الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
33/ 2/ 6 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، [ثم] (1) اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده"(2)، وقالت:"كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، نغترف منه جميعًا"(3).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في راويه، وقد سبق التعريف به في الطهارة.
ثانيها: في ألفاظه:
الأول: "كان" هنا تدل على الملازمة والتكرار كقول ابن عباس: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير" ويقال: كان فلان
(1) في الأصل ساقطة، وما أثبت من ن ب.
(2)
البخاري (248، 262، 272)، ومسلم (316)، وابن حبان (1188، 1191، 1194)، وأبو داود (242)، والترمذي (104)، وأحمد في المسند (1/ 307، 330).
(3)
أخرجها البخاري برقم (273)، ومسلم برقم (321)، والدارمي (1/ 191، 192، وأحمد في المسند (6/ 193، 231، 281).
يقري الضيف، وقد تستعمل كان لإِفادة مجرد الفعل ووقوعه دون الدلالة على التكرار، والأول أكثر في الاستعمال.
الثاني: قولها: "إذا اغتسل" يحتمل أن يكون من باب قوله [تعالى](1): {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} (2) أي: إذا أراد الاغتسال. ويحتمل أن يكون اغتسل بمعنى شرع فيه، فإنه يقال: فعل كذا [إذا](3) فرغ منه، وفعل إذا شرع فيه، فإذا حملنا اغتسل على معنى شرع صحّ؛ لأنه يمكن أن يكون الشروع وقت [الابتداء](4) بغسل اليدين، وهذا بخلاف الآية فإنه لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة وقت الاستعاذة [فلهذا تعين حمله على الإِراد فقط.
وقولها: "من الجنابة"(من) هنا بمعنى السببية مجازًا عن ابتداء الغاية من حيث إن السبب مصدر المسبب ومنشأ له، فتكون الجنابة هنا بمعنى الأمر الحكمي الذي يتسبب عن التقاء الختانين أو الإِنزال] (5).
الثالث: "أروى" مأخوذ من الري الذي هو خلاف العطش وهو مجاز في ابتلال الشعر بالماء، تقول: رويت من الماء -بالكسر- أروى بالفتح رَيًا وريًّا وروى، وأرويته [أنا](6). والمقصود بالإِرواء
(1) ساقطة من الأصل.
(2)
سورة النحل: آية 98.
(3)
ساقطة من الأصل.
(4)
في ن ب (للبدأة).
(5)
زيادة من ن ب.
(6)
زيادة من ن ب.
هنا: الوصول إلى جميع الجلد، والغالب أنه لا يصل إليه [إلَّا](1) وقد ابتلت أصول الشعر أو كله، فإن البشرة ظاهر الجلد [كما ستعلمه على الأثر.
الرابع: البشرة: ظاهر الجلد] (2) وهذا هو المشهور، وقال أبو جعفر النحاس (3) في كتابه "الاشتقاق" في الكلام على آدم: العرب سمَّت الجلد الظاهر: أدمة، والباطن: بشرة، قال: وحكى الأصمعي (4): أن ظاهر [بشر](5) الإِنسان من رأسه وسائر جسده البشرة، وباطنه الأدمة، وإطلاق البشرة على الباطن غريب وليس [وهو](6) مراد الحديث ولا الفقهاء.
وقال صاحب المهذب (7): جلدة الرأس تسمى الفروة [والشواة](8)، وجلدة سائر الجسد يقال: لها البشرة: وظاهر
(1) ساقطة من ن ب.
(2)
في ن ب ساقطة.
(3)
هو أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس المتوفي سنة (338). سير أعلام النبلاء (15/ 401).
(4)
في كتابه "خلق الإِنسان" مطبوع ضمن "الكنز اللغوي" عام (1903 م)، والأصمعي هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب المتوفى سنة (216)، وله مؤلفات، منها:"غريب القرآن"، "غريب الحديث"، "النوادر"، "ما تلحن فيه العامة". سير أعلام النبلاء (10/ 175).
(5)
في ن ب (جسد).
(6)
زيادة من ن ب.
(7)
تهذيب اللغة (11/ 442)، وخلق الإِنسان للزجاج (21).
(8)
في الأصل (السوة)، وما أثبت من ن ب ومن المراجع السابقة.
الحديث يرد عليه فإنه أطلق على جلدة الرأس اسم البشرة.
الخاص: "الإِفاضة": الإِفراغ، يقال: فاض الماء إذا جرى، وفاض الدمع إذا سال.
السادس: "سائر" هنا بمعنى باقي وهو الأصل في استعمالها، وقد تستعمل بمعنى الجميع لكن الاستعمال الأول متعين هنا لذكرها الرأس أولًا وهو مأخوذ من السور، وغلّط الحريري (1) في "درته"(2) من استعمله بمعنى الجميع، واستدلَّ على ذلك بحديث غيلان الثقفي الذي قال [له] (3) [عليه السلام] (4):"أمسك أربعًا وفارق سائرهن"(5) أي باقيهن بعد الأربع المختارات، قال: والصحيح أنه يستعمل في كل باقي قلّ أو كثر، لإِجماع أهل اللغة إن معنى "إذا شربتم فأسئروا" (6): أي أبقوا بقية، لأن المراد به أن يشرب الأقل ويبقى
(1) هو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد الحريري المتوفي سنة (516)، وسير أعلام النبلاء (19/ 460).
(2)
الدرة للحريري (3، 4).
(3)
في ن ب ساقطة.
(4)
في ن ب عليه الصلاة والسلام.
(5)
الموطأ (1/ 56)، والترمذي (1128) في النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة؛ وابن ماجه (1953) النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، وصححه الحاكم (2/ 192)، والحافظ في التلخيص (3/ 169).
(6)
انظر إلى معنى هذه المادة والحديث: لسان العرب (6/ 132)، وفيه:"فَأَسْئروا".
الأكثر، وإنما ندب [إلى التأدب](1) بذلك لأن الإِكثار من المطعم والمشرب منبأة عن النهم وملامة عند العرب (2).
السابع: "الجسد": البدن، وهو لفظ مشترك يطلق على الزعفران ونحوه من الصبغ وهو الدم أيضًا، ومصدر جسدته الدم تجسيدًا: إذا [أطبق](3) به.
ثالثها: في فوائده:
الأولى: قولها "غسل يديه" أي قبل إدخالهما الإناء كما جاء مصرحًا به في رواية، ولا خلاف في مشروعية ذلك، وإنما الخلاف
في وجوبه كما تقدم في الطهارة.
الثانية: قولها "وتوضأ وضوءه للصلاة" فيه استحباب تقديم أعفاء الوضوء [للغسل](4)، قال الشيخ تقي الدين (5): وهل هو وضوء حقيقة فيكتفى به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة؟ فإن موجب
(1) في الأصل (التأدب)، وما أثبت من ن ب والدرة.
(2)
في الدرة زيادة "ومنه ما جاء في حديث أم زرع عن التي ذمت زوجها إن أكل لف وإن شرب اشتف" أي تناهى في الشرب إلى أن يستأصل الشفافة وهي ما يبقى من الشراب في الإِناء.
ومما يدل على أن سائر بمعنى "باقي" ما أنشده سيبويه:
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه
…
وسائره بادٍ إلى الشمس أجمع
إلى آخر ما قال
…
(3)
في ن ب (لصق). وانظر معناه: في مختار الصحاح (50).
(4)
في ن ب (في الغسل).
(5)
إحكام الأحكام (1/ 372).
الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحدًا، وإنما هو عن الجنابة وقدمت على بقية الجسد تكريمًا لها ويدرج الأصغر فيه، ينبغي أن يقع البحث فيه، قال: وقد يقول قائل: قولها: "وضوءه للصلاة" مصدر مشبه تقديره: وضوءًا مثل وضوء الصلاة [فيلزم](1) لأجل ذلك أن تكون هذه الأعضاء مغسولة عن الجنابة؛ لأنها لو كانت مغسولة عن الوضوء حقيقة لكان قد توضأ غير الوضوء للصلاة فلا يصح التشبيه؛ لأن التشبيه [يقتضي تغاير المشبه](2) والمشبه به، فإذا جعلناها مغسولة للجنابة صح التغاير وكان التشبيه في الصورة الظاهرة. وجوابه -بعد تسليم كونه مصدرًا مشبهًا- من وجهين:
الأول: أن يكون شبه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة في غير غسل الجنابة، والوضوء بقيد كونه في غسل الجناية [بقيد](3) مغايرًا للوضوء بقيد كونه خارج غسل الجنابة، فيحصل التغاير الذي يقتضي صحة التشبيه، ولا يلزم منه عدم كونه وضوءًا للصلاة حقيقة.
الثاني: لما كان وضوء الصلاة أو صورته معنوية ذهنية، فشبه هذا الفرد الذي وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال: أوقع في الخارج ما يطابق الصورة الذهنية لوضوء الصلاة.
قلت: قد صرَّح بالبحث الثاني الداودي من الشافعية حيث
(1) في ن ب (يلزم).
(2)
في الأصل ساقطة.
(3)
في ن ب ساقطة.
قال: قول الشافعي: "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة" أي يقدم غسل أعضاء وضوءه على غيرها من الأعضاء على ترتيب الوضوء لكن
بنية غسل الجنابة لا أن ذلك وضوء. هذا لفظه، وقد ذكرته في شرحي الصغير للمنهاج وهو غريب منه [في المذهب](1).
وادّعى أبو ثور (2) وجوب الوضوء قبل الغسل [و](3) لا دليل له من هذا الحديث ولا من غيره؛ لأن فعله عليه السلام محمول على الاستحباب إلَّا أن يدل دليل على الوجوب.
الثالثة: قولها: "وضوءه للصلاة" ظاهره إكمال الوضوء، وسيأتي الخلاف في ذلك في الحديث الآتي على الأثر إن شاء الله. الرابعة: قولها: "ثم اغتسل" يعني ما هو مشروع معلوم عندكم، ثم ذكرت بعض هيئاته فقالت:"ثم يخلل بيده شعره" وحقيقة التخليل ستأتي، ويجوز أن يكون المراد بالاغتسال هنا صب الماء على الرأس، قال القاضي [عياض] (4): واحتج بعضهم به على تخليل شعر اللحية في الغسل فإنه لم يجر في الحديث ذكر الرأس حتى يكون مختصًا بشعره، قال: وعندنا في تخليل شعرها قولان، ومنهم من احتج بالقياس على تخليل شعر الرأس.
تنبيه: حقيقة التخليل: إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر،
(1) في ن ب ساقطة.
(2)
انظر: فقه أبي ثور (147).
(3)
في ن ب ساقطة.
(4)
في ن ب ساقطة.
لكن هل يكون مع بلل الأصابع بغير نقل ماء، أو بنقل ماء؟ أشار بعضهم إلى ترجيح الثاني لرواية مسلم: "ثم يأخذ الماء فيدخل
أصابعه في أصول الشعر" وذكر النسائي في سننه ما يبين هذا حيث بوب: تخليل الجنب رأسه، وأدخل حديث عائشة هذا فقال فيه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشرب رأسه ثم يحثي عليه ثلاثًا" (1). وهذا فيه رد على الأول لأنه لا يقال: أشربت رأسي، بغير ماء.
فائدة: للتخليل فوائد ثلاث:
تسهيل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة.
ثانيها: مباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه.
ثالثها: تأنيس البشرة خشية أن يصيب بصبه [دفعة](2) آفة في رأسه.
الخامسة: قولها: "حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته". يحتمل أن تريد بالظن هنا اليقين وقد كثر في كلام العرب، قال تعالى:{فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} (3)، أي أيقنوا؛ لأنه وقت رفع الشكوك والظنون، ويحتمل أن يكون الظن هنا على بابه؛ لأنه كافٍ، ويؤيده قولها بعد ذلك:"أفاض عليه الماء ثلاثًا"؛ لأنه ما اكتفى بري البشرة الذي لزم منه حصول الواجب حتى [ثلّث](4) بعد ذلك.
(1) النسائي (1/ 135).
(2)
في ن ب ساقطة.
(3)
سورة الكهف: آية 53.
(4)
في ن ب (ثبت).
السادسة: فيه استحباب تثليث الغسل، وخالف فيه من أصحابنا الماوردي (1) فقال: لا يستحب.
قال القاضي عياض: ولم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، قال: وقال بعض شيوخنا: إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه.
وقال [الباجي](2): يحتمل أن يكون أتى بالثلاث كما ورد في الطهارة من التكرار، ويحتمل أن يكون للمبالغة فإنه لا يكفيه الغرفة الواحدة.
وقال القاضي: ذكر عن بعضهم أن الثلاث غرفات مستحبة، ومن قال: إن التكرار غير مشروع في الغسل، حمل الثلاث على الرأس [واحدة للشق الأيمن وواحدة للأيسر وواحدة لوسط الرأس](3)، ويدل على صحة هذا الحمل قولها: في الحديث الآخر أي في البخاري: "أخذ بكفيه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه"(4).
السابعة: فرق في الحديث بين إفاضة الماء وبين الغسل شروعه فذكرت إفاضة الماء مجردة بعد حصول التخليل ثم الغسل، فاستدلّ به المالكية على أن الغسل لا يكون إلَّا مع الدلك وإلَّا فلا فائدة
(1) الحاوي الكبير (1/ 269).
(2)
في ن ب (القاضي). انظر: المنتقى (1/ 94).
(3)
في ن ب ساقطة.
(4)
البخاري (258).
للتفرقة، وأنصف [المازري] (1) المالكي فقال: الحديث حجة للشافعية على عدم وجوب الدلك؛ لأن إفاضة الماء تكون مع الدلك ودونه بخلاف الغسل، فيحمل المطلق على المقيد.
الثامنة: فيه جواز اغتسال الرجل والمرأة [جميعا](2) من إناء واحد وأن اغترافهما من الإِناء يكون على التعاقب؛ لغلبة صغر أوانيهم وتعذر تساويهما في الاغتراف من غير تعاقب، فيقتضي جواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة لتأخر اغتراف الرجل عن المرأة في بعض الاغترافات، وإن كان لفظ الحديث محتمل لشروعهما في الاغتسال دفعة واحدة لكن ليس فيه عموم.
واعلم أن الإِجماع قام على جواز [طهر](3) الرجل والمرأة من إناء واحد كما نقله القاضي ثم النووي في شرحهما (4) لمسلم (5)، وقال القرطبي: هو متفق عليه بين الأمة إلَّا شيء روي من ذلك عن أبي هريرة.
وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فجائز بالإِجماع كما [نقله](6) النووي أيضًا.
(1) في الأصل (الماوردي)، والتصحيح من ن ب. انظر: المعلم (1/ 376) بمعناه.
(2)
في ن ب ساقطة.
(3)
في ن ب (تطهير).
(4)
شرح مسلم للنووي (4/ 2).
(5)
النووي (4/ 2).
(6)
في ن ب ساقطة.
وأما تطهير الرجل بفضلها فهو جائز عند الشافعي ومالك وأبي خيفة والجمهور، سواء خلت به أو لم تخل.
قال أصحاب الشافعي: ولا كراهة في ذلك.
وروي عن ابن المسيب والحسن كراهة فضل [وضوئها طهارة الرجل وغسلها](1)، وكره أحمد فضل [وضوئهما وغسلهما](2)، وشرط ابن عمر: إذا كان أحدهما جنبًا أو المرأة حائضًا، [وما نقلناه](3) عن ابن المسيب والحسن وأحمد هو ما نقله القرطبي (4)، ونقل النووي عن الأولين كراهة فضلها مطلقًا، [وعن أحمد وداود: أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها] (5)، قال: وروي عن [عبد الله](6) بن سرجس والحسن البصري قال: وروي عن أحمد كمذهبنا (7).
والمختار ما قاله الجمهور؛ للأحاديث الواردة في تطهره صلى الله عليه وسلم مع أزواجه وكل واحد منهما يستعمل فضل صاحبه ولا تأثير للخلوة، وقد ثبت في الحديث الآخر:"أنه عليه السلام اغتسل بفضل بعض أزواجه" رواه أبو داود والترمذي والنسائي، قال الترمذي: حسن
(1) في الأصل (وضوئهما)، وما أثبت من ن ب.
(2)
هكذا العبارة في الأصل.
(3)
في الأصل (وما نقله)، وما أثبت من ن ب.
(4)
المفهم (2/ 688).
(5)
في ن ب ساقطة.
(6)
في ن ب (عبد). انظر: معجم فقه السلف (1/ 95 م 109)(1/ 99 م 114).
(7)
انظر: شرح مسلم للنووي (4/ 2) بمعناه.
صحيح (1).
وأما الحديث الذي جاء بالنهي وهو حديث الحكم بن عمرو فأجاب العلماء عنه.
أحدها: أنه ضعيف، ضعّفه أئمة الحديث، منهم البخاري وغيره.
والثاني: أن المراد النهي عن فضل أعضائها وهو المتساقط منها وذلك مستعمل.
والثالث: أن النهي للاستحباب والأفضل.
وقال القرطبي (2): سبب اختلافهم في المسألة اختلافهم في تصحيح أحاديث النهي الواردة في ذلك، ومن صححها اختلفوا أيضًا في الأرجح منها أو ما يعارضها، كحديث ميمونة أنه عليه السلام توضأ
(1) ولفظه: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" أخرجه النسائي (1/ 179)، والترمذي (63، 64)، وأبو داود (82)، وابن ماجه (373)، والطيالسي (1252)، وأحمد (4/ 213)(5/ 66)، والدارقطني (1/ 53)، والبيهقي (1/ 191)، وابن حزم في المحلى (1/ 212).
والحديث صححه ابن حجر في الفتح (1/ 300)، وفي بلوغ المرام قال: إسناده صحيح والألباني في الإِرواء (11). وانظر كلام البيهقي عليه. وأيضًا انظر: تنقيح التحقيق (1/ 215).
وصححه ابن خزيمة والحاكم في المستدرك (1/ 159)، ووافقه الذهبي، قال: احتج البخاري بعكرمة، ومسلم بسماك، والخبر صحيح لا يحفظ له علة. وقال ابن حجر رحمه الله في الفتح (1/ 300): وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشائخه إلَّا صحيح حديثهم.
(2)
المفهم (2/ 688).
بفضلها (1)، وكحديث ابن عباس الذي في الترمذي (2)، ولا شك أن حديث عائشة هذا وغيره أصح وأشهر فالعمل به أولى، وأيضًا فقد اتفقوا على غسلهما معًا مع أن كل واحد منهما يغتسل مما يفضله صاحبه عن غرفه.
التاسعة: قال ابن القطان (3) في أحكام النظر (4): سئل مالك: أيجامع الرجل زوجته وليس بينهما ستر، قال: نعم، فقيل له: إنهم يرون كراهة ذلك، فقال: قد كان صلى الله عليه وسلم وعائشة يغتسلان عريانين، والجماع أولى بالتجرد، وقال: لا بأس أن ينظر إلى فرجها في الجماع، قلت: وهو المرجح عندنا أيضًا (5).
العاشرة: يؤخذ من الحديث أيضًا أن أفعاله عليه السلام حجة كأقواله.
(1) أخرجه مسلم (323).
(2)
ابن الجارود (48)، وابن ماجه (371)، والطيالسي (1/ 42)، والترمذي (65)، وأبو داود (66)، والدارقطني (1/ 52). فالجمع بين ما ظاهره التعارض بين هذه الأحاديث، فما جاء في الوضوء بفضلها فمحمول على الإِباحة، وما ورد من النهي محمول على التنزيه أو حين انفرادها.
(3)
الشيخ الإِمام الفقيه المحدث الحافظ أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم المعروف بالقطان الفاسي من حفاظ الحديث، ولد سنة خمسمائة واثنين وستين وتوفي سنة ستمائة وثمان وعشرين. الأعلام للزركشي (4/ 331).
(4)
أحكام النظر (41).
(5)
نص على ذلك النووي في الروضة ورأى عدم تحريم النظر. انظر: روضة الطالبين (7/ 27)، والمغني (6/ 557)، والإِنصاف (8/ 32)، وشرح الزرقاني (3/ 163)، ونهاية (6/ 199).