المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: أقوالهم في السنة النبوية والسيرة النبوية: - دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه - جـ ٢

[إسحاق السعدي]

فهرس الكتاب

- ‌الربانية وموقف المستشرقين منها

- ‌تمهيد

- ‌مفهوم الربانيَّة

- ‌أ- معنى الربانية لغة:

- ‌ب- معنى الرَّبَّانيَّة اصطلاحًا:

- ‌القرآن الكريم المصدر الأساس لربانية تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة

- ‌أ- تعريف القرآن الكريم وأشهر أسمائه:

- ‌ب- مصدر القرآن الحريم ونصه:

- ‌السنة الشريفة ومنزلتها من القرآن الكريم

- ‌أولًا: تعريف السنة:

- ‌ثانيًا: منزلة السُّنَّة من القرآن الكريم:

- ‌موقف المستشرقين من خصيصة الربَّانيَّة

- ‌أولًا: أقوالهم في القرآن الكريم:

- ‌ثانيًا: أقوالهم في السنة النبوية والسيرة النبوية:

- ‌العالمية وموقف المستشرقين منها

- ‌تمهيد

- ‌مفهوم العالمية

- ‌أ- تعريف العالميَّة لغة:

- ‌ب- تعريف العالميَّة في الاصطلاح:

- ‌دلائل عالمية الإسلام من الكتاب والسنة، ووقائع السيرة النبوية، وأحداث التاريخ الإسلامي

- ‌أولًا: القرآن الكريم:

- ‌ثانيًا: وأمَّا في السنة النبوية:

- ‌دلائل عالمية الأُمَّة الإسلاميَّة، من العقيدة والنظم

- ‌موقف المستشرقين من خصيصة العالَمِيَّة

- ‌أولًا: موقف المنكرين لخصيصة العالَمِيَّة وأدلة إنكارهم مع الرد عليها:

- ‌ثانيًا: موقف من نفى خصيصة العالمية من حيد حونها من المبادئ التي تميزت بها الأُمَّة الإسلاميَّة على الرغم من الإقرار بها تاريخيًّا بسبب ما أفضى إليها تطور الأمَّة، وتدل على هذا الموقف آراء بعض المستشرقين، كما يتضح مِمَّا يأتي:

- ‌ثالثًا: موقف المتشككين في عالمية الإسلام:

- ‌الوسطية وموقف المستشرقين منها

- ‌تمهيد

- ‌مفهوم الوسطية

- ‌أ- الوسطيَّة في اللغة:

- ‌ب- أمَّا عن معانيها

- ‌وسطية الأُمَّة في مجال العقيدة والعبادة

- ‌أولًا: في الجانب العقدي:

- ‌ثانيًا: في جانب العبادة:

- ‌وسطية الأُمَّة في مجال التشريع والأخلاق

- ‌أولًا: في مجال التشريع:

- ‌ثانيًا: في مجال الأخلاق:

- ‌موقف المستشرقين من خصيصة الوسطية

- ‌وفيما يأتي بعض النماذج على ذلك:

- ‌ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره بعض المستشرقين عن هذه الوسطية:

- ‌الإيجابية الخيرة وموقف المستشرقين منها

- ‌تمهيد

- ‌مفهوم الإيجابية الخيرة

- ‌أ- المسارعة:

- ‌ب- السبق:

- ‌جوانب مفهوم إيجابية الأمة الإسلامية

- ‌موقف المستشرقين من خصيصة إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة

- ‌النموذج الأول:

- ‌النموذج الثاني:

- ‌تحقيق العبودية للَّه وموقف المستشرقين منها

- ‌تمهيد

- ‌مفهوم العبادة، ومقتضياتها

- ‌أ- العبادة في اللغة:

- ‌ب- العبادة في الاصطلاح:

- ‌ج- مقتضيات العبادة في الإسلام:

- ‌أنواع العبادة وصورها

- ‌ومن العبادات الاعتقاديَّة:

- ‌ومن العبادات القلبيَّة:

- ‌ومن العبادات اللفظيَّة:

- ‌ومن العبادات البدنيَّة:

- ‌أمَّا العبادات الماليَّة:

- ‌روح العبادة وأسرارها

- ‌آثار العبادة في الفرد وفي الأُمّة

- ‌أولًا: الصلاة:

- ‌ثانيًا: الزكاة:

- ‌ثالثًا: الصوم:

- ‌رابعًا: الحج:

- ‌موقف المستشرقين من قضية العبودية للَّه

- ‌ويعالج هذا في نقطتين بارزتين:

- ‌فمن أقوال المستشرقين وآرائهم:

- ‌أمَّا الرد على أقوالهم وآرائهم فستتركز في النقاط الآتية:

- ‌ولعل مِمَّا يدلُّ على صحة هذا الفهم والتفسير ما يأتي:

- ‌تحقيق الاستخلاف وموقف المستشرقين منها

- ‌تمهيد

- ‌مفهوم الاستخلاف وأهميته

- ‌أ- معنى الاستخلاف في اللغة:

- ‌ب- مفهوم الاستخلاف عند بعض المفسرين والعلماء والباحثين:

- ‌ج- تعريف الاستخلاف في الاصطلاح:

- ‌د- أهمية الاستخلاف:

- ‌مقومات الاستخلاف بعامّة

- ‌أولًا: العلم:

- ‌ثانيًا: التسخير:

- ‌مقومات استخلاف الأمَّة الإسلامية بخاصة

- ‌أولًا: العلم:

- ‌ثانيًا: التسخير:

- ‌موقف المستشرقين من قضية استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة

- ‌وسيلة اللغة العربية وموقف المستشرقين منها

- ‌مكانة اللغة العربيَّة وارتباطها بالإسلام

- ‌موقف المستشرقين من اللغة العربيَّة

- ‌الرد على الشبهة الأولى:

- ‌الرد على الشبهة الثانية:

- ‌الرد على الشبهة الثالثة:

- ‌الرد على الشبهة الرابعة:

- ‌وسيلة تاريخ الإسلام وحضارته وموقف المستشرقين منه

- ‌تمهيد

- ‌الالتزام بالإسلام والاعتزاز به

- ‌أ- أمَّا في المفاهيم

- ‌ب- الالتزام بالإسلام والاعتزاز به في المناهج

- ‌1 - السببيَّة:

- ‌2 - القانونية التاريخيَّة:

- ‌3 - منهج البحث الحسي (التجريبي):

- ‌جـ- الالتزام بالإسلام والاعتزاز به من خلال المواقف

- ‌الوعي الثقافي الشامل

- ‌الناحية الأولى:

- ‌الناحية الثانية:

- ‌التعاون والتكامل

- ‌الدعوة والجهاد

- ‌1 - الجهاد التربوي:

- ‌2 - الجهاد التنظيمي:

- ‌3 الجهاد العسكري:

- ‌موقف المستشرقين من تاريخ الإسلام وحضارته

- ‌أولًا: نقد بعض المستشرقين للمنهج الاستشراقي:

- ‌ثانيًا: نقد بعض المفكرين والباحثين من العرب والمسلمين للمنهج الاستشراقي:

- ‌ثالثًا: نماذج لأهم القضايا التي تطرقت إليها دراسات المستشرقين لتاريخ الإسلام وحضارته:

- ‌1 - الدعوة والجهاد

- ‌2 - العادات والتقاليد:

- ‌3 - الجانب السياسي والحضاري من تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة:

- ‌رابعًا: استخلاص موازين البحث عند المستشرقين:

- ‌مبحث ختامي

- ‌تقويم الحركة الاستشراقية ومنهج الإسلام في مواجهتها

- ‌أساليب مواجهة تحدي الاستشراق والمستشرقين ووسائلها

- ‌الخاتمة

- ‌1 - في ضوء الدراسة التأصيلية لتميز الأُمَّة الإسلاميَّة، تبين الآتي:

- ‌أ- عقيدة التوحيد

- ‌ب- الشريعة الإسلاميَّة الغراء

- ‌ج- الأخُوَّة الإسلاميَّة ووحدة الأمَّة

- ‌د- الخصائص التي تفرد بها تَمَيُّز الأمَّة الإسلاميَّة؛ وأهمها:

- ‌هـ - أهداف تَمَيُّز الأمَّة الإسلاميَّة

- ‌و- وسائل تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة

- ‌2 - وفي ضوء الدراسة النقديَّة لموقف المستشرقين من تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، تبين الآتي:

- ‌المصادر والمراجع

- ‌نبذة تعريفية الإدارة العامة للأوقاف

الفصل: ‌ثانيا: أقوالهم في السنة النبوية والسيرة النبوية:

وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].

وخلاصة القول: أن كل ما طرحه المستشرقون من شبهات حول مصدر القرآن الكريم لا يعدو كونه مزاعم واهية لا حظَّ لها من العلم، ولا تقوم بها أدنى حُجَّة، وليس لها سند تاريخي موثوق، وإنَّما هي تخمينات وافتراضات أساءت إلى المنهج الاستشراقي في دراسته للإسلام، وأثبتت فساده ومجانبته لحقائق الأمور ووقائع التاريخ مِمَّا جعل بعض الباحثين، يقول:(نحن نرفض -ومعنا الحق- منهج المستشرقين في دراسة الإسلام؛ لأنَّه منهج مصطنع جاء وليد اللاهوت الأوروبي؛ ولأنَّه منهج يقصر عن طبيعة الأديان السماويَّة، ويحاول أن يضعها في صعيد واحد مع الاتجاهات الفكرية الإنسانية)(1).

لذلك فإنَّ معظم المستشرقين يحاول أن ينفي عن تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة خصيصة الربانية من خلال نفيهم الوحي والنبوة والرسالة، وزعمهم أنَّ القرآن الكريم من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم.

‌ثانيًا: أقوالهم في السنة النبوية والسيرة النبوية:

مِمَّا ترتب على أقوالهم في القرآن الكريم، ونسبته إلى محمد صلى الله عليه وسلم إنكار السُّنَّة النبوية، والتشكيك في السيرة، والتحامل عليهما لأسباب عدّة من أبرزها:

1 -

ذلك الفارق الواضح بين أسلوب القرآن الكريم في الفصاحة والبيان والإعجاز وبين أسلوب الحديث النبوي الشريف، إذ يدلُّ دلالة واضحة على أن القرآن كلام اللَّه عز وجل والحديث النبوي كلام الرسول صلى الله عليه وسلم

(1) زقزوق: الاستشراق. . . ص 86، 89، (مرجع سابق).

ص: 573

وكلاهما وحيٌ من عند اللَّه كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "ألا إنني أوتيتُ الكتابَ ومثله معه. . . "(1).

أمَا وقد ساغ للمستشرقين أن ينسبوا القرآن الكريم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فلا غرابة أن ينسبوا حديثه إلى غيره من المسلمين، وأن يعملوا ما وسعهم العمل في التشكيك في سنته وسيرته صلى الله عليه وسلم لزعزعة مصادر الإسلام والطعن في تميز الأُمَّة الإسلاميَّة.

2 -

إنَّ السنّة النبوية تمثل أكبر عائق (لأعداء الإسلام عن تفسير القرآن بالهوى والشهوات فهي التي تحدد تفسيره وتبينه)(2)، قال تعالى:{بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]، فكانت سنته صلى الله عليه وسلم المتمثلة في أقواله وأفعاله وتقريراته للقرآن الكريم بمثابة (تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره)(3).

والسنّة شديدة الارتباط بالقرآن الكريم، يقول الشاطبي:(فالقرآن على اختصاره جامع. . وأنت تعلم أنَّ الصلاة، والزكاة، والجهاد، وأشباه ذلك لم يتبين جميع أحكامها في القرآن، إنَّما بينتها السنّة وكذلك العاديات من الأنكحة والعقود والقصاص والحدود وغيرها)(4)، لذلك فإنَّ الذين يحاولون إنكار السنة يريدون إزالة عرقلة السنة بينهم وبين القرآن، وإذا فعلوا ذلك تيسر لهم تأويل القرآن حسب أهوائهم وميولهم (5).

3 -

إنَّ السنة النبوية اشتملت على نظام شامل للحياة، وحدَّدَت الطريق

(1) أخرجه أبو داود: سنن أبي داود: 4/ 199، الحديث رقم [4604]، (مرجع سابق).

(2)

انظر: محمد لقمان السلفي: السنّة حجيتها ومكانتها في الإسلام والرد على منكريها: ص 257، (مرجع سابق).

(3)

الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة 4/ 9، (مرجع سابق).

(4)

المرجع السابق نفسه 3/ 274، 275.

(5)

انظر: محمد أسد: الإسلام على مفترق الطرق: ص 97، ترجمة عمر فروخ، (مرجع سابق).

ص: 574

السوي للأُمَّة الإسلاميَّة، وقدمت الحلول الجذرية لمشكلات الحياة (1)، وقد وصف بعض المستشرقين السنّة بأنها:(إطار من الفولاذ حول ذلك البناء الاجتماعي العظيم)(2)، وهدم هذا الإطار الفولاذي لايتأتى إلَّا بإنكار صحة السنّة بأيِّ أسلوب كان، ليسهل عليهم جعل الإسلام موافقًا للأفكار الغربية، وخاضعًا لها (3).

4 -

إنَّ مِمَّا حملهم على ركوب متن الشطط في دعواهم ضد السنة ما رأوه في الحديث النبوي (من ثروة فكرية وتشريعية مدهشة وهم لا يعتقدون بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم فادعوا أن هذا لا يعقل أن يصدر كله عن محمد الأمي بل هو من عمل المسلمين خلال القرون الثلاثة الأولى)(4) من تاريخ الإسلام، ولكن محاولاتهم كلها ستبوءُ بالإخفاق، وسيكونون كما قال الشاعر:

كناطح صخرة يومًا ليوهنها

فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل (5)

لأنَّ السنة محفوظة بحفظ القرآن الكريم، ولأنَّها وحي اللَّه عز وجل أمَّا الأقوال الاستشراقية في الحديث النبوي الشريف التي تبين موقفهم

(1) انظر: محمد لقمان السلفي: السنة. .: ص 257، (مرجع سابق).

(2)

محمد أسد: المرجع السابق نفسه: ص 37.

(3)

انظر: محمد لقمان السلفي: السنة. .: ص 257، (مرجع سابق).

(4)

انظر: محمد لقمان السلفي: السُّنَّة. .: ص 215، (المرجع السابق نفسه).

(5)

ينسب هذا البيت إلى الأعشى ميمون بن قيس. انظر: حنَّا نصر الحتي: شرح ديوان الأعشى الكبير (ميمون بن قيس): ص 286 البيت رقم [49] من قصيدة عنون لها الشارح (نحن الفوارس) وقد أورد الشارح (ليفْلِقَها) بدلًا من (ليوهنها) وذكر بأنَّ الأخيرة وردت في بعض الروايات، الطبعة الأولى 1412 هـ - 1992 م، عن دار الكتاب العربي - بيروت.

وانظر: محمد محيي الدين عبد الحميد: عدة المسالك إلى تحقيق أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام: 3/ 218، الطبعة الخامسة، 1399 هـ - 1979 م، عن دار الجيل - لبنان.

ص: 575

المتشكك في صحة نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فتأتي دراسات (جولدزيهر) معبّرة عن ذلك باعتبار دراساته في موضوع الحديث النبوي تحتل الصدارة عند المستشرقين وأنَّه (حدّدَ تحديدًا حاسمًا اتجاه وتطور البحث في هذه الدراسات)(1) من وجهة نظرهم، حتى بلغ الأمر أن تعتمد دائرة المعارف الإسلاميَّة على دراساته، وتتخذ منها مصدرًا أساسًا للكتابة عن مادة (حديث) ومِمَّا وصفته به بأنَّ (العلم مدين دينًا كبيرًا لما كتبه (GoldZiher) في هذا الموضوع) (2)، وفيما يأتي خلاصة مركزة لأبرز مزاعمه في الحديث في النقاط الآتية:

1 -

(إنَّ القسم الأعظم من الحديث كان بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الديني والاجتماعي والتاريخي في القرن الأول والثاني من تاريخ الإسلام.

2 -

وضع أصحاب المذاهب النظرية والعملية في الإسلام أحاديث لتأييد مذاهبهم، ونسبوها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

3 -

إنَّ الأتقياء وضعوا أحاديث تؤيد معارضتهم للحكام.

4 -

قام الحكام بوضع الحديث كرد فعل على عمل العلماء الأتقياء لتأييد أفكارهم السياسية، ولإسكات الأتقياء) (3).

من هذه المزاعم يتبين القصد من دراسات (جولدزيهر) وزمرته من المستشرقين في الحديث الشريف، وهو نفي نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لزعزعة

(1) زقزوق: الاستشراق. . (مرجع سابق): ص 101، نقلًا عن يوهان فك: عن الدراسات الاستشراقية في أوروبا، المصادر عام 1955 م: ص 231، 231، Fueck،Op.Cit.P. ولم أجد هذا القول تحت مادة (حديث)، في دائرة المعارف الإسلاميَّة، (مرجع سابق).

(2)

مادة (حديث) 13/ 389 - 401، (مرجع سابق)، وانظر: محمد لقمان السلفي: السنة. .: ص 218، (مرجع سابق).

(3)

انظر: جولدزيهر: دراسات إسلاميَّة من ص 43 إلى ص 48 نقلًا عن: محمد لقمان السلفي: السنة. . . ص 230 - 231 (مرجع سابق).

ص: 576

الدين الإسلامي فإذا كان القرآن الكريم من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم كما يزعم المستشرقون -والحديث انعكاس لتطور المسلمين، وأن نسبته إلى محمد صلى الله عليه وسلم كذب وافتراء فكيف يكون صرح الإسلام!.

وهذه النوايا مكشوفة جدًّا، أمَّا ذلك المنهج فهو عار عن العلمية، ويرد على مزاعم (جولدزيهر) في الآتي:

1 -

إنَّ ما زعمه من أنَّ (القسم الأعظم من الحديث ليس إلَّا بمثابة نتيجة للتطور الديني والتاريخي والاجتماعي. . .)(1)؛ ليس صحيحًا، وفيه خلط الحق بالباطل ومنهجه في ذلك هو المنهج المذموم الذي وصف اللَّه به أهل الكتاب بعامة واليهود بخاصة، قال تعالى:{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]، فمقولته خلطت الحق بالباطل، وكتم (جولدزيهر) الحق وهو عالمٌ به؛ فقد تحدث عن جهود علماء الحديث في جمعه وحفظه وغربلته، والتحقق من نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس بخافٍ عليه ما بذله علماء الحديث في هذا المضمار (2) (فإنَّ علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يتلقون أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بعضهم عن بعض في أمانة وضبط، وكانوا يذبون عنها أكاذيب الشيعة والخوارج والزنادقة، ومن كان على شاكلتهم في الكيد للإسلام عن طريق الحديث.

وما زالوا يجاهدون صادقين في سبيل السُّنَّة حتى أسلموها إلى علماء القرن الثالث كاملة غير منقوصة، وصحيحة غير مكذوبة، عن طريق

(1) انظر: دراسات إسلامية: ص 43 - 48، وانظر: محمد لقمان السلفي: السنَّة: ص 230، (المرجع نفسه)، وانظر: محمود حمدي زقزوق: الاستشراق ص 101، (مرجع سابق).

(2)

انظر: محمد لقمان السلفي: السنة. .: ص 219، (المرجع السابق)، وانظر: زقزوق: الاستشراق. .: ص 104، (مرجع سابق)، وانظر: دائرة المعارف الإسلاميَّة، 7/ 335، (مرجع سابق).

ص: 577

الأسانيد التي تطمئن لها القلوب، ثُمَّ قام علماء القرن الثالث بدورهم في رواية السنة وحفظها وكتابتها وتدوينها حتى وصلت إلينا طاهرة نقية) (1).

أمَّا الوضع مهما كان كثيرًا وهائلًا؛ فإنه كان معزولًا عن حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم بفضل اللَّه ثُمَّ بسبب جهود علماء الحديث، ونحن لا ننكر أنَّ هناك الكثير من الموضوعات التي نسبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك خافيًا في عصر من العصور على علماء المسلمين (2)، فقد طبق علماء الحديث منهجًا نقديًّا شرعيًّا أفاد منه النقد التاريخي، واعترف المنصفون بأن منهج علماء الحديث في نقد الرواة، وبيان حالهم؛ يعد تاجًا على رأس الأُمَّة الإسلاميَّة (3).

(ولعلماء الحديث باع طويل في نقد الرواة)(4). . قيل ليحيى بن سعيد القطان: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند اللَّه عز وجل؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إليَّ من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خصمي، يقول لي: لِمَ لَمْ تذب الكذب عن حديثي. . .)(5)، وكان ابن المبارك يقول:(بيننا وبين القوم القوائم)(6)؛ يعني الإسناد، ويقول:

(1) محمد محمد أبو زهو: الحديث والمحدثون (أو عناية الأمَّة الإسلاميَّة بالسنّة النبوية): ص 301، 302، (مرجع سابق)، وانظر: محمد أسد: الإسلام على مفترق الطرق، ترجمة: عمر فروخ: ص 96، (مرجع سابق).

(2)

انظر: زقزوق: الاستشراق. .: ص 102، (مرجع سابق).

(3)

انظر: المرجع السابق نفسه: ص 102 - 103.

(4)

المرجع السابق نفسه: ص 103.

(5)

السيوطي: تحذير الخواص عن أكاذيب القصاص: ص 119، تحقيق: محمد الصباغ، الطبعة الثانية 1394 هـ - 1974 م، عن المكتب الإسلامي - بيروت، وانظر: محمد لقمان السلفي: اهتمام المحدثين. .: ص 66، (مرجع سابق).

(6)

رواه الإمام مسلم: في مقدمة صحيحه ص 15. . (مرجع سابق).

ص: 578

(الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال مَنْ شاء ما شاء)(1).

والسؤال الآن: هل يجهل (جولدزيهر) هذه الصفحات البيضاء، بل: هل بذل أتباع اليهودية أو النصرانية عشر معشار ما بذله علماء الحديث المسلمون في توثيق العهدين؛ القديم والجديد (2).

إنَّ الجواب على ذلك يأتي من خلال مقولة (وليم باركلي) فيما شاب الكتابات النصرانية من اضطراب، بسبب الحذف والإضافة ونحو ذلك، فهو يؤكد:(أن المتشابهات التي أثارتها التعاليم والإلحاقات التي أدخلت على الكتابات المسيحية بعد عيسى عليه السلام والتي حولت عيسى من شخصية بشرية إلى شخصية إلهية، ظلت كتابات وإلحاقات وتعاليم قابلة للتعديل بالحذف والزيادة حتى سنة (400) ميلادية، وهو تاريخ أول طبعة رسمية للعهد الجديد بالطبعة السريانية، المعروفة باسم (البيشيتو)، وظلت قانونية العهد الجديد مجال أخذ ورد، وحذف وإضافة، ولم تستقر على حالتها الراهنة إلَّا بعد قرار مجمع (ترنت) سنة 1546 م، فجاء هؤلاء العلماء ليجدوا أمامهم تراثًا هشًّا غير متناسق، ضعيفًا في إسناده التاريخي، وقابلًا بذاته للشك والتفنيد) (3).

2 -

أمَّا ما قيل من أنَّ أصحاب المذاهب النظرية والعملية قد وضعوا أحاديث لتأييد مذاهبهم ونسبوها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالواقع أنَّه (ظهرت حركة الوضع في الحديث، وهدّدت هذا الأصل الكبير من أصول

(1) رواه الإمام مسلم: المرجع السابق نفسه: الصفحة نفسها.

(2)

انظر: زقزوق: الاستشراق. .: ص 104، (مرجع سابق)، وانظر: محمد لقمان السلفي: السنة. .: ص 243، 244، (مرجع سابق).

(3)

انظر: مقال حمدي عبد العال: تحقيق القول في تحويل بولس، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد [16]، شعبان 1410 هـ مارس 1990 م، عن مجلس النشر العلمي في جامعة الكويت: ص 19.

ص: 579

الإسلام بالتحريف) (1)، إذ سعت الفرق الضَّالَّة للوضع ونسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه لمآرب سياسية وشخصية (ولكن العلماء بذلوا جهودًا جبارة في تمحيص الحديث ونقده، وتمييز الصحيح من الموضوع، فكما كان الوضع في الحديث لم يوجد له مثيل في عالم العلم والأدب، كذلك الجهود التي بذلت لتنقية الصحيح، وتمييزه من الموضوع والعلوم التي اخترعت للوصول إلى هذه الغاية والوسائل التي أُخذت لم يوجد لها نظير في الدنيا، ولم يحظ تاريخ قوم ولا أُمَّة بمثل هذه العناية، فالحركة التي كادت أن تهدم السنّة قد أدت إلى نتائج إيجابيّة أثرت في إشادة صرح السنة وبناء علوم الحديث)(2).

3 -

وأمَّا مقولة (جولدزيهر) عن الأتقياء، وأنهم وضعوا أحاديث عارضوا بها سياسة الحكام، فإنها مقولة خاطئة وموهمة، فإنَّ المستشرقين وفي مقدمتهم (جولدزيهر) يطلقون على الشيعة (العلماء الأتقياء)(3) مع أنَّ منهم (من كانوا أداة فساد وإفساد يتظاهرون بحب آل علي رضي الله عنه ويغالون في ذلك حتى ألهوه ووضعوا الأحاديث في تأليهه، ويضمرون في أنفسهم كيد الإسلام والمسلمين)(4)، في حين أنَّ العلماء الأتقياء الذين خدموا السنة وحملوها هم غير أولئك؛ إنهم الذين عملوا على حفظ الأحاديث الصحيحة ونشرها، والاحتياط لها وبيان الأحاديث التى نسبت كذبًا وزورًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأفتوا بعدم جواز روايتها أو نشرها من غير أن يخافوا

(1) محمد لقمان السلفي: السنة. . ص 198، (مرجع سابق).

(2)

انظر: المرجع السابق نفسه: ص 198، وانظر: أحمد محمد شاكر: حاشية رقم [1] على الصفحة 334 من دائرة المعارف الإسلاميَّة، المجلد السابق، (مرجع سابق).

(3)

انظر: جولدزيهر: دراسات إسلاميَّة (الحرجمة الإنجليزية): ص 43 - 48، نقلًا عن: محمد لقمان السلفي: السنة. .: ص 228 - 230، (مرجع سابق).

(4)

محمد محمد أبو زهو: الحديث والمحدثون. .: ص 305، (مرجع سابق).

ص: 580

في اللَّه لومة لائم ولا سطوة ظالم، ومنهم الأئمة (الزهري، وسعيد بن المسيب "سيد التابعين"، وعامر الشعبي، وقد [عدّه] يحيى بن سعيد القطان "أول من فتش عن الإسناد"، وإبراهيم النخعي، وهو "صيرفي الحديث" والأعمش، وشعبة بن الحجاج، وحماد، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، رضي الله عنهم أجمعين)(1)، هؤلاء هم حملة الحديث الأتقياء.

4 -

أمَّا وضع الحكام للحديث كرد فعل على أولئك (الأتقياء) المزعومين؛ فإنَّه اتهام لحكام بني أُميَّة يدحضه التاريخ من ناحيتين:

الأولى: لم يكن بين علماء الحديث وبني أميَّة خصومة، ولا أيُّ نوع من العداء، وإذا كان هناك عداء بين الحكام وبين الشيعة والخوارج فإنَّ علماء الحديث غير هؤلاء وهؤلاء (2).

الثانية: لم يثبت أيُّ دليل يدين حكام بني أُميَّة بوضع الحديث، ولو بُحث في دواوين السنة لما وجد من بين الأحاديث الموضوعة حديث واحد رُوي عن طريق أيِّ حاكم من حكام بني أميَّة (3).

وخلاصة القول:

إنَّ مزاعم (جولدزيهر) ومن سار على نهجه من المستشرقين تأتي مؤكدة المنهج الاستشراقي المعادي للإسلام الذي انتهج أسلوب المغالطات والتلبيس، وكتمان الحق، وتحكيم الهوى، والحسد، ودس الزيف والشبهات، وهو بذلك ينتظم في تلك الحركة الباطنية التي تضرب

(1) انظر: محمد لقمان السلفي: السنة. .: ص 237، (مرجع سابق)، وانظر: تراجمهم لدى: النووي: تهذيب الأسماء واللغات. . (مرجع سابق).

(2)

انظر: محمد لقمان السلفي: السنة. .: ص 242، (مرجع سابق).

(3)

انظر: المرجع السابق نفسه: ص 244.

ص: 581

في أعماق التاريخ الإسلامي منذُ عبد اللَّه بن سبأ، وما تشعب عنه من شيعة وخوارج، ثُمَّ معتزلة وزنادقة. . . ثُمَّ تطفل على هذه المزاعم بعض أبناء المسلمين الذين قال عنهم أحد المفكرين المسلمين:(إنَّهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا بيد أنهم خطر على كياننا)(1)، وقال عنهم قبل ذلك:(وولدوا في بلادنا ولكن عقولهم وقلوبهم تربت في الغرب، ونمت أعوادهم مائلة إليه فهم أبدًا تبع لما جاء به)(2).

أمَّا السيرة النبوية فقد تناولتها دراسات المستشرقين بالبحث والتقصي حول كل جزئية من جزئياتها، فقد تكلموا عن بيئة الرسول صلى الله عليه وسلم ولغته، وعن اسمه ونشأته، وتكلموا عن تحنثه في غار حراء، وخاضوا في سيرته قبل البعثة وبعدها، في الفترة المكية، ثُمَّ ازداد اهتمامهم بهجرته إلى المدينة وسيرته فيها، وعلاقاته بمن حوله من يهود ومنافقين ومشركين، ولم يتورعوا عن الخوض في أخص خصوصيات البيت النبوي، بل تناولوا أمهات المؤمنين، وعللوا زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بهن، وتكلموا عن أيام الرسول صلى الله عليه وسلم الأخيرة (3).

وهم في ذلك كله يتذبذبون ما بين مقذع فاحش متفحش في تناوله لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها أو بعض جوانبها، وما بين متناقض ينصف في جانب ويتحامل في جانب آخر.

ومهما يكن فإنَّ معظمهم يصدر من منطلق تجريد الرسول صلى الله عليه وسلم من نزول

(1) انظر: محمد الغزالي: ظلام في الغرب: ص 3، الطبعة الثانية، 1965 م، عن دار الكتب الحديثة، القاهرة.

(2)

المرجع السابق نفسه: ص 3.

(3)

انظر: نذير حمدان: الرسول صلى الله عليه وسلم في كتابات المستشرقين: ص 14 - 24، (مرجع سابق).

ص: 582

الوحي الإلهي عليه؛ لذلك فإنَّ الإطار الذي يدورون فيه هو الإنكار والجحود والتدليل على ذلك بألوان شتى من الأوهام والأباطيل، وقد يشيد بعضهم بعظمة الرسول صلى الله عليه وسلم ويصفه بالعبقرية، بل يضفي عليه ملامح العبقرية وصفات العظمة ليجرده من النبوة، ويسلبه نعمة الرسالة، وليتسنى له أن ينسب الإعجاز في سيرته والتميُّز في تاريخ أمته إلى عبقريته، وليس إلى كونه نبي اللَّه ورسوله (1).

* * *

(1) انظر: نذير حمدان: الرسول صلى الله عليه وسلم في كتابات المستشرقين. . . ص 134، 135، (المرجع السابق نفسه).

ص: 583