الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الخامس
46/ 5/ 8 - عن معاذة رضي الله عنها قالت: "سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ فقلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"(1).
الكلام عليه من وجوه:
[والسياق المذكور لمسلم وللبخاري بمعناه](2).
أحدها: معاذة هذه بصرية أم الصهباء ابنة عبد الله العدوية امرأة صلة بن أشيم تابعية ثقة، وكانت من العابدات، روي أنها لم تتوسد فراشًا بعد أبي الصهباء حتى ماتت.
قال ابن حبان عنها: صحبت الدنيا سبعين سنة فما رأيت فيها قرة عين قط، وكيف أرى السرور فيها، وقد كدرت على الأمم قبلنا عيشهم، ماتت سنة ثلاث وثمانين، وقد أوضحت ترجمتها فيما أفردته في الكلام على رواة هذا الكتاب.
(1) البخاري (321)، ومسلم (335)، والترمذي (130)، وأبو داود (262)، وابن ماجه (631)، والدارمي (1/ 233).
(2)
زيادة من ن ب.
الثاني: معنى: "ما بال الحائض" أي: ما شأنها.
و"البال": الشأن والحال.
وقولها: "أحرورية أنت؟ " هو بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى نسبة إلى حروراء بالمد.
وحكى أبو عبيد [قصرها](1) قرية قرب الكوفة على ميلين منها (2)، كما قاله السمعاني.
وكان أول اجتماع الخوارج به (3)، وقال الهروي: تعاقدوا في هذه القرية فنسبوا إليها، كثر استعمال اللفظ فيهم حتى صار اسمًا
لكل خارجي.
وقال أبو القاسم الفوراني (4): حروراء موضع بالشام. وفيه نظر.
(1) في ن ب (قصتها).
(2)
معجم البلدان (2/ 245).
(3)
قال في المغني لابن باطيش (1/ 604) ينسب إليها الحرورية، طائفة من الخوارج، وهم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه بعد التحكيم، وصاروا بعد ذلك إلى حروراء، فلزمهم لقب الحرورية، ومضوا إلى النهروان، فقالتلهم على كرم الله وجهه بعد حجاج، ولم ينفلت منهم، وهم ثلاثون ألفًا، إلَّا أقل من عشرة، فذهب رجلان إلى عمان، ورجلان إلى سجستان، ورجلان إلى اليمن ورجلان إلى الجزيرة، ورجلان إلى تل مزون، فظهرت مذاهب الخوارج بهذه المواضع
…
إلخ.
(4)
هو العلامة كبير الشافعية عبد الرحمن بن محمد بن فوران أبو القاسم توفي سنة إحدى وستين وأربع مائة وقد شاخ رحمه الله. المختصر في أخبار البشر (2/ 187)، وتتمة المختصر (1/ 563)، ومرآة الجنان (3/ 84).
قال المبرد: والنسبة إليها حروراوي، وكذا كل ما كان في آخره ألف التأنيث الممدودة.
الثالث: إنما قالت عائشة ذلك لها لأن طائفة من الخوارج يرون على الحائض قضاء الصلاة، إذ لم تسقط عنها في كتاب الله على أصلهم في رد السنة إلى الكتاب، وفيه خلاف بينهم، وقد أجمع المسلمون على خلافه. فالحائض والنفساء لا يجب عليهم الصوم والصلاة (1)، على أنه يجب عليهم قضاء الصوم دونها، والفرق أن الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها بخلافه.
قال الأصحاب: وكل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضى إلَّا ركعتي الطواف، كذا نقله عنهم المصنف في شرح مسلم (2)، وفيه نظر ذكرته في شرح المنهاج.
الرابع: إنما أنكرت عائشة [لكونها](3) فهمت أن السؤال سؤال منكر لا مستفهم، أي هذه الطريقة طريقة الحرورية، وبينت الطريقة، فأجابتها بأني أسأل سؤال مستفهم لا منكر، ففرقت عائشة لها بالنص، لأنه أبلغ وأقوى في الرد على المخالف، بخلاف الفرق المعنوي، فإنه عرضة للمعارضة، وقد اكتفت في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونه لم يأمر به، فيحتمل أن يكون أخذت إسقاط القضاء من سقوط الأداء، ويكون مجرد سقوط الأداء دليلًا على
(1) في ن ب زيادة (واو).
(2)
(4/ 27).
(3)
في ن ب (لأنها).
سقوط القضاء، إلَّا أن يوجد معارض وهو الأمر بالقضاء كما في الصوم، ويحتمل وهو الأقرب كما قال الشيخ تقي الدين (1) أن يكون السبب في ذلك أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم؛ فإن الحيض يتكرر فلو وجب قضاء الصلاة لوجب بيانه، وحيث لم يتبين دل على عدم الوجوب، لا سيما وقد اقترن بذلك قرينة أخرى، وهي الأمر بقضاء الصوم وتخصيص الحكم به.
الخامس: فيه دليل للمذهب المثمهور أن القضاء إنما يجب بأمر جديد لأنها جعلته [مبلغًا](2) من أمره بعد فوات وقت الأداء وذكر بعض أصحابنا وجهًا أنها مخاطبة بالصيام في حال الحيض [وتؤمر](3) بتأخيره كما يخاطب المحدث بالصلاة، وإن كانت لا تصح منه في زمن الحدث، وهو غلط [والمحدث](4) قادر على إزالة حدثه بخلافها.
السادس: فيه دليل على أن قول الصحابي: "كنا نؤمر" محمول على الرفع، وفيه خلاف لأهل هذا الفن ذكرته في "المقنع في
علوم الحديث" (5).
السابع: ادعى بعضهم أنه ليس في السنة ما يدل على تحريم
(1) انظر: إحكام الأحكام (1/ 494).
(2)
في ن ب (مسلفًا).
(3)
في ن ب (تؤمر).
(4)
في ن ب (فالمحدث).
(5)
(1/ 118، 126).
الصوم على الحائض (1)، وليس كذلك، فحديث حمنة بنت جحش في أبي داود (2) والترمذي فيه إشعار به، وقد ذكرته بطوله في "تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج"(3).
الثامن: يؤخذ من الحديث السؤال عن العلم، وأن المسؤول [إذا](4) فهم من لفظ السائل شيئًا يذكره له [ويبين](5) إن كان مقصود السائل خلافه.
التاسع: يؤخذ منه أيضًا بيان السائل مراده من لفظه.
العاشر: يؤخذ منه أيضًا أن أمر الشارع ونهيه حجة بمجرده، ولا يفتقر إلى معرفة سره أو حكمته أو علته.
(1) انظر تعليق (5) ص (185).
(2)
أبو داود في الطهارة، باب: من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة (1/ 76)، والترمذي (1/ 221)، وابن ماجه (1/ 205)، وأحمد (6/ 381، 382، 439، 440)، والبيهقي (1/ 338)، والحاكم (1/ 173)، والدارقطني (1/ 214)، وحسنة البخاري والترمذي (1/ 226).
(3)
(1/ 235).
(4)
ساقطة من ن ب.
(5)
زيادة من ن ب.
كتاب الصلاة