المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث العاشر 56/ 10/ 9 - عن عبد الله بن عباس - الإعلام بفوائد عمدة الأحكام - جـ ٢

[ابن الملقن]

فهرس الكتاب

- ‌6 - باب الجنابة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌7 - باب التيمم

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌8 - باب الحيض

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌9 - باب المواقيت

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس والسادس

- ‌الحديث السابع

- ‌11 - باب الأذان

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌12 - باب استقبال القبلة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌13 - باب الصفوف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌14 - باب الإِمامة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

الفصل: ‌ ‌الحديث العاشر 56/ 10/ 9 - عن عبد الله بن عباس

‌الحديث العاشر

56/ 10/ 9 - عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "شهد عندي رجال مرضيون -وأرضاهم عندي: عمر- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح، حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب"(1).

أما راويه فتقدم في [باب](2) الاستطابة التعريف به.

ومعنى: "شهد" بيَّن وأعلم وأخبر، لا بمعنى الشهادة عند الحكام، كيف وعمر كان قاضيًا للصديق وخليفة بعده إلى أن مات،

ولم يكن ابن عباس قاضيًا له ولا نائبًا في الإِمارة، فدل على ما ذكرناه.

وقوله: "مرضيون" أي لا شك في صدقهم ودينهم.

و"تشرق": بضم أوله وكسر ثالثه وبفتح أوله وضم ثالثه وهو

(1) البخاري (581)، ومسلم (826)، وأبو داود (1276)، والترمذي (183)، والنسائي (1/ 276، 277)، وابن ماجه (1250)، وأحمد في المسند.

(2)

في ن ب ساقطة.

ص: 308

للأكثر عند رواة المشارقة، وأشار القاضي (1) إلى ترجيح الأول، وهو بمعنى تطلع؛ لأن أكثر الروايات على تطلع، فوجب حمل تشرق في المعنى على موافقتها.

قال أهل اللغة (2): يقال: شرقت الشمس تشرق أي: طلعت على وزن طلعت تطلع، وغربت تغرب، ويقال: أشرقت تشرق أي:

ارتفعت وأضاءت، ومنه قوله تعالى:{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} (3) أي: أضاءت.

فمن قال: إن الرواية: من أشرقت تشرق، احتج لها بالأحاديث الأخرى في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس (4) والنهي عن الصلاة إذا بدأ حاجب الشمس حتى تبرز (5). وحديث "ثلاث ساعات حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع"(6)، وكل هذا

(1) في مشارق الأنوار (2/ 249).

(2)

انظر: مختار الصحاح (144).

(3)

سورة الزمر: آية 69.

(4)

حديث أبي سعيد مرفوعًا: "لاصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس"، الحديث متفق عليه.

(5)

لحديث ابن عمر أخرجه البخاري: "إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب"، وفي لفظ:"تبرز".

(6)

لحديت عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع

" الحديث.

ص: 309

يبين أن المراد بالطلوع ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها لا مجرد ظهور قرصها [ثم](1).

الكلام عليه بعد ذلك من وجوه:

أحدها: فيه رد على الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل البيت وأكابر الصحابة.

ثانيها: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في أوقات النهي، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها.

واختلفوا في النوافل التي لها سبب: كالعيد (2)، والجنازة، وقضاء الفوائت.

ومذهب الشافعي رحمه الله وطائفة جواز ذلك كله إذا كان السبب متقدمًا بلا كراهة.

(1) في ن ب ساقطة.

(2)

وقت صلاة العيد بعد زوال وقت الكراهة. لحديث خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإِمام، فقال:"إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين التسبيح". قال السيوطي: أي حين يصلي الضحى. وقال القسطلاني: أي وقت صلاة السبحة، وهي النافلة إذا مضى وقت الكراهة. قال النووي: في الخلاصة وإسناده صحيح على شرط مسلم.

وأحسن ما ورد من الأحاديث في تعيين وقت صلاة العيدين، حديث جندب عند الحافظ أحمد بن حسن البناء في كتاب الأضاحي، قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين، والأضحى على قيد رمح". أورده الحافظ في تلخيص الحبير ولم يتكلم عيه. اهـ. من عون المعبود (3/ 486).

ص: 310

ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم الأحاديث، وتباح الفوائت عنده بعد الصبح [والعصر](1) ولا يباح

في الأوقات الثلاثة إلَّا عصر يومه (2)، فيباح عند اصفرار الشمس،

(1) في ن ب (الصبح).

(2)

قال ابن عبد البر -رحمنا الله وإياه- في الاستذكار (1/ 366) وقال أهل العراق، والكوفيون، وغيرهم: كل صلاة: نافلة أو فريضة أو على جنازة لا تصلى عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ولا عند استوائها، لأن الحديث لم يخص نافلة من فريضة إلَّا عصر يومه، لقوله عليه السلام:"من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".

ولهم في ذلك حجج ذكرناه. انظر: (1/ 302، 305).

وقد ردوا ظاهر الحديث إذ قالوا ببعضه، ودفعوا بتأويلهم بعضه، لأن الحديث جمع الصبح والعصر، وهم قالوا: عصر يومه دون صبح يومه، وزعموا أن مدرك ركعة من العصر يخرج إلى وقت تباح فيه الصلاة، وهو بعض المغرب، ومدرك ركعة من الصبح يخرج من الثانية إلى الوقت المنهي عنه وهو الطلوع.

وهذا الحكم لا برهان لصاحبه فيه، ولا حجة له فيه، لأن من ذكرنا قد صلى ركعة من العصر والمغرب، وفي قوله عليه السلام:"من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذ ذكرها"، مع قوله عليه السلام:"من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". أوضح دليل على أن نهيه عليه السلام كان عن الصلاة عند الطلوع وعند الغروب لم يقصد به إلى أن الفريضة وإنما قصد به إلى ما عدا الفرائض من

الصلوات. =

ص: 311

وتباح المنذورة (1) في هذه الأوقات عندنا، ولا تباح عنده، والمشهور من مذهب داود منع الصلاة في هذه الأوقات مطلقًا سواء ذات السبب وغيرها، وهو رواية عن أحمد.

ونقل القاضي عن داود أنه أباحها بسبب وبدونه.

واحتج الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى سنة الظهر بعد العصر (2). وهذا تصريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أولى، والفريضة المقضية أولى، وكذا الجنازة، وهو إجماع فيهما، وقال عليه الصلاة والسلام في التحية:"إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"(3) وهذا خاص وحديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات عام، وقد دخله التخصيص بصلاة

= وعلى هذا التأويل تكون الأحاديث مستعملة كلها في هذا الباب. اهـ. محل المقصود.

(1)

أشبهت الفرائض في قضائها في أوقات النهي لا اشتراكها في الوجوب.

(2)

أخرجه البخاري في باب: ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها. وقد نقل ابن حجر -رحمنا الله وإياه- عن البيهقي أنه من خصائصه المداومة على الركعتين لا أصل القضاء. أما الطحاوي فقد جزم بأنه من خصائصه أي القضاء، وقد رجح هذا ابن باز -حفظه الله- في تعليقه على الفتح (2/ 65) محسنًا الأحاديث الواردة بذلك.

(3)

متفق عليه. البخاري أطرافه (444)، ومسلم (714)، وأبو داود (467، 468) في الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة عند دخول المسجد، ابن ماجه (1013)، والشافعي (2/ 53)، والترمذي (316)، والبغوي (480)، وأحمد (5/ 95).

ص: 312

الصبح وبصلاة العصر وصلاة الجنازة (1) كما تقدم، وبحديث:"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"(2) وأما حديث التحية فهو على عمومه لم يدخله تخصيص، ولهذا أمر بهما الداخل والإِمام يخطب (3).

قلت: وكل واحد من الحديثين أعتم من الآخر من وجه وأخص من وجه، فحديث:"لا صلاة" خاص في الوقت عام في الصلاة

[وحديث](4): "من نام عن صلاة [أو نسيها] (5) " عكسه بقيد كون

(1) قال ابن حجر رحمه الله جامعًا بين الأقوال: "وقال غيرهم ادعاء التخصيص أولى من ادعاء النسخ، فيحمل النهي على ما لا سبب له، ويخص منه ما له سبب جمعًا ببن الأدلة". اهـ. قال ابن باز -حفظه الله- معلقًا على هذا: "هذا القول هو أصح الأقوال، وهو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد. واختاره شيخ الإِسلام وتلميذه ابن القيم، وبه تجتمع الأخبار، والله أعلم". اهـ. من الفتح (2/ 59).

(2)

متفق عليه. البخاري (597)، ومسلم (684)، وأبو داود (42،) في الصلاة، باب: من نام عن الصلاة، وابن ماجه (695، 696)، والنسائي في المواقيت (614، 615)، والترمذي (178)، والبيهقي (2/ 218)، وأحمد (3/ 100، 267)، والدرامي (1/ 280)، وابن خزيمة (992، 993).

(3)

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الداخل يوم الجمعة حال الخطبة بهما بعد أن قعد، ولو كانت ترك في وقت لكان هذا الوقت أولى، لأنه من الصلاة لا التحية، ولأنه تكلم في الخطبة، وبعد أن قعد الداخل، وكل هذا مبالغة في تعميم التحية. اهـ. من حاشية الروض (2/ 252).

(4)

في ن ب (عام).

(5)

في ن ب ساقطة.

ص: 313

الصلاة فائتة، فلا يقدم أحدهما على الآخر إلَّا بدليل بخلاف العام مع الخاص من كل وجه.

ثالثها: ذكر في هذا الحديث النهي عن الصلاة: " [حتى] (1) تشرق" وفي الحديث الآتي بقيد: "حتى ترتفع" وهما بمعنى وبذلك

تبين أن المراد بالطلوع في باقي الروايات: ارتفاعها، وإشراقها، وإضاءتها، لا مجرد ظهور قرصها كما أسلفناه (2).

رابعها: الكراهة في هذين الوقتين يتعلق بالفعل حتى إذا تأخر الفعل فإنه [لا](3) تكره الصلاة قبلها، وإن تقدم كرهت (4)، وفي

(1) في ن ب (حين).

(2)

كما جاء في بعض الروايات مفسرًا الطلوع بالارتفاع: "حتى ترتفع الشمس"، والمقصود بالارتفاع كما جاء مصرحًا به في حديث عمرو بن عبسة الذي أخرجه النسائي، وابن ماجه بتقييد الارتفاع:"حتى ترتفع الشمس قيد رمح"، ومعنى قيد رمح: أي قدر رمح: "أي حتى تطلع مرتفعة وهو بنظر الإِنسان".

(3)

زيادة من ن ب.

(4)

فمن لم يصل العصر أبيح له التنفل وإن صلى غيره، وكذا لو أحرم بها ثم قلبها نفلًا، أو قطعها لعذر لم يمنع من التطوع حتى يصليها، ومن صلاها فليس له التنفل، ولو صلى وحده لحديث أبي سعيد، فلو قدم صلاة العصر جمعًا مع الظهر منع من التنفل، إلَّا سنة الظهر بعدها. لحديث أم سلمة أنه دخل عليها فصلى ركعتين بعد العصر، فقلت: صلاة لم أكن أراك تصليها؟ فقال: "إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر، وأن قدوم وفد بني تميم شغلوني عنها، فهما هاتان الركعتان"، متفق عليه. اهـ. حاشية الروض لابن قاسم -رحمنا الله وإياه- (2/ 247).

ص: 314

هذين يختلف وقت الكراهة في الطول والقصر.

أما الكراهة المتعلقة بالوقت فهو طلوع الشمس إلى ارتفاعها والاصفرار حتى تغرب (1) والاستواء (2).

ونقل بعض المالكية أن النهي عندهم متعلق بالوقت في الصبح وفي العصر بالفعل (3).

(1) لحديث ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها". وحديثه الآخر: "إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب". فهذه الأحاديث تتعلق بالوقت، فدل على أن الكراهة مختصة بمن قصد الصلاة في ذلك الوقت لا من وقع له ذلك اتفاقًا، ويقوي ذلك حديث:"من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليضف إليها أخرى"، فأمر بالصلاة حينئذ.

(2)

لحديث عقبة بن عامر عن مسلم: "وحين يقوم قائم الظهيرة"، وحديث عمرو بن عبسة عند مسلم:"حتى يستقل الظل بالرمح، فإذا أقبل الفيء فصل".

(3)

لحديث ابن عباس: "شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب".

وحديث أبي هريرة: "وفيه نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس". ومعنى: الفعل، أي: فعل الصلاة التي قبل وقت النهي مثل الفجر والعصر، فبعد أدائها يبتدىء وقت النهي. انظر: ت (4/ 314).

ص: 315

وذهب مالك وأصحابه إلى إجازة الصلاة عند الزوال (1).

خامسها: استثنى الشافعي وأصحابه من أوقات النهي زمان ومكان لدليل آخر.

فالزمان: وقت الاستواء يوم الجمعة (2).

والمكان: حرم مكة (3).

(1) مستدلًا بقوله: "ما أدركت أهل الفضل إلَّا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار". قال ابن عبد البر: قد روى مالك حديث الصنابحي (1/ 219)، فأما إنه لم يصح عنده، وأما أنه رده بالعمل الذهب ذكره. اهـ. قال ابن حجر حديث الصنابحي: مرسل مع قوة رجاله. اهـ. الفتح (2/ 63).

(2)

وهو اختيار شيخ الإِسلام وابن القيم وعمدتهم في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استحب التبكير إلى الجمعة. ثم ركب في الصلاة إلى خروج الإِمام من غير تخصيص ولا استثناء. وجعل الغاية خروج الإِمام، وهو لا يخرج إلَّا بعد الزوال، فدل على عدم الكراهة. وجاء في حديث أبي قتادة مرفوعًا:"أنه صلى الله عليه وسلم كره الصلاة نصف النهار إلَّا يوم الجمعة"، وفي إسناده انقطاع. وقد ذكر البيهقي له شواهد ضعيفة إذا ضمت قوى الخبر. اهـ. من فتح الباري (2/ 63) وقد عده ابن القيم من خصائص يوم الجمعة. انظر: زاد المعاد، والاستذكار (1/ 367، 37).

(3)

لحديث: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى آية ساعة من ليل ونهار". رواه الترمذي (1/ 164)، والمراد بذلك ما له سبب كركعتي الطواف، للإِجماع على تحريم إنشاء تطوع في أوقات النهي، ولم يخصوا مكة ولا غيرها، وبهذا تتفق الادلة. أما عند الشافعي فلا نهي مطلقًا لحديث أبي ذر وحديث عبد مناف.

ص: 316

والكلام في ذلك مبسوط في الفقه، وقد بسطته في "شرح المنهاج" و "التنبيه" وغيرهما مع بيان الاختلاف في الكراهة في هذه

الأوقات: هل هي كراهة تحريم أو تنزيه، وظاهر [الحديث](1) يدل للتحريم لأنه الأصل في النهي (2).

سادسها: روى الشافعى (3) رحمه الله: "أن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب فارقها، فإذا غربت فارقها". وهو مرسل لأنه من رواية الصنابحي، وقد نبه على ذلك المصنف بعد كما ستعلمه من كلامه، وهذا أحد ما قيل في سبب الكراهة في هذه الأوقات، وللشيخ عز الدين بن عبد السلام فيه [نظر](4) ذكرته في "شرح التنبيه" فراجعه منه.

وقال الخطابي: قوله: "بين قرني الشيطان" وأمثاله من الألفاظ الشرعية مثل قوله: "تسجر جهنم " يجب علينا التصديق بها،

والإِقرار بصحتها أو العمل بموجبها دون اعتقاد تكييف، والله

(1) في ن ب ساقطة.

(2)

وبعضهم فصّل. فقال: النهي للكراهة بعد صلاة الصبح والعصر ويحرم عند طلوع الشمس وعند الغروب. الفتح (2/ 63). انظر: الاستذكار (1/ 372) مصنف عبد الرزاق (2/ 427).

(3)

رواه الشافعي في الرسالة فقرة (874) تحقيق أحمد شاكر، ومالك في الموطأ (1/ 219). قال ابن حجر: هو حديث مرسل مع قوة رجاله. انظر: ت (18) وأخرجه النسائي، وابن ماجه.

(4)

في ن ب (ذكر).

ص: 317

ورسوله أعلم بذلك؛ وتابعه البغوي (1) فقال: هذا التعليل وأمثاله مما

(1) قال الخطابي -رحمنا الله وإياه- في معالم السنن (1/ 130، 131): اختلفوا في تأويله على وجوه، فقال قائل: معناه مقارنة الشيطان للشمس عند دنوها للغروب. على معنى ما روي: إن الشيطان يقارنها إذا طلعت، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها. فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك، وقيل: معنى قرن الشيطان: قوته، من قولك: أنا مقرن لهذا الأمر، أي مطبق له قوي عليه، وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات، لأنه يسوّل لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأزمان الثلاثة. وقيل: قرنه حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس. يقال: هؤلاء قرن أي نشء جاءوا بعد قرن مضى. وقيل: إن هذا تمثيل وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم، وتزيينه ذلك في قلوبهم، وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها، فكأنهم لما دافعوا الصلاة وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس. صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها، وتدفعه

بأوراقها. وفي وجه خامس، قاله بعض أهل العلم، وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها، وينتصب دونها، حتى يكون طلوعها بين قرنيه، وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار عادة له. وقرنا الرأس فوداه وجانباه، وكذا ذكر هذا في أعلام الحديث (3/ 1508)، وقال وقيل: معنى القرن في هذا اقترانه بها، والوجه الأول أشبه لانتظامه معنى التثنية في القرنين.

وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (154، 156)، في الرد على من أنكر الأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس لطلوعها بين قرني الشيطان: "فكره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي في الوقت الذي يسجد فيه عبدة الشمس للشمس، فهم يسجدون له بسجودهم للشمس، =

ص: 318

............................................................

= ولم يرد بالقرن ما تصوروه في أنفسهم من قرون البقر وقرون الشاء، وإنما القرن حرفا الرأس، وللرأس قرنان، أي: حرفان وجانبان، ولا أرى القرن الذي يطلع في ذلك الموضع سمي قرنًا إلَّا بإسم موضعه، كما تسمي العرب الشيء بإسم ما كان له موضعًا أو سببًا، فيقولون: رفع عقيرته، يريدون صوته لأن رجلًا قطعت رجله فاستغاث من أجلها. فقيل لمن رفع صوته: رفع عقيرته. ومثل هذا كثير في كلام العرب، وكذلك قوله: في المشرق، من ها هنا يطلع قرن الشيطان، لا يريد ما يسبق إلى وهم السامع من قرون البقر، وإنما يريد: من ها هنا يطلع رأس الشيطان، والقرون أيضًا: خصل الشعر، كل خصلة قرن، ولذلك قيل للروم: ذات القرون، يراد أنهم يطولون الشعر، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يعلمنا أن الشيطان في وقت طلوع الشمس وعند سجود عبدتها لها مائل مع الشمس:"فالشمس تجرى من قبل رأسه، فأمرنا أن لا نصلي في هذا الوقت الذي يكفر فيه هؤلاء ويصلون للشمس وللشيطان، وهذا أمر مغيب عنا لا نعلم إلَّا ما علمنا، والذي أخبرتك به شيء يحتمله التأويل". وما قاله ابن قتيبة رحمه الله واضح وصحيح: وقال النووي -رحمه الله تعالى- في شرح مسلم على قوله: "بين قرني الشمس" هل هو على الحقيقة أو على المجاز، فقيل: هو على حقيقته وظاهر لفظه، والمراد أنه يحاذيها بقرنيه عند غروبها، وكذا عند طلوعها لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويخيل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يجدون له، وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنيه: علوه وارتفاعه. وسلطانه وتسلطه وغلبة أعوانه. ثم ساق كلام الخطابي -رحمنا الله وإياهم-.

وانظر كلام أحمد شاكر -رحمنا الله وإياه- في سنن الترمذي (1/ 301).

ص: 319

لا يدرك معناه، وإنما علينا الإِيمان [به](1) وترك الخوض فيه والتمسك بالحكم [المعلق](2)[بها](3).

(1) في ن ب ساقطة.

(2)

في الأصل (المطلق)، والتصحيح من كتاب السنة للبغوي (3/ 330).

(3)

في الأصل ساقطة، وفي ن ب (به)، والتصحيح من كتاب السنة للبغوي (3/ 330).

ص: 320