الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من هذا كلّه تتضح عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة من حيث مبادئها ومن حيث تاريخها، وأنَّ خصيصة العالميَّة ملازمة لتميز الأُمَّة الإسلاميَّة في جميع أطوارها.
ثانيًا: موقف من نفى خصيصة العالمية من حيد حونها من المبادئ التي تميزت بها الأُمَّة الإسلاميَّة على الرغم من الإقرار بها تاريخيًّا بسبب ما أفضى إليها تطور الأمَّة، وتدل على هذا الموقف آراء بعض المستشرقين، كما يتضح مِمَّا يأتي:
أ- ادعى (موير) بأنَّ عالميَّة الإسلام (قد جاءت فيما بعد، وأنَّ هذه الفكرة على الرغم من كثرة الآيات والأحاديث التي تؤيدها، لم يفكر فيها محمد نفسه، وعلى فرض أنَّه فكر فيها، فقد كانت الفكرة غامضة، فإنَّ عالمه الذي كان يفكر فيه إنَّما كان بلاد العرب، كما أن هذا الدين الجديد لم يهيأ إلَّا لها)(1).
ويواصل مزاعمه قائلًا: (نرى أن نواة عالمية الإسلام قد غرست ولكنها إذا كانت قد اختمرت ونمت بعد ذلك، فإنَّما يرجع هذا إلى الظروف والأحوال أكثر منه إلى الخطط والمناهج)(2).
أمَّا الرد على (موير) فإنَّه من وجوه كثيرة، من أبرزها النصوص والأدلة التي ذكرتُ سابقًا، ويضاف إليها الآتي:
1 -
إن قول (موير) بأنَّ نواة العالمية قد غرست يناقض ما ذهب إليه من قوله بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يفكر فيها، وهذا الزعم يناقضه أيضًا اعترافه
(1) نقلًا عن محمد دياب: أضواء على الاستشراق. . . ص 52، 53، (مرجع سابق)، وانظر: العقاد: الإسلام دعوة عالمية: ص 128، 129، (مرجع سابق)، وانظر: سير توماس آرنولد: الدعوة إلى الإسلام: ص 50، (مرجع سابق).
(2)
محمد دياب: المرجع السابق نفسه: ص 53. وانظر: محمد أمين حسن: خصائص الدعوة الإسلامية: ص 201، (مرجع سابق).
بالآيات الكثيرة، وكذلك الأحاديث الكثيرة التي تؤيدها، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم المبلغ عن اللَّه هو الذي نطق بالآيات والأحاديث المؤيدة للعالميَّة فكيف يتسنّى لـ (موير) أو غيره أن ينفي عن الرسول صلى الله عليه وسلم كونه فكَّرَ في عالمية الإسلام (1).
إنَّ مثل هذه الآراء لا تقوم بها حُجَّة ولا يقبلها العقل والمنطق.
وإذا كان (موير) يقصد من قوله هذا؛ إنَّ دعوة الإسلام مرت بمراحل لم تظهر العالميَّة في بدايتها، فإنَّ ذلك أمر طبيعي تقتضيه السنن الكونية والاجتماعية، ولكنه فسَّرَ هذا بأنه (يرجع إلى الظروف والأحوال أكثر منه إلى الخطط والبرامج)(2)، وهنا يلحظ البون الشاسع بين هذا المستشرق
(1) أورد ابن سعد في طبقاته أقوالًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم تبين عالمية الأُمَّة الإسلاميَّة منها قوله عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنا سابق العرب"، "صهيب سابق الروم"، "سلمان سابق فارس"، "بلال سابق الحبشة". في مواضع متفرقة من الطبقات؛ انظر: المرجع نفسه: 1/ 18، 3/ 169، 3/ 174، 4/ 62، بتحقيق: محمد عبد القادر عطا، الطبعة الأولى، 1410 هـ - 1990 م، عن دار الكتب العلمية، بيروت، وانظر: ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق: 6/ 446، بتحقيق: عبد القادر بدران، (مرجع سابق)، وانظر: أبا نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء. .: 1/ 149، طبعة المكتبة السلفية، القاهرة (بدون تاريخ)، وانظر: ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة: 3/ 255، الترجمة رقم:(4099)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت (بدون تاريخ)، ولفظ الحديث لدى الحاكم:"السباق أربعة: أنا سابق العرب، وسلمان سابق الفارس، وبلال سابق الحبشة، وصهيب سابق الروم"، المستدرك 3/ 285، الحديث رقم:(5243/ 841) بترتيب: مصطفى عبد القادر عطا: 3/ 321، (مرجع سابق)، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد.
(2)
نقلًا عن: سير توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام. . . ص 50، (مرجع سابق)، وانظر: محمد أمين حسن: خصائص الدعوة الإسلاميَّة: ص 201، (مرجع سابق)، وانظر: جميل المصري: دواعي الفتوحات الإسلاميَّة. . . ص 32 - 38، (مرجع سابق).
وبين طبيعة الإسلام وخطوات الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه، إذ ينطلق -هذا المستشرق- في تفسيره للإسلام من بيئته هو وكأنه يتحدث عن رئيس حزب أو جمعيَّة أو نحو ذلك، وليس عن نبي مرسل يحكمه الوحي في كل خطوة يخطوها، ويجلّي ذلك ما في الكتاب والسنة في حجة الوداع، فقد نزل فيها قول اللَّه تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وخطب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم قائلًا:"يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلَّا بالتقوى، أبلغتُ؟ قالوا: بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. . إلى أن قال: ليبلغ الشاهد الغائب"(1).
إنَّ من ينظر في هذا يجد أنَّ دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم قد سارت (حسب الطريق الذي رسمه له رب العزّة والجلال، في تبليغ دعوته، حيث إنَّه بدأ بدعوة أقرب الناس إليه، ثُمَّ أخذ يتدرج، فبعد أن دعا قريشًا قام بدعوة من جاورها، وذلك عندما ذهب إلى الطائف لدعوة أهلها، بعد أن أبت قريش الاستجابة له ومناصرته، وبعد عودته من الطائف أخذ (يعرض دعوته) على جميع القبائل التي تحضر الحج، وتجتمع في أسواق مكة، ثمَّ نقل دعوته إلى المدينة بعد أن هيأ اللَّه الأسباب لذلك، وفي المدينة سارت الدعوة في طريقها (إلى العالم أجمع) وراح الرسول صلى الله عليه وسلم يزيل العقبات التي تعترض
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5/ 411، الحديث رقم:(22978)، 6/ 570، بترتيب دار إحياء التراث العربي، (مرجع سابق)، وأخرجه البيهقي في سننه 4/ 289، رقم الحديث [5137]، الطبعة الأولى 1410 هـ - 1990 م، عن دار الكتب العلمية - لبنان. والحديث لديه عن جابر بن عبد اللَّه بلفظٍ قريب مِمَّا أخرج الامام أحمد بيد أنه قال:(وفي هذا الإسناد من يجهل).
طريقها، ثُمَّ قام بمكاتبة الملوك ودعوتهم إلى الإسلام، وهكذا تدرجت الدعوة حتى بلغت لأهل الأرض) (1).
والسؤال هنا ألا يجد (موير) في هذا التاريخ وفي هذه السيرة معنى للخطط والبرامج قد يختلف معه المؤمنون في أصل الإيمان بأنَّ هذا كله مكتوب بما يفي بالخطط والبرامج التي يقصدها، ولكن ذلك في اللوح المحفوظ، وأجراه اللَّه في واقع التاريخ على يد سيد الخلق وصفوة الأنبياء والمرسلين وخاتمهم محمد بن عبد اللَّه صلى الله عليه وسلم.
2 -
إن هناك دلائل أخرى صاحبت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم منذُ البعثة وحتى انتقل إلى الرفيق الأعلى تدل على عالميَّة الإسلام، وإذا كان (موير) ينفي تلك العالميَّة استنادًا إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة وبعدها إلى حين صلح الحديبيَّة أو ما أعقب ذلك من انتشار الإسلام، فإنَّ من أبرز الدلائل على عالميَّة الإسلام وقبل أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة القصص التاريخية الواردة في كتب السيرة (2) والتاريخ كقصة (ورقة بن نوفل) و (النجاشي) ملك الحبشة، والراهب (بحيرى) و (نسطورا) و (عدَّاس)، فلكل واحدٍ من هؤلاء مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو مع خبر بعثته قصة تدل على عالمية رسالته صلى الله عليه وسلم وكانت كلها قبل أن يهاجر إلى المدينة المنورة (3).
وبعد أن هاجر حدثت له قصصٌ أخرى مثل إسلام (سلمان الفارسي)
(1) محمد حميد اللَّه الحيدرآبادي: مجموعة الوثائق السياسية. . . ص 228، (مرجع سابق).
(2)
انظر: ابن هشام: السيرة النبوية: 1/ 216، 217، 270، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، (مرجع سابق)، وقد أورد ابن هشام من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم الشيء الكثير، ومنها ما يدل على عالميَّة الرسالة مثل أخذ الميثاق على الرسل بالايمان به صلى الله عليه وسلم؛ انظر: ص 263 وما قبلها وما بعدها، (المرجع نفسه).
(3)
انظر: ابن هشام: السيرة النبوية 1/ 212، 213، (المرجع السابق نفسه)، وانظر: الروض الأنف 1/ 211، 212، (مرجع سابق)، وانظر: ص 650 - 651، (البحث نفسه).
وإسلام (عبد اللَّه بن سلام) وقصة (مخيريق) ونحو ذلك مِمَّا هو مبسوط في المصادر الإسلاميَّة (1)، وفي هذا دلالة صريحة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم بأنَّه مرسل إلى الناس كافَّة بل إلى الثقلين الجن والإنس، وكان عندما يعرض نفسه على القبائل يعلنها صريحة (بأنَّه مرسل إلى الناس كافَّة)(2)، بل ورد ذلك في خطبته الأولى في الإسلام حينما أمره اللَّه عز وجل بالجهر بالدعوة فقال:"واللَّه الذي لا إله إلَّا هو، إني رسول اللَّه إليكم خاصة وإلى الناس كافَّة"(3).
ب- زعم (يوليوس فلهوزن) بأنَّ الإسلام يرتكز على رابطة قوميَّة تتسم بالعصبية والضيق ولا تتسع في غير حدود رابطة الدم. . إذ قال: (لقد كان في وسع محمد عن طريق عقيدة تتجاوز دائرة معتنقيها الدائرة التي ترسمها رابطة الدم، أن يحطم رابطة الدم هذه لأنها لم تكن بريئة من العصبية وضيقها، ولا كانت ذات صفة خارجية عارضة، هذا هو الذي جعلها لا تتسع لقبول عنصر غريب عنها ولكن محمدًا لم ير ذلك، ومن الجائز أيضًا أنَّه لم يكن يستطيع أن يتصور إمكانية رابطة دينيَّة في غير حدود رابطة الدم)(4).
(1) من كتب السيرة والتاريخ والتراجم بل وكتب الحديث والتفسير.
(2)
انظر: ابن هشام: السيرة النبوية 2/ 76، (المرجع السابق نفسه)، وانظر: جماعة من كبار العلماء: سيرة سيد المرسلين ص 52، الطبعة الثانية 1402 هـ - 1982 م، من منشورات دار الآفاق الجديدة - بيروت.
(3)
ابن الأثير: الكامل في التاريخ: 1/ 585، تحقيق: أبي الفداء عبد اللَّه القاضي، (مرجع سابق)، وانظر: الحلبي: السيرة الحلبية: 1/ 459، (مرجع سابق)، وانظر: أحمد زكي صفوة: جمهرة خطب العرب: 1/ 147، (مرجع سابق)، وانظر: ص 687 - 688، (البحث نفسه).
(4)
تاريخ الدولة العربية؛ (من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية): ص 4 ترجمة: =
ويرد على هذا الزعم من ناحيتين:
الأولى: طبيعة العقيدة الإسلاميَّة وما امتازت به، فهي عقيدة منفكَّة عن رابطة الدم والعنصر، وأي رابطة أخرى غير التقوى، كما قال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، وفي الحديث النبوي الشريف جاء قوله صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس، إنَّ اللَّه قد أذهب عنكم عُبْيَة (1) الجاهليَّة وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على اللَّه عز وجل، وفاجر شقي هين على اللَّه عز وجل، والناس بنو آدم، وخلق اللَّه آدم من تراب (2)، قال اللَّه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} الآية".
وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم سئل أيَّ الناس أكرم؟ قال: "أكرمهم عند اللَّه أتقاهم"(3).
وقد أورد ابن كثير جملة من الروايات التي تبين بجلاء أنَّ رابطة الإسلام هي رابطة التقوى عند تفسيره للآية السالفة وقال: (فجميع الناس
= محمد عبد الهادي أبو ريدة، وحسين مؤنس، عن لجنة التأليف والترجمة والنشر، طبعة 1958 م، القاهرة، وانظر: محمد أمين حسن: خصائص الدعوة الإسلاميَّة: ص 200، 201، (مرجع سابق).
(1)
عُبية: على هذا جاء ضبطها لدى الترمذي، وجاء لدى ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر 3/ 169: (عُيبة)، وقال في معناها:(يعني الكِبْر)، وانظر: ص 486، (البحث نفسه).
(2)
رواه الترمذي: الجامع الصحيح 5/ 363، الحديث رقم [3270]، وقال عنه الترمذي:(حديث غريب)، (مرجع سابق)، وانظر: ص 486، (البحث نفسه).
(3)
أخرجه البخاري: صحيح البخاري 4/ 119، 120، كتاب الأنبياء، باب [14]، تحقيق: فؤاد عبد الباقي، (مرجع سابق).
في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء عليه السلام سواء، وإنَّما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة اللَّه تعالى ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم) (1).
وبهذا يتضح أنَّ رابطة العالميَّة في الإسلام رابطة دينيَّة لا وجود للتفاضل فيها إلَّا بالتقوى والعمل الصالح، ورُبَّمَا دعا (فلهوزن) إلى مقولته هذه بحثه فيما أسماه الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأمويَّة، ولعله استنتج من بحثه هذا قصر الإسلام على العرب، إن لم يكن حدَّدّ النتيجة سلفًا كما يظهر من عنوان مؤلفه (2)، ولا شك أن هذا استنتاج خاطئ؛ لأن دولة الإسلام عندما كانت بقيادة العرب لا يستلزم من ذلك كون رسالة الإسلام خاصة بهم.
الثانية: إنَّ الناظر في مبادئ الإسلام وتعاليمه من ناحية، وفي الأُمَّة التي حملت تلك المبادئ والتعاليم من ناحية أخرى يجد أجناسًا عدّة، وشعوبًا شتى، قد دخلت الإسلام وحملت دعوته، وتكونت منها جميعًا أُمَّته، ولم يحدّها زمان ولا مكان، ولا اختصت بقوم دون آخر، بل كانت دعوةً عالميَّة شاملة للبشرية أجمع.
وفي بداية الإسلام كانت أُمَّة الإسلام تتكون من بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، إلى جانب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد بن الوليد، يرتصون في الصلاة خلف الرسول صلى الله عليه وسلم صفًا واحدًا متحاذي المناكب والأقدام، يتوجهون إلى قبلة واحدة، ويعبدون إلهًا واحدًا مقتدين في ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذا المظهر البديع دلالة على تلك الرابطة العقديَّة التي ترتكز عليها العالمية في الإسلام، والتي تتجاوز رابطة
(1) تفسير القرآن العظيم: 4/ 217، (مرجع سابق).
(2)
وقد ظهر عنوانه في ترجمة أخرى: (الدولة العربية وسقوطها) ترجمة: يوسف العش، عن مطبعة الجامعة السورية، دمشق 1956 م.