الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكتب من أخذ عنهم، مثل محمد بن زكريا الرازي، وابن سينا ونحوهم من الزنادقة الأطباء ما غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا، فهذا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم، ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض، كما عامل النبي يهود خيبر، وكما استأجر النبي صلى الله عليه وسلم، هو وأبو بكر لما خرجا من مكة مهاجرين (ابن أريقط) -رجلًا من بني الدِّيل- هاديًا خريتًا، والخريت الماهر بالهداية، وائتمناه على أنفسهما ودوابهما، ووعداه غار ثور صبح ثالثة، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، مسلمهم وكافرهم، وكان يقبل نصحهم، وكلُّ هذا في الصحيحين (1)، وكان أبو طالب ينصر النبي صلى الله عليه وسلم ويذب عنه مع شركه، وهذا كثير) (2).
ب- الالتزام بالإسلام والاعتزاز به في المناهج
(3)، وهذا جانب آخر رصده التاريخ للأُمَّة الإسلاميَّة، وانطلقت من خلاله حضارتها، وكان الالتزام بالإسلام والاعتزاز به في مناهج الأُمَّة من أهم وسائل تميُّزها،
(1) أخرجه البخاري: صحيح البخاري 2/ 974 - 985، كتاب الشروط، باب [15]، من حديث طويل رقمه [2581، 2582]، وفيه أن خزاعة (كانوا عيبة نصح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم) تحقيق: مصطفى ديب البُغا، (مرجع سابق)، وأمَّا الرجل الذي استأجره الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه فقد أخرج ذلك البخاري في صحيحه في حديث الهجرة وهو حديث طويل جاء فيه:(واستأجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلًا من بني الدِّيل، وهو من بني عبد عدي، هاديًا خريتًا، والخريت: الماهر بالهداية) صحيح البخاري 3/ 1419 كتاب فضائل الصحابة، باب 741، رقم الحديث [3692، 3694]، (المرجع السابق نفسه).
(2)
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 12/ 114، (مرجع سابق).
(3)
انظر: توفيق يوسف الواعي: الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية: ص 247 - 279، المزيد من الاطلاع على تعريف المنهج في اللغة العربيَّة وغيرها)، (مرجع سابق).
و (المناهج الإسلاميَّة المختلفة ترتكز على قاعدة إيمانية، تمد جذورها إلى أعماق الحياة الإنسانية جميعها، تتغلغل في العقيدة، وتسري في الأخلاق، وتختلط بالمادة، وتظهر في شؤون الحياة، ولا ريب أن المجتمع السلم له غاية في الحياة، كما له مثل وقيم وأخلاق ومقاييس في المجتمع، وأهداف خاصَّة، ومزاج نفسي منبعث من عقائده وموروثاته، كما أنَّه ينظر إلى كل شيء بمنظار معين، ينظر إلى الإنسان برؤية وينظر إلى الحيوان برؤية أخرى، وإلى الجماد بغير ذلك، ثمَّ يركز على الإنسان، في حياته وسلوكه وفي غايته، وفي هدفه، فيحرر طاقاته كلها فطريَّة وعمليَّة، من الظنون والأوهام والخرافات والأهواء، كما يخلصه من الجهل والعبوديَّة لغير اللَّه، ومن سلطان الاستبداد والطغيان والشهوات، ثُمَّ وجه الإسلام الفكر البشري إلى ما ينفعه، وصرفه عما يهلكه ويبدد طاقاته بغير نفع أو فائدة، أبعده عن البحث وراء الطبيعة (عالم الغيب) وقدَّم له منهجًا كاملًا يرضي أشواقه النفسية، وحاجاته الروحية، وذلك حتى يفرغ لمهمته في بناء الحياة، وتعمير الكون، وتحقيق العدل والإخاء الإنساني) (1).
وقد اصطبغت مناهج الأُمَّة الإسلاميَّة في سائر تاريخها، ومجمل حضارتها بهذه السمات، وكانت ثمارًا يانعة لمقومات تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من عقيدة صافية نقية ترتكز على التوحيد الخالص والإيمان العميق باللَّه وأسمائه وصفاته وفقًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه، ومن شريعة غراء منبثقة عن تلك العقيدة ومماثلة لها في إخلاص التوحيد والعبادة للَّه، وما اتصف به تميُّز الأُمَّة من خصائص كثيرة من أبرزها ربانية المصدر، وعالميَّة الرسالة، ووسطية المنهج، إلى جانب فاعليتها الحضاريَّة الخيِّرَة، وما يتصل بذلك من أهداف يأتي في مقدمتها تحقيق العبودية للَّه، وتحقيق
(1) المرجع السابق نفسه: ص 250، 251.
الاستخلاف في الأرض بإقامة دين اللَّه، وحيث إنَّ استقصاء مناهج الأُمَّة الإسلاميَّة في جوانب حياتها المختلفة لا يتأتى في مساحة ضيقة كما هو حال هذه المفردة، فإنني أتناول منها -على سبيل المثال- الآتي:
أولًا: المناهج النقلية وعمادها الوحي، بقسميه القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد اعتنت الأُمَّة الإسلاميَّة عناية لم يسبق لها مثيل في المحافظة على نص القرآن الكريم ونص السنة النبويّة، واعتمدت لتحقيق ذلك مناهج بارعة، جرى الحديث عنها فيما سبق (1).
ثانيًا: المناهج العقليَّة، وهي منبثقة من المناهج النقليَّة، حيث أسس القرآن الكريم قواعدها، وضبط منطلقاتها، وربطها بأخلاقه ومثله ومبادئه وقيمه، وسار علماء الأُمَّة الإسلاميَّة في تاريخها وحضارتها في ضوء الكتاب والسنّة فكان الاجتهاد، وكان القياس، وكان الإجماع، والاستحسان والاستصحاب، والعرف والعادة، وسد الذرائع، والاستقراء، وكل ذلك ونحوه حقق للأُمَّة الإسلاميَّة بخاصَّة والبشرية بعامّة الكثير من المصالح سواء ما كان منها في إطار الضرورة، أو الحاجيّة، أو التحسينيَّة، ودفع عنها الكثير من المفاسد والأضرار، وذلك بقدر ما تلتزم الأُمَّة بالإسلام وتعتز به، وتسلك مناهجه وتتقيد بمفاهيمه.
وبالجملة -فإنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة قد سلكت في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، وفي الفقه وأصوله، وفي علوم اللغة والتاريخ
(1) انظر: مطلب الربانيَّة ص 592 - 633، (البحث نفسه). وانظر: عماد الدين خليل: حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي: ص 118 - 121، الطبعة الأولى، 1406 هـ - 1986 م، عن دار الثقافة، الدوحة، تحدث عن أهميَّة منهج المحدثين في علمي (الجرح والتعديل) و (مصطلح الحديث) اللذين تميَّزت بهما الأمَّة الإسلاميَّة على سائر الأمم، ودعا للإفادة منه في كتابة التاريخ ودراسته.
والحضارة، مناهج لم تسبق لمثلها، (ولقد جهد السلف الصالح بدءًا من الصحابة رضوان اللَّه عليهم، ومن تبعهم، كل جهدهم لينالوا المراتب السنية، فضربوا أكباد الإبل في فجاج الأرض، شرقًا وغربًا بهمم عالية، ونفوس سخيَّة راضية، بحثًا عن العلم، وتحصيلًا للمعرفة، فأثمر صنيعهم هذا أطيب الثمار، وترك في المجتمع الإسلامي كلِّه أبلغ الآثار من توحيد لصفوف الأُمَّة، وترسيخ لمبادئها، وصون لأطرافها، ونشر لمراكز العلم في أقطارها، قاصيها ودانيها، وتنافس بين هذه الأقطار في مراقي الخير هذه، وانتشار لصحيح الأفكار، وجليل المؤلفات، خلال زمن يسير في جميع البلاد، وغير ذلك من مظاهر القوة العلمية ما يستحق أن يوضع تحت الدرس والتأمل للعبرة والاستلهام)(1).
أمَّا ما يخص مناهج المسلمين في مختلف العلوم، وسبقهم إلى المنهج العلمي الحديث فمرده إلى حقيقة تاريخية تبين أنَّ علماء الأُمَّة الإسلاميَّة كانوا الرواد في وضع هذه المناهج وتطويرها، فلقد (ترجم سلفنا الصالح هذه المعاني في عصور ازدهار الحضارة الإسلاميَّة إلى حقائق ومناهج علمية سديدة لا زالت آثارها قائمة بيننا، نغترف من مناهلها الصافية، لا ينقصها التخطيط السليم، والأصالة الفكريَّة، والأسلوب السلس الواضح في مختلف ميادين الفكر والمعرفة.
ويعجب المرء وهو يعالج موضوع كتابة البحوث العلمية ومناهجها الحديثة أن يجد في مصادر تراثنا المبكر دروسًا علميَّة قائمة؛ لكل قواعد ومناهج كتابة البحث العلمي على الأصول الحديثة، حتى بالنسبة للعلوم التي (تحتاج إلى دقة وتحديد في المضمون والصياغة) كالفقه وأصول الفقه، فكلاهما له طابعه وملامحه وصعوباته النابعة من طبيعة الموضوعات
(1) فاروق حمادة: أسس العلم وضوابطه. . . ص 19، (مرجع سابق).
التي يعالجها، والكتابة فيهما تختلف تمامًا عن الكتابة حتى في المواد الشرعية الأُخرى، فضلًا عن البحث في علوم العربيَّة والموضوعات الأدبية، ولكن على الرغم من كل هذا فقد طوعها العلماء المسلمون -في عصور الإسلام المبكرة- للمنهج العلمي السليم شكلًا وموضوعًا وأسلوبًا) (1).
ويدلل على صحة هذا مثالان من تأليف الشافعي رحمه الله في كتاب (الرسالة) وفي كتاب (الأم)، فقد كان رحمه الله (يعالج أصعب الموضوعات وأصعب العلوم بطريقة علميَّة موضوعيَّة، ويضع منهج البحث، والخطَّة التي سيسير عليها بحيث تحقق التصور الكامل لجوانب الموضوع في مقدمة الكتاب، وجعل للكتاب محورًا هو مدار كل البحوث التي يعرضها في أسلوب الأديب، وبيان الحكيم)(2).
وكانت هذه الطريقة هي المتبعة من علماء الأُمَّة في (جملة المصادر الإسلاميَّة في كل العلوم دون استثناء في عصور ازدهار الفكر الإسلامي، وقد كانت الناحيَّة المنهجية والموضوعيَّة أمرًا ضروري الاعتبار، فالمؤلف يلتزم منهجًا معينًا يشرحه في مقدمة الكتاب، ويذكر السبل التي سلكها لإثبات فكرته، كما يلتزم أن يكون البحث في إطار الموضوع دون استطراد، وفي كل هذا لا يغفل ذكر المصادر التي اعتمدها في تكوين كتابه)(3).
وهكذا فقد (كان العلماء المسلمون في هذا أحرص من أيِّ أُمَّة
(1) انظر: عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان: كتابة البحث العلمي ومصادر الدراسات الإسلاميَّة: ص 24، 25، الطبعة الثانية، 1453 هـ - 1983 م، عن دار الشروق - جدة.
(2)
المرجع السابق نفسه: ص 24، 25، وانظر: عصام الصفدي: تصنيف المعرفة والعلوم في ضوء خصائص الأُمَّة الإسلامية: ص 44، 142، 143، (مرجع سابق).
(3)
عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان: المرجع السابق نفسه: ص 25.
أخرى، فكانوا يعتمدون السند قبل تدوين العلوم، وأصبح للكتب سندٌ حتى بعد التدوين، بالإضافة إلى تعيين المصادر. . .) (1).
ويؤكد بعض المستشرقين فكرة أصالة مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي، ومن أمثلة ذلك ما أكده (فرانتز روزنثال) في مواضع كثيرة من كتابه (مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي)(2)، وإن كان يحاول في مواطن أخرى، أنْ يركز على سبق المسلمين في مجال البحث العلمي، وتفوق منهجهم في بعض العلوم، ومثال ذلك قوله:(أمَّا علماء الحديث والفقه فقد كانا يستندان في الدرجة الأولى على الدِّقَّة والأمانة في ذكر المصدر المأخوذ عنه؛ لأنّ الأسانيد هي جزءٌ من مادة البحث، وكل علم آخر له علاقة مباشرة بهذين العلمين -الحديث والفقه- تأثر إلى حدٍّ بعيد بالأسلوب المتبع في درسهما ومعالجتها، مثال ذلك كتب التراجم التي نشأت بدافع تدعيم علمي الحديث والفقه، أو لتكون في عون المحدث والفقه. . .)(3)، وعلى أي حال فإنَّ في قوله ما يؤكد اتسام مناهج المسلمين العلميَّة بالموضوعية والمنهجية والأمانة والدِّقَّة، وأن ذلك كان خدمة لعلوم الشريعة، ولم يغفل ذكر امتداد هذه المنهجيَّة إلى علوم أخرى وبخاصة علم التاريخ، وفي ذلك يقول:(أمَّ أصحاب الكتب التاريخية فإنهم كانوا شديدي الحرص على ذكر المصادر التي يأخذون عنها)(4)، ويستشهد على ذلك بالسبكي والسيوطي، وأنهما شددا على هذه الناحية،
(1) المرجع السبق نفسه: ص 25.
(2)
ترجمة: أنيس فريحة، ومراجعة: وليد عرفات، الطبعة الرابعة، 1403 هـ - 1983 م، عن دار الثقافة، بيروت.
(3)
المرجع السابق نفسه: ص 115.
(4)
المرجع السابق نفسه: ص 116، 117.
ولكنه حين يعرض تطبيقات العلماء في هذه الناحيَّة المنهجيّة يجانبه أسلوب الباحث الموضوعي الرصين (1).
أمَّا المنهج التجريبي فإنَّ قصب السبق فيه راجع للمسلمين كعمود الصبح (2)، ومن الحق أَنْ يقال:(إنَّ أعظم ما يُمكن أن يفخر به العلم الإسلامي في عصر ازدهاره، هو أنّه أضاف بالتدريج إلى مفهوم العلم معنى جديدًا، لم يكن يلقى اهتمامًا عند اليونانيين، وهو استخدام العلم في كشف أسرار العالم الطبيعي (وما يردده كثير من الباحثين من التعبير الغربي)؛ "قهر الإنسان للمادة، والسيطرة عليها"، واستخدام المسلمون الرياضة في حل المشكلات الواقعية التي تواجه الإنسان، وبرعوا في علوم المادة، واخترعوا علومًا مساعدة لذلك، فمثلًا برعوا في استخدام الأرقام، ووضع أسس علم الحساب، الذي يُمكن تطبيقه في حياة الناس اليوميَّة، وكان اختراعهم للجبر، وتفوقهم في الهندسة التحليلية، وابتكارهم لحساب المثلثات، إيذانًا بعصر جديد، تستخدم فيه الرياضة للتعبير عن قوانين العالم الطبيعي، وعلى هذا فقد وضحت على يد العلماء الإسلاميين أصول المنهج التجريبي، بما يقتضيه من ملاحظات دقيقة دائبة، ومن تسجيل منظم لهذه الملاحظات، ثُمَّ وضع الفروض لتفسيرها، وإجراء التجارب للتحقق من صحة هذه الفروض) (3).
(1) انظر: المرجع السابق نفسه: ص 117، ولعل (فرانتز روزنثال) قد تأثر في هذا المنحى بما يشيعه بعض المستشرقين أمثال (جولدزيهر): من كون علماء المسلمين يهتمون بالسند ولا ينقدون المتن.
(2)
انظر: أكرم ضياء العمري: التراث والمعاصرة: ص 64 - 71، من سلسلة كتاب الأُمَّة، العدد [10]، تصدرها: رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر، الطبعة الأولى شعبان 1405 هـ، وانظر: أحمد عصام الصفدي: تصنيف المعرفة والعلوم في ضوء خصائص الأُمَّة الإسلاميَّة: ص 96 - 99، (مرجع سابق).
(3)
توفيق يوسف الواعي: الحضارة الإسلاميَّة مقارنة بالحضارة الغربية: ص 294، 295،=