الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذه أول تجربة تلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود عند دخول المدينة (1).
ومن حسن سياسته صلى الله عليه وسلم أنه وافق على إخفاء عبد الله بن سلام حتى يسأل اليهود عن مكانته بينهم، وعندما أثنوا عليه، ورفعوا من قدره أمره بالخروج فخرج وأعلن شهادته، وأظهر ما كان يكتمه اليهود من صدق النبي صلى الله عليه وسلم. ثم ضبطهم صلى الله عليه وسلم بالمعاهدة التي ستأتي.
3 -
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:
كما قام النبي صلى الله عليه وسلم بالبدء ببناء المسجد ودعوة اليهود إلى الإسلام، قام صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهذا من الرشد، والكمال النبوي، والنضج السياسي،
(1) انظر: الرحيق المختوم ص175، وهذا الحبيب يا محب ص175، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص198، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر 2/ 173.
والحكمة المحمدية (1).
آخى بينهم صلى الله عليه وسلم في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله عز وجل:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب: 6]، ردَّ التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة (2).
ذابت عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، وسقطت فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه، وكانت عواطف الأخوة، والإيثار؛ والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال؛ وفي هذه الأخوة أقوى
(1) انظر: هذا الحبيب يا محب، لأبي بكر الجزائري ص178.
(2)
انظر: زاد المعاد 3/ 63، والرحيق المختوم ص180.
مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية والأخلاقية (1).
ولم تكن هذه المؤاخاة معاهدة دُوِّنت على الورق فحسب، ولا كلمات قيلت باللسان فقط؛ وإنما كانت مؤاخاة سجلت على صفحات القلوب، وعملًا يرتبط بالدماء والأموال، لا كلامًا يثرثر به اللسان، إنها مؤاخاة في القول والعمل، والنفس والمتاع والأملاك، في العسر واليسر (2).
ومن أروع الأمثال لذلك ما رواه البخاري في صحيحه: «آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا، فسأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع
(1) انظر: زاد المعاد 3/ 63، والرحيق المختوم ص180.
(2)
انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر 2/ 165، وفقه السيرة لمحمد الغزالي، ص192.