الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الرابع
50/ 4/ 9 - عن أبي المنهال -سيار بن سلامة- قال: "دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي. فقال له أبي: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير [الذي] (1) تدعونها الأولى، حين تدحض الشمس. ويصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة، والشمس حية. ونسيت ما قال في المغرب. وكان يستحب أن يؤخر من العشاء، التي تدعونها العتمة. وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها. وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه وبقرأ بالستين إلى المائة (2) ".
الكلام عليه من وجوه:
(1) في ن ب (التي).
(2)
البخاري (541، 547، 568، 599، 771)، ومسلم (647)، وأبو داود (398)، والنسائي (1/ 265)، وأحمد في المسند (4/ 420، 424)، والطيالسي (920)، وابن ماجه (1/ 123)، والمروزي في قيام الليل (45)، والترمذي لفظه:"كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها" رقم (168).
أحدها: سيار هذا تابعي ثقة، قال ابن حبّان: مات سنة تسع وعشرين ومائة والده سلامة ذكره العسكري.
وسيار: يشتبه بيسار بتقديم الياء على السين، وذكر الأمير مع سيار سنانا أيضًا.
ثانيها: أبو برزة: هذا هو نضلة بن عبيد، هذا أصح ما فيه وأشهره، شهد الفتح. ورد أنه قتل ابن خطل يومئذ، وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوات، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة. وغزا بِخُرَاسانَ، فمات بها أو بالبصرة أو بنيسابور أقوال بعد سنة أربع وستين، وقال ابن عبد البر: سنة ستين وقيل: سنة أربع وكان يقوم من جوف الليل فيتوضأ ولا يوقظ أحدًا من خدمه وهو شيخ كبير ثم يصلي. روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم ستة وأربعون حديثًا، اتفقا منها على حديثين. وقال ابن الجوزي: على حديث. وانفرد مسلم بأربعة والبخاري بحديثين.
وأما نسبة الأسلمي: فإلى جد من أجداده [اسمه](1) أسلم بن أفصى بالفاء، ابن حارثة.
[فائدة](2): برزة: بفتح أوله وإسكان ثانية ثم زاي ثم هاء ملفوظًا بها وهي تاء في الوصل.
فيشتبه: بأبي بردة صورة لا لفظًا ولهم في الأسماء بُرزه بضم
(1) في ن ب ساقطة.
(2)
في ن ب زيادة (أمين).
أوله سمع منه ابن ماكولا (1).
ونَضْلة بفتح أوله وسكون ثانيه. ويشتبه بنَضْلَةِ بن قُصَيَّةِ في [القريب](2):
قال ابن ماكولا: هو بفتح الضاد وما عداه فبإسكانها (3).
ويشتبه أيضًا [ببَصَلة](4) بالصاد المهملة لقب محمد بن محمد بن عبيد الله [الجرجاني](5) المقريء.
ثالثها: "كان" هذه قد تقدم أنها تشعر بالدوام.
رابعها: قوله: "المكتوبة" أي الصلاة المكتوبة وهي المفروضة. قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)} (6) وأفردت لأن المراد الجنس وتصح المكتوبات على تقدير الصلوات المكتوبات. والألف واللام فيها للاستغراق، ولهذا أجاب فذكر الصلوات كلها لفهمه من السائل العموم.
(1) انظر: الإِكمال (1/ 238).
(2)
في ن ب كأن الكلمة (الغرب) بالغين، وما أثبت اجتهاد من المصحح والتوفيق بيد الله، والله أعلم.
(3)
الإِكمال (7/ 273).
(4)
في ن ب ساقطة، وضبط من تبصير المنتبه لابن حجر (4/ 1422)، ومشتبه النسبة للذهبي (644).
(5)
وما أثبت من المراجع السابقة أيضًا ون ب.
(6)
سورة النساء: آية 103.
خامسها: في ذكره الصلواتِ الخمسَ دون الوتر يدل على أنها ليست مكتوبة، وأبو حنيفة قال: إنه واجب على قاعدته في الفرق بين الفرض والواجب (1).
سادسها: للظهر أربعة أسماء: هذا، [والهجيرة](2)، والهاجرة الظهر لما تقدم، والأولى، لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم على المشهور.
وقال الشيخ تاج الدين ابن الفركاح (3): يكره أن يقال لها:
(1) قال الغزالي -رحمنا الله وإياه- في المنخول (76)، مسألة: قال أبو حنيفة رحمه الله، الفرض: هو ما يقطع بوجوبه، والواجب: ما يتردد فيه. وعندنا: لا فرق إذ الشارع لم ينص عليه. وقال في المستصفى (1/ 42) ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعاني، وقال شارح مسلم الثبوت (1/ 58) بهامش المستصفى: إن النزاع بيننا وبين الشافعية ليس إلَّا في التسمية. لا في المعنى. راجع: نهاية السول بهامش سلم الوصول (1/ 76)، وتيسير التحرير (2/ 187)، حاشية الأزميري على مرآة الأصول شرح مرقاة الوصول (2/ 392)، الإِبهاج لابن السبكي (1/ 34)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (1/ 83)، والمحصول (1/ 119، 120)، وانظر تعليق (121، 126).
(2)
في ن ب (الهجير).
(3)
هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع العلامة المفتي، ولد في ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة، ومات في جمادى الآخرة سنة تسعين وستمائة. ترجمته في طبقات السبكي (5/ 60)، الدارس في تاريخ المدارس (1/ 108)، وتاريخ ابن الوردي (2/ 236).
الأولى فلم [يسمع](1) في استعمال معتمد.
والهجير، والهاجرة: نصف النهار كما سلف [والهجر](2) أيضًا، فكأنها سميت باسم الزمان [التي تقع](3) فيه، فيكون تسميتها به من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. [تقديره] (4) كأنه يصلي صلاة الهجير. وهما أعني الهجير والهاجرة في أصل اللغة اسم لشدة الحر كما سلف. وفي حديث أبي هريرة الآتي حيث ذكره المصنف:"صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي [العشي] (5) والمراد الظهو والعصر، وفي الصحيح (6): "من صلى البردين دخل الجنة" يعني الصبح والعصر. وسمتا بذلك لأنهما يفعلان في وقت البرد.
وأما العصر فلها اسمان: هذا، والعشي، وفي الحديث:"حافظوا على العصرين. قيل: وما العصران؟ قال: صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"(7) سماهما العصرين، لأنهما يقعان في طرفي
(1) في ن ب (يستعمل).
أقول: وبالله التوفيق ومنه أستمد العون والتسديد: الصحيح عدم الكراهة بدلالة الحديث، ولفظه:"وكان يصلي الهاجرة الي تدعونها الأولى".
(2)
في ن ب (البحر).
(3)
في ن ب (الذي يوقع).
(4)
في ن ب ساقطة.
(5)
في ن ب (العشاء).
(6)
البخاري (574)، ومسلم (440).
(7)
من رواية فضالة بن عبيد أبو داود مختصر المنذري طبعه فقي (1/ 247)، =
العصرين، وهما الليل والنهار، وهو من باب تغليب أحد الاسمين على الآخر: كالعُمرين والقمرين.
وأما المغرب: فلها اسمان هذا، والشاهد على ما تقدم، ويكره تسميتها عشيًا (1).
وأما العشاء الآخرة: فلها اسمان: هذا، والعتمة، وفي كراهة الثاني خلاف. وصح النهي عنه (2)، وعنه أجوبة:
= البيهقي (1/ 466)، والطحاوي في مشكل الآثار (1/ 440)، والطبراني في الكبير (18/ 826)، وصححه الحاكم (1، 199/ 200، 3/ 628) ووافقه الذهبي.
(1)
قال البخاري -رحمنا الله وإياه- في صحيحه: "باب من كره أن يقال للمغرب: العشاء" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب. قال الأعراب تقول العشاء" وفي هذه الترجمة عدم الجزم من البخاري بالكراهة. لأن لفظ الحديث بلفظ الخبر ولا يقتضي نهيًا مطلقًا، لكن فيه النهي عن غلبة الأعراب على ذلك. فهو لا يقتضي المنع من إطلاق العشاء عليها أحيانًا، وإنما شرع لها التسمية بالمغرب، لأنه اسم يشعر بمسماها أو بابتداء وقتها. وسبب الكراهة لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى. وعلى هذا فلا يكره تسميتها العشاء بقيد الأولى. لورود حديث في الصحيح "العشاء الآخرة". والتغليب جائز كمن يقول صليت العشاءين. اهـ. من فتح الباري بتصرف (2/ 44).
(2)
قال البخاري رحمه الله في صحيحه: "باب ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعًاً". قال صلى الله عليه وسلم: "لو يعلمون ما في العتمة والفجر"، وقول الصحابة:"أعتم النبي صلى الله عليه وسلم". في هذه الترجمة والأحاديث إثبات
إطلاقه صلى الله عليه وسلم اسم العتمة على العشاء، وتسميتها بالعشاء يشعر بأول وقتها =
منها: أن المكروه أن يغلب عليها اسم العتمة، بحيث يهجر تسميتها بالعشاء.
ومنها: أنه خاطب بذلك من لا يعرف العشاء، وفيه بعد.
ومنها: أنه حيث وقع تسميتها بذلك يحمل على الجواز. وأما ابن عمر رضي الله عنه "فكان إذا سمع أحدًا يقول العتمة صاح به وغضب"(1).
وأما الصبح: فلها أسماء هذا، والفجر، كما ذكره في الحديث الثالث من باب صلاة الجماعة، والغداة، كما هو مذكور هنا. نعم قال الشافعي في الأم: أحب أن لا تسمى بذلك، فإن الله -تعالى- سماها الفجر، ورسوله سماها الصبح.
وقال صاحب "المهذب"(2): يكره وتسمى أيضًا الصلاة الوسطى، وصلاة التنوير، وقرآن الفجر.
سابعها: قوله: "تدعونها العتمة" أي تسمونها، وفيه دليل على جواز تسميتها بذلك وإن تركها أحسن.
ثامنها: معنى "تَدحض" بفتح أوله وثالثه، تزول عن كبد
= بخلاف تسميتها عتمة، لأنه يشعر بخلاف ذلك وحاصل هذا ثبوت تسمية هذه الصلاة تارة عتمة وتارة عشاء. والاختيار أن يقول العشاء لقوله تعالى:{وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} . اهـ. من فتح الباري (2/ 45).
(1)
عبد الرزاق موقوفًا (1/ 566).
(2)
انظر: المهذب مع شرحه المجموع (3/ 43)، وتعقب النووي عليه في المجموع (3/ 46).
السماء، وهو الدلوك والميل أيضًا، فهذه أربعة أسماء لوقتها. والصلاة لها أوقات كما تقدم أيضًا، وظاهر قوله " [حين](1)
تدحض" يقتضي وقوع الظهر عند الزوال، فلا بد من تأويله، وقد يتمسك [به] (2) من يقول من أصحابنا: إن فضيلة أول الوقت
لا تحصل إلَّا إذا قدم ما يمكن تقديمه على الوقت: كالطهارة وغيرها، وهو ضعيف، إذ لا يمكن وقوع جميع الصلاة عند الزوال
لتعذره [ولا انطباق](3) أول جزء من الصلاة على أول جزء من الوقت لعسره، ولهذا كان الصحيح عند أصحابنا أن فضيلة [أول](4) الوقت يحصل بأن يشتغل بأسباب الصلاة كما دخل الوقت.
وقوله: "والشمس حية" حياتها صفاء لونها قبل أن تصفر أو تتغير.
وقيل: وجود حرها وهو مجاز عن نقاء بياضها، وعدم مخالطة الصفرة لها (5).
تاسعها: [قوله](6)"وكان يستحب أن يؤخر من العشاء" فيه [دليل على](7) استحباب التأخير قليلًا، لأن حرف التبعيض يدل
(1) في ن ب (حتى).
(2)
في ن ب ساقطة.
(3)
في ن ب (والانطباق).
(4)
زيادة من ن ب.
(5)
إحكام الأحكام مع الحاشيه (2/ 38).
(6)
في ن ب ساقطة.
(7)
زيادة من ن ب.
عليه، قاله الشيخ تقي الدين (1): وفيه نظر لأن التبعيض مطلق، لا دلالة فيه على القليل بخصوصه (2).
عاشرها: كره النوم قبلها خشية التمادي فيه إلى خروج وقتها المختار أو الضروري [أو](3)[لخشية](4) نسيانها وقد كرهه عمر وابنه وابن عباس وغيرهم من السلف، وبه قال مالك وأصحابنا، ورخص فيه علي وابن مسعود والكوفيون (5).
قال الطحاوي: رخص فيه بشرط أن يكون معه من يوقظه. وروى عن ابن عمر مثله، وخص بعضهم الرخصة برمضان، وكره
الحديث بعدها أي [بعد](6) فعلها، إما لخشية أن ينام عن الصبح بسبب سهره أول الليل، وإما لخشية الوقوع في [الغلط](7) واللغو وما لا ينبغي أن يختم به اليقظة، وهذا العموم يستثنى منه؛ إذا كان
(1) في إحكام الأحكام مع الحاشية (2/ 38).
(2)
قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في الحاشية (2/ 38)، في شرح الجامع على الكافية ما يشعر بأن دخول "من" التبعيضية على شيء بدل على أن المذكور بعدها أقل من البعض المقابل له، فإن تم فلا إطلاق. اهـ.
(3)
زيادة من ن ب.
(4)
في ن ب (خشية).
(5)
انظر: مصنف عبد الرزاق (1/ 561، 565) للاطلاع على هذه الآثار وما بعدها.
(6)
في ن ب ساقطة.
(7)
في ن ب (اللغط).
في خير كمذاكرة العلم ونحوه. وقد بوب البخاري عليه "باب: السمر في العلم"(1).
وقال القرطبي في تفسيره (2): في قوله تعالى: {سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)} (3).
سبب كراهة الحديث بعدها أن الصلاة قد كفرت خطاياه فينام على سلامة وقد ختم كتاب صحيفته بالعبادة.
وروى جابر مرفوعًا: "إياكم [والسهر] (4) بعد هدأة الرجل، فإن أحدكم لا يدري ما بيت الله من خلقه، أغلقوا الأبواب"(5) الحديث وروي عن عمر (6) أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول:"سمرًا أول الليل ونومًا آخره أريحوا كتابكم".
وقد قيل: الحكمة في ذلك أن الله جعله سكنًا فلا يخالف.
وقيل: إنه من أفعال الجاهلية فلا يتشبه بهم. وبالجملة فتقليل
(1) البخاري (1/ 211).
(2)
(12/ 136، 138).
(3)
سورة المؤمنون: آية 67.
(4)
في ن ب (والسمر).
(5)
الحاكم (4/ 284) مع اختلاف في بعض الألفاظ، ومصنف عبد الرزاق (11/ 46) عن طاوس، وحسنة الألباني في الصحيحة (4/ 345)، وصحيح الجامع (2/ 383).
(6)
مصنف عبد الرزاق رحمه الله باب النوم قبلها والسهر بعدها، وفيه عدة آثار قد رويت عن مجموعة من الصحابة رضي الله عنهم وأثر عمر رضي الله عنه برقم (2132، 2134).
الكلام بالشخص أولى ما لم يتعلق بمصلحة دينية أو دنيوية، سواء كان في ليل أو نهار.
ويقال: لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب، فنظمه بعضهم فقال:
إذا ما اضطررت إلى كلمة
…
فدعها وباب السكوت اقصد
فلو كان كلامك من فضة
…
لكان سكوتك من عسجد
وسأل بعضهم مالكًا رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه، فقال: أوصني. فقال: إن شئت جمعت لك: علم العلماء،
وحكم الحكماء، وطب الأطباء في ثلاث كلمات. أما علم العلماء إذا سئلت عما لا تعلم فقل: لا أعلم.
وأما حكم الحكماء: فإذا كنت جليس قوم فكن أسكتهم، فإن أصابوا كنت من جملتهم. وإن أخْطَأُوا سلمت من خَطَّائهم.
وأما طب الأطباء: فإذا أكلت طعامًا فلا تقم إلَّا ونفسك تشتهيه، فإنه لا يلم جسدك غير مرض الموت أو قريبًا من هذا وقال أيضًا:
من عبد كلامه من عمله قل كلامه. أي إلَّا فيما يعنيه.
وقيل: إنما جعل لك لسان واحد وأذنان، ليكون ما تسمع أكثر مما تقول.
الحادي عشر: استنبط ابن الصلاح في فتاويه (1) من النهي عن
(1) انظر: فتاوي ورسائل ابن الصلاح (1/ 228، 229).
النوم قبلها أنه لو قصد بالنوم حيث يحتمل عنده الاستيقاظ قبل خروج الوقت [وعدمه على السواء أنه يعصي، ولو غلب على ظنه الاستيقاظ قبل خروج الوقت](1) فيظهر عدم عصيانه، وإن غلب على ظنه أنه لا يستيقظ عصى قطعًا مهما نام بعد الوقت، أما إذا نام قبله فلا؛ لأن التكليف لم يتعلق به [ورع](2) يعلم من [عادته](3) أنه لا يستيقظ إلَّا بعد الوقت.
الثاني عشر: قوله: "وكان ينفتل من صلاة الغداة" إلى آخره فيه دلالة على ما تقدم من تقديم صلاة الصبح أول وقتها، فإن ابتداء
معرفة [الإِنسان](4) جليسه يكون مع بقاء الغلس.
وفيه دلالة أيضًا على أنه لا كراهة في تسمية الصبح غداة، وقد تقدم [ما فيه](5).
[الثالث عشر](6): معرفة الرجل جليسه حين يسلم هو نظره إلى وجهه، ولهذا جاء في رواية [في] (7) مسلم (8):"حين يعرف بعضًا وجه بعض" وليس في هذا مخالفة لقوله في الحديث السالف في
(1) الزيادة من ن ب.
(2)
هكذا كتابتها في المخطوطة، ولعله:"وإذ لم".
(3)
في ن ب (عاداته).
(4)
في ن ب (الآن).
(5)
في الأصل (فيه)، والتصحيح من ن ب.
(6)
في الأصل (الرابع عشر)، والتصحيح من ن ب.
(7)
زيادة من ن ب.
(8)
مسلم (640).
النساء "ما يعرفهن أحد من الغلس" لأن هذا إخبار عن رؤية جليسه، وذلك إخبار عن رؤية النساء من بعد.
[الرابع عشر](1): انفتاله عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون [أراد به الراوي السلام أي انفتل بوجهه للسلام.
ويحتمل أن يكون] (2) أراد [أنه](3) انفتل بجميع بدنه، وأقبل على المأمومين.
واعلم أنه إذا أراد الإمام أن ينفتل في المحراب ويقبل على [الناس](4) للذكر والدعاء جاز أن ينفتل كيف شاء، والأصح عندنا أن [الأفضل] (5) أن بجعل يمينه إليهم ويساره إلى المحراب. وقيل: عكسه، وهو مذهب أبي حنيفة.
وقال إمام الحرمين: إن لم يصح حديث يخير.
قلت: صح بالأول في مسلم (6) من حديث البراء رضي الله عنه وفي فوائد الرحلة (7) لابن الصلاح [عن المدخل](8) لزاهر
(1) في الأصل (الخامس عشر)، والتصحيح من ن ب.
(2)
في ن ب ساقطة.
(3)
في ن ب (به).
(4)
في الأصل (النساء)، والتصحيح من ن ب.
(5)
في ن ب ساقطة.
(6)
مسلم (709) في صلاة المسافرين ولفظه: "كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم أحببا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه"(الحديث).
(7)
ذكر هذا الكتاب صاحب هدية العارفين في كلامه عن مؤلفاته (1/ 654).
(8)
زيادة من ن ب.
السرخسي (1): أن الإمام إذا مسلم من الظهر أو المغرب أو العشاء قام ليركع السنة إما عن يمينه أو عن شماله، وإن سلم من الصبح أو العصر أقبل بوجهه على الناس.
ونقل ابن العطار في شرح هذا الكتاب: عن الشافعي ومن وافقه، وتبعه أن بقاء الإِمام مستقبل القبلة إذا لم يرد الانصراف أفضل
خصوصًا إن جلس للذكر والدعاء لقوله عليه السلام: "خير المجالس ما اُستقبل به القبلة"(2)، ولحثه عليه السلام على نوع من الذكر بعد الصبح، وهو ثان رجليه على هيئة الجلوس في الصلاة (3) قبل أن يقوم؛ لأنه أجمع للقلب، وأبعد من شغله، قال:
(1) زاهر بن أحمد بن محمد بن عيسى أبو علي السرخسي، مات في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وله ست وتسعون سنة. طبقات الشافعية (2/ 223)، المنتظم (7/ 206)، وهدية العارفين (1/ 372).
(2)
إتحاف السادة المتقين (4/ 371)(10، 107)، وتخريج الإِحياء (4/ 390)، وتاريخ أصبهان (1/ 217، 2/ 7)، وكشف الخفاء (1/ 474)، والدرر المنتثرة (81).
(3)
أصل الحديث في الترمذي برقم (3474) وفي عمل اليوم والليلة للنسائي برقم (127)، من رواية أبي ذر رضي الله عنه ولفظه: "من قال دبر صلاة الفجر وهو ثاني رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات
…
" الحديث. انظر: تنبيه القارئ للشيخ عبد الله الدويش -رحمنا الله وإياه- في طبعتي- حيث حكم عليه بالصحة رقم (32)، وقد صححه الألباني -حفظه الله- في السلسلة الصحيحة رقم (113)، وفي صحيح الترغيب (1/ 190)، وفي تمام المنة (229).
فيكون انفتاله عليه السلام على أحد الاحتمالين لبيان الجواز أو محمولًا على حالة دعت إليه مصلحتُها متعدية عامة. قال: وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى [أن](1) انفتال الإِمام إلى المأمومين بجميع بدنه عقب السلام أفضل، واستدل بأحاديث أخر، قال فيها: فلما [سلم](2) إنفتل، وأقبل على جلسائه، قال: والذي يقتضيه الجمع بين الأدلة أنه إن كانت المصلحة الشرعية في الاستقبال أكثر كان أفضل، وإن كانت في الانفتال إلى المأمومين [أفضل كان أكثر](3).
[الخامس عشر](4): قوله: "كان يقرأ بالستين إلى المائة" أي كان يقرأ بالستين من الآى المائة آية، وهذا يدل أيضًا على التقديم، لأن عليه الصلاة والسلام كان يرتل قراءته، ومع ذلك يكون فراغه عند ابتداء معرفة الرجل جليسه، وتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وهذا الحكم وهو التطويل في القراءة أمته فيه كهو. نعم إذا أموا خففوا إلَّا إذا رضوا بالتطويل وانحصروا.
[السادس عشر]: هل المراد بالجليس من جرت عادته مجالسته في غير الصلاة، أو [من](5) بإزائه في الصلاة عن يمينه أو يساره
(1) زيادة من ن ب.
(2)
في ن ب ساقطة.
(3)
تقديم وتأخير بين النسخ.
(4)
في الأصل (السادس عشر)، والتصحيح من ن ب
…
إلخ الأوجه فلينتبه.
(5)
زيادة من ن ب.
خاصة، فيه احتمال، والأول هو ظاهر اللفظ، لأن جليسًا "فعيل" وهو من أبنية المبالغة المشعرة بالتكرار والكثرة، ويختلف المعنى باختلاف ذلك، فإن معرفة من جرت عادته بمجالسته كثيرًا أسرع قطعًا من معرفة غيره.
[السابع عشر]: فيه تأدب الصغير مع الكبير عند السؤال، وفيه [جواز](1) مسارعة المفتي بالجواب إذا كان مستحضرًا له لإتيانه بالفاء المعقبة.
(1) في ن ب ساقطة.