المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الثالث 34/ 3/ 6 - عن ميمونة بنت الحارث -زوج - الإعلام بفوائد عمدة الأحكام - جـ ٢

[ابن الملقن]

فهرس الكتاب

- ‌6 - باب الجنابة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌7 - باب التيمم

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌8 - باب الحيض

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌9 - باب المواقيت

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس والسادس

- ‌الحديث السابع

- ‌11 - باب الأذان

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌12 - باب استقبال القبلة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌13 - باب الصفوف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌14 - باب الإِمامة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

الفصل: ‌ ‌الحديث الثالث 34/ 3/ 6 - عن ميمونة بنت الحارث -زوج

‌الحديث الثالث

34/ 3/ 6 - عن ميمونة بنت الحارث -زوج النبي صلى الله عليه وسلم- قالت: " [وضعت] (1) لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين -أو ثلاثًا- ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض، أو الحائط مرتين -أو ثلاثًا- ثم تمضمض واستنشق، [ثم] (2) غسل وجهه وذراعه، ثم أفاض على رأسه، ثم غسل جسده، ثم تنحَّى، فغسل رجليه. [قالت] (3): فأتيته بخرقة فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيده"(4).

الكلام عليه من وجوه:

(1) في ن ب (وضع).

(2)

زيادة من البخاري، الفتح (1/ 382).

(3)

زيادة من البخاري، الفتح (1/ 382).

(4)

البخاري (249، 257، 259، 260، 265، 266، 274، 276، 281)، ومسلم (377)، والترمذي برقم (103)، وأبو داود برقم (245)، والنسائي (1/ 137، 138)، وابن حبان (1187)، وابن خزيمة (1/ 120)، والدارمي (1/ 191).

ص: 34

أحدها: [في](1) التعريف براويه:

[ميمونة](2) هذه هلالية تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة ست، وقال جماعة: سنة سبع، قال محمد بن إبراهيم: في شوال، وفي الكلاباذي في [ذي القعدة](3) وبنى بها في ذي الحجة.

روي لها عن النبي صلى الله عليه وسلم ستة وأربعون حديثًا، اتفقا [منها](4) على سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم خمسة، قاله النووي، وقال ابن الجوزي: لها [ستة وسبعون](5) حديثًا، روى عنها ابن أختها ابن عباس وجماعة من التابعين.

قيل: كان اسمها (برة) فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة، وتوفيت بسرف لأنها اعتلَّت بمكة، فقالت: أخرجوني من مكة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أني لا أموت بها فحملوها حتى أتوا بها سرفًا فماتت هناك ودفنت بموضع القبة التي بني بها عندها، قاله البكري، وقال النسابة الحواني: ماتت بمكة فحملها ابن عباس على مناكب الرجال إلى سرف وهو بقرب مكة وهو ما بينه وبينها عشرة أميال، وقيل: ستة، وقيل: سبعة، وقيل: اثني عشر، وقيل: تسعة، ورأيت بخط [الصديقي] (6) عن عبد الغني أنه قال: بينهما تسعة أيام،

(1) زيادة من ن ب.

(2)

في ن ب (فميمونة).

(3)

في ن ب (ذي قعدة).

(4)

في ن ب ساقطة.

(5)

في ن ب (ستة وستون).

(6)

هكذا في الأصل وفي ن ب (الصريفيني)، وفي البحث عن ترجمة =

ص: 35

وهذا من طغيان القلم، وإنما أراد تسعة أميال.

وهي مشتقة من اليمن: وهو البركة، كانت أولًا عند أبي رهم بن عبد العزى العامري أو سخبرة (1) بن أبي رهم [أو خروبة](2) أو حويطب بن عبد العزى بن أخي أبي رهم، أقوال.

وتزوجها على خمسمائة درهم، وكان بعث جعفرًا وقد قدم من أرض الحبشة فخطبها له فجعلت أمرها إلى العباس، [وقيل] (3):

بعث أوس بن خولي وأبا رافع فزوجاه إياها، وفي رواية: قبل أن يخرج من المدينة (4). قال أبو رافع: تزوجها حلال (5). وقال ابن عباس: محرمًا (6)، قال الزهري: وهي الواهبة نفسها (7)، وقال غيره: الواهبة: زينب بت جحش، ويقال: أم شريك، وأختها أم

= عبد الغني في تلاميذه وجد أنه (أبو عبد الله الصوري) كما في تذكرة الحفاظ (1048)، والبداية والنهاية ووفيات الأعيان.

(1)

الذي ذكر في جمهرة أنساب العرب (169): أبو سبرة بن أبي رُهْم.

(2)

الذي في جمهرة أنساب العرب (198): "مخرمة" وأخويه هما أبو رهم وحويطب، ولم يذكر لحويطب ولد بهذا الاسم المذكور، والذي ذكر في سير أعلام النبلاء (2/ 239): تزوجها مسعود بن عمرو الثقفي قبيل الإِسلام، ففارقها، وتزوجها أبو رهم بن عبد العزى فمات، تزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم. وفي ن ب (ضَرُوبة).

(3)

في ن ب (وقد).

(4)

أخرجها مالك في الموطأ (1/ 438) في الحج، مرسل وإسناده صحيح.

(5)

ابن سعد في الطبقات (8/ 133)، والحاكم في المستدرك (4/ 31).

(6)

ابن سعد في الطبقات (8/ 135).

(7)

ابن سعد في الطبقات (8/ 137).

ص: 36

الفضل تحت العباس وهي أم عبد الله بن عباس، فهي خالة ابن عباس.

وفي وقت وفاتها ثمانية أقوال أوضحتها في كتابنا المسمى بـ"العدة في معرفة رجال العمدة"، أظهرها سنة إحدى وخمسين، وفي

الصحيح أنها توفيت قبل عائشة، وصلى عليها عبد الله بن عباس، ودخل قبرها هو ويزيد بن الأصم وعبد الله بن شداد أبناء أخواتها (1)، وربيبها عبد الله الخولاني، قال محمد بن عمرو وهي آخر من مات من أزواجه، وكان لها يوم توفيت ثمانون أو إحدى وثمانون سنة وكانت جلدة.

قلت: وقيل: إن أم سلمة كانت آخرهنَّ موتًا، ولا خلاف أنها آخر من تزوج بها.

الوجه الثاني: في ألفاظه:

الأول: قولها: "وضوء الجنابة" هو بفتح الواو أي: ماء الجنابة، وقد تقدم في الطهارة أن الوضوء بفتح الواو: هل هو اسم لمطلق الماء، أو للماء بقيد كونه معدًا للوضوء، أو للماء بقيد كونه مستعملًا في أعضاء الوضوء؟ ونقلنا عن الشيخ تقي الدين أن الأقرب إلى الحقيقة الثالث، وقد يؤخذ من هذا اللفظ أنه اسم لمطلق الماء فإنها لم تضفه إلى الوضوء بل إلى الجنابة، كأنه يريد: لو كان إنما يطلق على الماء مضافًا إلى الوضوء لم يضفه للجنابة.

(1) ذكر في سير أعلام النبلاء: أبناء أخواتها أربع: عبد الله بن عباس، ويزيد بن الأصم، وعبد الله بن شداد، وعبد الرحمن بن السائب الهلالي.

ص: 37

والظاهر أن الوضوء بالفتح هو: الماء المعد للغسل، وإن كان [يقال] (1) [له] (2): غسول؛ لشرفه، ولهذا يستحب تجديده بخلافه.

الثاني: معنى "أكفأ": قلب، وقد أسلفناه في كتاب الطهارة أنه (3) يستعمل رباعيًا وثلاثيًا بمعنى واحد، وكفأْت ثلاثيًا بمعنى قلبْت، وأكفأْت رباعيًا بمعنى أَمَلْت، وأنه مذهب الكسائي وغيره (4).

الثالث: يقال: يمين ويمنى، ويسار ويسرى، وهما مؤنثان، واليمنى من [اليمن](5)، كما سلف في باب الاستطابة، واليسرى هي الشؤما ضد اليمنى.

الرابع: قولها: "مرتين أو ثلاثًا" هما منصوبان على الظرف والعامل فيهما أكفأ.

الخامس: الفرج: العورة، قاله الجوهري، واعترض [عليه](6) بعض المالكية بأنه يلزم منه أن يقع الفرج على الدبر أيضًا إذ هو

عورة. ثم ادَّعى أن المعروف أن الفرج مختص بالقُبُل، والاست بالدُبُر. ولا يسلم له؛ فإن الفرج أصله لغة: الخلل بين شيئين، وذلك يعمهما، نعم المراد به هنا القبل فيما يظهر.

(1) في الأصل (يقول)، وما أثبت من ن ب.

(2)

في ن ب (بها).

(3)

في ن ب زيادة (تختلف هل).

(4)

انظر: (1/ 363) وص (372) تعليق (3).

(5)

في ن ب (اليمين).

(6)

زيادة من ن ب.

ص: 38

الوجه الثالث: في فوائده:

الأولى: الإِكفاء باليمين على اليسار سببه -والله أعلم- لأجل إدخال اليد الإِناء كما سلف في حديث عائشة.

الثانية: فيه أنه لا يقتصر ع لى مرة واحدة في السنة المذكورة، وقد تقدم ما فيه في كتاب الطهارة.

الثالثة: البدأة بغسل الفرج لإِزالة ما علق به من أذى، وينبغي أن يبدأ بغسله أولًا من الجنابة لئلا يحتاج إلى غسله مرة أخرى، وقد يقع ذلك بعد [غسل](1) أعضاء الوضوء فيحتاج إلى إعادة غسلها، فلو اقتصر على غسلة واحدة فهل هي كافية للحدث مع النجس أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا مبنيان على أن للماء قوتين أو واحدة، أصحهما عند الرافعي: لا، وعند النووي: نعم، وقد يقوى بأن الوارد في الحديث مطلق الغسل من غير ذكر تكرار، لكن قد يخدشه قوله بعده:"ثم غسل جسده".

تنبيه: غسل الواحد منا فرجه قبل وضوء الجنابة: إما لنجس كائن عليه، وإما لطاهر كالمني عند من يرى طهارته، وكرطوبة فرج

المرأة عند من قال بطهارته.

الرابعة: قولها: "ثم ضرب يده بالأرض" الظاهر: أنه من المقلوب، والأصل: ضرب الأرض بيده؛ لأن اليد هي الآلة والباء لا تدخل إلَّا على الآلة كضربت بالعصا وكتبت بالقلم وشبه ذلك، وقد جاء القلب كثيرًا في كلامهم، قالوا: عرضت الناقة على الحوض

(1) في ن ب ساقطة.

ص: 39

وأدخلت القلنسوة في رأسي، ومنه قوله تعالى:{لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} (1) أي العصبة تنوء بالمفاتيح لثقلها على ما قيل.

الخامسة: ضربه عليه السلام يده بالحائط أو الأرض لإِزالة ما عساه يعلق باليد من رائحته مبالغة في التنظيف، وقال الترمذي

الحكيم في علله: وقيل: إن من داوم عليه عوفي من ميتة السوء (2).

قلت: ويؤخذ من الحديث أنه يستحب للمستنجي بالماء إذا فرغ أن يغسل يديه بتراب أو أشنان أو يدلكهما بالأرض أو الحائط؛ ليذهب الاستقذار منها، وبه صرح الخفاف من قدماء أصحابنا في كتابه الخصال، فعد من سنن المستنجي أن يغسل يده بالأشنان بعد فراغه.

ويؤخذ منه أنه إذا غلب على ظنه زوال النجاسة ثم شم من يده ريحها [لا](3) يدل على بقائها في المحل وهو الأصح، وأما إذا زالت عين النجاسة وبقيت رائحتها لا يضر وهو الأصح، ووجه أخذ ذلك منه أن ضربه صلى الله عليه وسلم بالأرض أو الحائط لا بدَّ أن يكون لفائدة ولا جائزًا أن يكون لإِزالة العين لحصولها قبله، وإلَاّ لنجست الأرض أو الحائط [لملاقاتها](4) ولا تكون لإِزالة الطعم؛ لأنه دليل على بقاء العين، ولا لبقاء اللون لبُعده، وإن وُجد فنادر، فتعين أن يكون فعله

(1) سورة القصص: آية 76.

(2)

لم يرد فيه خبر من كتاب أو سنة صحيحة، وقد ذكر المؤلف الحكمة في ضربه للأرض.

(3)

في ن ب ساقطة.

(4)

في ن ب (بملاقاتها).

ص: 40

استظهارًا في زيادة التنظيف أو إزالة احتمال [وجود](1) رائحته مع الاكتفاء بالظن في زوالها.

السادسة: قولها: "ثم تمضمض واستنشق" فيه مشروعيتهما في الغسل، وقد تقدم الخلاف في الوجوب فيه في بابه واضحًا فإن

تمسك به من يرى بوجوبهما فيه فلا دلالة له فيه، لأن فعله صلى الله عليه وسلم لا يدل على الوجوب، إلَّا ما كان بيانًا [لمجمل](2) تعلق به الوجوب على المختار، وليس الأمر بالغسل من الجنابة من قبل المجملات.

السابعة: لم يذكر في هذا الحديث أنه مسح برأسه، وهو قول عند المالكية على القول بتأخير غسل الرجلين، حكاه الشيخ تقي

الدين (3)، ويحتمل أن يكون اكتفى بالإِفاضة على الرأس عنه، لأن فيه معنى المسح وزيادة، وقد اختلف أصحابنا في قيام غسل الرأس مقام مسحها على وجهين، وصححوا الجواز.

[وهل](4) يكره؟ فيه وجهان، أصحهما: لا؛ لأنه الأصل، وقيل: نعم كغسل الخف بدل مسحه، لكن الفرق بينهما أن فيه

إضاعة مال بخلافه.

ثم [وقع](5) في شرح ابن العطار أن أصحابنا اختلفوا في أن

(1) في ن ب ساقطة، والزيادة من ن ب.

(2)

في ن ب (المحل).

(3)

إحكام الأحكام (1/ 384).

(4)

في الأصل (وقيل)، وما أثبت من ن ب.

(5)

في ن ب (ووقع).

ص: 41

غسل الرأس والخُف: هل يقوم مقام مسحهما؟ على ثلاثة أوجه: أصحها أنه يجزئ في الرأس ولا يجزئ في الخف، وهو كما قاله من حكاية الخلاف دون التصحيح، فإن الأصح الأجزاء فيهما كما ذكره الرافعي والنووي وغيرهما، فاعلمه.

الثامنة: قد يستدل بهذا الحديث على أن من غسل يديه قبل إدخالهما الإِناء ثم أحدث في أثناء وضوئه أنه لا يعيد غسلهما؛ فإنه

عليه السلام غسل يديه، ثم بعد غسلهما غسل فرجه ولم يعد غسلهما بعد ذلك.

التاسعة: قولها: "ثم تنحى فغسل رجليه" فيه إشعار بتأخير غسل القدمين وهو [أحسن](1) القولين عندنا وعند المالكية، قال القرطبي (2): وذلك ليكون الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، قال: وروي عن مالك أنه إذا أخرهما أعاد وضوءه عند الفراغ، قال: والأظهر الاستحباب؛ لدوام النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقال المازري (3): ليس في الحديث تصريح بالتأخير بل هو محتمل؛ لأن قولها "توضأ وضوءه للصلاة" ظاهره إكماله، [وغسلهما](4) بعد ذلك يحتمل؛ لما نالهما من تلك البقعة.

وقال القاضي عياض: ظاهر قولها في الأحاديث إتمام الوضوء. وإليه نحا ابن حبيب.

(1) في ن ب (أحد).

(2)

في المفهم (2/ 681)، والمنتقى للباجي (1/ 93).

(3)

المعلم (1/ 375).

(4)

في الأصل (ويغسلهما)، والتصحيح من ن ب.

ص: 42

قلت: وهو الأصح عند الشافعية والمشهور عند المالكية، وروي عن مالك أن التأخير واسع، وفي مذهب مالك قول آخر أنه إن كان الموضع نظيفًا فلا يؤخر، وإن كان وسخًا والماء قيلًا أخَّر؛ جمعًا بين الأحاديث، واختيار أبي حنيفة التأخير، وقال في المبسوط: إن كان الموضع وسخًا أخَّرهما، وإن كان طاهرًا قدَّمهما.

العاشرة: قال القاضي عياض: في تنحيته لغسل رجليه حجة في أن التفريق اليسير غير مؤثر في الطهارة، وما ذكره إنما يتأتى إذا

قلنا بأنه لم يكمل وضوءه.

فإن قلنا [إنه](1) أكمله فلا حجة فيه، وقد يقال: أخرهما للمانع السالف عن [المازري](2)، ولا يلزم منه التأخير مطلقًا. الحادية عشرة: قولها: "فأتيته بخرقة فلم يردها" هذه الخرقة جاءت [غير](3) مسماة في هذا الحديث، وفي رواية [الدارمي](4)(5)"فأعطيته ملحفة فأبى"، وفي الأحكام (6) لأبي علي الطوسي

(1) في ن ب (بأنه).

(2)

في ن ب (الماوردي). انظر: ت (3)، في الصفحة السابقة.

(3)

زيادة من ن ب.

(4)

في الأصل (الدارقطني)، والتصحيح من ن ب.

(5)

أخرجها الدارمي (1/ 191).

(6)

مختصر الأحكام (1/ 307)، والطوسي: هو الإِمام الحافظ المجود أبو علي الحسن بن علي بن نصر، ولد سنة اثنين وعشرين ومائتين، وتوفي بطوس سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. انظر: طبقات علماء الحديث (2/ 498)، وتذكرة الحفاظ (3/ 787)، ولسان الميزان (2/ 232)، وسير أعلام النبلاء (8/ 15).

ص: 43

مصححًا: "فأتيته بثوب فقال بيده هكذا".

ويؤخذ من [ذلك](1) كله استحباب ترك تنشيف الأعضاء، وفي المسألة ثلاث مذاهب:

أحدها: أنه يكره في الوضوء والغسل، وهو قول ابن عمر وابن أبي ليلى.

وثانيها: لا بأس به فيهما، وهو قول أنس بن مالك والثوري وبه قال مالك.

وثالثها: يكره في الوضوء دون الغسل، روي عن ابن عباس، قال القرطبي (2): وإلى الأول مال أصحاب الشافعي.

قلت: هو أحد أوجه خمسة عندهم، وقد اضطرب في الراجح عندهم منها كما أوضحته في شرح المنهاج وغيره فإنه محله، [والمختار](3) أنه مباح يستوي فعله وتركه، قال القرطبي (4): وقالوا: هو أثر عبادة فيكره إزالته كدم الشهيد وخلوف فم الصائم، قال: ولا حجة في الحديث، لاحتمال أن يكون رده إياه لشيء رآه بالمنديل،-أي من وسخ أو صبغ من زعفران أو نحوه- أو لاستعجاله للصلاة، أو تواضعًا أو مجانبًا لعادة المترفهين، وأما القياس فلا نسلمه. قال الترمذي: لا يصح في الباب شيء، يعني في

(1) في ن ب (هذا).

(2)

المفهم (2/ 682).

(3)

في الأصل (واختار)، والتصحيح من ن ب.

(4)

المفهم (2/ 681).

ص: 44

التنشيف (1).

قلت: واحتج بعضهم بهذا الحديث على إباحته حيث نفض الماء بيده، قال: فإذا كان النفض مباحًا كان التنشيف مثله أو أولى؛ لاشتراكهما في إزالة الماء. ووقع [للمازري](2) أنه لا خلاف أن التنشيف لا يستحب، وإنما وقع الخلاف في الكراهة.

قلت: لكن بعض أصحابنا قال باستحبابه. ووقع في شرح ابن العطار أنا لا نعلم أحدًا من العلماء قال باستحبابه، وهو غريب فإنه وجه في مذهبه، وكأنه تبع المازري (3) في ذلك، واحتج من قال بعدم كراهته في الوضوء والغسل بحديث [سعد](4) بن عبادة أنه عليه السلام التحف بملحفة بعد الغسل، لكنه قد ضُعِّف (5). وحديث معاذ أنه عليه السلام كان يمسح وجهه بطرف ثوبه، لكنه ضعيف (6).

(1) انظر: سنن الترمذي رقم (53).

(2)

في جميع النسخ الماوردي، وما أثبت من المعلم (1/ 375)، ويدل عليه ما يأتي في التعليق (3).

(3)

انظر: المعلم (1/ 375).

(4)

في ن ب (سعيد).

(5)

الحديث رواه قيس بن سعد بن عبادة، وليس والده سعد كما ذكره، وهو مخرج في مسند أحمد (3/ 421)، وأبو داود (5163) عون المعبود.

(6)

في الأصل (ضعف). أخرجه الترمذي برقم (54)، وقد قوَّي الحديث أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي، ونقل عن أئمة الجرح والتعديل ما يقوي رشدين بن سعد، وعبد الرحمن بن زياد الأفريقي، أما البغوي في شرح السنة (2/ 15) فقال: إسناده ضعيف. اهـ. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (1/ 236).

ص: 45

وحجة القول الثالث: أن أم سلمة ناولته الثوب ليتنشف به فلم يأخذه، وحجة الثاني أنه عليه السلام كانت له خرقة يتنشف بها لكنه ضعيف (1) أيضًا أو يحمل كما قاله القاضي عياض على الضرورة وشدة البرد ليزيل برد الماء عن أعضائه صلى الله عليه وسلم.

الثانية عشرة: قولها: "وجعل ينفض الماء بيده" فيه دليل على أن نفض اليد بعد الغسل والوضوء لا بأس له [كما](2) قال القرطبي، وفيه رد على من كره التمندل وقال إن الوضوء يوزن، إذ لو كان كما قال لما نفضه عنه؛ لأن النفض كالمسح في إتلاف ذلك [الماء](3)(4).

قلت: والمسألة عندنا فيها ثلاثة أوجه ذكرتها في شرح المنهاج والتنبيه. والمختار أنه مباح يستوي فعله وتركه.

(1) هذا مروي عن عائشة رضي الله عنها وأخرجه الترمذي برقم (53)، قالت:"كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خرقة ينشف بها بعد الوضوء". قال الترمذي: حديث عائشة ليس بالقائم. ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء. وقال البغوي: في شرح السنة (2/ 15): إسناده ضعيف.

(2)

في ن ب ساقطة.

(3)

زيادة من ن ب.

(4)

قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على الترمذي (2/ 77): هذا تعليل غير صحيح، فإن ميزان الأعمال يوم القيامة ليس كموازين الدنيا، ولا هو مما يدخل تحت الحس في هذه الحياة، وإنما هي أمور من الغيب الذي نؤمن به كما ورد، ذكره الترمذي عن سعيد بن المسيب والزهري.

ص: 46

الثالثة عشرة: يؤخذ من الحديث إعداد ماء الغسل كالوضوء.

الرابعة عشرة: يؤخذ منه [أيضًا](1) استحباب تقديم غسل الفرج كما [سلف](2)، ثم الوضوء بعده ثم إفاضة الماء على الرأس ثم على سائر الجسد.

الخامسة عشرة: يؤخذ منه أيضًا استحباب التنحي من المغتسل إذا كان وسخًا لغسل القدمين سواء أكمل وضوءه قبل الغسل أم لا.

(1) في ن ب ساقطة.

(2)

في ن ب ساقطة.

ص: 47