26]، وقال تعالى:{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} [الروم: 9 - 10].
وقد يسلب اللَّه الأمَّة التي أخفقت في حمل الرسالة سلطانها ويصيبها بهيمنة أمة أخرى عليها (1)، كما حدث لبني إسرائيل، ولمشركي مكة، والفرس والروم، فإنَّ اللَّه سبحانه وتعالى استخلف الأُمَّة الإسلاميَّة فسادت وهيمنت بشرع اللَّه عليهم جميعًا، وإذا كانت الحضارة الغربيَّة وما يلتف حولها من أمم في العصر الراهن تتطلع للسيادة والهيمنة وذريعتها في ذلك العلم ومناهجه التجريبيَّة والتطبيقيَّة ونحوها، فإنَّها ستواجه المصير الذي آلت إليه الأمم من قبل؛ لأنَّها حصرت -في مسارها العام- (العلم فيما جاء عن طريق التجربة والخبرة الحسيَّة وحدها)(2)، وفصلت بين عالم الغيب وعالم الشهادة.
وعن ذلك يقول أحد المفكرين: (وعليه فإنَّ العلم باصطلاحهم محصور -مصدرًا- في التجربة، -وميدانًا- في المجال الرياضي
(1) انظر: عبد السلام بن نصر اللَّه الشريف: سنة اللَّه في عقاب الأمم: ص 50 و 29 - 61 (المرجع السابق نفسه)، وقد تحدث المؤلف في تلك الصفحات عن سنة العقاب؛ (مفهومها وأدلتها) وعن ضوابطها، وعن أشكال العقاب وأنّ منها العام ومنها العقاب المعنوي ومنها العقاب الحسي، وما وقع للأمم المكذبة من هذه الأشكال.
(2)
انظر: عبد الرحمن بن زيد الزنيدي: مصادر المعرفة ص 48، (مرجع سابق).
والطبيعي، وما يقبل موضوعه الخضوع للتجربة والاستقراء والمقاييس الكميَّة، وهذا التحديد لمفهوم العلم متولد من المذهب التجريبي في الفلسفة المعاصرة، الذي يتمثل في اتجاهات فلسفية، أبرزها الاتجاهان: الوضعي والماركسي، وقد أدى هذا المفهوم. . . إلى إنكار العلم فيما يتجاوز ميدان التجربة، وهو: عالم الطبيعة، وإنكار عالم ما وراء الطبيعة وكل ما كان مصدره الوحي الإلهي أو الشعور الأخلاقي من العلوم) (1)، وبذلك شقيت أمم الغرب ومن دار في فلكها بهذا العلم، وصرَّح نخبة من المفكرين الغربيين بإفلاس الحضارة الغربيَّة، وما أسموه بالانتحار العلمي (2).
يقول رجاء الجارودي: (إن حضارتنا تقوم على أسس خاطئة، فنحن في المرحلة الأخيرة من الحضارة التي لا تكاد تبدأ، ما زلنا لا نعرف أن نحدد لأنفسنا غايات حقيقيَّة، ولا نسيطر على وسائلنا، إن حضارتنا تقوم على هذه الموضوعات الثلاث:
• تحيل الإنسان إلى العمل والاستهلاك.
• تحيل الفكر إلى ذكاء.
• تحيل اللانهائي إلى الكم) (3).
ثُمَّ يقرر: (إنَّها حضارة مؤهلة للانتحار، انتحار لفقدان الهدف، يشهد على ذلك ضروب الفرار إلى المخدرات، وانتحار المراهقين بأعداد أكبر في الأصقاع الأغنى، انتحار لإفراط الوسائل، يبرهن على ذلك مثلًا المنظور الجائز لنضوب المصادر الطبيعية والتلوث، وذلك نتيجة لازمة
(1) المرجع السابق نفسه: ص 47، 48.
(2)
انظر: توفيق يوسف الواعي: الحضارة الإسلاميَّة مقارنة بالحضارة الغربية: ص 766 - 797، (مرجع سابق).
(3)
نقلًا عن: المرجع السابق نفسه: ص 767، ولعل الأصح من قوله:(تحيل) أن يقول: (تحول).