الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولما نُقِضَتِ الصحيفة وافق موت أبي طالب وموت خديجة وبينهما زمن يسير، فاشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه، وتجرؤوا عليه فكاشفوه بالأذى، فازدادوا غمًا على غم حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يؤووه أو ينصروه على قومه، فلم ير من يؤوي، ولم ير ناصرًا، وآذوه مع ذلك أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله من قومه (1).
المثال التاسع: مع أهل الطائف:
في شوال، من السنة العاشرة من النبوة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف لعله يجد في ثقيف حسن الإصغاء لدعوته والانتصار لها، وكان معه زيد بن حارثة مولاه، وكان في طريقه كلما مر على قبيلة دعاهم إلى الإسلام، فلم تُجِبْه واحدة منها.
عندما وصل إلى الطائف عمد إلى رؤسائها فجلس
(1) انظر: زاد المعاد 3/ 31، والرحيق المختوم ص113.
إليهم، ودعاهم إلى الإسلام، فردوا عليه ردًا قبيحًا، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلادنا، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، فلما أراد الخروج تبعه هؤلاء السفهاء واجتمعوا عليه صَفَّين يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه حتى اختضب نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى مكة محزونًا، كسير القلب، وفي طريقه إلى مكة أرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبَيْن على أهل مكة، وهما جبلاها اللذان هي بينهما (1).
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله
(1) انظر: زاد المعاد 3/ 31، والرحيق المختوم ص122، وهذا الحبيب يا محبّ ص132، والبداية والنهاية 3/ 135.
صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك [ما لقيت]، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال (1) فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أسْتَفِق إلا بقرن الثعالب (2) فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني: فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك فما شئت (3)؟ إن شئت أن أُطْبِق
(1) ابن عبد ياليل بن كلال من أكابر أهل الطائف من ثقيف. الفتح 6/ 315.
(2)
وهو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل، ويعرف الآن بالسيل الكبير. انظر: الفتح 6/ 315.
(3)
استفهام، أي: فأمرني بما شئت. انظر: فتح الباري 6/ 316.
عليهم الأخشبين". فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً» (1).
وفي هذا الجواب الذي أدلى به رسول الله صلى الله عليه وسلم تتجلى شخصيته الفذة، وما كان عليه من الخلق العظيم الذي أمده الله به.
وفي ذلك بيان شفقته على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهذا موافق لقوله تعالى:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، وقوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] فصلوات الله وسلامه عليه (2).
(1) البخاري مع الفتح في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه 6/ 312، برقم 3231، ومسلم بلفظه في كتاب الجهاد والسير باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين 3/ 1420، برقم 1795، وما بين المعكوفين من البخاري دون مسلم.
(2)
انظر: فتح الباري لابن حجر 6/ 316، والرحيق المختوم ص124.
وأقام صلى الله عليه وسلم بنخلة أيامًا، وصمم على الرجوع إلى مكة، وعلى القيام باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ رسالة الله الخالدة، بنشاط جديد، وجد وحماس، وحينئذ قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ فَرُوي عنه (1) أنه قال: يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه.
ثم سار حتى وصل إلى مكة فأرسل رجلًا من خزاعة إلى مطعم بن عدي ليدخل في جواره، فقال مطعم: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدًا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المُطْعمُ بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين، وانصرف إلى
(1) انظر: زاد المعاد، لابن القيم 3/ 33.
بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته (1).
وفي هذه المواقف العظيمة التي وقفها النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى الطائف دليل واضح على تصميمه الجازم في الاستمرار في دعوته وعدم اليأس من استجابة الناس لها، وبَحَثَ عن ميدان جديد للدعوة، بعد أن قامت الحواجز دونها في ميدانها الأول.
وفي ذلك دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أستاذًا في الحكمة، وذلك لأنه حينما قدم الطائف اختار الرؤساء وسادة ثقيف في الطائف وقد علم أنهم إذا أجابوه أجابت كل قبائل أهل الطائف.
وفي سيل الدماء من قدمي النبي صلى الله عليه وسلم وهو النبي الكريم - أكبر مثل لما يتحمله الداعية في سبيل الله من أذى واضطهاد.
(1) انظر: زاد المعاد 3/ 33، وسيرة ابن هشام 2/ 28، والبداية والنهاية 3/ 137، والرحيق المختوم ص125.