الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَهَذِهِ الْأَنْوَاع كلهَا مُقَدّمَة على الْكتاب، وعَلى جَمِيع أَنْوَاع السّنة من متواترة وَغَيرهَا.
وَلَو نقل إجماعان فالمعمول بِهِ مِنْهُمَا هُوَ السَّابِق، فَيقدم إِجْمَاع الصَّحَابَة على إِجْمَاع التَّابِعين، وَإِجْمَاع التَّابِعين على من بعدهمْ، وهلم جرا؛ لِأَن السَّابِق دَائِما أقرب إِلَى زمن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ -
الْمَشْهُود لَهُم بالخيرية فِي قَوْله: " خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ".
فَإِن فرض فِي عصر وَاحِد إجماعان، فَالثَّانِي بَاطِل؛ لِأَن كل من اجْتهد من الْمُتَأَخر فَقَوله بَاطِل لمُخَالفَته الْإِجْمَاع السَّابِق.
فَإِن كَانَ أحد الإجماعين مُخْتَلفا فِيهِ وَالْآخر مُتَّفق عَلَيْهِ، فالمتفق
عَلَيْهِ
مقدم، وَذَلِكَ فِي صور تَقْدِيم بَيَانهَا فِي الْإِجْمَاع، فَليُرَاجع.
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ الْخلاف فِيهِ أَضْعَف يقدم على الْخلاف فِي كَونه إِجْمَاعًا أقوى.
قَالَ ابْن مُفْلِح: " وَمَا اتّفق عَلَيْهِ أَو ضعف الْخلاف فِيهِ أولى " انْتهى.
وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاع الَّذِي لم يسْبقهُ اخْتِلَاف مقدم على إِجْمَاع سبق فِيهِ اخْتِلَاف، ثمَّ وَقع الْإِجْمَاع.
وَفِي قَول آخر: إِن الْمَسْبُوق بِخِلَاف أرجح لأَنهم اطلعوا على المأخذ، واختاروا مَأْخَذ مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ فَكَانَ أقوى.
وَقيل هما سَوَاء؛ لِأَن فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا مرجحا.
لَكِن قَالَ ابْن الْحَاجِب والهندي لَا يتَصَوَّر هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الإجماعين القاطعين؛ وَلِأَنَّهُ: لَا يرجح بَين القاطعين وَلَا يتَصَوَّر التَّعَارُض بَينهمَا، وَإِنَّمَا يتَصَوَّر فِي الظنين.
وَضعف قَوْلهمَا: بِأَنَّهُمَا إِن أَرَادَا تعَارض الإجماعين فِي نفس الْأَمر فمستحيل، سَوَاء كَانَا ظنيين أَو قطعيين، وَإِن أَرَادَا فِيمَا يغلب على الظَّن فَظن تعَارض الإجماعين مُمكن سَوَاء كَانَا قطعيين أَو ظنيين، وَالله أعلم.
ثمَّ يَلِيهِ، أَي: الْإِجْمَاع: الْكتاب، وَمثله متواتر السّنة لقطعيتهما فيقدمان على سَائِر الْأَدِلَّة؛ لِأَنَّهُمَا قاطعان من جِهَة الْمَتْن، وَلِهَذَا جَازَ نسخ كل مِنْهُمَا بِالْآخرِ على مَا سبق، هَذَا هُوَ الْأَصَح؛ لِأَن كلا مِنْهُمَا وَحي من الله تَعَالَى، وَإِن افْتَرقَا من حَيْثُ إِن الْقُرْآن نزل للإعجاز، فَفِي الْحَقِيقَة هما سَوَاء.
وَقيل: يقدم الْكتاب عَلَيْهَا لِأَنَّهُ أشرف مِنْهَا.
قيل: تقدم السّنة لقَوْله تَعَالَى: {لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم} [النَّحْل: 44] .
أما المتواتران من السّنة فمتساويان قطعا.
ثمَّ بعد ذَلِك أَخْبَار الْآحَاد فَتقدم على غَيرهَا، غير مَا تقدم، وَلها مَرَاتِب: صَحِيح فَيقدم على غَيره، ثمَّ حسن فَيقدم على غَيره، ثمَّ ضَعِيف وَهُوَ أَصْنَاف كَثِيرَة، وَيقدم على غَيره ويتفاوت فِي الصِّحَّة وَالْحسن والضعف، فَيقدم مَا كَانَ أقوى، ثمَّ قَول الصَّحَابِيّ بعد ذَلِك، ثمَّ الْقيَاس، بعد ذَلِك كُله، وَقد تقدم تفاصيل ذَلِك كُله وَمَا فِيهِ من الْخلاف فِي أبوابه وفصوله.
وَقَوْلنَا: {وَالتَّصَرُّف فِي الْأَدِلَّة سبق} .
معنى ذَلِك: أَنه إِذا وَقع فِي الْأَدِلَّة الظنية مَا ظَاهره التَّعَارُض فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يُمكن الْجمع وَلَو بِوَجْه مَا، وَإِمَّا أَن لَا يُمكن الْجمع أصلا، فَمَا أمكن الْجمع فِيهِ يجمع وَيعْمل بالدليلين، وَذَلِكَ فِي صور:
مِنْهَا: تَخْصِيص الْعَام بالخاص على تفاصيله السَّابِقَة.
وَمِنْهَا: تَقْيِيد الْمُطلق بالمقيد.
وَمِنْهَا: حمل الظَّاهِر الْمُحْتَمل لِمَعْنى مَرْجُوح على الْمَرْجُوح، حَيْثُ دلّ دَلِيل على منع الْعَمَل بِهِ وَهُوَ التَّأْوِيل.
وَمِنْهَا: حمل الْمُجْمل على الْمُبين.
وَكَذَا إِذا تَأَخّر الْمعَارض بِأَن يكون نَاسِخا فقد عمل بالدليلين كل مِنْهُمَا فِي وَقت بالمنسوخ أَولا ثمَّ بالناسخ بعد ذَلِك، وَالْجمع بَين الدَّلِيلَيْنِ لَا ينْحَصر فِي ذَلِك، بل قد يَقع فِي غَيره، وَقد سبق بَيَان ذَلِك فِي أبوابه.
قَوْله: {التَّعَارُض: تقَابل الدَّلِيلَيْنِ على سَبِيل الممانعة وَلَو بَين عَاميْنِ فِي الْأَصَح} .
وَذَلِكَ إِذا كَانَ أحد الدَّلِيلَيْنِ يدل على الْجَوَاز وَالدَّلِيل الآخر يدل على الْمَنْع، فدليل الْجَوَاز يمْنَع التَّحْرِيم، وَدَلِيل التَّحْرِيم يمْنَع الْجَوَاز، فَكل مِنْهُمَا مُقَابل الآخر ومعارض لَهُ ومانع لَهُ.