الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من أَدِلَّة الْفِقْه " أَن الضَّرَر يزَال "، أَي: تجب إِزَالَته.
ودليلها: قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ -: "
لَا ضَرَر وَلَا ضرار "، وَفِي رِوَايَة: " وَلَا إِضْرَار " بِزِيَادَة همزَة فِي أَوله وَألف بَين الراءين.
وَقد علل أَصْحَابنَا بذلك فِي مسَائِل كَثِيرَة جدا.
وَقد تقدم قَرِيبا أَن أَبَا دَاوُد قَالَ: الْفِقْه يَدُور على خَمْسَة أَحَادِيث، مِنْهَا: قَوْله
صلى الله عليه وسلم َ -: " لَا ضَرَر وَلَا ضرار ".
وَهَذِه الْقَاعِدَة فِيهَا من الْفِقْه مَا لَا حصر لَهُ، ولعلها تَتَضَمَّن نصفه، فَإِن الْأَحْكَام إِمَّا لجلب الْمَنَافِع أَو لدفع المضار، فَيدْخل فِيهَا دفع الضروريات الْخمس الَّتِي هِيَ: حفظ الدّين، وَالنَّفس، وَالنّسب، وَالْمَال، وَالْعرض، كَمَا سبق ذَلِك وَشَرحه، وَغير ذَلِك.
وَهَذِه الْقَاعِدَة ترجع إِلَى تَحْصِيل الْمَقَاصِد، وتقريرها بِدفع الْمَفَاسِد أَو تخفيفها.
تَنْبِيه: مِمَّا يدْخل فِي هَذِه الْقَاعِدَة: قَوْلنَا: وَلَا يزَال بِهِ، أَي: الضَّرَر لَا يزَال بِالضَّرَرِ؛ لِأَن فِيهِ ارْتِكَاب ضَرَر، وَإِن زَالَ ضَرَر آخر، وَفِي هَذِه الْقَاعِدَة
- أَيْضا - أَحْكَام كَثِيرَة ذكرهَا الْفُقَهَاء فِي كتبهمْ.
وَمِمَّا يدْخل - أَيْضا - فِي هَذِه الْقَاعِدَة: الضرورات تبيح الْمَحْظُورَات، بِشَرْط عدم نقصانها عَنْهَا، وَمن ثمَّ جَازَ بل وَجب أكل الْميتَة عَنهُ المخمصة، وَكَذَلِكَ إساغة اللُّقْمَة بِالْخمرِ، وبالبول، وَقتل الْمحرم الصَّيْد دفعا عَن نَفسه إِذا صال عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يضمن، وَمِنْه الْعَفو عَن أثر الِاسْتِجْمَار، وَغير ذَلِك مِمَّا لَا حصر لَهُ.
قَوْله: {وَالْمَشَقَّة تجلب التَّيْسِير} .
من الْقَوَاعِد أَن الْمَشَقَّة تجلب التَّيْسِير.
وَدَلِيله: قَوْله تَعَالَى: {وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج} [الْحَج: 78] . إِشَارَة إِلَى مَا خفف عَن هَذِه الْأمة من التَّشْدِيد على غَيرهم، من الإصر وَنَحْوه، وَمَا لَهُم من تخفيفات أخر دفعا للْمَشَقَّة: كَمَا قَالَ تَعَالَى:
{الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا} [الْأَنْفَال: 66] ، وَكَذَلِكَ تَخْفيف الْخمسين صَلَاة فِي الْإِسْرَاء إِلَى خمس صلوَات، وَغير ذَلِك مِمَّا لَا ينْحَصر، وَقد قَالَ تَعَالَى:{يُرِيد الله بكم الْيُسْر} [الْبَقَرَة: 185]، {يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم} [النِّسَاء: 28] ، وَقَالَ فِي صفة نَبينَا صلى الله عليه وسلم َ -:{وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم} [الْأَعْرَاف: 157]، وَقَالَ تَعَالَى:{لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} [الْبَقَرَة: 286]، وَقَالَ تَعَالَى فِي دُعَائِهِمْ:{وَلَا تحمل علينا إصرا كَمَا حَملته على الَّذين من قبلنَا} [الْبَقَرَة: 286] ، وَغير ذَلِك، وَقَالَ:" بعثت بالحنيفية السمحة ".
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم َ -: أحب الْأَدْيَان إِلَى الله الحنيفية السمحة " فِي أَحَادِيث
وآثار كَثِيرَة.
وَيدخل تَحت هَذِه الْقَاعِدَة: أَنْوَاع من الْفِقْه، مِنْهَا فِي الْعِبَادَات: التَّيَمُّم عِنْد مشقة اسْتِعْمَال المَاء على حسب تفاصيل فِي الْفِقْه، وَالْقعُود فِي الصَّلَاة عِنْد مشقة الْقيام وَفِي النَّافِلَة مُطلقًا، وَقصر الصَّلَاة فِي السّفر، وَالْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ، وَنَحْو ذَلِك.
وَمن ذَلِك: رخص السّفر وَغَيرهَا.
وَمن التخفيفات أَيْضا: أعذار الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة، وتعجيل الزَّكَاة، والتخفيفات فِي الْعِبَادَات لَا تكَاد تَنْحَصِر،
وَهِي فِي الْمُعَامَلَات كَثِيرَة جدا، وَفِي المناكحات، والجنايات، وَفِي كتاب الْقَضَاء.
وَمن التخفيفات الْمُطلقَة: فروض الكفايات وسننها، وَالْعَمَل بالظنون لمَشَقَّة الِاطِّلَاع على الْيَقِين، إِلَى غير ذَلِك.
وَهَاتَانِ القاعدتان تَرْجِعَانِ من قَوَاعِد أصُول الْفِقْه إِلَى مَا سبق من أَن الْأَحْكَام معللة بِدفع الْمَفَاسِد، والمضار الدِّينِيَّة والدنيوية، وَأَن الْعلَّة فِي ذَلِك إِمَّا أَن تكون دافعة للضَّرَر وَالْمَشَقَّة، أَو رَافِعَة لذَلِك، وَقد تقدم فِي الْقيَاس.
قَوْله: {ودرء الْمَفَاسِد أولى من جلب الْمصَالح، وَدفع أَعْلَاهَا بأدناها} .
من الْقَوَاعِد: إِذا دَار الْأَمر بَين دَرْء مفْسدَة وجلب مصلحَة، كَانَ دَرْء الْمفْسدَة أولى من جلب الْمصلحَة، قَالَه الْعلمَاء، وَإِذا دَار الْأَمر أَيْضا بَين دَرْء إِحْدَى المفسدتين، وَكَانَت إِحْدَاهمَا أَكثر فَسَادًا من الْأُخْرَى، فدرء الْعليا مِنْهُمَا أولى من دَرْء غَيرهَا، وَهَذَا وَاضح يقبله كل عَاقل، وَاتفقَ عَلَيْهِ أولو الْعلم.
قَوْله: {وتحكيم الْعَادة} .
من الْقَوَاعِد: أَن الْعَادة محكمَة، أَي: مَعْمُول بهَا شرعا لحَدِيث: " مَا
رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن "، لَكِن لَا يَصح، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْقُول عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا عَلَيْهِ.
وللقاعدة أَدِلَّة أُخْرَى غير ذَلِك مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: {خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ} [الْأَعْرَاف: 199]، قَالَ:[ابْن السَّمْعَانِيّ] : المُرَاد مَا يعرفهُ النَّاس ويتعارفونه فِيمَا بَينهم.
قَالَ ابْن عَطِيَّة: " مَعْنَاهُ: كل مَا عَرفته النُّفُوس مِمَّا لَا ترده الشَّرِيعَة ".
قَالَ ابْن ظفر فِي " الينبوع ": " الْعرف مَا عرفه الْعُقَلَاء بِأَنَّهُ حسن وأقرهم الشَّارِع عَلَيْهِ ".