الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
288 - مسألة: ما حكم الحديث الوارد في النهي عن كسر سكة المسلمين ومعناه وعلة النهي
؟
فالجواب: أما الحديث، فهو عند أبي داود وابن ماجه والبيهقي في سننهم وأحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وآخرين كلهم من حديث محمد بن فضاء عن أبيه عن علقمة بن عبد الله ـ وهو ابن عمرو بن هلال وقيل ابن شرحبيل المزني ـ عن أبيه رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس. زاد الحاكم وغيره: أن يكسر الدرهم فيجعل فضة أو يكسر الدينار فيجعل ذهبًا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وسكت عليه أبو داود فهو عنده صالح.
قلت: بل مداره على محمد بن فضاء، قال المنذري ولا يحتج به وكذا قال البخاري: سمعت سليمان بن حرب يضعفه ويقول: كان يبيع الشراب. قال سليمان: ولم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم سكة إنما ضربها
الحجاج بن يوسف أو نحوه انتهى. وضرب الحجاج لها كان بأمر عبد الملك بن مروان فقد روينا في جزء من حديث أبي رفاعة عمارة بن وثيمة أنه قال: قال محمد: أول من ضرب الدنانير في الإسلام عبد الملك بن مروان وإنما كانت الدنانير تأتي من بلد الروم وتطلق لهم القراطيس وكانت تكتب في رؤوس الطوامير (لن يستنكف المسيح أن يكون عدًا لله ولا الملائكة المقربون) الآية فلما نظر ملك الروم إلى الكتاب قال: ما هذا؟ فقريء عليه وقيل له: قد شتموا إلهك الذي تعبد ـ يعنون عيسى ـ فغضب وكتب إلى عبد الملك يقول: والله لئن كتبت بعدهذا في الطوامير لأنقشن في الدنانير شتم نبيك، فاغتم عبد الملك فدخل عليه خالد بن يزيد بن معاوية وكان داهيًا فأخبره عبد الملك بذلك فقال له خالد: لا تغتم اجعل عندك دارًا للضرب واضرب فيها وامنعه القراطيس فإنه سيحتاج إليها فيأخذها على ما فيها، شاء أوابى، ففعل فكان أول من ضربها في الإسلام.
وأما السكة، فهي الحديدة التي تطبع عليها الدراهم والنهي إنما وقع عن كسر الدراهم المضروبة على السكة لا عنها، قاله الإمام أبو سليمان الخطابي في معالمه ونحوه قول ابن الأثير: أراد الدنانير والدراهم المضروبة يسمى كل واحد منها سكة، لأنه طبع بالحديدة واسمها السكة
والسك. قال الخطابي: واختلف الناس في علة النهي، فذهب بعضهم إلى أنه كره لما فيها من ذكر الله سبحانه وأسمائه، وبعضهم لما فيه من تضييع المال من أجل الوضيعة قال: وبلغني عن أبي عباس ابن سريج أنه قال: كانوا يقرضون الدراهم ويأخذون أطرافها نهوا عنه. زاد غيره: لكون المعاملة بها في صدر الإسلام كانت بالعدد لا بالوزن.
قلت: وقد كثر هذا في زمننا وعم الضرر به قال: وزعم بعض أهل العلم أنه إنما كره قطعها وكسرها من أجل التدنيق قال الحسن: لعن الله الدانق وأول من أحدثه. ثم أن بعضهم خص الكراهة بما إذا أعيدت تبرًا فأما من يكسرها للنفقة، فلا، ولكن لم يسمح الإمام أحمد بكسرها ولو للفقراء فروى إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت أبا داود يقول: سألت أحمد أو سئل: حضرني سائل ومعي درهم صحيح أكسره له؟ قال: لا.
وقوله: إلا من بأس أي لا تكسر إلا من أمرٍ يقتضى كسرها إما لرداءتها، أو شك في صحة نقدها، والله أعلم.