الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الأول
47/ 1/ 9 - عن أبي عمرو الشيباني -واسمه سعد بن إياس- قال: حدثني صاحب هذه الدار- وأشار بيده إلى دار [عبد الله](1) بن مسعود قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة [على وقتها] "(2). قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قال: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني (3).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: أبو عمرو هذا: له إدراك (4) فقط، قال: أذكر أني سمعت وأنا أرعى إبلًا لأهلي بكظامة (5)، خرج نبي بتهامة. فهو
(1) في ن ب (عبيد الله).
(2)
في ن ب (لوقتها).
(3)
رواه البخاري (527، 2782، 5970، 7534)، ومسلم (85، 139)، والنسائي (1/ 100)، والترمذي (173)، والدارمي (1/ 278)، وأحمد (1/ 409، 410، 439، 442، 451)، وابن حبان (3/ 18).
(4)
أي إدراك وقت ظهور النبي صلى الله عليه وسلم في أول دعوته ولم يسلم إلَّا بعد وفاته.
(5)
انظر: سير أعلام النبلاء (4/ 173).
تابعي مخضرم، وقد عد مسلم التابعين المخضرمين عشرين نفسًا، وأهمل جماعة، منهم الأحنف بن قيس، وأبو مسلم الخَوْلَانِي،
وعاش أبو عمرو مائة وعشرين سنة. وكان يقرىء القرآن في المسجد الأعظم، قرأ عيه عاصم بن (بهدلة)(1) وهو مجمع على ثقته، قال ابن حبان: كأنه مات سنة إحدى ومائة، وقال أبو عمر: سنة خمس وتسعين. وقال الذهبي يقال: سنة ثمان وتسعين.
ثانيها: الشيباني [بالشين](2) المعجمة نسبة إلى شيبان بن ثعلبة بن [عكابة](3) وتشتبه هذه النسبة بخمسة أشياء ذكرتها في مشتبه النسبة فراجعها منه.
ثالثها: في الرواة أبو عمرو [الشيباني](4) اثنان: هذا والنحوي الكبير، وفي الرواة أيضًا أبو عمرو السيباني بسين مهملة مفتوحة ومكسورة وهو والد يحيى [بن](5) زرعة (6).
رابعها: عبد الله بن مسعود: هو أبو عبد الرحمن الْهُذَلِي أحد السابقين الأولين حليف الزهريين.
(1) في ن ب (بهذلة).
(2)
في ن ب بالشين.
(3)
في ن ب (حكابة).
(4)
في ن ب ساقطة.
(5)
في ن ب (أبي).
(6)
مشتبه النسبة للذهبي (382) السيباني. نسبة إلى سَيْبَان بمهملة بطن من مراد، منهم: أبو زرعة، ويحيى بن أبي عمرو، وقد ضبطه الفرضي بالفتح والكسر.
وأمه: أم عبد بنت عبد (1)[وهي](2) هذلية أيضًا شهد بدرًا. والمشاهد، وقتل أبا جهل ببدر، وهاجر الهجرتين. وصلى إلى
القبلتين. أسلم قبل عمر. روى الطبراني عنه قال: رأيتني سادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا. وهو صاحب سواد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني سره، وصاحب وساده يعني فراشه، وصاحب سواكه ونعليه وطهوره. وشهد له عليه الصلاة والسلام بالجنة مع العشرة في حديث حسن رواه أبو عمر في استيعابه.
وهو ممن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد الأربعة الذين أمر بأخذه عنهم. وثانيهم: معاذ. وثالثهم: أبيٌّ. ورابعهم: سالم مولى أبي حذيفة.
وكان رضي الله عنه رجلًا قصيرًا نحيفًا يكاد طوال الرجال يوازيه جلوسًا وهو قائم. وكان شعره يبلغ شحمة آذنيه. وكان [لا](3) يغير شيبة، وكان أحمش الساقين. والحموشة الدقة. كثير العلم، فقيه النفس، كبير القدر. وله فتاوى، وقراءة ينفرد بها معروفة. وقال رضي الله عنه: إني لأعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم، وما في كتاب الله سورة ولا آية إلَّا وأنا أعلم فيم نزلت ومتى نزلت. ولم ينكر هذا القول عليه أحد.
رُوِي له عن النبي صلى الله عليه وسلم ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثًا،
(1) في الأصل زيادة (ود)، وما أثبت من ن ب.
(2)
زيادة من ن ب.
(3)
زيادة من ن ب.
اتفقا منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين.
مات سنة اثنين. وقيل: سنة ثلاث. وقيل: ست وثلاثين ابن بضع وستين سنة. قال أبو الدرداء: وما ترك بعده مثله. ودفن بالبقيع. وقيل: بالكوفة، وصلى عليه الزبير بوصايته إليه. وقيل: عثمان. وقيل: عمار.
فائدة: عبد الله بن مسعود (1) اثنان:
أحدهما: صاحب هذه الترجمة: وثانيهما: الغفاري (2) روى عن نافع عن بردة في فضل رمضان. وقيل: أبو مسعود [له حديث.
ولهم ثالث: عبد الله بن مسعود الثقفي (3) أخو أبي عبيد استشهد يوم الجسر كأخيه (4).
ورابع: عبد الله بن مسعود (5). وقيل: ابن مسعدة فزاري أمير الجيوش في غزوة الروم بدمشق. له في معجم الطبراني حديث تفرد به إبراهيم بن الصنعاني عن عبد الرزاق، وهذا مرسل أو وهم] (6).
خامسها: في فوائده:
(1) الإِصابة (4/ 129).
(2)
الإِصابة (4/ 130).
(3)
الإِصابة (4/ 130).
(4)
في الإِصابة (4/ 130): "الجسر مع أخيه".
(5)
الإِصابة (4/ 127).
(6)
زيادة من ن ب؛ علمًا أن المؤلف قال: (اثنان)، فلينتبه لهذه الزيادة.
الأولى: قوله "حدثني صاحب هذه الدار وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود" فيه أن الإِشارة يكتفي بها عن التصريح بالاسم،
وينزل منزلته إذا كانت معينة للمشار إليه مميزة له عن غيره، وربما كان ذلك أوقع وأبلغ في التفهيم من التصريح بالاسم، لأنه يصير بحيث يوضع اليد عليه، والاسم العلم ربما تطرق إليه الاشتراك، ولهذا والله أعلم ذهب بعض النحويين إلى أن اسم الإِشارة أعرف من العلم وإن كان الأرجح خلافه.
الثانية: هذا السؤال عن طلب الأفضل لتشتد المحافظة عليه، فإن العبد مأمور بتزيل الأشياء منازلها؛ فيقدم الأفضل على الفاضل
طلبًا للدرجة العليا.
الثالثة: العمل يطلق على عمل القلب والجوارح كما قدمناه في أول الكتاب [في](1) حديث: "إنما الأعمال بالنيات".
والمراد: هنا عمل [القلب](2) والجوارح حيث وقع الجواب بالصلاة على وقتها، وتكون النية مطلوبة فيه باللازم لا بمراد الحديث، وفي أعمال القلوب فاضل وأفضل: كالإِيمان وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة، منها حديث أبي هريرة [أنه سئل عليه الصلاة والسلام] (3) أي الأعمال أفضل؟ قال:[إيمان](4) بالله
(1) في الأصل ون د (من)، وما أثبت من ب.
(2)
في الأصل ون د (البدن)، وما أثبت من ن ب.
(3)
في ن ب (أنه عليه الصلاة والسلام سئل).
(4)
في الأصل (إيمانًا)، وما أثبت من ن ب ومسلم. انظر: النووي (2/ 72).
ورسوله قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور"(1). والأعمال في [هذا](2) الحديث يراد بها عمل الجوارح والقلوب.
الرابعة: قوله عليه الصلاة والسلام: "الصلاة على وقتها" ليس [له](3)[فيها](4) ما يقتضي تفضيل أول الوقت على غيره، بل المقصود منه الاحتراز عن إخراج الصلاة عن وقتها المشروع لئلا تصير قضاء. نعم، صح في ابن خزيمة (5) وابن حبان (6) والحاكم (7):"الصلاة لأول وقتها" وهو ظاهر في الاستدلال على فضيلة التقديم، وما ذكرناه من أنه ليس في الحديث ما يقتضي ذلك. قاله الشيخ تقي الدين (8) أيضًا، لكن قد ينازعه صيغة "أحب"(9) لأنها تقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون للاحتراز عن إيقاعها في آخر الوقت. وحمل الحديث على الاحتراز [من](10) إيقاع الصلاة خارجه
(1) البخاري في الإِيمان، باب: من قال: الإِيمان هو العمل، وفي الحج المبرور، وفي مسلم، في الإِيمان، باب: كون الإِيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.
(2)
زيادة من ن ب.
(3)
في ن ب ساقطة.
(4)
في ن ب (فيه).
(5)
ابن خزيمة (1/ 169).
(6)
ابن حبان (3/ 17).
(7)
الحاكم (1/ 188)، وقد أشار الحافظ في الفتح (2/ 10) إلى هذه الرواية.
(8)
إحكام الأحكام (2/ 9).
(9)
أي: الأعمال أحب إلى الله.
(10)
في ن ب (عن).
فيه نظر لأنه محرم، وأيضًا على [للاستعلاء](1) فالمراد إيقاعها [على](2) أول الوقت، ويستثنى من تفضيل الصلاة أول الوقت فروع فقهية بسطتها في شرح المنهاج فلتراجع منه.
الخامسة: اعلم أن الأحاديث قد اختلفت في أفضل الأعمال وتقديم بعضها على بعض. ففي هذا الحديث قدم الصلاة، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد، وفي حديث أبي هريرة السالف (3) تقديم الإِيمان ثم الجهاد ثم الحج المبرور. وذكر في حديث أبي ذر (4) الإِيمان والجهاد وفي حديث عبد الله بن عمر (5) "وأيّ الإِسلام خير؟ قال:"تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". وفي حديث أبي موسى وعبد الله بن عمرو (6). "أي الإِسلام (7) خير؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده". وصح من حديث عثمان (8): "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وغير ذلك من
(1) في الأصل (الاستعلاء)، وما أثبت من ن ب.
(2)
في ن ب ساقطة.
(3)
تقدم تخريجه في التعليق (7) من هذا الحديث ص (217).
(4)
البخاري في العتق ومسلم في الإِيمان، باب: كون الإِيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.
(5)
البخاري. الإِيمان، باب: إطعام الطعام من الإِسلام رقم (12).
(6)
البخاري. الإِيمان، باب: أي الإِسلام أفضل رقم (11).
(7)
في الأصل (المسلمين)، والتصحيح من البخاري ومن ن ب.
(8)
البخاري في فضائل القرآن. باب: خيركم من تعلم القرآن وأبو داود (1452)، والترمذي (2909).
الأحاديث. والذي قيل في الجمع ببنها. أنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص بالنسبة إلى حاله. أو وقته أو بالنسبة إلى عموم ذلك الحال والوقت أو بالنسبة إلى المخاطبين بذلك أو من هو في مثل حالهم ولو خوطب بذلك الشجاع لقيل له: الجهاد، أو الغني لقيل له: الصدقة أو الجبان الفقير لقيل له: البر أو الذكر أو الفطن لقيل له: العلم أو الحديد (1) الخلق لقيل له: لا تغضب [وهكذا](2) في حق جميع أحوال الناس [و](3) قد يكون الأفضل في حق قوم أو شخص مخالفًا للأفضل في حق آخرين بحسب المصلحة اللائقة بالوقت أو الحال أو الشخص.
وذكر الحليمي (4) عن شيخه العلامة أبي بكر القفال الشاشي الكبير (5) ....................................
(1) قال صاحب لسان العرب - رحمنا الله وإياه - (3/ 80) رجل حَديدٌ وحُدادٌ من قوم أحِدَّاء وأحِدَّةٍ وحِدادٍ: يكون في اللَّسَنِ والفَهم والغضب
…
إلخ كلامه.
(2)
في الأصل (وهذا)، والتصحيح من ن ب.
(3)
زيادة من ن ب.
(4)
هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم القاضي أبو عبد الله الحليمي ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ومات في جمادى -وقيل: في ربيع- الأول سنة ثلاث وأربعمائة. تذكرة الحفاظ (1030/ 3)، وطبقات السبكي (3/ 147).
(5)
هو محمد بن علي بن إسماعيل أبو بكر الشاشي القفال الكبير، أحد أعلام المذهب مولده سنة إحدى وتسعين ومائتين. مات في ذي الحجة سنة خمس وستين وثلاثمائة. وذكر الشيخ أبو إسحاق أنه مات سنة ثلاثين وهو =
[](1). وكان أعلم من [لقيته](2) من علماء عصره أنه جمع بين هذه الأحاديث بوجهين:
أحدهما: نحو ما ذكرناه. قال: فإنه قد يقال خير الأشياء كذا، ولا يراد إنه خير جميع الأشياء من جميع الوجوه. وفي جميع الأحوال والأشخاص بل في حال دون حال ونحو ذلك، واستشهد في ذلك بأخبار منها عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حجة لمن لم يحج أفضل من أربعين غزوة، وغزوة [لمن] (3) حج أفضل من أربعين حجة"(4).
= وهم. ترجمته في الفهرست (303)، ومنتخب السياق (ت: 138)، وفيات ابن قنفذ (212)، والتاج المكلل (110)، وأبجد العلوم (3/ 108)، والفتح المبين (1/ 201)، وتاريخ التراث لسزكين (3/ 205، 206)، وابن قاضي شهبة (1/ 148).
فائدة: قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (2/ 282)، إذا ذكر القفال الشاشي فالمراد هذا، وإذا ورد القفال المروزي فهو الصغير، ثم إن الشاشي يتكرر ذكره في التفسير والحديث والأصول والكلام، والمروزي يتكرر ذكره في الفقهيات. اهـ.
(1)
في ن ب زيادة (قال).
(2)
في الأصل (لقيه)، وما أثبت من ن ب. وفي حاشية (أ) من طبقات ابن الصلاح (1/ 228)"لقينا". مع اختلاف آخر.
(3)
في الأصل زيادة (لم).
(4)
ضعيف الجامع (2689) ضعيف: الأحاديث الضعيفة ولفظه "حجة خير من أربعين غزوة. وغزوة خير من أربعين حجة".
وقد جاء من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال =
الثاني: أنه يجوز أن يكون المراد من أفضل الأعمال كذا ومن خيرها أو من [خيركم](1) من فعل كذا، فحذفت من وهي مرادة، كما يقال:[من](2) أعقل الناس وأفضلهم ويراد أنه من أعقلهم وأفضلهم، ومن ذلك قوله [عليه السلام] (3):"خيركم خيركم لأهله"(4) ومعلوم أن لا يصير بذلك خير الناس مطلقًا ومن ذلك قولهم: أزهد الناس في عالم جيرانه، وقد يوجد في غيرهم من هو أزهد منهم فيه، هذا كلامه، فعلى هذا الوجه يكون الإِيمان أفضلها مطلقًا، والباقيات متساوية في كونها من أفضل الأعمال أو الأحوال،
= "حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج، وغزوة في البحر خير من عشر غزوات في البرُّ، و
…
" الحديث. أخرجه عبد الرزاق (5/ 285)، وصححه الحاكم (2/ 143)، ووافقه الذهبي. وذكره المنذري في الترغيب (2/ 305)، وقال المناوي في فيض القدير (3/ 374): حديث حسن وإسناده لا بأس به. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2691).
ومن رواية أبي هريرة: "لحجة أفضل من عشر غزوات ولغزوة أفضل من عشر حجات". أخرجه في الجامع لشعب الإِيمان (8/ 152)، ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 596)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4666).
(1)
في الأصل زيادة (أو).
(2)
زيادة من ن ب.
(3)
في ن ب (عليه أفضل الصلاة والسلام).
(4)
رواه الترمذي والدارمي عن عائشة وابن ماجه، عن ابن عباس، وقال الألباني في المشكاة (2/ 971): إسناده صحيح.
ثم يعرف فضل بعضها على بعض بدلائل عليها، وتختلف باختلاف الأحوال والأشخاص (1).
السادسة: قدم في هذا الحديث [برّ](2) الوالدين على الجهاد وهو دال على تعظيم برهما، ولا شك أن أذاهما موجب محرم وممنوع منه.
والبر: خلاف العقوق قال أهل اللغة: [يقال](3) بررت والدي أبره برًّا وأنا برٌّ به. بفتح الباء وبار.
وجمع البر: الأبرار، وجمع البار: البررة.
وبر الوالدين: الإِحسان إليهما، وفعل الجميل معهما، وفعل ما يسرهما، ويدخل فيه الإِحسان إلى صديقهما، كما ثبت في الصحيح، "إن من أبو البر أن يصل الرجل أهل ودِّ أَبيه"(4) وقد ألف الناس فيه تصانيف مفردة كالطرطوشي (5) وغيره. وفي ضبط ما يجب منه إشكال.
(1) انظر: المنهاج للحليمي (2/ 469)، وذكره البيهقي في الجامع لشعب الإِيمان (8/ 148، 149).
(2)
في الأصل ساقطة.
(3)
زيادة من ن ب.
(4)
صحيح مسلم (2552) في البر والصلة.
(5)
سبقت ترجمه في حديث ابن عباس (19/ 6/ 2) الجزء الأول وكتابه مطبوع "بر الوالدين ما يجب على الوالد لولده وما يجب على الولد لوالده".
قال سفيان بن عيينة: في قوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} (1) من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه عقب الصلوات فقد شكرهما.
السابعة: الجهاد: ينقسم إلى فرض عين، وفرض كفاية، فالعين يقدم على حق الوالدين، والكفاية لا يجوز إلَّا بأذنهما إذا تعطلت مصلحتهما الواجبة به، وكل حق متعين وكفاية كذلك حكمه بالنسبة إليهما، إذا تقرر هذا ففي هذا الحديث قدم برهما على الجهاد. وفي حديث أبي هريرة السالف تقديم الجهاد على الحج بلفظ "ثم". وهي موضوعة للترتيب خلافًا لمن شذ وهي [هنا] (2) للترتيب في الذكر كما قال تعالى {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13)} إلى قوله {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} (3) ومعلوم أنه ليس المراد الترتيب في الفعل [كما قال تعالى:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} إلى قوله {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} (4) وكما قال تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} (5) ونظائر ذلك كثيرة (6) ومما أنشدوا فيه:
(1) سورة لقمان: آية 14.
(2)
في ن ب ساقطة.
(3)
سورة البلد: الآيات 12، 17.
(4)
في ن ب ساقطة، والآيات 151، 154 سورة الأنعام.
(5)
سورة الأعراف: آية 11.
(6)
انظر: الجامع لشعب الإِيمان (8/ 150).
قل لمن ساد ثم ساد أبوه
…
ثم قد ساد [قبل](1) ذلك جده
وأجاب القاضي عياض: عن تقديم الجهاد على الحج بأن ذلك كان في أول الإِسلام، فكان السعي في [الجهاد](2) أفضل بخلاف اليوم.
والمراد بالجهاد: الجهاد المتعين وقت الزحف أو النفير العام، فإنه مقدم على الحج لما فيه من المصلحة العامة للمسلمين.
واعلم أن العبادات على ضربين:
منها: ما هو مقصود لنفسه.
ومنها: ما هو وسيلة إلى غيره وفضيلة الوسيلة بحسب مقصودها المتوسل إليه، فالجهاد وسيلة إلى إعلان الإِيمان ونشره وإخماد الكفر ودحضه، فعظم فضله بفضل مقصوده وهو الإِيمان.
تنبيه: الذي يظهر والله أعلم في ترتيب هذه الأعمال أن الإِيمان أفضلها، ثم الصلاة. لأنها عنوانه، ثم الصيام، ثم الحج، ثم الجهاد، ثم الزكاة. والقياس يقتضي أن يكون الجهاد تلو الإِيمان لأنه وسيلة إلى إعلانه كما أسلفناه، وقد جاء في رواية [تأتي] (3) رتبة الإِيمان في قوله:"إيمان بالله وجهاد في سبيله" وقدم البر عليه في هذا الحديث تفخيمًا لشأنه.
(1) في ن ب (بعد).
(2)
في الأصل (الطهارة)، والتصويب من ن ب.
(3)
في ن ب ساقطة.
وصرح القرافي أن الحج أفضل من الجهاد كما أسلفناه لأنه مطلوب [من](1) جميع المكلفين على الأعيان بخلاف الجهاد فإنه من بعضهم، ولأن مصلحة الجهاد لا تتكرر بخلاف مصلحة الحج.
وروى الحافظ محب الدين الطبري (2) في "أحكامه" من حديث ابن عمر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: "قراءة القرآن في الصلاة ثم قراءة القرآن في غير الصلاة، فإن الصلاة [أفضل] (3) الأعمال عند الله وأحبها إليه، ثم الدعاء والاستغفار فإن الدعاء هو العبادة وإن الله يحب المُلِّحَّ في الدعاء، ثم الصدقة فإنها تطفيء غضب الرب، ثم الصيام فإن الله عز وجل يقول: "الصوم لي وأنا أجزي به، والصيام جنة للعبد من النار" ثم قال: حديث غريب رواه أبو عبد الله الثقفي في "أربعينه"، ولم يبرز إسناده حتى ننظر فيه. قال وورد من حديث أبي ذر رفعه:"أفضل الأعمال: الحب في الله والبغض في الله (4) " فيحمل على أفضل أعمال القلب.
(1) في ن ب (في).
(2)
عزاه السيوطي في الدر إلى ابن أبي الدنيا (1/ 354)، وأخرجه البيهقي في الشعب (5/ 191)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4/ 119) من رواية عائشة. ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة، وقراءة: القرآن في غير الصلاة أفضل من التكبير والتسبيح، والتسبيح أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم، والصوم جنة من النار".
(3)
في ن ب ساقطة.
(4)
أبو داود عون المعبود (4575). قال المنذري: في إسناده يزيد بن =
فائدتان:
الأولى: الجهاد يشتمل على حق الله تعالى. وحق رسوله وحق المسلمين.
فالأول: محو الكفر من القلوب، والألسنة، وتخريب محاله من البيع، والكنائس.
والثاني: الشهادة له عليه الصلاة والسلام بالرسالة، وإجابة دعوته.
والثالث: الذب عن المسلمين وأولادهم ونسائهم وأموالهم [وتحصيل الغنائم لهم](1) والظفر بعدوهم.
الثانية: الصلاة أيضًا مركبة من حق الله تعالى: كالنية والتكبيرات وغيرها، وحق رسوله: كالشهادة له بالرسالة، وحق الآدمي وهو الدعاء.
فائدة ثالثة: أوقع عليه الصلاة والسلام البر ثانيًا بعد الصلاة كما جاء ثانيًا في قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (2) وفي قوله تعالى {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} (3).
= أبي زياد الكوفي ولا يحتج بحديثه، وقد أخرى له مسلم متابعة. وفيه أيضًا رجل مجهول.
(1)
زيادة من ن ب.
(2)
سورة النساء: آية 36.
(3)
سورة لقمان: آية 14.
الثامنة: قوله: "ثم أي؟ " هو غير منون، لأنه غير موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه [فتنوينه](1) ووصله بما بعده خطأ فيوقف عليه وقفة لطيفة ثم تأتي بما بعده فتنبه له.
التاسعة: قوله: "حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم" كأنه تقرير وتأكيد لما تقدم، إذ لاريب في أن اللفظ الأول يعطي أنه عليه الصلاة والسلام حدثه بذلك وهو أرفع درجات التحمل.
العاشرة: قوله: "ولو استزدته لزادني" يحتمل أن يريد من هذا النوع المذكور أعني مراتب الأعمال وتفضيل بعضها على بعض، ويحتمل أن يريد لزادني عما أسأله. من حيث الإِطلاق. تنبيه على سعة علمه - عليه أفضل الصلاة والسلام - وترك ذلك خشية التطويل عليه.
الحادية عشرة: فيه السؤال عن العلم ومراتبه في الأفضلية.
الثانية عشرة: فيه جواز تكرير السؤال والاستفتاء عن مسائل شتى في وقت واحد.
الثالثة عشرة: فيه أيضًا رِفْعَ العالم وصبره على السائل.
الرابعة عشرة: فيه فضل الصلاة في الوقت وأن أوله أفضل كما سلف وخالف [أصحاب](2) الرأي، فقالوا: إن التأخير إلى آخر الوقت أفضل إلَّا الحاج فإنه يغلس بالفجر يوم النحر بمزدلفة.
(1) في ن ب (وتنوينه).
(2)
في الأصل (أصحابنا)، والتصويب من ن ب.
الخامسة عشرة: فيه أن الصلاة أفضل العمل.
السادسة عشرة: فيه فضل بر الوالدين وأنه أفضل من الجهاد بشروطه.
السابعة عشرة: فيه فضل الجهاد.
الثامنة عشرة: فيه تقديم الأهم فالأهم من الأعمال.
التاسعة عشرة: فيه تنبيه الطالب على تحقيق العلم وكيفية أخذه.
العشرون: فيه التنبيه على مرتبته عند الشيوخ وأهل الفضل ليؤخذ علمه بقبول وانشراح [وضبط](1).
(1) في ن ب ساقطة.