الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
242 - وسئلت عن كيفية ضرب الصراط، أهو ممدود كما يدل له تسميته بالجسر، أو منصوب كارتفاع العمود كما زعمه بعض الطلبة، وأنه وقف على القول به. وما المراد بالدحض والحسك وهل قول أبي سعيد: بلغني أن الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف، موقوف أو مرفوع. وإذا كان م
رفوعًا فهل هو على ظاهرة أو مؤول؟ وأطال السائل في بسط السؤال.
فقلت: أما كيفية ضرب الصراط ـ أعاننا الله على اجتيازه ـ فقد قال الفضيل بن عياض رحمه الله كما رويناه في ترجمته من تاريخ دمشق لابن عساكر: بلغنا أن الصراط مسيرة خمس عشرة ألف سنة، خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مستوى، أدق من الشعرة وأحد من السيف، على متن جهنم، لا يجوز عليه إلا ضامر مهزول من خشية الله. وبكى الفضيل.
وعند ابن أبي الدنيا من طريق محمد بن صبيح ابن السماك الواعظ، عصري الفضيل عن بعض الزهاد أنه قال: بلغني أن الصراط ثلاثة آلاف سنة: ألف سنة يصعد الناس إليه، وألف سنة يستوي الناس، وألف سنة يهبط الناس، وهما معضلان، يعتضد أحدهما بالآخر، واختلافهما في المسافة، يمكن الجمع بينه من جهة البطء والإسراع، فأمر الناس في ذلك مختلف، فمنهم كما ثبت من يمر كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكالفرس المجرى، وسعيًا، ومشيًا، وحبوًا، وزحفًا.
لكن قد يخدش في أن له مهبطًا، رواية من جهة يزيد الرقاشي وليس بقوي عن أنس رفعه:"إن أعلى الصراط نحو الجنة" وتتأيد بأنه يكون
منصوبًا على وسط جهنم لعبور المسلمين إلى الجنة كما أشار إليه البخاري، حيث ترجم في صحيحه:"باب الصراط جسر جهنم" إلا أن يكون المراد بكون أعلاه الجنة، تعيين مطلق جهتها، لا المساواة، وإليه يرشد التعبير بنحو، ولكن كون الجنة أعلى من النار أقرب، وما ثبت في الصحيح من رؤية أهل الجنة لمقاعدهم من النار، لو أساءوا ليزدادوا شكرًا، وعكسه، لا يمنع ذلك، مع أنه ثبت بسند صحيح أن ذلك يقع عند المساءلة في القبر وعلى كل حال فالحق أن الصراط يمد على جهنم مدًا، وما قاله هذا المخالف لم أقف على ما اعتمده فيه، وهو تكلف، ولعل قائله اشتبه عليه بالذي أسلفته في الصعود إليه به.
وأما الدحض، فهو الزلق يقال: مكان دحض أي مزلق مزلق، لا يثبت فيه خف ولا حافر، ومنه: دحضت الشمس أي مالت، وحجة داحضة لا ثبات لها، (ليدحضوا به الحق) أي ليزيلوا.
والخطاطيف: جمع خطاف، ويقال لها الكلاليب جمع كلوب، بفتح الكاف وضم اللام المشددة: هي الحديدة المعوجة الرأس، يختلف بها الشيء.
والحسكة: شوكة صلبة معروفة، وقد جاء في الصحيح:
"وحسكة لها شوكة تكون بنجد، يقال لها: السعدان: نب ذو شوك عظيم، وتكون هذه بجانبي الصراط يمينًا وشمالاً" قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في حديث: "حفت النار بالشهوات" فالشهوات موضوعة على جوانبها فمن اقتحم الشهوة سقط في النار، لأنها خطاطيفها. انتهى.
ويستأنس له بقوله في بعض الأحاديث: "وترسل الأمانة والرحم، فيقومان ـ يعني لعظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما ـ جنبتي الصراط، يعني فيحاجان عن المحق ويشهدان على المبطل" ولا مانع من تجسيد كل ذلك بالآيات المذكورة التي ورد في بعض الأخبار أنها من نار، ويكون بأيدي الملائكة يختطفون بها من شاء الله، نسأل الله السلامة.
وأما قول أبي سعيد: "بلغني" فالصحابي رضي الله عنه إذا قال شيئًا مما لا مجال للرأي فيه كوصف الصراط بما تقدم حكمه الرفع على الصحيح، بل ألحق بعضهم التابعي بالصحابي في ذلك، لكن مع الحكم فيه بالإرسال، كما إذا أضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحًا وهذا الحكم في الصحابي فيما يظهر، جار فيما يقول فيه أيضًا: بلغني، واستثناء من كان من الصحابة يأخذ عن أهل الكتاب من ذلك كله، ليس بجيد، فإنه يبعد أن الصحابي المتصف بذلك يسوغ فكأنه شيء من الأحكام الشرعية ونحوها
مما لا يقال رأيًا مستندًا لذلك من غير عزو مع علمه بما وقع فيه من التبديل والتحريف، وكون توجهه إنما هو لنقل الشريعة المحمدية كما بينته واضحًا بدلائله في كتابي:"الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل".
وعلى كل حال، فنقل أبي سعيد المشار إليه قد ورد تصريح الرفع عن غيره، من طرق متعددة، يقوي بعضها بعضًا، بل أورد الحاكم في مستدركه على الصحيحين بعضها، فأخرج البيهقي وابن المبارك وابن أبي الدنيا وغيرهم جميعًا من حديث عبيد بن عمير رفعه مرسلاً:"الصراط على جهنم مثل حرف السيف" وكذا أخرج البيهقي وشيخه الحام عن ابن مسعود مرفوعًا: "والصراط كحد السيف" والبيهقي وحده من حديث زياد النميري عن أنس مرفوعًا: "الصراط كحد الشعرة أو حد السيفط.
ومن حديث يزيد الرقاشي عن أنس رفعه أيضًا: "إنه أدق من
الشعرة، أحد من السيف" ولأبي يعلي وابن منيع في مسنديهما عن أبي هريرة مرفوعًا:"الصراط كحد السيف".
ولأحمد بن حنبل في مسنده من حديث القاسم عن عائشة في حديث مرفوع أصله عن أبي داود من حديث الحسن البصري عنها: "ولجهنم جسر، أدق من الشعر، وأحد من السيف" ولابن أبي الدنيا من حديث رجل من كندة عنها مرفوعًا في حديث: "أن الصراط يستحد حتى يكون مثل شفرة السيف، ويسجر حتى يكون مثل الجمرة".
ومن حديث أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي أنه قال: يوضع الصراط يوم القيامة وله كحد الموس. وحكمه الرفع، وحينئذٍ فقول البيهقي: لم أجده في الروايات الصحيحة وإنما يروى عن بعض الصحابة مشيرًا بذلك إلى حديث أبي سعيد الخدري يعتمد ظاهره في نفي الصحة وخاصة مع إمكان النزاع ي ذلك، بموقوف أبي سعيد، الذي الظاهر أن له حكم الرفع كما تقدم.