المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الجواب عن كلامه يا هذا أسهبت وأطنبت وبحبة خردل ما أتيت كثر كلامك فكثر غلطك وقلت فائدته فظهر قصورك وسقطك ومن كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كانت النار أولى به أعميت لجهلك بلحنه ولم تتفطن لتثبيجه ولحنه فلقد استسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم - الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام

[القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌صدر الْكتاب

- ‌فصل

- ‌فِي بَيَان مذاهبهم فِي الأقانيم وَإِبْطَال قَوْلهم فِيهَا

- ‌أقانيم الْقُدْرَة وَالْعلم والحياة

- ‌دَلِيل التَّثْلِيث

- ‌الْفَصْل الأول

- ‌فِي حِكَايَة كَلَام السَّائِل وَ‌‌الْجَوَاب عَنهُ

- ‌الْجَوَاب عَنهُ

- ‌الْفَصْل الثَّانِي

- ‌فِي حِكَايَة كَلَامه أَيْضا

- ‌وَالْجَوَاب عَن قَوْله

- ‌الْفَصْل الثَّالِث

- ‌فِي حِكَايَة كَلَامه أَيْضا

- ‌الْجَواب عَن مَا ذكر

- ‌الْفَصْل الرَّابِع

- ‌فِي حِكَايَة كَلَامه أَيْضا

- ‌الْجَواب عَنهُ

- ‌الْفَصْل الْخَامِس

- ‌قَالُوا

- ‌الْجَواب عَن مَا ذكره الْمصدر كَلَامه

- ‌فِي بَيَان مذاهبهم فِي الإتحاد والحلول وَإِبْطَال قَوْلهم فِيهَا

- ‌معنى الإتحاد

- ‌تجسد الْوَاسِطَة

- ‌مَذْهَب أغشتين إِذْ هُوَ زعيم القسيسين

- ‌الْفَصْل الأول

- ‌فِي حِكَايَة كَلَام هَذَا السَّائِل

- ‌الْجَواب عَن كَلَامه

- ‌الْفَصْل الثَّانِي

- ‌من حِكَايَة كَلَامه أَيْضا

- ‌الْجَواب عَنهُ

- ‌الْفَصْل الثَّالِث

- ‌من حِكَايَة كَلَام السَّائِل

- ‌الْجَواب عَنهُ

- ‌الْفَصْل الرَّابِع

- ‌من حِكَايَة كَلَامه

- ‌الْجَواب عَمَّا ذكره

- ‌الْفَصْل الْخَامِس

- ‌الْجَواب عَن كَلَامهم

- ‌ف {هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين}

- ‌مِنْهَا

- ‌وَنور بعد ذَلِك إلزامات لَهُم

- ‌إِلْزَام آخر

- ‌إِلْزَام آخر يظْهر تناقضهم

- ‌ثمَّ نقُول تَحْقِيقا لالزام الْجَمِيع

- ‌إِلْزَام آخر وَطَلَبه

- ‌مِنْهَا

- ‌‌‌وَمِنْهَا

- ‌وَمِنْهَا

- ‌إِلْزَام آخر

- ‌‌‌إِلْزَام آخر

- ‌إِلْزَام آخر

- ‌إِلْزَام آخر

- ‌الْفَصْل السَّادِس

- ‌نُكْتَة أُخْرَى

- ‌كمل الْبَاب الثَّانِي وبكماله كمل الْجُزْء الأول الحمدلله حق حَمده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم يتلوه الثَّانِي

- ‌الْإِعْلَام

- ‌فِي النبوات وَذكر كَلَامهم

- ‌الْقسم الأول

- ‌احتجاج أَصْحَاب الْملَل

- ‌الْجَواب عَن كَلَامه يَا هَذَا أسهبت وأطنبت وبحبة خَرْدَل مَا أتيت كثر كلامك فَكثر غلطك وَقلت فَائِدَته فَظهر قصورك وسقطك وَمن كثر كَلَامه كثر سقطه وَمن كثر سقطه كَانَت النَّار أولى بِهِ أعميت لجهلك بلحنه وَلم تتفطن لتثبيجه ولحنه فَلَقَد استسمنت ذَا ورم ونفخت فِي غير ضرم

- ‌الْفَصْل الثَّانِي

- ‌فِي حِكَايَة كَلَامه أَيْضا

- ‌فَافْهَم الْجَواب عَنهُ

- ‌الْفَصْل الثَّالِث

- ‌من حِكَايَة كَلَامه أَيْضا

- ‌الْجَواب عَمَّا ذكر

- ‌فصل

- ‌فَأول دَلِيل

- ‌فصل فِي بَيَان أَن الْإِنْجِيل لَيْسَ بمتواتر وَبَيَان بعض مَا وَقع فِيهِ من الْخلَل

- ‌الْفَصْل السَّابِع

- ‌من حِكَايَة كَلَامه أَيْضا

- ‌الْجَواب عَمَّا ذكر

- ‌‌‌وَأما قَوْلك

- ‌وَأما قَوْلك

- ‌وَأما قَوْلك

- ‌وَأما قَوْلك

- ‌وَأما قَوْلك

- ‌الْقسم الثَّانِي

- ‌الْمُقدمَة الأولى

- ‌فَأَما المعجزة

- ‌وَأما وَجه دلالتها

- ‌الْمُقدمَة الثَّانِيَة

- ‌وَمِمَّا يدل على أَنهم من كِتَابهمْ وشرعهم على غير علم

- ‌ من ذَلِك

- ‌الْإِعْلَام بِمَا فِي دين النَّصَارَى من الْفساد والأوهام وَإِظْهَار محَاسِن دين الْإِسْلَام وَإِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام

- ‌الْجُزْء الثَّالِث

- ‌أَنْوَاع الْقسم الثَّانِي

- ‌نقُول

- ‌النَّوْع الأول

- ‌فَمن ذَلِك

- ‌وَمن ذَلِك

- ‌وَمن ذَلِك

- ‌وَفِي التَّوْرَاة

- ‌وَمن ذَلِك مَا جَاءَ فِي الزبُور

- ‌أخبرونا

- ‌‌‌وَفِي الزبُور أَيْضا

- ‌وَفِي الزبُور أَيْضا

- ‌وَفِيه أَيْضا

- ‌وَقد تقدم قَول دَاوُود

- ‌وَفِي الزبُور

- ‌وَفِيه أَيْضا عَن يوحنا

- ‌‌‌وَفِيه أَيْضا

- ‌وَفِيه أَيْضا

- ‌وَفِيه أَيْضا

- ‌فَالْجَوَاب

- ‌وَفِي الْإِنْجِيل أَيْضا

- ‌وَفِي صحف أشعياء النَّبِي

- ‌وَفِي صحف حزقيال النَّبِي

- ‌وَقَالَ أشعياء

- ‌وَفِي صحف حبقوق النَّبِي الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ

- ‌‌‌وَفِي صحف أشعياء النَّبِيقَالَ

- ‌وَفِي صحف أشعياء النَّبِي

- ‌وَفِي صحفه أَيْضا

- ‌وَفِي الصُّحُف المنسوبة للإثنى عشر نَبيا

- ‌وَفِي صحف حزقيال النَّبِي

- ‌وَقَالَ دانيال النَّبِي

- ‌وَفِي نفس النَّص

- ‌ثمَّ قَالَ

- ‌وَفِي صحف أشعياء

- ‌وَقَول أشعياء

- ‌وَقَالَ أَيْضا عَن الله

- ‌وَقَالَ على أثر ذَلِك

- ‌وَقَالَ أشعياء أَيْضا عَن الله

- ‌النَّوْع الثَّانِي

- ‌وَمن أوضح ذَلِك وأبينه

- ‌وَيَنْبَغِي الْآن أَن يعرف الجاحد وَالْجَاهِل بعض مَا خص بِهِ من صِفَات الْكَمَال والفضائل

- ‌اعْلَم أَنا

- ‌فَمن ذَلِك

- ‌قَالَ ناعته

- ‌يَقُول ناعته

- ‌وَأما فصاحة لِسَانه

- ‌وَأما نسبه

- ‌وَأما عزة قومه

- ‌أما سفساف الْأَخْلَاق ودنيها

- ‌وَأما قُوَّة عقله وَعلمه

- ‌أما الْأُمُور المصلحية

- ‌فأصول الشَّرِيعَة وَإِن تعدّدت صورها فَهِيَ رَاجِعَة إِلَى هَذِه الْخَمْسَة

- ‌وَأما الدِّمَاء

- ‌وَأما الْأَمْوَال

- ‌وَأما الْعُقُول

- ‌وَأما حفظ الْأَنْسَاب وصيانة إختلاط الْمِيَاه فِي الْأَرْحَام

- ‌وَأما الْمُحَافظَة على الْأَدْيَان وصيانتها

- ‌وَأما صبره وحلمه

- ‌وَأما تواضعه

- ‌وَأما عدله وَصدقه صلى الله عليه وسلم وأمانته وَصدق لهجته

- ‌وَأما زهده

- ‌وَأما كَثْرَة جوده وَكَرمه

- ‌وَأما وفاؤه بالعهد

- ‌يَا هَذَا تَأمل بعقلك

- ‌وَأما حسن سمته وتؤدته وَكثير حيائه ومروءته

- ‌وَمِمَّا يدلك على عَظِيم شجاعته

- ‌وَأما خَوفه من الله تَعَالَى وإجتهاده فِي عِبَادَته

- ‌خَاتِمَة جَامِعَة فِي صِفَاته وشواهد صدقه وعلاماته

- ‌النَّوْع الثَّالِث

- ‌وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن

- ‌الْوَجْه الثَّانِي من الْجَواب

- ‌فَإِن قيل

- ‌الْجَواب

- ‌معَارض

- ‌فَإِن قيل

- ‌فَالْجَوَاب

- ‌الْوَجْه الأول

- ‌أَن لِسَان الْعَرَب مباين للسان غَيرهم

- ‌الْوَجْه الثَّانِي

- ‌الْوَجْه الثَّالِث

- ‌الْوَجْه الرَّابِع

- ‌النَّوْع الرَّابِع

- ‌الْفَصْل الأول فِي إنشقاق الْقَمَر

- ‌الْفَصْل الثَّانِي فِي حبس الشَّمْس آيَة لَهُ صلى الله عليه وسلم

- ‌الْفَصْل الثَّالِث نبع المَاء وتكثيره معْجزَة لَهُ صلى الله عليه وسلم

- ‌الْفَصْل الرَّابِع تَكْثِير الطَّعَام معْجزَة لَهُ صلى الله عليه وسلم

- ‌الْفَصْل الْخَامِس فِي كَلَام الشّجر وَكثير من الجمادات وشهادتها لَهُ بِالنُّبُوَّةِ

- ‌النَّوْع الأول

- ‌النَّوْع الثَّانِي

- ‌الْفَصْل السَّادِس فِي كَلَام ضروب من الْحَيَوَان وتسخيرهم آيَة لَهُ صلى الله عليه وسلم

- ‌النَّوْع الأول

- ‌النَّوْع الثَّانِي

- ‌الْفَصْل السَّابِع فِي إحْيَاء الْمَوْتَى وَكَلَام الصّبيان والمراضع وشهادتهم لَهُ بِالنُّبُوَّةِ

- ‌الْفَصْل الثَّامِن فِي إِبْرَاء النَّبِي صلى الله عليه وسلم المرضى وَذَوي العاهات

- ‌الْفَصْل التَّاسِع فِي إِجَابَة دُعَائِهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌الْفَصْل الْعَاشِر فِي ذكر جمل من بركاته ومعجزاته صلى الله عليه وسلم

- ‌الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي مَا أخبر بِهِ مِمَّا أطلعه الله من الْغَيْب صلى الله عليه وسلم

- ‌الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي عصمَة الله لَهُ مِمَّن أَرَادَ كَيده

- ‌فَإِن قَالَ قَائِل من النَّصَارَى والمخالفين لنا

- ‌قُلْنَا فِي الْجَواب عَن ذَلِك

- ‌الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي مَا ظهر على أَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ لَهُم من الكرامات الخارقة للعادات

- ‌أَحدهمَا أَن نبين أَن مَا ظهر على أَصْحَابه وعَلى أهل دينه من الكرامات هُوَ آيَة لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم الْآيَات وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى إِذا أكْرم وَاحِدًا مِنْهُم بِأَن خرق لَهُ عَادَة فَإِن ذَلِك يدل على أَنه على الْحق وَأَن دينه حق إِذْ لَو كَانَ مُبْطلًا فِي دينه مُتبعا لمبطل فِي

- ‌وَالْغَرَض الثَّانِي

- ‌من ذَلِك مَا علمنَا من أَحْوَالهم على الْقطع

- ‌وَأما التابعون

- ‌وَبعد هَذَا

- ‌انْتهى الْجُزْء الثَّالِث من كتاب الْإِعْلَام بِمَا فِي دين النَّصَارَى من الْفساد والأوهام وَإِظْهَار محَاسِن دين الْإِسْلَام وَإِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ويليه الْجُزْء الرَّابِع بِإِذن الله وأوله الْبَاب الرَّابِع فِي بَيَان أَن النَّصَارَى متحكمون فِي أديانهم وَأَنَّهُمْ لَا مُسْتَند لَهُم فِي

- ‌الْإِعْلَام بِمَا فِي دين النَّصَارَى من الْفساد والأوهام وَإِظْهَار محَاسِن دين الْإِسْلَام وَإِثْبَات نبوة نَبينَا مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام

- ‌تَقْدِيم وَتَحْقِيق وَتَعْلِيق الدكتور أَحْمد حجازي السقا

- ‌فِي بَيَان أَن النَّصَارَى متحكمون فِي أديانهم

- ‌الصَّدْر وَفِيه فصلان

- ‌الْفَصْل الأول

- ‌الْفَصْل الثَّانِي

- ‌قَالَ ذَلِك الْجَاهِل بعد ذكر الْمُحرمَات

- ‌الْفَنّ الأول

- ‌مَسْأَلَة فِي المعمودية

- ‌مَسْأَلَة فِي غفران الأساقفة والقسيسين ذنُوب المذنبين وإختراعهم الْكَفَّارَة للعاصين

- ‌مِثَال الْقسم الأول العابثون بالصبيان

- ‌وَمِثَال الثَّانِي نِكَاح الْقرَابَات

- ‌وَأما الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَة

- ‌مِثَال مَا يغرمون فِيهِ الْأَمْوَال

- ‌وَقد حكمُوا على قَاتل عَبده

- ‌وَأما قَاتل الْخَطَأ

- ‌وعَلى الْجُمْلَة

- ‌مُطَالبَة وَهِي أَنا نقُول لَهُم

- ‌مَسْأَلَة فِي الصلوبية وَقَوْلهمْ فِيهَا

- ‌قَالُوا

- ‌ مِنْهَا

- ‌‌‌وَمِنْهَا

- ‌وَمِنْهَا

- ‌وَمِنْهَا

- ‌مَسْأَلَة فِي تَركهم الْخِتَان

- ‌فأولها

- ‌وَثَانِيها

- ‌وَثَالِثهَا

- ‌وَرَابِعهَا

- ‌وَهل يصلح الْعَطَّار مَا أفسد الدَّهْر

- ‌مَسْأَلَة فِي أعيادهم المصانة

- ‌مَسْأَلَة فِي قُرْبَانهمْ

- ‌أَحدهَا

- ‌مَسْأَلَة فِي تقديسهم دُورهمْ وَبُيُوتهمْ بالملح

- ‌مَسْأَلَة فِي تصليبهم على وُجُوههم فِي صلَاتهم

- ‌مَسْأَلَة فِي قَوْلهم فِي النَّعيم وَالْعَذَاب الأخراوين

- ‌الْفَنّ الثَّانِي

- ‌تمهيد

- ‌أَحدهمَا

- ‌وَالْغَرَض الثَّانِي

- ‌وَفِي هَذَا الْفَنّ فصلان

- ‌الْفَصْل الأول

- ‌الْفَصْل الثَّانِي

- ‌مُلْحق

- ‌المبحث الثَّالِث

- ‌أَولا النبوءات

- ‌يَوْم الرب

- ‌ثَانِيًا تَغْيِير التَّوْرَاة

- ‌عالمية الْملَّة النَّصْرَانِيَّة

الفصل: ‌الجواب عن كلامه يا هذا أسهبت وأطنبت وبحبة خردل ما أتيت كثر كلامك فكثر غلطك وقلت فائدته فظهر قصورك وسقطك ومن كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كانت النار أولى به أعميت لجهلك بلحنه ولم تتفطن لتثبيجه ولحنه فلقد استسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم

من الله كتاب ثمَّ إِذا سَأَلَ النَّصْرَانِي عَمَّا إدعاه الْمُسلم أنكر أَيْضا وَقَالَ لم يَأْتِ بعد كتابي من الله كتاب

فَوَجَبَ على النَّصْرَانِي أَن يأتى بِالْبَيِّنَةِ على الْيَهُودِيّ من الْكتب الَّتِي أقرّ لَهُ بهَا فَإِن لم يكن فِيهَا مسيحا منتظرا فَلَا حجَّة لَهُ عَلَيْهِ وَلَا مُعَلّق لَهُ إِلَيْهِ وَإِن كَانَ فِيهَا مسيحا منتظرا يُرْجَى صَلَاح الْحَال من سَببه ووافقت علاماته عَلَامَات الَّذِي قد جَاءَ وَظهر فَإِذا كَانَ فقد اخْتَار النَّصْرَانِي الرسَالَة الأولى وَالثَّانيَِة لنَفسِهِ وَخرج الْيَهُودِيّ عَن رضَا المعبود بجحده الرسَالَة الثَّانِيَة وَدفعه بسنته فِيمَا أعقب بِهِ فِي عباده من الرسَالَة الثَّانِيَة ثمَّ يحمل الْمُسلم الْبَيِّنَة على النَّصْرَانِي من الْكتب الَّتِي أقرّ لَهُ بهَا وجامعه عَلَيْهَا فَإِن لم يكن فِيهَا مُحَمَّد منتظرا فَلَا حجَّة لَهُ عَلَيْهِ وَلَا مطْعن لَهُ إِلَيْهِ

وَإِن كَانَ فِيهَا مُحَمَّد منتظرا ثمَّ وَافَقت علاماته عَلَامَات الْكتب فقد أصَاب الْمُسلم وَلزِمَ النَّصْرَانِي الْخُرُوج عَن رضَا معبوده

‌الْجَواب عَن كَلَامه يَا هَذَا أسهبت وأطنبت وبحبة خَرْدَل مَا أتيت كثر كلامك فَكثر غلطك وَقلت فَائِدَته فَظهر قصورك وسقطك وَمن كثر كَلَامه كثر سقطه وَمن كثر سقطه كَانَت النَّار أولى بِهِ أعميت لجهلك بلحنه وَلم تتفطن لتثبيجه ولحنه فَلَقَد استسمنت ذَا ورم ونفخت فِي غير ضرم

فَأول خطابك قَوْلك فِي ترجمتك هَذَا الْفَصْل احتجاج الثَّلَاث ملل ثمَّ ضمنته ذكر مِلَّة الْمَجُوس فَكَانَ يَنْبَغِي لَك أَن تَقول احتجاج الْأَرْبَع ملل فَإِن الْمَجُوس أمة تدعى أَنَّهَا أرسل إِلَيْهَا رَسُول وَأنزل عَلَيْهِ كتاب ثمَّ إِن مَذْهَبهم فِي التَّثْنِيَة وَإِن كَانَ بَاطِلا فَهُوَ أقل شناعة وَأبْعد عَن جحد الضَّرُورَة وَأدْخل فِي مَسْلَك النّظر وَإِن كَانَ فَاسِدا من مذهبكم فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِن الموجودات خير وَشر وَلَا بُد لكل وَاحِد من موجد فموجد الْخَيْر خير وَالْخَيْر لَا يفعل الشَّرّ لِئَلَّا يكون شريرا وموجد الشَّرّ شرير لَا يفعل الْخَيْر إِذْ لَو فعل الْخَيْر لما فعل الشَّرّ قَالُوا فَلَا بُد من إِلَهَيْنِ إثنين يفعل أَحدهمَا الشَّرّ وَالْآخر الْخَيْر

وَهَذَا كَلَام يشبه النّظر الْعقلِيّ وَبعد بحث شَدِيد يتَبَيَّن فَسَاده فَلهم شُبْهَة فِي التَّمَسُّك بمذهبهم وَلَو أورد الْمَجُوسِيّ شبهته عَلَيْكُم

ص: 165

لصعب عَلَيْكُم ابطالها لكَونه يلزمكم من مذهبكم إلتزامات لَا تنفصلون عَنْهَا

وَأَنا الْآن أذكر طرفا من ذَلِك حَتَّى يتَبَيَّن عجزكم وجهلكم هُنَالك

أما مذهبكم فِي الأقانيم فَغير مَقْبُول وَلَا مَعْقُول كَمَا تقدم وَكفى بِهِ فَسَادًا قَوْلكُم آلِهَة ثَلَاثَة إِلَه وَاحِد وَكَذَلِكَ مذهبكم فِي الإتحاد والحلول على مَا مر وَمن الْعجب أَنكُمْ تعتقدون مَذْهَب الْمَجُوس وَلَا تشعرون فَإِنَّكُم تنسبون الشرور والإضلال الى غير الله تَعَالَى وتعيبون علينا إِذا نَحن فوضنا كل الْأُمُور إِلَى الله تَعَالَى وَقُلْنَا كل مَوْجُود فِي الْعَالم فَإِنَّمَا هُوَ مَوْجُود إِيجَاد موجد وَاحِد وَهُوَ اللة تَعَالَى وَهَذَا وَالله هُوَ التَّوْحِيد الْحق الَّذِي ارْتَضَاهُ الله لخلقه وكلف بِهِ أنبياءه وَرُسُله وَأنزل بِهِ كتبه

فعين مذهبكم فِي هَذِه المسئلة هُوَ مَذْهَب الْمَجُوس فَإِنَّكُم تنسبون الشرور كلهَا إِلَى الشَّيْطَان وَهُوَ عَدو الله وَهُوَ لَا يصدر عَنهُ إِلَّا الشَّرّ وَلَيْسَ الشَّرّ من إِيجَاد الرَّحْمَن عنْدكُمْ فَإِنَّهُ مَا يُوجد إِلَّا الْخَيْر فعلى مذهبكم هُنَاكَ خالقان أَحدهمَا خَالق الْخَيْر وَهُوَ الله وَالْآخر خَالق الشَّرّ وَهُوَ الشَّيْطَان وَهَذَا عين الْمَجُوسِيَّة فصرحوا بهَا وَلَا تنكروها وَأَجْمعُوا بَينهَا وَبَين النَّصْرَانِيَّة وتقلدو وتقلدوها ثمَّ زعمت على مُقْتَضى ترجمتك أَنَّك تذكر حجاج الْملَل الثَّلَاث وَلم تف بِشَيْء من ذَلِك وَلَا ذكرت فِي كلامك هَذَا حجَّة للْمُسلمين عَلَيْكُم وَلَا للْيَهُود بل ذكرت حجَّة النَّصَارَى الداحضة وَسكت عَن حجَّة خصومهم الْمُسلمين الظَّاهِرَة وَهَذَا أثر التَّقْلِيد والجمود عَلَيْهِ حملك على الْإِعْرَاض عَن حجَّة خصمك لَعَلَّك لَا تسمع مَا يُؤَدِّي إِلَى تبكيتك ولطمك وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي لَك لَو كنت من النظار والعارفين بأديانهم أَن تذكر حجج خصومك أحسن فتبحث عَنْهَا وَاحِدَة بعد وَاحِدَة حَتَّى يتَبَيَّن لَك فِيهَا الصَّحِيح من الْفَاسِد وَلَكِن مَعَ هَذَا نقبل عذرك ونعلم جهلك فَإنَّك وَاحِد من عوام المسيحيين الَّذين تشبهوا بالقسيسين وَفِي مثلك ينشد

فسد الزَّمَان فَسدتْ غير مسود

من الشَّقَاء تفردى بالسؤدد

وَلَكِن لَا عَلَيْك فَإِنَّمَا هُوَ جنا يَديك فَأنى لأرجو أَن يقف على هَذَا

ص: 166

الْكتاب جمَاعَة المطارين ويعلموا بِمَا فِيهِ أَنَّك مُخَالف لمذاهبهم أَجْمَعِينَ فيخرجوك من بَين القسيسين ويلحقوك بالرياسين

ثمَّ قلت اعْلَم أَن أهل الْملَل أَجْمَعِينَ متكافئون فِي إدعاء الْإِيمَان حاكمون على كل قوم لأَنْفُسِهِمْ بِالْإِيمَان ولغيرهم بالْكفْر فَنَقُول أما التكافؤ فِي الدَّعْوَى فَنعم لَكِن الْفَصْل يَقع بَينهمَا من جِهَة الْبَينَات ووقوف الْعُقَلَاء على حِكَايَة الْمذَاهب والديانات فَإِن من الْأَدْيَان مَا يدْرك فَسَاده بِغَيْر نظر وَلَا برهَان بل بالفطرة الَّتِي خص الله بهَا الْإِنْسَان وَكَذَلِكَ دين النَّصَارَى الضلال الحيارى

وَلَقَد حكى أَن بعض حكماء الْهِنْد وَكَانَ من الْمُلُوك الَّذين يحكمون بالسياسية الدِّينِيَّة الَّذين لم يتقلدوا إتباع مِلَّة دينية ذكرت لَهُ الْملَل الثَّلَاث فَقَالَ أما النَّصَارَى وَإِن كَانَ مناصبوهم من أهل الْملَل يجاهدونهم بِحكم شَرْعِي فقد أدَّت آراؤهم إِلَى أَن لَا نرى بِحكم عقولنا لَهُم عقولا فاستثنى هَؤُلَاءِ الْقَوْم يُرِيد النَّصَارَى من جَمِيع العوالم فَإِنَّهُم قصدُوا مضادة الْعقل وناصبوه الْعَدَاوَة وتحلوا ببث الإستحالات مَعَ أَنهم حادوا عَن المسلك الَّذِي انتهجه غَيرهم من أهل الشَّرَائِع وَقد كَانَ لَهُم فِيهِ كِفَايَة وَلَكنهُمْ شذوا عَن جَمِيع مناهج الْعَالم الشَّرْعِيَّة الصَّالِحَة والعقلية الْوَاضِحَة واعتقدوا كل شَيْء مُسْتَحِيل مُمكنا فَلم يعزب عَنْهُم شَيْء وبنوا من ذَلِك شرعا لَا يُؤَدِّي الْبَتَّةَ إِلَى صَلَاح نوع من أَنْوَاع الْعَالم إِلَّا أَنه يصير الْعَاقِل إِذا تشرع بِهِ أخرق والمرشد سَفِيها والمحسن مسيئا لِأَن من كَانَ فِي أصل عقيدته الَّتِي جر نشوؤه عَلَيْهَا الْإِسَاءَة إِلَى الْخَالِق والنيل مِنْهُ بوصفه بِغَيْر صِفَاته الْحسنى فاخلق بِهِ أَن يقْصد الْإِسَاءَة إِلَى مَخْلُوق وَلذَلِك مَا بلغنَا عَنْهُم مِمَّا فِي خلقهمْ من الْجَهْل وَضعف الْعقل والطمع وَالْبخل ومهانة النَّفس وخساسة الهمة والغدر وَقلة الْحيَاء إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم فَلَو لم تجب مجاهدة هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلَّا لعُمُوم أضرارهم الَّتِي لَا تحصى وجوهها لكفى وكما يجب قتل الْحَيَوَان المؤذي بطبعه فَكيف وَقد ثمَّ من الموجبات مَا تقدم

فَهَذَا مَا بدا لهَذَا الْحَكِيم فِي أول نظرة من مذهبكم على أول وهلة وَلَيْسَ بمخاصمكم وَلَا مناوئكم وَلَا بمتهم بإتباع الْهوى فِيكُم لَكِن قد تبين الصُّبْح لذِي عينين بِحَيْثُ لَا يشك فِيهِ أحد من النقلين وسترى ذَلِك وَاضحا إِن كنت ذَا بصر وبصيرة إِن شَاءَ الله تَعَالَى

ص: 167

ثمَّ قلت قد غلبت عَلَيْهِم فِي ذَلِك الغواية وتأديب الصِّبَا وَوَصِيَّة الْآبَاء والأجداد حَتَّى صَار ذَلِك طبعا فيهم هَذَا الَّذِي ذكرته لعمري حكم الرعاع الغبر والغثاء الغثر وَأما من أمده الله بِنور توفيقه وَبَين لَهُ سَوَاء طَرِيقه فقد تبين لَهُ الرشد من الغي وَالْمَيِّت من الْحَيّ فقد أَخْطَأت فِي إطلاقك هَذَا الحكم على جَمِيع الْملَل وَلم تشعر بِمَا لزمك من الْفساد والزلل كلا بل الَّذِي ذكرته وصف أهل ملتك وحيلة عصبتك إِذْ هم أهل تَقْلِيد ونظرهم غير سديد ثمَّ قلت فكلهم قد سهل عَلَيْهِم انتقاص غَيرهم وطاب عِنْدهم دينهم بالتهنية فِي دنياهم عَن معاد آخرتهم وَعدلت فِي هَذَا الحكم عَن الْعدْل فحاق عَلَيْك اللوم والعذل بل فِي الْملَل من لَا ينتقص أحدا إِلَّا إِذا ذمه الشَّرْع وَإِذا رأى ذُو فَضِيلَة محقا أحبه وشكره بالطبع والطوع وَذُو الْفَضِيلَة يهجر فِي طلب الْحق جَمِيع لذاته ويزهد فِي جَمِيع متملكاته يَبْغِي بذلك رضَا سَيّده ومرضاته يضْرب فِي طلب الْحق الأَرْض ضربا فيقطعها شرقا ويقطعها غربا

يَوْمًا يمَان إِذا لاقيت ذَا يمن

وَإِن لقِيت معدا مَا فعدنان

يُفَارق الْأَهْل والوطن ويلازم الْفقر والعطن فَإِذا ظفر بالبغية ليا وفطن أما الدُّنْيَا فَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا وَأما الْآخِرَة فَهُوَ مقبل بكليته عَلَيْهَا فَهُوَ فِي كل حَال ينشد وأحواله تشهد

وأبغضت فِيك النّخل وَالنَّخْل يَانِع

وأعجبني من حبك السدر والضال

وأهوى لجوان السماوة والغضا

وَلَو أَن صنفيه وشَاة وعذال

فَأَنت لم تحكم بِالسَّوِيَّةِ وَلَا عدلت فِي الْقَضِيَّة حَيْثُ حكمت بإعراض كل الْعُقَلَاء عَن الْأَدْيَان وبالتكاثر من الدُّنْيَا على كل الْبَريَّة كلا لَو كَانَ ذَلِك لما بقى منا أحد إِلَّا هَالك فراجع نَفسك عَن هَذَا الْإِطْلَاق وَتب للْوَاحِد الخلاق واحكم على أهل ملتك بِتِلْكَ الْخِصَال والأخلاق فَإِن رب الْعَالمين يبْقى علينا ببركة الْفُضَلَاء وَالصَّالِحِينَ

ثمَّ قلت وأحسب أَن الْعلَّة فِي ذَلِك رغبتهم فِي التكاثر من الدُّنْيَا

ص: 168

وَهِي الَّتِي تدخلهم إِلَى التحاسد والمعايرة فيعجز كل قوم أنفسهم فِي طلب معاشهم وَأَن الأخرة عِنْدهم مُهْملَة

يَا هَذَا لقد كثر غلطك حَتَّى يعجز النَّاظر فِيهِ عَن إحصائه وَعظم سقطك حَتَّى لَا أقدر على اسْتِقْصَائِهِ

تَفَرَّقت الظباء على خرَاش

فَمَا يدْرِي خرَاش مَا يصيد

فَتَارَة يتثبج عَلَيْك الْكَلَام وَأُخْرَى تبدل الْمَدْح بالملام فَرُبمَا تُرِيدُ أَن تمدح فتذم وتظن أَنَّك تحل ربطا وَأَنت تزم وَأَنت فِي هَذَا الْكَلَام قد لحنت فِيهِ فِي عدَّة مَوَاضِع وَأَرَدْت أَن تَقول شَيْئا فعبرت عَنهُ بِعِبَارَة يفهم مِنْهَا بِحكم وَضعهَا خلاف مَا أردْت أَن تَقول وَذَلِكَ يبن عِنْد من تَأمله من أهل الْعُقُول

وَبِالْجُمْلَةِ فَأَنت فِي هَذَا الْفَصْل أردْت أَن تنفصح وتغرب فَإِذا بك تبهم وَلَا تعرب على أَن كلامك فِي هَذَا الْفَصْل قَلِيل الجدوى واهي الأَصْل فَيَنْبَغِي أَن تتعدى أَكثر كلامك وتنزه عقولا عَن الْأَخْذ فِي كثير من هذيانك فَإِن الْأَخْذ فِي الخرافات والإشتغال بالترهات مخل بالعقول والمروآت

ثمَّ قلت بعد ذكر كَلَام حاكيت بِهِ فعل السفلة الطغام الْمَعْدُودين فِي رعاع الأعوام لِأَن كل قوم قلدوا سلفهم وطاب عِنْدهم خبرهم فِي مدح دينهم وذم غَيرهم يَا هَذَا جهلت كل الْأَنَام إِذْ زعمت أَن التَّقْلِيد دأب كل الأقوام وَلَو أنصفت فِي الْقَضِيَّة وَعدلت بِالسَّوِيَّةِ لَقلت أَن النَّاس قِسْمَانِ قسم إِيمَانهم برهاني وَقسم اعْتِقَادهم تقليدي هَكَذَا ظهر من أَمر أهل الْأَدْيَان وَأما من لم يتدين بدين فَيَنْبَغِي أَلا يعد فِي الْمُوَحِّدين

وَبعد هَذَا يَنْبَغِي أَن تعلم أَن أُمُور الإعتقاد وَالْإِيمَان لم يقنع فِيهَا قطّ أحد من الْفُضَلَاء بالتقيلد من غير برهَان وَلأَجل هَذَا حرم الله علينا الركون إِلَى التَّقْلِيد وذم من عول فِي إعتقاده على إتباع الْآبَاء والجدود فَقَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن الْمُقَلّد وذاما لَهُ وموبخا لَهُ على جَهله {بل قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون وَكَذَلِكَ مَا أرسلنَا من قبلك فِي قَرْيَة من نَذِير إِلَّا قَالَ مترفوها إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون قَالَ أولو جِئتُكُمْ بأهدى مِمَّا وجدْتُم عَلَيْهِ آبَاءَكُم قَالُوا إِنَّا بِمَا أرسلتم بِهِ كافرون}

ص: 169

فَهَذَا ذمّ من الله للتقليد وَأَهله وَقد أَمر بِالنّظرِ الصَّحِيح وحض على فعله فَقَالَ تَعَالَى {قل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا تغني الْآيَات وَالنّذر عَن قوم لَا يُؤمنُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق} وَقَالَ تَعَالَى {أَو لم يتفكروا فِي أنفسهم مَا خلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} وَقَالَ تَعَالَى {أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا أَو آذان يسمعُونَ بهَا فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور}

وَمثل هَذَا كثير وَكفى شرفا بِهَذَا الدّين ودليلا على صِحَّته عِنْد الْعُقَلَاء العاقلين أَنه حرم التَّقْلِيد الَّذِي يجر إِلَى الإلباس والتجهيل والتفنيد واستنهض الْعُقُول للنَّظَر وأوضح لَهَا مسالك العبر وَأوجب عَلَيْهَا النّظر الصَّحِيح المفضى إِلَى الْعلم وَمن لم يفعل ذَلِك من الْعُقَلَاء فقد تعرض للعقاب وألزم ذَلِك كُله ليتبين عَن بَصِيرَة الرشد من الغي وَيعلم من هُوَ على الْحق مِمَّن تحكم فِي دينه بظلمات التَّقْلِيد والرأي وَبعد هَذَا فإنى لَا أَشك فِي أَنَّك لَا تعرف حَقِيقَة التَّقْلِيد وَلَا أقسامه وَلَا أَحْكَامه وَلَا فِي أَي مَحل يجوز وَلَا فِي أَي مَحل يحرم وَلَا من الَّذِي يُقَلّد وَلَا من الْمُقَلّد

فَإِن ادعيت أَنَّك تعرف شَيْئا مِمَّا هُنَالك فَعجل بِالْجَوَابِ على ذَلِك

ثمَّ قلت بعد ترديد وَتَطْوِيل من غير إِفَادَة علم وَلَا شِفَاء غليل فَكل يقتحم المناظرة وَإِن لم يحسنها ويراها فَرِيضَة عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يفهمها وَلم يتَّخذ شَيْئا من الْعُلُوم والصناعات إِلَّا الفضول

اعْلَم يَا هَذَا أَن الله تَعَالَى أنطقك بشرح حالك فَإنَّك عبرت عَن سوء مناظرتك وَنظرت بركيك مقالك فجهلت حَتَّى توهمت أَنَّك من أهل النّظر وأوهمت عِنْد الرعاع أَنَّك من أهل المناظرة وَالْفطر كلا فَلَقَد ارتقيت مرتقا صعبا وسلكت مسلكا وعرا وادعيت دَعْوَى

ص: 170

عريضة لتخدع بهَا قلبا ضَعِيفا ونفسا مَرِيضَة وَلَا بُد من سؤالك حَتَّى يتَبَيَّن حَقك من محالك فَأَقُول لَك مَا حد النّظر وَحَقِيقَته وَمَا أُصُوله وَكم أقسامه وَمَا أَحْكَامه وَمَا حَقِيقَة المناظرة وَمَا شُرُوطهَا وَكم هِيَ وَمَا الشَّيْء الَّذِي يطْلب بالمناظرة وَمَا حَقِيقَة الدَّلِيل وَكم أقسامه وَكم شُرُوطه وَمَا وَجه الدَّلِيل وَمَا الْمَدْلُول وَكم أقسامه فَإِن كنت تدعى المناظرة فأجبنا عَن هَذِه الأسئلة محاورة

ثمَّ قلت وَإِن الْجَمِيع يدعونَ أمرا لَا يقدرُونَ على التناصف فِيهِ لبعد غَايَته لتعلم يَا هَذَا أَن حكمك على الْجَمِيع بِأَنَّهُم لَا يقدرُونَ على التناصف حكم خطأ فَإِن الْعَاقِل المشتغل بِمَا يعنيه إِنَّمَا يطْلب الْحق ليصل إِلَيْهِ وَيعرف الْبَاطِل ليتجنبه وَمن كَانَت هَذِه حَاله أنصف وتناصف وَإِنَّمَا يمْتَنع التناصف على من غلب عَلَيْهِ التَّقْلِيد وجمد على مَا وَرثهُ من الْآبَاء والجدود وَهُوَ يصمم على أَنه على الْحق فيمنعه ذَلِك التصميم عَن الْبَحْث وَالنَّظَر ثمَّ إِن تنبه لنَوْع نظر كَانَ كَمَا قَالَ

إِن الغصون إِذا قومتها اعتدلت

وَلنْ تلين إِذا قومتها الْخشب

فَهَذَا الَّذِي يتَعَذَّر عَلَيْهِ التناصف وتبعد عَلَيْهِ الْغَايَة الْمَطْلُوبَة وَمَا من نور الله قلبه وأجزل من المعقولات حَظه فالتناصف مرغوبه إِذْ الْحق مَطْلُوبه وَفِي مثل هَذَا ينشد

بعيد على الكسلان أَو ذِي ملالة

وَأما على المشتاق فَهُوَ قريب

فَإِن قلت مَا ذكرته أَنْت قَلِيل وَمَا ذكرته أَنا كثير قلت لَك

وَمَا ضرنا أَنا قَلِيل وجارنا عَزِيز

وحار الْأَكْثَرين ذليل

تعيرنا أَنا قَلِيل عديدنا

فَقلت لَهَا إِن الْكِرَام قَلِيل

ثمَّ إِن وجد فِي جَمِيع الْخلق وَاحِد بِهَذِهِ الصّفة فقولك فَاسد فَإنَّك حكمت على الْجَمِيع بِحكم قَبِيح شنيع وأطلقت القَوْل وَلم تخف فِيهِ الزلل وَلَا الْعَوْل

ص: 171

ثمَّ قلت ليختلفون فِي معرفَة الْبَارِي تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يدركونه بالحواس وَإِنَّمَا يتعارف النَّاس فِيمَا يدركونه بالحواس إعلم أَن هَذَا الَّذِي ذكرت لَا يَصح أَن يُقَال على كل الْعُقَلَاء وَإِنَّمَا يَصح ذَلِك على الجهلة الأغبياء بل نقُول أَن الأغبياء أهل الجهالات يَخْتَلِفُونَ فِي الضروريات وَقد بَينا عَلَيْكُم مَوَاضِع كَثِيرَة من إعتقادكم خالفتم فِيهَا الضروريات وناكرتم المعقولات وَأما أهل الْعُقُول السليمة وَالْفطر المستقيمة فَلم يخْتَلف مِنْهُم إثنان فِي معرفَة وجود الله تَعَالَى وَإِنَّمَا تخالفوا فِي أَي وجود وجوده وَهَذَا يعرف فِي مَوْضِعه فلست من أَهله

وَأما تمثيلك بِالْعَبدِ الحبشي فتمثيل لَيْسَ وَرَاءه تَحْصِيل وَذَلِكَ أَن العَبْد الحبشي إِذا كَانَ عَاقِلا سليم الْفطْرَة إِذا سمع كلَاما لَا يقبله عقله يردهُ وَأما إِذا كَانَ نَاقص الْفطْرَة مختل الْعقل فَيقبل كل محَال وَلَا يثبت على حَال

ثمَّ قلت وَلَو أَن مجوسيا دخل بلدنا فكبرت عَلَيْهِ مجوسيته ثمَّ طلب الْخُرُوج إِلَى أفضل الثَّلَاث الْملَل أَنْت توهم بِهَذَا القَوْل الْبَرَاءَة عَن الْمَجُوسِيَّة وَالدُّعَاء إِلَى الْملَّة النَّصْرَانِيَّة عساك يظنّ بك أَنَّك تفحم الْخُصُوم أَو أَنَّك حصلت من دينك على أَمر مَعْلُوم كلا بل لَو ناظرك مجوسى لأفحمك وَلَو وزن دينه بِدينِك فِي معيار الْعقل لرجحك وَقد تبين ذَلِك فِيمَا تقدم

ثمَّ قلت فَكَانَ يجد الْمَجُوسِيّ فِي دَعوَاهُم أَن النَّصْرَانِي وَالْمُسلم مقران لِلْيَهُودِيِّ بِأَن دينه أول وأنبياؤه حق ثمَّ يَقُول النَّصْرَانِي إِن كتابي جَاءَ من بعد فنسخ طَاعَة دين الْيَهُودِيّ ثمَّ يَقُول الْمُسلم وَكَذَلِكَ جَاءَ كتابي فنسخ طَاعَة دين النَّصْرَانِي

يَا هَذَا البليد أَخْطَأت على الْمُسلم حَيْثُ ظَنَنْت أَن الْمُسلم يسلم لِلْيَهُودِيِّ دينه الَّذِي بِيَدِهِ الْآن ويعترف بِأَنَّهُ أول وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل الَّذِي يَقُول بِهِ الْمُسلم إِن الدّين الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى عليه السلام هُوَ حق وَأَنه الأول بِالزَّمَانِ بِالْإِضَافَة إِلَيْنَا وإليكم وَأما الْيَهُود الْيَوْم فليسوا على دين عندنَا وعندكم

ص: 172

فعندنا من جِهَتَيْنِ وعندكم من جِهَة وَاحِدَة إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ عندنَا أَنهم كفرُوا بِمُحَمد نَبينَا صلى الله عليه وسلم وَقد كَانَ الله تَعَالَى أَخذ عَلَيْهِم الْعَهْد بِالْإِيمَان بِهِ وبلغهم ذَلِك على لِسَان مُوسَى عليه السلام وَغَيره من أَنْبِيَائهمْ عليهم السلام على مَا ننقله إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ نقُول فِي الْمَسِيح عليه السلام إِنَّهُم كفرُوا بِهِ بعد أَن أنكروه وَهَذِه هِيَ الْجِهَة الْأُخْرَى فهاتان جهتان وَأَنْتُم إِنَّمَا تكفرونهم من جِهَة وَاحِدَة وَهِي كفرهم بالمسيح فقد اتفقنا نَحن وَإِيَّاكُم على أَن الْيَهُود فِي هَذَا الْوَقْت لَيْسُوا على دين وَلَيْسوا بمنتسبين إِلَى شَيْء من دين مُوسَى عليه السلام وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَكيف جازفت فِي لفظك وَقلت على الْمُسلمين وَالنَّصَارَى مَا لَا يرضون بِهِ وَلَا يعولون عَلَيْهِ وَهل إطلاقك هَذَا إِلَّا نتيجة جهلك وَمِمَّا يدل على نقص عقلك

ثمَّ إِنَّك إدعيت أَن النَّصَارَى يَقُولُونَ إِن كِتَابهمْ نسخ شرع الْيَهُود وَكَيف يَصح لَك يَا جَاهِل بِدِينِهِ أَن تَقول هَذَا وَعِيسَى عليه السلام يَقُول فِي الْإِنْجِيل الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ لم آتٍ لأنقض شَرِيعَة من قبلي إِنَّمَا جِئْت لأتممها

فَأَما أَنْت هُوَ الْكَاذِب أَو كتابك هُوَ المحرف الْبَاطِل وسنبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَا أحدث فِي الْإِنْجِيل والتوراة من المناقضة والتحريف مَا يدل على أَنَّهَا لَيست هِيَ الَّتِي أنزل الله

وَمن عَجِيب أَمرك وأدل دَلِيل على جهلك أَنَّك تَدعِي أَن كتابك نسخ شرع الْيَهُود وَأَنت بجهلك ترجع إِلَيْهِ فِي أحكامك وَهل هَذَا إِلَّا تنَاقض ظَاهر وَجَهل فَاحش

ثمَّ قلت فَإِذا كاشف الْمَجُوسِيّ الْيَهُودِيّ عَمَّا أدعياه أنكرهما وَقَالَ لم بأت بعد كتابي من الله كتاب يَا هَذَا لقد قولت الْيَهُود مَا لَا يُمكنهُم قَوْله وَلَا يسعهم جَهله فَإِن الْيَهُود يعترفون بِأَنَّهُ قد كَانَ بعد مُوسَى أَنْبيَاء كَثِيرُونَ جَاءُوا بصحف وقرأوا على النَّاس كتبا كَثِيرَة هِيَ بَين أَيْديهم وَأَيْدِيكُمْ الْيَوْم تقرأونها وتحكمون بهَا وَهَا أَنْت قد استدللت بِكَثِير مِنْهَا فِي كتابك هَذَا على إِثْبَات بنوة الْمَسِيح فَتلك الْكتب الَّتِي نقلت مِنْهَا إِمَّا أَن تكون من الله أَو لَا تكون فَإِن كَانَت

ص: 173

من الله فقد أفحمت نَفسك وأكذبتها وَصَارَ كلامك ينْقض أَوله آخِره مَعَ أَن الْيَهُود توافقك على أَن تِلْكَ الْكتب والصحف من الله وعَلى أَلْسِنَة رسل الله

على هَذَا جمهورهم وَأَكْثَرهم وَإِن كَانَت تِلْكَ الْكتب لَيست من الله وَلَا يساعدونك عَلَيْهَا فَكيف يسوغ لَك الإحتجاج عَلَيْهِم بِشَيْء لَيْسَ من كَلَام الله وَلَا يسلمونه فَلَقَد مكنت من نَفسك يَا هَذَا الْيَهُود وَالْمُسْلِمين وصاروا على كَذبك وخطئك من الشَّاهِدين

فمثلك مثل الباحث بظلفه على حتفه والجادع مارن أَنفه بكفه فَلَقَد لحقت {بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا}

وَبعد هَذَا فلتعلم أَن الَّذِي تنكره الْيَهُود لعنهم الله من الْكتب المنسوبة إِلَى الله تَعَالَى كتابك وَكِتَابنَا لَا غير وسنقيم وَاضح الْأَدِلَّة إِن شَاءَ الله على من خَالَفنَا

ثمَّ قلت ثمَّ يحمل الْمُسلم الْبَيِّنَة على النَّصْرَانِي من الْكتب الَّتِي أقرّ لَهُ بهَا وجامعه عَلَيْهَا فَإِن لم يكن فِيهَا مُحَمَّد منتظرا فَلَا حجَّة لَهُ عَلَيْهِ وَلَا مطْعن لَهُ إِلَيْهِ وَإِن كَانَ فِيهَا مُحَمَّد منتظرا ثمَّ وَافَقت علاماته عَلَامَات الْكتب فقد أصَاب الْمُسلم وَلزِمَ النَّصْرَانِي الْخُرُوج عَن رضَا معبوده

ظَاهر كلامك أَنَّك أنصفت وَأَنت فِي إعتقادك عَلَيْهِ مَا عولت وَلَقَد أعلم أَنَّك إِذا أتيت ذَلِك عَلَيْك من كتب عدلت وغدرت شنشنة أعرفهَا من أخزم وَإِذا كَانَ الْغدر فِي النُّفُوس الخبيثة طباعا فالثقة بِكُل أحد عجز وَمَا هِيَ أول بركتكم

وَأَنا أسأَل الله الْعَظِيم رب الْعَرْش الْكَرِيم بأسمائه الْحسنى وَصِفَاته العلى وبحق آدم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِم وَمِمَّنْ بَينهم من النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وبالملائكة المقربين وَأهل طَاعَته أَجْمَعِينَ أَن يلعن من لَا يرجع إِلَى الْحق إِذا تبين لَهُ وَأَن يعجل عَلَيْهِ بنقمته فِي الدُّنْيَا تكون عَلامَة على غضب الله عَلَيْهِ وعَلى عَذَابه فِي

ص: 174

الْآخِرَة الْعَذَاب الدَّائِم نسْأَل الله الْعَظِيم أَن يفعل ذَلِك بعزته وَكَرمه آمين آمين وَالصَّلَاة على خيرته من خلقه

ثمَّ يَنْبَغِي لَك أَن تعلم أَن نبوة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم لم تثبت لنا بطرِيق وَاحِدَة بل بطرق كَثِيرَة فَلَو فَرضنَا أَن الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم لم يبشروا بِهِ لكَانَتْ نبوته ثَابِتَة ببراهين قَاطِعَة كَثِيرَة بهَا عرف نبوته الْعُقَلَاء الَّذين لم يقرأوا قطّ كتابا وَلَا انتسبوا إِلَى شَرِيعَة

وسنوضح هَذِه الطّرق إِن شَاءَ الله تَعَالَى ونبينها على مَا لَا يبْقى مَعَه ريب لعاقل بحول الله وقوته

ص: 175