الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
587 - حديث: "فيما سقت السماءُ والعيون والبَعْل العُشْر
".
سئل محمد بن السيد البطليوسي عن هذا الحديث فأجاب بما نصّه: رأيتك أعزك الله قد رفعت (البعل) وضبطه ضبط تصحيح، ولست أشك في أن أصلك وقع فيه (البعل) مرفوعًا. فأدخل عليك الاستعمال في الحديث، وأحوجك إلى السؤال عن إعرابه، واستدعاء ما قاله اللغويون في تفسير (البعل). وهذه رواية لا أعرفها، ولا سمعت بها قبل كتابك، وإنما الرواية:(والبعلِ) بالخفض عطفًا على (ما) من قوله: (في ما سقت السماء) هكذا رواه الناس وفسره المفسرون. فإن كان وقع في كتابك مرفوعًا فأصلحه، فإنه غلط من ناسخ الكتاب، وغفلة من القارئ وليس برواية.
ويدلك على أنه مخفوض رواية من روى: وفي ما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرِيًا العُشْر، فذكر العثريّ مكان البعل، وهما بمعنى واحد. كذا قال أبو حنيفة في "النبات"، وغيره من المحدثين واللغويين، لا أحفظ في ذلك خلافًا.
قال أبو حنيفة في "كتاب النبات": إذا لم يشرب الحبّ ماء غير ماء السماء من الأمطار فهو العِذْي –الذال ساكنة- وهو أيضًا العَثَرِيّ – الياء شديدة مجراة- والبعل مثله، عن الأحمر، وأنشد لعبد الله بن رواحة:
هنالك لا أبالي نخلَ سَقْيٍ
…
ولا بعلٍ وإن عَظُمَ الإتاءُ
وقال غير أبي حنيفة: البعل ما شرب بعروقه من الأرض من غير سقي أو غيره. وهذا أشبه بالحديث من قول أبي حنيفة، لأنه سمّى ما تسقيه السماء بعلاً وفرّق بينهما. فهذا ما حضرني من الجواب عمّا سألت عنه.
وقال ابن السيد: فاعترض هذا السائل في هذا الجواب. فقال: وقفت أعزّك الله على ما ذكرت في أمر البعل، وظهر لي شيء أورده عليك لا على جهة التعنيت والاعتراض، حاشاك الله من ذلك، وتلك سجيّة لم تعرف من خلقي مع من دون الألفاء فكيف مع الجملة من المشيوخاء، وذلك خرجه البخاري، وأنت تعلم أن مثل هذا لا يلزم مني؛ لأنّا إن فعلنا ذلك تناقضت ألفاظ الحديث، وتناقضُ كلام أهل اللغة أولى من تناقضها، والدليل على ما أقوله ما روي عن عمرو بن هرمز عن محمد بن عبد الرحمن أن في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وكتاب عمر في الصدقة (.. ما كان عَثَرِيًّا يسقيه السماء والأنهار وما كان يسقى من بعل ففيه العشر) فجاء لفظ الحديث كما ترى في (العَثَري) وفصل بينه وبين البعل في الصفة لا في الحكم.
وهذا هو الوجه لا محالة لأن لفظ حديث الموطأ يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (في ما سقت السماءُ والعيون والبعْل العشر) فكونهما نوعين أولى إن شاء الله.
وروى ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنه قال: (ما كان بعلاً أو سقي بالعين أو كان عَثَرِيًّا يسقى بالمطر ففيه العُشْر) وهذا كالأول، فلا وجه مع هذا لكلام أبي حنيفة في جعله الألفاظ الثلاثة بمعنى واحد، أعني: البعل والعِذْي والعَثَرِيّ، لأن التفسير – على علمك – إذا ورد في الحديث، فلا معنى للاشتغال بغيره إلا أن يجيء الخَلَف بزيادة.
وقلت بعقب ذلك - أعزك الله – أنك لا تحفظ في ذلك خلافًا، فهذا الذي حملني على ما ذكرته متعدّيًا ذلك الفضل في أن تقذف عليه قناع الستر فإن خجل من هذا.
وأما بيت الأنصاري فإن أبا حنيفة استشهد به على لفظ السّقي، وذكره أبو عبيدة في
الشرح، ولم يبين المعنى الذي احتيج به من أجله، غير أنه يظهر عند الفاضل أنه جعله للفظ البعل فقط.
وهذا البيت –أعزك الله- لا أفهم إعرابه، لأني قلت: إن البعل الشجر بعينه، فلم جاء به مجرورًا وحقّه أن يقول: ولا بعلاً، عطفًا على (نخل سَقْيٍ) ووزن البيت قائم، وإن قلت إنّ التقدير: لا أبالي بنخل السقي ولا بنخل البعل، فأقول حينئذ إنّ البعل ههنا البقعة التي يغذي نباتها وشجرها بما فيها من الرطوبة، وإليه أشار القاضي.
وفي "المنتقى": وقد كان هذا المعنى في نفسي مذ زمان، وما رأيت قوله إلاّ مذ أول من أمس، وأقول ما قاله صاحب "كتاب العين": إن البعل الأرض التي لا يصيبها المطر إلا مرّة في العام، فأوجب أنّ البعل اسم واقع على الأرض كما يقع على الشجر، فإن لم يجز لي هذا ولا هذا، فبين لي ما يظهر إليك في هذا كلّه. وأسألك بما أرعاه من ذمامك أن حملت هذا مني إلى على وجهه، وما خاطبتني به من مدرجة فأجعلها على كتابك تحت ختمك لئلا يقرأها غيري.
وقال في "التلقين": فإن كان شربه سيحًا أو بعلاً أو من ماء السماء فلا يتوجّه ههنا أن يقال إنّ البعل هو الشجر بعينه، وأبو محمد هذا من أهل اللسان، ولولا أني أخاف أن أكثر عليك لجلبت لك من ألفاظ الحديث ما وقع في السنن للدارقطني وغيره، ولكن لا وجه لهذا، وأحبّ من أن تبيّن لي ما أراد سلامة بن جندل بقوله:
إذا ما علونا ظهرَ بعلٍ عريضةٍ
…
تخال عليها قَيْضَ بيضٍ مُفَلَّقِ
قال ابن السيد: فراجعته بما هذه نسخته:
وأتاني كتابك الخطير مضمّنًا من جميل برّك وجزيل شكرك ما أدريه ولا أمتري فيه، وقد
علم الله أني أراك من صفوة الإخوان، ونخبة الخلان، ووقفت على المدرج طيّه، فرأيتك قد قصدت ما لم أقصده وسبق إليك ظنك ما لم أرده، فإني لم أرد بقولي (إني لا أحفظ خلافًا في ذلك) إني لا أحفظ خلافًا في البعل والعَثَرِيّ، وكيف أريد ذلك وقد قلت لك إنّ غير أبي حنيفة فرّق بين البعل والعثري، وإن قوله: من فرق بينهما أشبه بالحديث من قول أبي حنيفة، وإنما أردت عنه، ولم أتعرض لكلام جميع اللغويين في لفظ البعل، ولو أردت ذلك لأوردت عليك ما ذكرت في كتابك وما لم تذكره، ولكني لمّا رأيتك قد رفعت (البعل) في الحديث، وصممت عليه، وسألتني عن إعرابه، إنّما أشكل عليك إعرابه من أجل اعتقادك برفع (البعل) فقلت لك: إني لا أحفظ خلافًا في خفضه. ولو صحّ عندي أنه روي مرفوعًا لم يتعذّر عليّ توجيه رفعه، ولكنّ القرآن والحديث لا يسوغ للمؤمن أن يتأولهما على ما يجوز في اللغة إذا لم ترد باللفظ رواية من أئمتنا من أهل السنة، فإذا صحّت الرواية بشيء طلب له حينئذ التأويل.
وقد تأملت الأحاديث التي ضمنتها كتابك فلم أرك حكيت عن أحد أنه روى (البعل) مرفوعًا، بل الأحاديث المشددة التي ذكرتها تدلّ على الخفض.
ولقد أوهمني كلامك أن القاضي رواه مرفوعًا، فطلبت كتابه "المنتقى"، فوجدته قد فسّر الحديث بما يقتضيه الخفض كما فعل أبو عمر بن عبد البر وغيره، وليس فيما ذكرته شيء يوجب رفع (البعل) إلا ما ذكرته عن صاحب "كتاب العين". وما حكيته من كلام عبد الوهاب فذلك ما لا يلتفت إليه، لأن عبد الوهاب لم ينصّ على أن (البعل) روي في الحديث مرفوعًا، وهذه هي النكتة التي كنا نريد أن تجدها مرويّة، فإن كنت قد وجدت الرفع مرويًّا عن بعض الأئمة المعول عليهم فاجعله رواية غريبة، وإن كنت ليس عندك في ذلك منّي أكثر من أنك وجدته مرفوعًا في كتابك، وتريد أن تخرج له وجهًا بتتبع كلام اللغويين، فأنت ترى ما في ذلك. وإن كنت رويته مرفوعًا عن بعض الفقهاء المغفلين الذين لا يفرقون بين المرفوع والمخفوض، فليس يجب أيضًا أن تلتفت إليه ما لم تجد في ذلك نصًّا لإمام مشهور قد سمعته وتكلمه في رفعه.