الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
283 - مسألة: تعاهد زيارة القبور، لا سيما من هو بالصلاح مذكور، أمر شهي محبوب، وقدر بهي مطلوب
، والترعض لذكر مناقبهم ومآثرهم مما يبعث الهمم الزكية على اقتفاء طرقهم ظآثارهم، خصوصًا وعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، وبالتوسل بهم تندفع كل بلية ونقمة، ولم يزل الجمهور من السلف والخلف على الاعتناء بها والاقتاء لسببها، ويكفي في تعيين قبر من يقصد بالزيارة اعتماد غلبة الظن الناشئة عن النظر في التواريخ المعتمدة في الصريح، والإشارة، أو التقليد لمن تلقى ذلك بيقين عن الأئمة المعتمدين.
وعلى كل حال، فالخطأ في التعيين مغتفر فالقصد إنما هو ذاك الرجل المعتبر، وكان ممن ذكر في تاريخ المصريين السيد الشهير غازي، أحد الأئمة المعتبرين، وهو لعمري إمام، عابد فقيه، وهمام، قارئ وجيه ممن عرف باستجابة الدعاء، وامتلاء قلبه بالمعارف فكان نعم الوعاء عرض عليه القضاء فتركه تورعًا، واقتصر على اليسير زهدًا، وتقنعًا، ولزم القيام والتهجد، والصيام والتعبد، والتلاوة للقرآن، وأنواع الخير والإحسان، حتى صار كبير الشأن، متقدمًا في العلوم بإتقان، ثابت الأركان، إن ذكر القراء فقد ضرب من بينهم بأوفر نصيب، أو الفقهاء، فهو المحرر المصيب، أو الثقات، فقد ارتقى إلى الذروة، أو الأولياء، فناهيك أنه عرف باستجابة الدعوة، أو المحدثون، فالنبيل، أو أهل الأدب، فالجليل، مناقبه كثيرة، ومآثره شهيرة، شيخه في الفقه والحديث، إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وحفظه لموطأه عن ظهر قلبه مما اتضح وما التبس، وفي القرآن نافع بن أبي نعيم أحد الأئمة السبعة البررة، بل
عرض مصحفه بمصحف شيخه فوق عشر متكررة، وهو أول من أدخل موطأ مالك، وقأه نافع معًا إلى الأندلس، فكان بهما انتعاش القلوب وحياة الأنفس، وأجرى ثواب ذلك في صحيفته، وكفاه بذلك فخرًا حيث ضم لما تقرر من منقبته، ولذا قال القائل من العلماء الأوائل في حقه، مما الحال يؤذن بصدقه: إنه انصرف إلى الأنلدس بعلم عظيم، نفع الله به أهلها بنية صالحة، وقلب سليم، وكان إمام الناس في القراءة بقرطبة، وأدب بها قبل رحلته المنتخبة، وشاوره مصعب بن عمران القاضي الإمام، بعد موت صعصعة بن سلام، لأنه كان تفقه في المسائل، وتقدم بجودة الفقه، ومعرفة الدلائل، وسمعه أصبغ بن خليل، وهو يقول فيما أخبر به عن نفسه، ونقل حالفًا بالله: أنه ما كذب كذبة قط منذ اغتسل، قال غازي: ولولا أن عمر بن عبد العزيز قاله ما قلته بين الأصحاب، هذا مع أنه لا حرج عليه في مثل ذلك، إذا كان خاليًا عن الزهو والإعجاب، بل التحدث
بالنعمة ورد به الأمر لما يتضمن من التأسي به فيه واقتفاء طريقته التي ينشرح لها الصدر، وقد وصفه الإمام الثابت الأركان في العلم والمباني أبو عمرو الداني، بأنه كان عابدًا صالحًا، وإلى الخير جانحًا، فاضلاً فقهيًا عالمًا أديبًا، ثقة مأمونا، متهجدًا بالقرآن قائمًا، ووصفه أبو عمر بن عبد البر: العظيم الشأن بالعقل والنبل في الحيدث، والتفقه في المسائل، والعلم بالقرآن، ويروى عنه أنه كان يقول مما يرغب فيه المستفيد: ما من يوم يأتي إلا يقول: أنا خلق جديد وعلى ما تفعله في شهيد، خذوا مني قبل أن أبيد، فإذا أمسى، وأقبل الليل قاصدًا خر لله ساجدًا إلى آخر الكلام.