الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَكِن قَالَ الكوراني: الْحق أَن الْأَمر مُخْتَلف فِي العقليات والشرعيات، وَهُوَ من صَادف الْحق فِيهَا لتعينه فِي الْوَاقِع: كحدث الْعَالم، وَثُبُوت الباريء، وَصِفَاته، وَبَعثه الرُّسُل، وَغير ذَلِك، فالأمور الْعَقْلِيَّة الْمُصِيب وَاحِد قطعا؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى أَن كلا من نقيضين أَو ضدين حق بل أَحدهمَا فَقَط، وَالْآخر بَاطِل، وَمن لم يُصَادف ذَلِك الْوَاحِد فِي الْوَاقِع فَهُوَ ضال آثم وَإِن بَالغ فِي النّظر.
وَسَوَاء كَانَ مدرك ذَلِك عقلا مَحْضا: كحدث الْعَالم، وَوُجُود الصَّانِع، أَو شَرْعِيًّا مُسْتَندا إِلَى ثُبُوت أَمر عَقْلِي: كعذاب الْقَبْر، والصراط، وَالْمِيزَان.
إِذا علم ذَلِك فالمخطيء لعدم إِصَابَة ذَلِك الْوَاحِد لَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يكون فِي إِنْكَار الْإِسْلَام كاليهود وَالنَّصَارَى إِذا قَالَ: أداني اجتهادي إِلَى إِنْكَاره، فَهَذَا ضال كَافِر عَاص لله وَلِرَسُولِهِ.
وَإِن كَانَ فِي غير ذَلِك من العقائد الدِّينِيَّة الزَّائِدَة على أصل الْإِسْلَام فَهَذَا عَاص.
وَمن هُنَا انفرقت المبتدعة فرقا مُقَابلَة لطريق السّنة، وَفِيهِمْ قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ -: "
تفترق أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة، فرقة نَاجِية وَالْبَاقِي فِي النَّار "، وَقد تقدم قَرِيبا الْخلاف بَين الْعلمَاء فِي تَكْفِير المبتدعة، وَقد ذكر هُنَا أَقُول تقشعر مِنْهَا الْجُلُود وتنفر
.
قَالَ ابْن مُفْلِح: " والمصيب وَاحِد.
وَذكر أَبُو الْمَعَالِي أَن مَذَاهِب أَقوام: أَن المخطيء مَعْذُور مثاب فِي الْآخِرَة إِذا لم يعاند، وَفِي الدُّنْيَا كَافِر نقاتله.
قَالَ: وَقد يتمسكون بقوله: {إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا} الْآيَة.
وَقَالَ الجاحظ، وثمامة: المعارف ضَرُورِيَّة وَمَا أَمر الرب الْخَالِق بمعرفته، وَلَا بِالنّظرِ، مِمَّا حصلت لَهُ الْمعرفَة وفَاقا أَمر بِالطَّاعَةِ، فَإِن أطَاع أثيب وَإِلَّا فَالنَّار، وَأما من مَاتَ جَاهِلا، فَقيل: يصير تُرَابا، وَقيل: إِلَى الْجنَّة.
وَعَن عبيد الله بن الْحسن، الإِمَام الْمَشْهُور، قَالَه بعض أَصْحَابنَا، وَذكر الْآمِدِيّ أَنه معتزلي معتزلي: المجتهدون من أهل الْقبْلَة مصيبون مَعَ اخْتلَافهمْ.
قَالَ ابْن مُفْلِح: وَمرَاده وَالله أعلم بِمَا كلفوا فَلَا إِثْم، أَو يثابون لاجتهادهم، وَإِلَّا فَإِن أَرَادَ مُطَابقَة الِاعْتِقَاد للمعتقد فَجمع بَين النقيضين، وَلَا يُريدهُ عَاقل.
ورده بعض أَصْحَابنَا وَغَيرهم: بمخالفة الْقَاطِع فقصر لتقليد، أَو عصبية، أَو إهمال، فَلم يعْذر كأصل التَّوْحِيد وَلَا فرق.
قَالَ ابْن مُفْلِح: كَذَا قَالُوا، وَلم يُقيد بَعضهم كَلَامه بِأَهْل الْقبْلَة، ففهم عَنهُ مَا لَا يَنْبَغِي.
قلت: - صرح بِهِ الطوفي فِي " مُخْتَصره " عَنْهُمَا، والموفق فِي " الرَّوْضَة " عَن الجاحظ - فتأوله بعض الْمُعْتَزلَة، وَكَلَام الجاحظ على الْمسَائِل الكلامية: كالرؤية، وَالْكَلَام، وأعمال الْعباد، لتعارض الْأَدِلَّة الظنية.
قَالَ الْآمِدِيّ: فَإِن صَحَّ أَنه المُرَاد فَلَا نزاع وَحكى هُوَ وَجَمَاعَة عَن الجاحظ: لَا يَأْثَم من خَالف الْملَّة ".
قَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَنقل عَن الجاحظ والعنبري: أَن المخطيء فِي العقليات لَا يَأْثَم فِي خطئه.
ثمَّ مِنْهُم من أطلق النَّقْل عَنْهُمَا بِمَا يَشْمَل الْكفَّار وَغَيرهم.
وَمِنْهُم من قَالَ: إنَّهُمَا قَالَا ذَلِك بِشَرْط إِسْلَام الْمُجْتَهد، وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بهما.
وَفِي " مُخْتَصر التَّقْرِيب " للباقلاني: أَن ذَلِك أشهر الرِّوَايَتَيْنِ عَن الْعَنْبَري.
وَنقل ابْن قُتَيْبَة عَنهُ أَنه " سُئِلَ عَن أهل الْقدر وَعَن أهل الْجَبْر فَقَالَ: كل مِنْهُمَا مُصِيب، لِأَن هَؤُلَاءِ قوم عظموا الله، وَهَؤُلَاء قوم نزهوا الله ".