الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قَوْله: {فصل} )
هَل يجوز أَن يحصل للْإنْسَان منصب الِاجْتِهَاد فِي بعض الْمسَائِل دون بعض أم لَا؟
الْأَكْثَر مِنْهُم أَصْحَابنَا: على الْجَوَاز، إِذْ لَو لم يتَجَزَّأ لزم أَن يكون عَالما بِجَمِيعِ الجزئيات وَهُوَ محَال، إِذْ جَمِيعهَا لَا يُحِيط بهَا بشر.
وَقد سُئِلَ كل من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم عَن مسَائِل فَأجَاب بِأَنَّهُ لَا يدْرِي،
كَمَا ذكرنَا ذَلِك فِي أول هَذَا الشَّرْح فِي تَعْرِيف الْفِقْه.
وَأجِيب عَن قَول الْأَئِمَّة ذَلِك: بِأَن الْعلم بِجَمِيعِ المآخذ لَا يُوجد الْعلم بِجَمِيعِ الْأَحْكَام، بل قد يجهل الْبَعْض بتعارض الْأَدِلَّة فِيهِ، وبالعجز عَن الْمُبَالغَة فِي الْحَال، إِمَّا لمَانع مَعَ تشويش الْفِكر أَو نَحْو ذَلِك.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الرَّد على الرافضي: " جُمْهُور الْعلمَاء الْمُسلمين على أَن الْقُدْرَة على الِاجْتِهَاد وَالِاسْتِدْلَال، مِمَّا يَنْقَسِم ويتبعض، فقد يكون الرجل قَادِرًا على الِاجْتِهَاد وَالِاسْتِدْلَال فِي مَسْأَلَة، أَو نوع من الْعلم دون الآخر، وَهَذَا حَال أَكثر عُلَمَاء الْمُسلمين، لَكِن يتفاوتون فِي الْقُوَّة وَالْكَثْرَة، فالأئمة المشهورون أقدر على الِاجْتِهَاد وَالِاسْتِدْلَال فِي أَكثر مسَائِل الشَّرْع من غَيرهم.
وَأما أَن يَدعِي أَن وَاحِدًا مِنْهُم قَادر على أَن يعرف حكم الله فِي كل مَسْأَلَة من الدّين بدليلها، فَمن ادّعى هَذَا فقد ادّعى مَا لَا علم لَهُ بِهِ، بل ادّعى مَا يعرف أَنه بَاطِل " انْتهى.
وَقَالَ بعض الْعلمَاء: لَا يتَجَزَّأ الِاجْتِهَاد، وَقَالَ: كل مَا يفْرض أَن يكون قد جَهله، يجوز تعلقه بِمَا يفْرض أَنه مُجْتَهد فِيهِ.
وَأجِيب: بِأَن الْفَرْض أَن مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة كُله مَوْجُود فِي ظَنّه.
قَالَ الطوفي وَغَيره: وَمنعه قوم لجَوَاز تعلق بعض مداركها بِمَا يجهله.
قَالَ: وَأَصله الْخلاف فِي تجزيء الِاجْتِهَاد.
وَفِي الْمَسْأَلَة قَول ثَالِث: يجوز التجزؤ فِي بَاب لَا مَسْأَلَة، فَيجوز أَن يكون للْعَالم منصب الِاجْتِهَاد فِي بَاب دون بَاب، فالناظر فِي مَسْأَلَة المشركة يَكْفِيهِ معرفَة أصُول الْفَرَائِض، وَلَا يضرّهُ أَن لَا يعرف الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي تَحْرِيم الْمُسكر مثلا.
وفيهَا قَول رَابِع: يجوز التجزؤ فِي الْفَرَائِض لَا فِي غَيرهَا.
قَالَ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد ": " فَإِن كَانَ عَالما بالمواريث وأحكامها دون بَقِيَّة الْفِقْه جَازَ لَهُ أَن يجْتَهد فِيهَا، ويفتي غَيره بهَا دون بَقِيَّة الْأَحْكَام؛ لِأَن الْمَوَارِيث لَا تنبني على غَيرهَا، وَلَا تستنبط من سواهَا إِلَّا فِي النَّادِر، والنادر لَا يقْدَح الْخَطَأ فِيهِ فِي الِاجْتِهَاد " انْتهى، وَاقْتصر عَلَيْهِ.