الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غضب الله عليه قد ضل وإلا لما غضب عليه، ومن ضل فقد غضب الله عليه، ومن ضل فقد غضب الله عليه، وإنما اختصت كل طائفة [65/ أ]، بصفة هي أعرق في الاتصاف بها.
قوله: "وخواتيم [سورة] (1) البقرة".
قال المطهري: هما: "آمَنَ الرَّسُولُ" إلى آخر السورة.
[قوله: "كفتاه".
قيل: عن قيام الليل. وقيل: من شر الجن والإنس] (2)
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال: حسن صحيح.
(سورة البقرة)
قوله: "سورة البقرة":
1 -
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعاً لأَصْحَابِهِ واقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وآلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُما يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُما غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُما فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ". أخرجه مسلم (3). [صحيح]
قيل: "البَطَلة" السَّحَرَةُ.
(1) زيادة من (ب).
(2)
في حاشية (ب) ما نصه: لا أدري لم جاء بهذا المقطع هنا.
(3)
في صحيحه رقم (252/ 804).
زاد في (1) رواية: مَا مِنْ عَبْدٍ يَقْرَأ بَهَا فِي رَكْعَةٍ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ ثُمَّ يَسْأَلُ الله تَعَالَى حَاجَةً إِلّا أَعْطَاهُ إِنْ كَادَتْ لَتَسْتَحْصِى الْقُرآنَ كُلَّهُ.
"الغيابة" كُلَّ شِيءٍ أَظَلّ الْإِنْسَان فَوق رَأْسه كالسّحَابَة وَغيْرهَا.
قوله: "الزهراوين".
قال ابن الأثير (2): لون أزهر أي نير، والزهرة البياض النير وهو أحسن الألوان البيض.
"غمامتان"، الغمامة السحابة، والجمع الغمائم.
قوله: "غيايتان (3) " بالغين المعجمة كل شيء أظل الإنسان أو غيره من فوقه وهي كالسحابة، والمراد: أن السورة كالشيء الذي يظل الإنسان من الأذى في الحر والبرد وغيرهما.
قوله: "فرقان"، الفرق: الجماعة المنفردة من الغنم والطير ونحو ذلك.
قوله: "صواف (4) "، الصواف: جمع صافِّة وهي التي تصف أجنحتها عند الطيران.
قوله: "تحاجان" المحاجة: المخاصمة والمجادلة وإظهار الحجة.
2 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَعْثًا وَهُمْ ذُو عَدَدٍ فَاسْتَقْرَأَهُمْ، فَقْرَأَ كُلُّ رَجُلٍ [مِنْهُمْ] مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ فَأتَى عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا فَقَالَ: "مَا مَعَكَ أنت يَا فُلَانُ"، فَقَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا، وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ. قَالَ "أَمَعَكَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ". قَالَ نَعَمْ. قَالَ "فَاذْهَبْ فَأَنْتَ أَمِيرُهُمْ". فَإِنَّها إِنْ كَادَتْ لَتَسْتَحْصِي الدين كله، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ: وَالله يَا رَسُولَ الله مَا مَنَعَنِي يَا رَسُولُ الله! أَنْ أَتَعَلَّمَهَا إِلَاّ خَشْيَةَ أَلَاّ أَقُومَ بِمَا فِيْهَا. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَاقْرَءُوهُ وَأَقْرِئُوهُ وَقُومُوا به، فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَهُ
(1) لم أقف على هذه الزيادة في صحيح مسلم.
(2)
في "جامع الأصول"(8/ 513)، وانظر النهاية (1/ 738).
(3)
"النهاية في غريب الحديث"(2/ 335).
(4)
انظر: "النهاية في غريب الحديث"(2/ 38).
فَقَرَأَهُ وَقَامَ بِهِ كمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا يَفُوحُ رِيحِهِ كُلُّ مَكَانٍ، وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ وَرَقَدَ عَنْهُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِيَ عَلَى مِسْكٍ". أخرجه الترمذي (1). [ضعيف]
"والإيكاء" الشدُّ.
قوله [247/ ب] في حديث أبي هريرة: "بعث رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
…
" الحديث.
قال الترمذي (2) بعد إخراجه: هذا حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن سعيد المقبري عن عطاء مولى أبي أحمد، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً نحوه بمعناه، ولم يذكر عن أبي هريرة.
وفي الباب عن أبي بن كعب.
3 -
وَعَنْ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْقُرْآنِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ الدُّنْيَا تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ". وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قَالَ: "كَأَنَّهُما غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُما فَرقَانِ مِنْ طيرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا (3) ". "الشرق" الضوء. [صحيح]
قوله في حديث النواس: "شرق"، بفتح الراء وإسكانها وهو الأشهر لغة.
أي: بينهما فرجة (4)، قال الترمذي (5): هذا حديث حسن غريب.
(1) في "السنن" رقم (2876). وهو حديث ضعيف، والله أعلم.
(2)
في "السنن"(5/ 157).
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه رقم (253/ 805) والترمذي في "السنن" رقم (2883) وهو حديث صحيح.
(4)
قال ابن الأثير في "غريب الجامع"(1/ 473) بينهما شرق، أي ضوء، والشرق: المشرق، والشرق: الشمس.
(5)
في "السنن"(5/ 160 - 161).
ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم أنه يجيء ثواب قراءته، كذا فسره بعض أهل العلم، قال: وفي قوله: "وأهله الذين يعملون به في الدنيا"، ففي هذا دلالة أنه يجيء ثواب العمل. انتهى.
قلت: هذا أحد التفاسير والآخر: أنه تعالى يجعل هذه المعاني والأعراض أجساماً يوم القيامة، وهو أقرب، وأدلته كثيرة.
4 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ". أخرجهما مسلم (1) والترمذي (2). [صحيح]
5 -
وزاد مسلم (3) في هذا: وَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي المَسْجِدِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ الله تَعَالَى جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْراً".
6 -
وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ". أخرجه الخمسة (4) إلا النسائي. [صحيح]
7 -
وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الله كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِما سُورَةَ الْبَقَرَةِ لَا تُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَقْرَبُهَا شَيْطَانٌ". أخرجه الترمذي (5). [صحيح]
(1) في صحيحه رقم (212/ 780).
(2)
في "السنن" رقم (2877). وهو حديث صحيح.
(3)
في صحيحه رقم (210/ 778) من حديث جابر رضي الله عنه.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5040) ومسلم رقم (808)، والترمذي رقم (2881) وأبو داود رقم (1397) وهو حديث صحيح.
(5)
في "السنن" رقم (2882) وهو حديث صحيح.
8 -
وَعَنْ أَبِي أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: "قِيلَ لِبَني إِسْرَائِيلَ {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ}، فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِى شَعَرَةٍ". أخرجه الشيخان (1) والترمذي (2). [صحيح]
قوله: "وقالوا: حبة في شعرة".
قال ابن الأثير (3): حطة فعلة من الحط، وهي مرفوعة على معنى أمرنا حطة، أي: حط عنا ذنوبنا. انتهى.
{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ [248/ ب] لَهُمْ} (4). أي: غير ما أمروا به استهزاءً وسخريةً، فبدلوا الفعل بالزحف بأستاههم، وبدلوا القول، وهذا من تحريفهم الأفعال والأقوال الذي وصفهم الله به.
قال الترمذي (5) إنه حديث حسن صحيح.
9 -
وَعَن عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رضي الله عنه قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ". أخرجه الترمذي (6). [حسن]
المراد "بحياله" تلقاء وجهه.
(1) البخاري في صحيحه رقم (3403، 4479 و4641) ومسلم رقم (3015).
(2)
في "السنن" رقم (2956).
(3)
في "جامع الأصول"(2/ 8).
(4)
سورة البقرة الآية 59.
(5)
في "السنن"(5/ 205).
(6)
في "السنن" رقم (2957). قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (1020) وهو حديث حسن.
قوله في حديث عامر بن ربيعة: "فنزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ".
قال الترمذي (1) - عقيب إخراجه -: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن قتادة (2) أنه قال في هذه الآية:{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} : هي منسوخة، نسخها قوله:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي: تلقاه، حدثنا بذلك محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، ويروى عن مجاهد (3) في هذه الآية:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} : فثمة قبلة الله، ثنا بذلك أبو كريب محمد بن العلاء قال: ثنا وكيع، عن النضر بن عربي، عن مجاهد بهذا [249/ ب].
10 -
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: "يَا رَسُولَ الله لَوْ صَلَّيْنَا خَلْفَ الْمَقَامِ؟ فَنَزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ". أخرجه الشيخان (4)، والترمذي (5). [صحيح]
قوله: "الشيخان والترمذي".
قلت: وقال (6): هذا حديث حسن صحيح.
(1) في "السنن"(5/ 205).
(2)
أخرجه الترمذي في "السنن" رقم (2958) وابن جرير في "جامع البيان"(2/ 451) وابن الجوزي في "ناسخه"(ص 145).
(3)
أخرجه الترمذي في "السنن" رقم (2958) وابن جرير في "جامع البيان"(2/ 457) وابن أبي حاتم في تفسيره رقم (1122).
(4)
البخاري في صحيحه رقم (4483) ومسلم في صحيحه رقم (2399).
(5)
في "السنن" رقم (2959) وهو حديث صحيح.
(6)
في "السنن"(5/ 206).
11 -
وَعَنِ الْبَرَاءِ بْن عَازِبٍ رضي الله عنهما قال: "أَوَّلَ مَا قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَاّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِالله لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ الْكَعْبَةِ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أنكَرُوا ذَلِكَ. فَنَزَلَتْ:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} فَقَالَ السُّفَهاءُ وَهُمُ الْيَهُودُ: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)} . أخرجه الخمسة (1) إلا أبا داود. [صحيح]
قوله في حديث البراء: "صلاة العصر"، وفي الرواية الأخرى:"صلاة الصبح"، قال الحافظ ابن حجر (2): اختلفت الرواية في الصلاة التي تحولت القبلة عندها، وكذا في المسجد، فظاهر حديث البراء أنها الظهر، قال: والجواب أنه لا منافاة بين الخبرين؛ لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة، وذلك كما في حديث البراء، والآتي إليهم بذلك عباد بن بشر وابن نهيك، ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة، وهم بنو عمرو بن عوف، أهل قتادة هذا.
(1) أخرجه البخاري رقم (40، 399، 4486، 4492) ومسلم رقم (525) والترمذي رقم (2962) وابن ماجه رقم (1010).
(2)
في "فتح الباري"(1/ 503).
وأما مسجد القبلتين فقال: إنه يقال: إن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زار أم بشر بنت البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعاماً وحانت الظهر فصلى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ركعتين ثم أمر فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب فسمي مسجد القبلتين.
قال ابن سعد (1): قال الواقدي: هذا أحب عندنا.
قوله: "وهم اليهود".
أقول: السفهاء (2) جمع سفيه، وهو الخفيف العقل، وأصله من قولهم: ثوب سفيه، أي: خفيف النسج.
قال ابن حجر (3): المراد بهم يعني هنا الكفار وأهل النفاق واليهود.
أما الكفار فقالوا لما حولت [250/ ب] القبلة: رجع محمد إلى قبلتنا فسيرجع إلى ديننا فإنه علم أنا على الحق.
وأما أهل النفاق فقالوا: إن كان محمداً أولاً على الحق فالذي انتقل إليه باطل، وكذلك العكس.
وأما [66/ أ] اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء، ولو كان نبياً لما خالف.
فلما كثرت أقاويل هؤلاء السفهاء أنزلت هذه الآية من قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ} إلى قوله: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} (4) الآية.
(1) ذكره الحافظ في "الفتح"(1/ 503).
(2)
انظر: "النهاية في غريب الحديث"(1/ 784). "غريب الحديث" للهروي (1/ 316).
(3)
في "فتح الباري"(8/ 171).
(4)
سورة البقرة الآية 106 - 150.
12 -
وفي أخرى لمسلم (1) وأبي داود (2) عن أنس: فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إِلَى نَحْوِ الْكَعْبَةِ. مَرَّتَيْنِ. فَمَالُوا كَمَا هُمْ رُكُوعَاً إِلَى الْكَعْبَةِ. [صحيح]
13 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: "لَمَّا وُجِّهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْكَعْبَةِ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! كَيْفَ بِإِخوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ". أخرجه أبو داود (3) والترمذي (4) وصححه. [صحيح]
14 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ الله تَعَالَى: هلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍ. فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُوُل: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ! فَتَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهْوَ قَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} الآية". أخرجه البخاري (5) والترمذي (6). [صحيح]
15 -
وفي رواية الترمذي (7): "فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ".
وقال "الوسط" العدل.
قوله في حديث أبي سعيد: "يجيء نوح وأمته".
(1) في صحيحه رقم (527).
(2)
في "السنن" رقم (1045). وهو حديث صحيح.
(3)
في "السنن" رقم (4680).
(4)
في "السنن" رقم (2964).
(5)
في صحيحه رقم (4487).
(6)
في "السنن" رقم (2961) وهو حديث صحيح.
(7)
رقم (2961).
قوله: "فيقول محمد وأمته فيشهدون"، رواه البخاري (1) في الاعتصام (2)، "فيجاء بكم فتشهدون"، وفي رواية لأحمد (3): "يجاء بالنبي يوم القيامة ومعه الرجل والرجلان، ويجيء بالنبي ومعه أكثر من ذلك، فيقال لهم: أبلغكم هذا، فيقولون: لا، فيقال للنبي: أبلغتهم؟ فيقول: نعم، فيقال له: من يشهد لك؟
…
" الحديث أخرجه أحمد (4) والنسائي (5) وابن ماجه (6).
قوله: "أنه بلغ" زاد أبو معاوية [251/ ب]: "فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه".
قوله: "وسطاً"، هو في الخبر المرفوع "الوسط: العدل"، وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما وهم فيه بعضهم، وفي كتاب "الاعتصام" من البخاري (7): {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} عدلاً، وفيه ثم قرأ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ} .
قوله: "وزاد، أي: الترمذي (8): الوسط: العدل".
قلت: بل هو بلفظه في البخاري (9) كما نقلناه قريباً، وأنه مرفوع.
(1) في صحيحه رقم (7349).
(2)
(13/ 316 الباب رقم 19).
(3)
في "المسند"(3/ 9، 32).
(4)
في "المسند"(3/ 9، 32).
(5)
في "السنن الكبرى" رقم (11007).
(6)
في "السنن" رقم (4284).
(7)
في صحيحه رقم (7349). وانظر: "جامع البيان"(2/ 630 - 632).
(8)
في "السنن" رقم (2961).
(9)
في صحيحه رقم (7349). وانظر: "جامع البيان"(2/ 630 - 632).
16 -
وَعَنِ عُرْوَةُ بْنِ الزُّبَيرِ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ قَوْلهِ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} فَوَالله مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي! إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، وَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوةِ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآيَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها؛ وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الطَّوَافَ بَيْنَهُما، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكهُ، قَالَ الزُّهْرِي: فأَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عبد الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ إِلَاّ مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ الله تَعَالَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فِي الْقُرْآنِ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وإِنَّ الله تَعَالَى أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ لَا نَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}، قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَسْمَعُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا، فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِما فِي الإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الله تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ". أخرجه الستة (1). [صحيح]
(1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (1790، 4495) ومسلم رقم (1277) والترمذي رقم (2965) وأبو داود رقم (3901) وابن ماجه رقم (2986) والنسائي (5/ 238، 239).
17 -
وفي رواية للشيخين: أَنَّ الأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا هُمْ وَغَسَّانُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ فتَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ [وَكَانَ ذَلِكَ سُنّةً فِي آبَائِهِمْ، مَنْ أَحْرَمَ لمِنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ] وَإِنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عنْ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمُوا فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى فِي ذَلِكَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية. [صحيح]
قوله: "وعن عروة"، يأتي الحديث وشرحه في كتاب الحج.
18 -
وَعَن مُجَاهِد قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ فَقَالَ الله تَعَالَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} فَالْعَفْوُ: أَنْ يَقْبَلَ الرَّجُل الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ. {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} أَنْ يَطْلُبَ هَذَا بِالْمَعْرُوفِ وَيُؤَدِّى هَذَا بِإِحْسَانٍ، {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} قَتَل بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ. أخرجه البخاري (1) والنسائي (2). [صحيح]
قوله: "كان في بني إسرائيل القصاص".
أقول: كان يريد كان فيهم القصاص أو العفو؛ لأنه تعالى حكى عما كتبه عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، ثم قال:{فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} ، وهذا هو العفو فكان الذي اختصت به الأمة هذه لا غير.
(1) في صحيحه رقم (4498) وطرفه (6881).
(2)
في "السنن"(8/ 133) وهو حديث صحيح.
19 -
وَعَنْ عَطَاءٍ: أَنَّه سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقْرَأُ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هِيَ للشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. أخرجه البخاري (1)، وهذا لفظه، وأبو داود (2)، والنسائي (3). [صحيح]
20 -
وزاد أبو داود (4) رحمه الله قال: " {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فَكَانَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْتَدِيَ بِطَعَامِ مِسْكِينٍ افْتَدَى بِهِ، وَتَمَّ لَهُ صَوْمُهُ. فَقَالَ الله تَعَالَى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ثمُ قَّالَ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ". [شاذ]
21 -
وفي أخرى له (5): "أُثْبِتَتْ لِلْحُبْلَى والمُرْضعِ، يَعْني الْفِدْيةَ والْإفْطارَ". [صحيح موقوف]
وعند النسائي (6) قال: يُطِيقُونَهُ يُكَلَّفُونَهُ، فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ. (فَمَنْ تَطَوَّعَ فَزَادَ عَلَى مِسْكِين آخَرَ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} لَا يُرَخَّصُ فِي هَذَا إِلَاّ لِلَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى.
قوله: "يطيقونه".
(1) في صحيحه رقم (4505).
(2)
في "السنن" رقم (2317).
(3)
في "السنن"(4/ 190، 191)، وهو حديث صحيح.
(4)
في "السنن" رقم (2316)، وهو حديث شاذ.
(5)
أخرجه أبو داود في "السنن" رقم (2317)، وهو حديث صحيح موقوف.
(6)
في "السنن" رقم (2317).
أقول: لفظ البخاري في هذه الآية [252/ ب]"يطقونه" قال: وقراءة العامة "يطيقونه" وهو أكثر. انتهى.
قال ابن حجر (1): يعني من أطاق يطيق، ووقع عند النسائي:"يطيقونه" يكلفونه، وهو تفسير حسن أي: يكلفون إطاقته.
قوله: "هي للشيخ الكبير والمرأة الكبير".
قال ابن حجر (2): هذا مذهب ابن عباس وخالفه الأكثر، وفي البخاري: هي منسوخة أي: صريحة في دعوى النسخ، ورجحه ابن المنذر من جهة قوله:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ؛ لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} مع أنه لا يطيق الصيام.
قال ابن حجر (3): وهذه القراءة - أي: قراءة يطقونه - يعني: يكلفونه لضعف تأويل من زعم أن (لا) محذوفة من القراءة (4) المشهورة، وأن المعنى:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} ، وأنه كقول الشاعر (5):
فقلت لهن الله أبرح قاعداً (6)
(1) في "فتح الباري"(8/ 180).
(2)
في "فتح الباري"(8/ 180).
(3)
في "فتح الباري"(8/ 180).
(4)
انظر: "معجم القرآن"(1/ 250 - 252).
(5)
امرئ القيس، انظر ديوانه (ص 125).
(6)
قال امرئ القيس:
فقلتُ يمينُ الله أبرحُ قاعداً
…
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي =
أي: لا أبرح قاعداً، ورد بأن في البيت دلالة القسم على الحذف بخلاف الآية، وسبب هذا التأويل أن الأكثر على أن الضمير في قوله:"ويطيقونه" للصيام فيصير [253/ ب] تقدير الكلام وعلى الذين يطيقون الصيام فدية والفدية لا تجب على المطيق إنما تجب على غيره.
والجواب عن ذلك أن في الكلام حذفاً تقديره: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ فصارت الفدية للعاجز إذا أفطر.
وفي البخاري (1) من حديث ابن أبي ليلى: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لما نزل عليهم رمضان شق عليهم فكان كل من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم مما يطيقه، ورخص لهم في ذلك فنسخها {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ، وأما على قراءة ابن عباس فلا نسخ؛ لأنه يجعل الفدية على من تكلف الصوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويكفر، وهذا الحكم باقٍ.
قلت: وهذا هو زاده أبو داود في رواية المصنف عنه، وهو أيضاً رواية سلمة بن الأكوع الآتية التي أخرجها الخمسة إلا أنه قال الناسخ:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} .
22 -
وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِىَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا، يعني:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} . أخرجه الخمسة (2). [صحيح]
= قال السمين الحلبي في "الدر المصون"(2/ 273) وأبعد من زعم أن "لا" محذوفة قيل "يطيقونه" وأنَّ التقدير: لا يطيقونه.
انظر: "الخصائص"(2/ 284)"أوضح المسالك"(1/ 163).
(1)
في صحيحه (4/ 187 الباب رقم 39 - معلقاً).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه (4/ 187 الباب رقم 39 - معلقاً) ومسلم رقم (1145) وأبو داود رقم (2315) والترمذي رقم (798) والنسائي (4/ 190).
23 -
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّهُ قَرَأَ: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} وَقَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ. أخرجه البخاري (1). [صحيح]
قوله: "في رواية ابن عمر: "وقال: هي منسوخة" [254/ ب]، هذا كما عرفت مذهب الأكثر، وخالفه ابن عباس.
24 -
وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، وَقَرَأَ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} "(2). أخرجه أبو داود (3) والترمذي (4) وصححه. [صحيح]
25 -
وزاد رُزين (5): "فَقَالَ أَصْحَابُهُ: أَقَرِيبٌ رَبّنَا [فَنُنَاجِيْهِ أَمْ بَعِيْدٌ فَنُنَادِيه (6)]؟ فَنَزَلَتْ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} " الآية.
قوله: "يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي" لما أمر تعالى عباده بدعائه ثم قال: {عَنْ عِبَادَتِي} دل على أنه أريد به أنه العبادة حيث لم يقل: عن دعائي، ولك أن تقول: إن العبادة طاعة من جملتها الدعاء فيكون تنصيصاً على بعض أفراد العام.
قوله: "زاد رزين، فقال أصحابه"، أي: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "أقريب ربنا فنناجيه [67/ أ] أم بعيد فنناديه".
(1) في صحيحه رقم (1949).
(2)
سورة غافر الآية 60.
(3)
في "السنن" رقم (1479).
(4)
في "السنن" رقم (2969). قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (3828). وهو حديث صحيح.
(5)
ذكره ابن الأثير في "جامع الأصول"(2/ 24).
(6)
في (ب) فنناديه أم بعيد.
أقول: أخرج هذه الزيادة ابن جرير (1)، والبغوي في معجمه (2)، وابن أبي حاتم (3)، وأبو الشيخ (4)، وابن مردويه (5)، من طريق الصلت بن حكيم، عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله
…
الحديث، قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} الآية.
وفي سبب نزولها روايات [أخرى (6)].
26 -
وَعَن الْبَرَاءَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَ صوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْزَلَ الله:{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} الآية. أخرجه البخاري (7). [صحيح]
27 -
وفي رواية له (8) ولأبي داود (9) والترمذي (10): "كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِىَ، وَإِنَّ قَيْسَ ابْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ:
(1) في "جامع البيان"(2/ 228).
(2)
عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 469).
(3)
في تفسيره (1/ 314 رقم 1667).
(4)
عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 469).
(5)
عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 469).
(6)
في (ب) أُخر.
(7)
في صحيحه رقم (4508).
(8)
في صحيحه رقم (1915).
(9)
في "السنن" رقم (2314).
(10)
في "السنن" رقم (2968).
لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ، فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيداً، فَنَزَلَتْ:{وَكُلُواوَاشْرَبُوا} ، وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ أَنَّ اسْمَ الرَّجُلِ: صِرْمةُ بنُ قَيْسٍ رضي الله عنه، وَعِنْدَ النِّسَائِيِّ: أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ شيْئًا وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَتَهُ وَيَوْمَهُ مِنَ الْغَدِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} وَقَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه. [صحيح]
قوله: "وعن البراء
…
"، الحديث إخبار عما كان من أحكام الصيام في أول شرعيته عدم قربان النساء كل الشهر.
قال الحافظ ابن حجر (1): ظاهر سياق حديث الباب أن الجماع كان ممنوعاً منه في جميع الليل والنهار بخلاف الأكل والشرب فكان مأذوناً فيه ليلاً ما لم يحصل النوم لكن بقية الأحاديث الواردة في هذا المعنى تدل على عدم الفرق [255/ ب] فيحمل قوله: كانوا لا يقربون النساء على الغالب جمعاً بين الأخبار.
قوله: "وكان رجال يخونون أنفسهم".
قال ابن حجر (2): سمي من هؤلاء عمر وكعب، فروى أحمد (3)، وأبو داود (4).
(1) في "فتح الباري"(8/ 181 - 182).
(2)
في "فتح الباري"(8/ 182).
(3)
في "المسند"(5/ 246).
(4)
في "السنن"(507).
والحاكم (1) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال: أحيل الصيام ثلاثة أحوال، فإن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل الصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصيام عاشوراء، ثم إن الله فرض الصيام، وأنزل:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} الآية، وذكر الحديث إلى أن قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويقربون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا
…
الحديث.
28 -
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: نَزَلَتْ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ، وَلَمْ يَنْزِلْ مِنَ الْفَجْرِ، وَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَا يزَال يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ الله بَعْدُ:{مِنَ الْفَجْرِ} فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّما يَعْنِى اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. أخرجه الشيخان (2). [صحيح]
29 -
وفي أخرى للخمسة (3) قال: أَخَذَ عَدِيٌّ بِنُ حَاتمٍ رضي الله عنه عِقَالاً أَبْيَضَ وَعِقَالاً أَسْوَدَ حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَتَبيَّنَا لَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادَتِي خَيْطَاً أَبْيَضَ وَخَيْطَاً أَسْودَ قَالَ: "إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ، أَنْ كَانَ الْخَيْطُ الأبيَضُ وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ". [صحيح]
(1) في "المستدرك"(2/ 274)، وهو حديث صحيح.
(2)
أخرجه البخاري رقم (1917، 4511) ومسلم رقم (1091).
(3)
أخرجه البخاري رقم (1916، 4509، 4510) ومسلم رقم (1090) وأبو داود رقم (2349) والترمذي رقم (2970) والنسائي (4/ 148).
30 -
وفي أخرى (1) له قالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! مَا الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ؟ أَهُمَا خَيْطَانِ؟ قَالَ: "إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا إِنْ أَبْصَرْتَ الْخَيْطَيْنِ". ثُمَّ قَالَ: "لَا، بَلْ هُمَا سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ". [صحيح]
قوله في حديث سهل بن سعد: "بل هما سواد الليل وبياض النهار".
في التوشيح: هذا كلام ظاهر المعنى غني عن الشرح [لأنه](2) إن كان الخيطان المرادان في الآية يصلحان أن يكونا تحت الوساد فلا شيء [256/ ب] أعرض من هذا الوساد ولا أطول، وإن أريد بهما الخيط الذي يبدو من المشرق والمغرب فلا يصلح لذلك إلا وساد بطول الخافقين، وكذلك قوله:"إنك لعريض القفا"؛ لأن من لازم عرض الوسادة أن يكون القفا الموضوع عليه عريضاً.
وقيل: إن هذه الكلمة كناية عن الغباوة، وقلة الفطنة، ولم يظهر منه وهو في عريض القفا ظاهر (3). انتهى.
قلت: قد وسعنا البحث في ذيل الأبحاث المسددة (4).
31 -
وَعَن الْبَرَاءَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ الْبُيُوتِ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُم فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَكَأنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ
(1) انظر التعليقة المتقدمة.
(2)
في (ب) مكررة.
(3)
انظر: "فتح الباري"(8/ 133 - 134).
(4)
"الأبحاث المسددة في فنون متعددة"(ص 39 - 40).
تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}. أخرجه الشيخان (1). [صحيح]
قوله في حديث البراء: "كان الأنصار إذا حَجُّوا".
[قلت](2): أحرموا للحج وهو عند البخاري (3) في كتاب الحج بلفظ: "إذا أحرموا في الجاهلية"، وظاهر عبارة البراء أن ذلك خاص بالأنصار، وفي حديث جابر في البخاري (4): أن سائر العرب كانوا كذلك إلا قريشاً.
قوله: "رجل من الأنصار".
قال الحافظ ابن حجر (5): هو قُطْبة، بضم القاف وإسكان المهملة بعدها موحدة، ابن عامر بن حديدة، بمهملات وزن كبير، الأنصاري الأسلمي الخزرجي، كما أخرجه ابن خزيمة (6) والحاكم (7)، وفيه (8) قول آخر وأنه رفاعة بن تابوت.
قيل في سبب تجنبهم الدخول من الأبواب: أن ذلك من [257/ ب] أجل السقف لئلا يحول بينه وبين السماء.
(1) البخاري في صحيحه رقم (1803، 4512) ومسلم رقم (3026).
(2)
في (ب) أي.
(3)
في صحيحه رقم (1803).
(4)
في صحيحه رقم (4512).
(5)
في "الفتح"(3/ 621).
(6)
ذكره الحافظ في "الفتح"(3/ 621).
(7)
ذكره الحافظ في "الفتح"(3/ 621).
(8)
أخرجه ابن جرير في "جامع البيان"(2/ 284) وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" إلى ابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر، عن قيس بن جبير.
32 -
وَعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ. أخرجه البخاري (1). [صحيح]
قوله في حديث حذيفة: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة".
قال البخاري (2): التهلكة والهلاك واحد.
قوله: "نزلت في النفقة"، أي: في ترك النفقة في سبيل الله، وهذا الذي قاله حذيفة، جاء مفسراً في حديث أبي أيوب الذي أخرجه النسائي، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، وهو الحديث الآتي عن أسلم، وصح عن ابن عباس (3) وجماعة من التابعين نحو ذلك في تأويل الآية.
وأما مسألة (4) حمل الواحد على العدد الكثير فصرح الجمهور أنه إذا كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجزي المسلمين عنهم عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين.
33 -
وَعَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: غَزَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عبد الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوِّ فَقَالَ النَّاسُ: مَهْ مَهْ، لَا إِلَهَ إِلَاّ الله يُلْقِى بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِي رضي الله عنه: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ لَمَّا نَصَرَ الله تَعَالَى نَبِيَّهُ وَأَظْهَرَ الإِسْلَامَ قُلْنَا نُقِيمُ
(1) في صحيحه رقم (4516).
(2)
في صحيحه (8/ 185 - مع الفتح).
(3)
أخرجه ابن جرير في "جامع البيان"(2/ 314). انظر "أسباب النزول" للواحدي (ص 38).
(4)
انظر "فتح الباري"(8/ 185).
فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى الآية فَالإِلْقَاءُ بَأَيْدِيْنَا إِلَى التَّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الجهَادَ. أخرجه أبو داود (1) والترمذي (2) وصححه. [صحيح]
34 -
وَعَن عبد الله بْنَ مَعْقِلٍ رضي الله عنه قَالَ: سَألتُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه عَنْ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ قَالَ: حُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: "مَا كنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هَذَا، أَمَا تَجِدُ شاةً؟ " قُلْتُ: لَا، قَالَ:"صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، وَاحْلِقْ رَأْسَكَ". فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهْىَ لَكُمْ عَامَّةً. أخرجه الستة (3)، وهذا لفظ الشيخين. [صحيح]
قوله: "نصف صاع من طعام"، أي: لكل مسكين من كل شيء.
وقال ابن عبد البر (4): قال أبو حنيفة (5): والكوفيون (6): نصف صاع من قمح وصاع من تمر وغيره، وعن أحمد (7) رواية تضاهي قولهم، والحديث يرد عليهم.
و"النسك" قد فسر في المرفوع بأنه شاة.
(1) في "السنن"(2512).
(2)
في "السنن" رقم (2972). وهو حديث صحيح.
(3)
أخرجه البخاري رقم (1814، 1815) ومسلم رقم (1201) وأبو داود رقم (1856، 1857، 1858 - 1861) والترمذي بإثر الحديث رقم (2973) والنسائي (5/ 194، 195) وابن ماجه رقم (3079) ومالك في الموطأ (1/ 471) وهو حديث صحيح.
(4)
انظر: "عيون المجالس"(2/ 805 رقم 531).
(5)
انظر: "مختصر الطحاوي"(ص 69).
(6)
انظر: "جامع البيان"(3/ 385 - 389).
(7)
"الإنصاف"(3/ 458).
35 -
وَعَن أَبُي أُمَامَةَ التَّيْمِيُّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً أُكْرِى فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَكَانَ نَاسٌ يَقُوُلونَ: إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما فَقُلْتُ: إِنِّي رَجُلٌ أُكْرِى فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَإنَّ نَاسًا يَقُوُلونَ إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَليْسَ تُحْرِمُ وَتُلَبِّى وَتَطُوفُ؟ قُلْتُ بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ لَكَ حَجًّا جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فسَأَلهُ عَنْ مِثْلِ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَسَكَتَ وَلَمْ يُجِبْهُ حَتَى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، وَقَالَ "لَكَ حَجٌّ". أخرجه أبو داود (1). [صحيح]
36 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ، وَمِجَنَّةُ، وَذُو الْمَجَازِ، أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي المَوسم فَنَزَلَتْ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، هَكذَا قَرَأَهَا. أخرجه البخاري (2) وأبو داود (3). [صحيح]
قوله: "قال: لك حج".
وأخرجه وكيع (4)[258/ ب] وأبو عبيد في فضائله (5)، وابن أبي شيبة (6)، والبخاري (7)، وعبد بن حميد (8).
(1) في "السنن" رقم (1733)، وهو حديث صحيح.
(2)
في صحيحه رقم (1770) وأطرافه (2050، 2098، 4519).
(3)
في "السنن" رقم (1732) و (1734). وهو حديث صحيح.
(4)
عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 222).
(5)
(ص 164).
(6)
عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 222).
(7)
في صحيحه رقم (2050، 2098).
(8)
عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 222).
وابن جرير (1)، وابن المنذر (2)، عن ابن عباس:"أنه كان يقرأها: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}، في مواسم الحج"، وفي رواية: وكان يقرأها كذلك. وفي قراءة ابن مسعود (3): في مواسم (4) الحج فابتغوا حينئذٍ، فنزلت الآية: إن التجارة ونحوها من الإجارة ابتغاء من فضل الله كما دل له قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ [68/ أ] الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (5).
ودلت أيضاً على أن من عمل يبتغي فيه الأجرة الدنيوية والمكاسب فإنه لا ينافيه طلب الأجر الأخروي فمن كتب المصاحف ونسخ نحو كتب الحديث وعمر القناطر والمساجد بالإجارة فإنه أيضاً مأجور.
فإن قلت: الآية إنما نفت الجناح ولم تثبت الأجر.
قلت: إنما خص ذلك بسبب نزولها فإنهم ظنوا الحرج والجناح فيما يأتونه فنفاه الله عنهم ومعلوم أن الابتغاء من فضل الله يؤجر عليه صاحبه مع الاحتساب وإرادة الثواب.
(1) في "جامع البيان"(3/ 507).
(2)
عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 222).
وقراءة ابن عباس معدودة في الشاذ الذي صح إسناده وهو حجة، وليس بقرآن، انظر "فتح الباري"(4/ 248).
(3)
انظر: "معجم القراءات"(1/ 273).
(4)
والأولى جعل هذا تفسيراً؛ لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمعت عليه الأمة. انظر "فتح الباري"(4/ 248)"جامع البيان"(3/ 507).
(5)
سورة الجمعة الآية (10)
37 -
وعنه رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَهْل الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، ويَقُوُلونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَألوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى:{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} . أخرجه البخاري (1) وأبو داود (2). [صحيح]
قوله: "فأنزل الله: {وَتَزَوَّدُوا} الآية".
قال [259/ ب] المهلب (3): في هذا الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم يسأل الناس إلحافاً، أي: تزودوا واتقوا إيذاء الناس بسؤالكم إياهم فالإثم في ذلك.
قال (4): وفيه أن التوكل لا يكون مع السؤال، وإنما التوكل المحمود أن لا يستعين بأحد في شيء، وقيل: هو قطع النظر عن الأسباب بعد تهيئة الأسباب كما قال صلى الله عليه وسلم: "اعقلها وتوكل"(5).
38 -
وعنه رضي الله عنه قَالَ: يَطَوَّفُ الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ مَا كَانَ حَلَالاً حَتَّى يُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا رَكِبَ إِلَى عَرَفَةَ فَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ هَدِيَّةٌ مِنَ الإِبِلِ أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ، مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ غَيْرَ إِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ فَعَلَيْهِ صَوْمُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ كَانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنَ الأيَّامِ الثَّلَاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْطَلِقْ حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَاتٍ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ يَكُونَ الظَّلَامُ، ثُمَّ لِيَدْفَعُوا مِنْ عَرَفَاتٍ إِذَا أَفَاضُوا مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغُوا جَمْعًا الَّذِي يُبَاتُ فِيهِ، ثُمَّ
(1) في صحيحه رقم (1523).
(2)
في "السنن" رقم (1730) وهو حديث صحيح.
(3)
ذكره الحافظ في "فتح الباري"(3/ 384).
(4)
ذكره الحافظ في "فتح الباري"(3/ 384).
(5)
أخرجه ابن حبان في صحيحه رقم (731) والحاكم (3/ 623) والقضاعي في مسند الشهاب رقم (633) بسند حسن، من حديث جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه. وهو حديث حسن.
لِيَذْكُرُوا الله كَثِيرًا، وَأَكْثِرُوا مِنَ التَّكبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ ثُمَّ أَفيضُوا، فَإِنَّ النَّاسَ كَانُواُ يُفِيضُونَ، وَقَالَ الله تَعَالَى:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)} حَتَّى تَرْمُوا الْجَمْرَةَ. أخرجه البخاري (1). [صحيح]
39 -
وعن ابن المسيب قال: أقبل صهيب رضي الله عنه مهاجراً من مكة فاتبعه رجال من قريش، فنزل عن راحلته وانتشل ما في كنانته وقال: والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي، وإن شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلي، ففعلوا، فلما قدم على رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نزلت:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} الآية. فقال له رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ربح البيع أبا يحيى، وتلا عليه الآية". أخرجه رزين (2).
قوله في حديث ابن المسيب في قصة إنه: "أخرجه رزين".
أقول: هذا طال تنبيهنا عليه، وعبارة ابن الأثير (3): ذكره رزين ولم أجده في الأصول.
قلت في "الدر (4) المنثور": أخرج ابن سعد (5) والحارث بن أبي أسامة في "مسنده (6) " وابن المنذر (6)، وابن أبي حاتم (7).
(1) في صحيحه رقم (4521).
(2)
أخرجه ابن سعد في "الطبقات"(2/ 227) وأبو نعيم في الحلية (1/ 151) والبيهقي في "دلائل النبوة"(2/ 522) والحاكم في "المستدرك"(3/ 400) وابن كثير في تفسيره (2/ 272) من طرق.
(3)
في "جامع الأصول"(2/ 37).
(4)
(1/ 240 - 241).
(5)
في "الطبقات"(2/ 227 - 228).
(6)
عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 240).
(7)
في تفسيره (2/ 368 رقم 1939).
وأبو نعيم في الحلية (1)، وابن عساكر (2)، عن سعيد بن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجراً
…
الحديث، وفيه تقديم وتأخير، وذكر أيضاً ربح البيع مرتين.
40 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُه تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وَقولُهُ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)} انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَإِذَا فَضُلُ مِنْ طَعَامِ الْيَتِيْمِ وَشَرَابِهِ حُبِسَ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فأَنْزَلَ الله تَعَالَى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ. أخرجه أبو داود (3) والنسائي (4). [حسن]
41 -
وعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَأ يَتكلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: أَتَدْرِى فِيمَ أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ مَضَى. أخرجه البخاري (5). [صحيح]
قوله: "فأخذت عليه يوماً"، أي: أمسكت المصحف وهو يقرأ عن ظهر قلبه، وجاء ذلك صريحاً في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع قال: قال لي ابن عمر: أمسك على المصحف يا نافع، فقرأ.
(1)(1/ 151).
(2)
عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 240).
(3)
في "السنن" رقم (2871).
(4)
في "السنن" رقم (3669، 3670). وهو حديث حسن.
(5)
فى صحيحه رقم (4526 وطرفه رقم 4527).
أخرجه الدارقطني في غرائب (1) مالك.
قوله: "أنزلت في كذا وكذا ثم مضى"، هكذا أورده مبهماً لمكان الآية والتفسير، وقد أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده [260/ ب] في تفسيره، وذكر بدل قوله: إلى مكان كذا، "حتى انتهى إلى قوله:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} فقال: أتدرون فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن".
وقال أطال الحافظ ابن حجر في "الفتح (2) " الكلام هنا.
42 -
وعن جَابِر رضي الله عنه قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} . أخرجه الخمسة (3) إلا النسائي (4). [صحيح]
قوله: "من ورائها"، أي: من دبرها في القبل. "فأنزلت
…
إلى قوله: {أَنَّى شِئْتُمْ} ".
قال الحافظ (5) ابن حجر: مقبلات ومدبرات ومستلقيات في الفرج.
(1) عزاه إليه الحافظ في "الفتح"(8/ 189).
(2)
"فتح الباري"(8/ 189 - 198).
(3)
أخرجه البخاري رقم (4528) ومسلم رقم (119/ 435) وأبو داود رقم (2163) والترمذي رقم (4062) وابن ماجه رقم (1925).
(4)
النسائي في "الكبرى" رقم (8976).
قلت: وأخرجه ابن جرير في تفسيره (3/ 756) وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 404 رقم 2133) والدارمي (1/ 258) وابن حبان في صحيحه رقم (4154، 4185) والطبراني في الأوسط رقم (571، 8806).
(5)
في "الفتح"(8/ 191).
قال (1): وروى الربيع في "الأم (2) " عن الشافعي قال: احتملت الآية معنيين:
(أحدهما): أن تؤتى [المرأة](3) حيث شاء زوجها لأن (أتى) بمعنى أين شئتم.
واحتملت (أنى) يراد بالحرث موضع النبات، والموضع الذي يراد به الولد هو الفرج دون ما سواه.
قال: واختلف أصحابنا في ذلك وأرى كلاً من الفريقين تأول ما وصفت من احتمال الآية. قال (4): فطلبنا الدلالة فوجدنا حديثين أحدهما ثابت، وهو حديث خزيمة بن ثابت في التحريم، فقوى عندنا التحريم، ثم ذكر مناظرة وقعت بينه وبن محمد بن الحسن أفادت إجازة الشافعي لجواز إتيان الدبر، ثم قال: لعله كان يقول ذلك في القديم [261/ ب].
43 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَ عُمَرُ رضي الله عنه إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! هَلَكْتُ. قَالَ: "وَمَا أَهْلكَكَ". قَالَ: حَوَّلْتُ رَحلي اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَأَوْحَى الله تَعَالَى إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآيَةَ:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ، وَالحيضةَ. أخرجه الترمذي (5). [حسن]
قوله: "حولت رحلي".
قال ابن الأثير (6): كنى بتحويل الرحل عن الإتيان في غير المحل المعتاد كذا الظاهر.
ويجوز أن يراد به أتاها في المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها.
(1) أي الحافظ في "الفتح"(8/ 191).
(2)
(6/ 443 - 444).
(3)
زيادة من (أ).
(4)
الشافعي في "الأم"(6/ 443).
(5)
في "السنن" رقم (2980) وهو حديث حسن.
(6)
في "غريب الجامع"(2/ 42).
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (1): هذا حديث حسن غريب، ويعقوب بن عبد الله الأشعري هو يعقوب القُمِّيُّ.
44 -
وعنه رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ - وَالله يَغْفِرُ لَهُ - أَوْهَمَ إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ - وَهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ - مَعَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ - وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ - فَكَانُوا يَرَوْنَ لَهُمْ فَضْلاً عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ، فَكَانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَأْتُوا النِّسَاءَ إِلَاّ عَلَى حَرْفٍ، وَذَلِكَ أَسْتَرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ، فكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ. وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النِّسَاءَ شَرْحًا مُنْكَرًا، وَيَتَلَذَّذُونَ مِنْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْهُمُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ وَقَالَتْ: إِنَّا كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ فَاصْنَعْ ذَلِكَ وَإِلَاّ فَاجْتَنِبْنِي حَتَّى شَرِيَ أَمْرُهُمَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى هَذِهِ الْآية:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أَيْ: مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، يَعْنِى بِذَلِكَ مَوْضِعَ الْوَلَدِ. أخرجه أبو داود (2). [حسن]
"الشرح" بحاء مهملة، وطءُ المرأة مستلقية على قفاها، وشري الأمر بينهما: أي: عظم وتفاقم.
قوله: "أوهم"، كذا في الرواية، والصواب وهم بغير ألف يقال: وهم الرجل إذا غلط في الشيء، ووهم - بفتح الهاء - إذا ذهب وهمه إلى الشيء أفاده الخطابي (3).
(1) أي الترمذي في "السنن"(5/ 216).
(2)
في "السنن" رقم (2164) وهو حديث حسن.
(3)
في "معالم السنن"(2/ 619 - مع السنن).
قوله: "إلا على حرف"، الحرف الجانب، وحرف كل شيء جانبه.
قوله: "أي: عظم وتفاقم"، زاد ابن الأثير (1): وأصله من شرى البرق إذا ألح في اللمعان، واستشرى الرجل إذا ألح في الأمر. انتهى.
45 -
وعن أم سلمة رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي قَوْلُه تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} قَالَ: فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ، وَيُرْوَى بِالسَّيْن سِمَامٍ. أخرجه الترمذي (2) "صِمَامٍ وَاحِدٍ" أي: مسلك واحد.
قوله: "في صمام واحد".
[قال](3) ابن الأثير (4): الصمام ما تسد به الفرجة، فسمي بذلك الفرج به، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: في موضع صمام وهو بكسر المهملة.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (5): هذا حديث حسن، وابن خثيم هو عبد الله [262/ ب] بن عثمان بن خثيم، وابن سابط هو عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط الجمحي المكي، وحفصة هي ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ويروى "في سمام واحد".
(1) في "جامع الأصول"(2/ 43) من قول الهروي. وانظر: غريب الحديث للهروي (2/ 308).
(2)
في "السنن" رقم (2979). وهو حديث صحيح.
(3)
زيادة يقتضيها السياق.
(4)
في "النهاية في غريب الحديث"(2/ 53).
(5)
أي: الترمذي في "السنن"(5/ 215).
46 -
وعن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: نَزَلَ قوُلُهُ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} فِيْ قَوْلَ الرَّجُل: لَا وَالله، وَبَلَى والله. أخرجه البخاري (1)، ومالك (2)، وأبو داود (3)، وهذا لفظ البخاري، ورواه أبو داود مرفوعاً وموقوفاً عليه. [صحيح]
قَالَ مَالِكٌ فِي "الموطأ (4) ": أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي هَذَا أَنَّ اللَّغْوَ حَلِفُ الإِنْسَانِ عَلَى الشَّيْءِ يَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ كَذَلِكَ ثُمَّ يُوجَدُ بِخِلَافِهِ، فَلَا كَفَّارَة فِيهِ، والَّذِي يَحْلِفُ عَلَى الشَّيْءِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ آثِمٌ كَاذِبٌ لِيَرْضَى بِهِ أَحَدًا وَيَقْتطِعَ بِهِ مَالاً، فَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُ كَفَّارَةٌ. [صحيح]
47 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما في قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} قال: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا وإنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} . أخرجه أبو داود (5) والنسائي (6). [حسن الإسناد]
48 -
وعن عروة بن الزبير قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا ألفَ مَرَّةٍ فَعَمَدَ رَجُلٌ إِلَى امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا شَارَفَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِها ارْتجَعْهَا، ثُمَّ قَالَ: وَالله لَا آوِيكِ إِلَيَّ وَلَا تَحِلِّينَ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ الله تبارك وتعالى:
(1) في صحيحه رقم (4613، 6663).
(2)
في "الموطأ"(2/ 77 رقم 9).
(3)
في "السنن" رقم (3254، 3195).
(4)
(2/ 277) وهو حديث صحيح.
(5)
في "السنن" رقم (2195).
(6)
في "السنن" رقم (3554). وهو حديث حسن الإسناد.
{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ طَلَاقَاً جَدِيدًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَنْ كَانَ طَلَّقَ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْ. أخرجه مالك (1) والترمذي (2). [ضعيف]
49 -
وَعَن مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ تْخْطَبُ إِلَيَّ وَأَمْنَعُهَا مِنَ النَّاسَ، فَأَتَانِي ابْنُ عَمٍّ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَاصْطَحَبَا مَا شَاءَ الله، ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا لَهُ رَجْعَةٌ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَلَمَّا خُطِبَتْ إِلَيَّ أَتَانِي يَخْطُبُها مَعَ الْخُطَّابِ فَقُلْتُ لَهُ: خُطبَتْ إِلَيَّ فَمَنَعْتُهَا النَّاسَ وَآثَرْتُكَ بِهَا فزوَّجْتُك ثُمَّ طَلَّقْتَهَا طَلَاقًا لَهُ رَجْعَةٌ ثُمَّ تَرَكْتُهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَلَمَّا خُطِبَتْ إِلَيَّ أَتَيْتَنِي تَخْطُبُها مَعَ الْخُطَّابِ، وَالله لَا أَنْكَحْتُكَهَا أَبَدًا. قَالَ فَفِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآية:{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} الآية، قَالَ: فَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ. أخرجه البخاري (3) وأبو داود (4) والترمذي (5). [صحيح]
وفي أخرى للبخاري (6): فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فقَرَأَهَا عَلَيْهِ فَتَرَكَ الحَمْيَة وَاستَقَاد لَأَمْر الله عز وجل.
50 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ} هُوَ يَقُولُ: إِنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ، وَإنَّ النِّسَاءَ لمَنْ حَاجَتِي، وَلَوَدِدْتُ أَنَّهُ تَيَسَّرَ لِي امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ.
(1) في "الموطأ"(2/ 588 رقم 80).
(2)
في "السنن" رقم (1192). وهو حديث ضعيف.
(3)
في صحيحه رقم (4529، 5130).
(4)
في "السنن" رقم (2087).
(5)
في "السنن" رقم (2981) وهو حديث صحيح.
(6)
في صحيحه رقم (5331).
أخرجه البخاري (1). [صحيح]
51 -
وَعَن عَليّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْمَ الْخَنْدَقِ: "مَلأَ الله قُبُورَهُمْ وَبُيُوتهمْ نَارًا، كَمَا شَغَلُونَا عَنْ الصَلَاةِ الْوُسطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ". أخرجه الخمسة (2). [صحيح]
وفي رواية: شَغَلُونَا عَنْ الصَلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ.
وزاد في أخرى: ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ والْعِشَاءِ، هذا لفظ الشيخين.
قوله: "حتى أذن صلاة العصر (3) ". انتهى.
(1) في صحيحه رقم (5124).
(2)
أخرجه البخاري رقم (2931) ومسلم رقم (202/ 627) وأبو داود رقم (409) والترمذي رقم (2984) وابن ماجه رقم (684). وهو حديث صحيح.
(3)
وهي الصلاة الوسطى وإليه ذهب علي بن أبي طالب، وأبو أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وأبي بن كعب، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وعبيدة السلماني، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والكلبي، ومقاتل، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود، وابن المنذر.
انظر: "الأوسط"(2/ 366)"المحلى"(4/ 260). "طرح التثريب"(2/ 173 - 174). "شرح معاني الآثار"(1/ 167). "الإنصاف"(1/ 432).
انظر: تخريج هذه الآثار في "نيل الأوطار"(3/ 89 - 91 بتحقيقي) ط: دار ابن الجوزي - الدمام.
أقول: وقيل أيضاً: إنه الظهر (1)، أو المغرب (2)، أو العشاء (3)، أو مجموع الخمس (4)، أو الجمعة (5)، أو الجماعة (6)، أو الخوف (7)، أو الوتر (8)[263/ ب]، أو الضحى (9)، أو عيد الفطر (10)، أو عيد الأضحى (11)، أو صلاة الليل (12).
(1) نقله الواحدي عن زيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدري، وأسامة بن زيد، وعائشة.
"الأوسط"(2/ 367)"التمهيد"(4/ 286)"طرح التثريب"(2/ 174). ونقله ابن المنذر عن عبد الله بن شداد، "الأوسط"(2/ 367).
(2)
وإليه ذهب قبيصة بن ذؤيب. انظر: "التمهيد"(4/ 293).
(3)
نسبه ابن سيد الناس وغيره إلى البعض من العلماء، وصرح في "البحر الزخار" بأنه مذهب الإمامية. "البحر الزخار"(1/ 160).
(4)
حكاه القاضي والنووي، ورواه ابن سيد الناس عن البعض.
"الذخيرة"(1/ 417) شرح مسلم للنووي (5/ 129)، واختاره ابن عبد البر في "التمهيد"(4/ 294) وضعفه القاضي عياض، وقال النووي في "شرح مسلم"(5/ 129) وهو ضعيف أو غلط؛ لأن العرب لا تذكر الشيء مفصلاً ثم تجمله، وإنما تذكره مجملاً ثم تفصله، أو تفصل بعضه تنبيهاً على فضيلته.
(5)
حكاه الماوردي، وحكاه ابن مقسم في تفسيره، ونقله القاضي عياض عن البعض.
"طرح التثريب"(2/ 174)"الذخيرة"(1/ 417).
(6)
حكي ذلك عن الإمام أبي الحسين الماوردي. في "النكت والعيون"(1/ 258) ط. الكويت.
(7)
ذكره الدمياطي في "كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى"(ص 144) وقال: حكاه لنا من يوثق به من أهل العلم.
(8)
وإليه ذهب أبو الحسن علي بن محمد السخاوي المقري في "كشف المغطى"(ص 146).
(9)
رواه الدمياطي عن بعض شيوخه، ثم تردد في الرواية. في "كشف الغطاء" ص 150.
(10)
حكاه الدمياطي. "كشف المغطى"(ص 150).
(11)
ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذي، والدمياطي في "كشف المغطى"(ص 149).
(12)
انظر "فتح الباري"(2/ 197).
أقول: وقيل: هي واحدة من الخمس غير معينة (1)، وقيل: بالتوقف.
وأخرج ابن جرير (2) عن سعيد بن المسيب [69/ أ] قال: كان أصحاب رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة هكذا - وشبك بين أصابعه. وعدَّ في "فتح الباري (3) " عشرين قولاً.
52 -
وَعَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا وَقَالَتْ إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَىَّ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} وَصلَاةِ الْعَصْرِ، وَقُومُوا لله قَانِتِينَ. قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه الستة (4) إلا البخاري. [صحيح]
(1) رواه ابن سيد الناس عن زيد بن ثابت، والربيع بن خيثم، وسعيد بن المسيب، ونافع، وشريح، وبعض العلماء.
"عمدة القارئ"(18/ 24)"النكت والعيون"(1/ 258)"فتح الباري"(2/ 174).
(2)
في "جامع البيان"(4/ 359 - 360).
(3)
(8/ 195 - 198).
(4)
أخرجه مسلم رقم (929) ومالك في "الموطأ"(1/ 138 - 139) وأبو داود رقم (410) والترمذي رقم (2982) والنسائي رقم (472).
وأجيب عن هذا بما يلي:
1 -
قال النووي في "شرح صحيح مسلم"(5/ 130 - 131): "إنها قراءة شاذة، والقراءة الشاذة لا يحتج بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع، وإذا لم يثبت قرآناً لا يثبت خبراً، والمسألة مقررة في أصول الفقه" اهـ.
2 -
وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي"(1/ 463 - 464): "هذه قراءة شاذة، والشافعي ومالك لا يجعلان القراءة الشاذة قرآناً ولا خبراً، ويسقطان الاحتجاج بها، ولو سلمنا أنه يحتج بها، لا نسلم أن العطف هنا يقتضي المغايرة بل يحتمل أن يكون للعصر اسمان، أحدهما: الوسطى، والآخر: العصر". =
53 -
وَعَن عَمْرو بْن رَافِعٍ رضي الله عنه: أَنَّه كَانَ يَكْتُبُ لِحَفْصَةَ رضي الله عنها مُصْحَفَاً فَذَكَرَ عَنْهَا مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها. أخرجه مالك (1). [حسن]
54 -
وَعَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} وَصَلاةِ الْعَصْرِ، فَقَرَأْناهَا مَا شَاءَ الله، ثُمَّ نَسَخَهَا الله تَعَالَى فَنَزَلتْ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِساً عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ: هِيَ إِذًا صَلَاةُ الْعَصْرِ. فَقَالَ الْبَرَاءُ: قَدْ أَخبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ وَكَيْفَ نَسَخَهَا الله تعالى. أخرجه مسلم (2). [صحيح]
= 3 - وأخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 172 - 173): "عن عمرو بن رافع، قال: كان مكتوباً في مصحف حفصة بنت عمر رضي الله عنها (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر، وقوموا لله قانتين) ".
4 -
وقال الحافظ العلائي: "ما جاء عن عائشة وحفصة من قراءة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) فإن العطف يقتضي المغايرة، وهذا يرد عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد وهو ممتنع، وكونه ينزل منزلة خبر الواحد مختلف فيه، وإن سلمنا لكن لا يصلح معارضاً للمنصوص صريحاً، وأيضاً فليس العطف صريحاً في اقتضاء المغايرة، لوروده في نسق الصفات؛ كقوله تعالى:{الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3].
(1)
في "الموطأ"(1/ 139). وأخرجه ابن حبان رقم (1722 - موارد) وهو حديث حسن.
(2)
في صحيحه رقم (630).
قلت: وأخرجه أحمد (4/ 301). وهو حديث صحيح.
55 -
وعَنْ مَالِكٍ (1): أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبيِ طَالِبٍ رضي الله عنه، وَابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما كَانَا يَقُولَانِ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ. وأخرجه الترمذي (2) عن ابن عباس وابن عمر تعليقاً. [موقوف ضعيف]
56 -
وَعَن زَيْد بْن ثَابِتٍ وَعَائِشَة رضي الله عنهما أَنَّهُما قَالَا: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ. أخرجه مالك (3) عن زيد والترمذي (4) عنهما. [موقوف صحيح]
57 -
وعند أبي داود (5) رحمه الله: عَنْ زَيْدِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنْهَا فَنَزَلَتْ:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} قَالَ: "إِنَّ قَبْلَهَا صَلاتَيْنِ وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ". [صحيح]
58 -
وعن عبد الله بْن الزُّبَيْرِ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ رضي الله عنه: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} إِلَى قَوْلِهِ: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيةُ الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا؟ قَالَ: نَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي؟ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ مَكَانِهِ. أخرجه البخاري (6). [صحيح]
قوله: "فلم تكتبها؟ [ولم] (7) ندعها"، كذا في الأصول بصيغة الاستفهام الإنكاري كأنه قال: لم تكتبها، وقد عرفت أنها منسوخة، أو قال: ندعها، أي: نتركها [264/ ب] مكتوبة.
وهو شك من الراوي أيُّ اللفظين قاله، وهذه أحد ألفاظ الرواية في البخاري.
(1) في "الموطأ"(1/ 139) موقوف ضعيف.
(2)
في "السنن" عقب الحديث رقم (182).
(3)
في "الموطأ"(1/ 139 رقم 27) موقوف صحيح.
(4)
في "السنن" عقب الحديث رقم (182).
(5)
في "السنن" رقم (411). قلت: وأخرجه أحمد (5/ 183)، وهو حديث صحيح.
(6)
في صحيحه رقم (4530 و4536).
(7)
في (أ) أو.
قلت: "نكتبها أو ندعها؟ قال: يا ابن أخي! لا أغير منه شيئاً من مكانه".
59 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم! قَالَ: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامَاً، وإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَفِيهَا آيَةٌ هِيَ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ". أخرجه الترمذي (1). [ضعيف]
قوله: "آية الكرسي. أخرجه الترمذي".
قلت: وقال عقبه (2): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير وقد تكلم شبة في حكيم بن جبير وضعفه.
60 -
وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! أَتَدْرِى أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أَعْظَمُ؟ ". قُلْتُ: الله لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: "لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبا الْمُنْذِرِ". أخرجه مسلم (3) وأبو داود (4). [صحيح]
61 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: "وَكَّلَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَام، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: وَالله لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، ولي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُود"، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَىِّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا
(1) في "السنن" رقم (2878) وهو حديث ضعيف.
(2)
في "السنن"(5/ 157).
(3)
في صحيحه رقم (810).
(4)
في "السنن" رقم (1460). وهو حديث صحيح.
هُرَيْرَةَ! مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ"، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَا تَعُودُ، فَقَالَ: دَعْنِي فَإِنَّي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ الله بِهَا، قُلْتُ: مَا هُيَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البارِحَةَ"، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ، يَنْفَعُنِي الله بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. فقَالَ: "مَا هِىَ؟ ". قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِىِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَة: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ حَافِظٌ مِنَ الله تَعَالَى حَتَّى تُصْبِحَ، وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ" قُلْتُ: لَا، قَالَ:"ذَاكَ شَيْطَانٌ". أخرجه البخاري (1). [صحيح]
62 -
وَعَنْ أَبي أَيُّوبَ الأنْصارِيِّ رضي الله عنه: أَنَّهُ كَانَ لهُ سَهْوَةٌ فِيهَا تَمْرٌ، وَكَانَتْ تَجِيءُ الْغُولُ فتَأْخُذُ مِنْهُ قَالَ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"اذْهَبْ فَإِذَا رَأَيْتَهَا فَقُلْ: بِسْمِ الله أَجِيبِي رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ". قَالَ: فَأَخَذَهَا فَحَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ فَأَرْسَلَهَا فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ ". فَقَالَ: حَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ فَقَالَ: "كَذَبَتْ وَهِيَ مُعَاوِدَةٌ لِلْكَذِبِ"، فَأَخَذَهَا مَرَّةً أُخْرَى فَحَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ فَأَرْسَلَهَا فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ ". فَقَالَ: حَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ. فَقَالَ "كَذَبَتْ وَهِىَ مُعَاوِدَةٌ لِلْكَذِبِ". فَأَخَذَهَا فَقَالَ: مَا أنَّا بِتَارِكِكِ حَتَّى أَذْهَبَ بِكِ إِلَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنِّي ذَاكِرَةٌ لَكَ شَيْئًا آيَةَ الْكُرْسِيِّ اقْرَأْهَا فِي بَيْتِكَ فَلَا
(1) في صحيحه رقم (2311).
يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ وَلَا غَيْرُهُ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ"، فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَتْ، فَقَالَ:"صَدَقَتْ وَهِىَ كَذُوبٌ". أخرجه الترمذي (1). [صحيح لغيره]
"السهوة (2) " بيت صغير منحدر في الأرض شبه المخدع والخزانة.
قوله: "قال: صدقك وهو كذوب. أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (3): هذا حديث حسن غريب [265/ ب].
63 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: نَزَلَ قُولُه تَعَالَى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} فِي الْأَنْصارِ، كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلَاةً فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيِر كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الأَنْصارِ فَقَالُوا لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا فَأَنْزَلَ الله عز وجل:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} . أخرجه أبو داود (4). [صحيح]
وقال (5): "المقلاة" التي لا يعيش لها ولد.
64 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} وَيَرْحَمُ الله لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ".
(1) في "السنن" رقم (2880) وهو حديث صحيح لغيره.
(2)
انظر: "النهاية"(1/ 831)"الفائق في غريب الحديث"(4/ 211).
(3)
في "السنن"(5/ 159).
(4)
في "السنن" رقم (2682) وهو حديث صحيح.
(5)
أبو داود في "السنن"(3/ 133).
أخرجه الشيخان (1) والترمذي (2)، وهذا لفظ الشيخين. [صحيح]
65 -
وعند الترمذي (3) قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْكَرِيمَ بْنَ الْكَرِيمِ بْنِ الْكَرِيمِ بْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ ثمَّ جَاءَنِي الرَّسُولُ لأجَبْت، ثُمَّ قَرَأ: {فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} قَالَ: ورَحْمَةُ الله تَعَالى عَلى لُوطٍ إِنْ كَانَ ليَأوِي إِلَى رُكْنٍ شدِيدٍ فَمَا بَعَثَ الله تَعَالَى مِنْ بَعْدِهِ نَبِيًّا إِلَاّ فِي ذِرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ". [صحيح]
قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم".
[قال](4) ابن الأثير (5): {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} قال بعض من سمعها: شكَّ إبراهيم عليه السلام ولم يشك نبينا، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم تواضعاً منه وتقديماً لإبراهيم على نفسه:"نحن أحق بالشك منه".
والمعنى أننا لم نشك ونحن دونه فكيف يشك هو. انتهى.
وقال أبو حاتم (6) ابن حبان: لم يرد صلى الله عليه وسلم بالشك الشك في إحياء الموتى بل الشك [266/ ب] في استجابة الدعاء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} ، ولم يذعن
(1) أخرجه البخاري رقم (3353، 3372) ومسلم رقم (2378).
(2)
في "السنن" رقم (3116).
(3)
في "السنن" رقم (3116).
(4)
زيادة يقتضيها السياق.
(5)
في "غريب الجامع"(2/ 55).
(6)
في صحيحه (14/ 89 - 90).
أنه يستجاب له في دعائه وسؤاله، فقال نبينا صلى الله عليه وسلم:"نحن أولى بالشك من إبراهيم"، يريد في استجابة الدعاء، ومحصول هذا الكلام أن لفظه إخبار يراد به التعليم للمخاطب لنبيه. انتهى.
قيل: والتحقيق أن المراد بالشك ها هنا الوسواس الذي لا يدخل دفع وروده تحت القدرة لا الشك المستوي الطرفين، ونظيره ما حكى الله عن موسى عليه السلام حيث قال:{فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67)} (1) مع معرفته ببطلان ما فعل السحرة، وأن الله سيظهره عليهم.
66 -
وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لأَصْحَابِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: فِيمَ ترَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} قَالُوا الله وَرَسُوْلُه أَعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ رضي الله عنه فَقَالَ: قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ، فَقَالَ ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي! قُلْ وَلَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلاً لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ: أَيُّ عَمَلٍ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعَمَلٍ رَجُلٍ غَنِىٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ الله عز وجل، ثُمَّ بَعَثَ الله تَعَالَى لَهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ. أخرجه البخاري (2). [صحيح]
قوله (3): "أغرق أعماله الصالحة"، أضاعها بما ارتكب من المعاصي، وأغرق: بالمعجمة فراء فقاف.
وأخرج هذا الحديث ابن المنذر (4) من وجه آخر وفيه بعد قوله: "أي عمل؟ فقال ابن عباس: شيء ألقي في روعي، قال: صدقت يا ابن أخي"، عني بها العمل ابن آدم، أفقر ما
(1) سورة طه الآية 67.
(2)
في صحيحه رقم (4538).
(3)
ابن الأثير في "جامع الأصول"(2/ 56).
(4)
عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 47 - 48).
يكون إلى جنته [267/ ب] إذا كبر وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إلى عمله يوم يبعث صدقت يا ابن أخي".
67 -
وَعَنِ الْبَرَاءِ رضي الله عنه فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، كُنَّا أَصْحَابَ نَخْلٍ فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مِنْ نَخْلِهِ عَلَى قَدْرِ كَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالْقِنْوِ وَالْقِنْوَيْنِ فَيُعَلِّقُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا جَاعَ أَتَى الْقِنْوَ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَيَسْقُطُ مِنَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ فَيَأْكُلُ، وَكَانَ نَاسٌ مِمَّنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْخَيْرِ يَأْتِي الرَّجُلُ بِالْقِنْوِ فِيهِ الشِّيصُ وَالْحَشَفُ وَبِالْقِنْوِ قَدِ انْكَسَرَ فَيُعَلِّقُهُ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)} ، قَالَ: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أُهْدِىَ إِلَيْهِ مِثْلُ مَا أَعْطَى لَمْ يَأْخُنْهُ إِلَاّ عَلَى إِغْمَاضٍ وَحَيَاءٍ، قَالَ: فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ يَأْتِي أَحَدُنَا بِصَالِحِ مَا عِنْدَهُ. أخرجه الترمذي (1) وصححه. [صحيح]
"الشيص (2) " نوع رديء من التمر كالحشف ونحوه، وقد لا يكون فيه نوى.
قوله (3): "أهل الصفة"، هم الفقراء من الصحابة الذين كانوا يسكنون صفة المسجد لا مسكن لهم، ولا مكسب ولا مال، ولا ولد إنما كانوا متوكلين ينتظرون من يتصدق عليهم بشيء، يأكلونه ويلبسونه.
(1) في "السنن" رقم (2987) قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (1822). وهو حديث صحيح.
(2)
انظر: "النهاية"(1/ 905). "المجموع المغيث"(2/ 239).
(3)
ذكره ابن الأثير في "جامع الأصول"(2/ 57 - 58).
قوله (1): {إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} الإغماض: المسامحة والمساهلة يقول في البيع: اغمض لي إذا استزدته من المبيع أو استحططته من الثمن.
"أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (2): حسن صحيح غريب، وأبو مالك هو الغفاري، ويقال: اسمه غزوان.
68 -
وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ مِن ذَلِكَ شَيْئاً فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ الله تَعَالَى فَلْيَحْمَدِ الله تَعَالَى، وَمَن وَجَدَ الأخْرَى فليَتَعَوّذْ بِالله مِنَ الشيْطانِ. ثمَّ قرَأ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} ". الآية، أخرجه الترمذي (3). [صحيح]
قوله: "لمة (4) "، اللمَّة: الهِمَّة تقع في القلب أراد إلمام الملك أو الشيطان.
يريد القُرب منه فما كان من خطرات الخير فهو من الملك، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: ثم قال (5): هذا حديث حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص لا نعلمه مرفوعاً إلا من حديث أبي الأحوص.
(1) ذكره ابن الأثير في "جامع الأصول"(2/ 57 - 58).
(2)
في "السنن"(5/ 219).
(3)
في "السنن" رقم (2988) وهو حديث صحيح.
(4)
انظر: "النهاية"(2/ 616)"غريب الحديث" للخطابي (3/ 284).
(5)
في "السنن"(5/ 220).
69 -
وَعَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ عن ابن عمر رضي الله عنهما: فِي قولُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)} نسختها الآية التي بعدها. أخرجه البخاري (1). [صحيح]
قوله [268/ ب]: "عن مروان الأصفر، عن ابن عمر".
أقول: قال الحافظ (2): لم يتضح لي من هو الجازم بأنه ابن عمر فإن الرواية (3) الآتية يعني في البخاري بعد هذه وقعت بلفظ: أحسبه ابن عمر، وعندي في ثبوت أنه ابن عمر توقف؛ لأنه ثبت أن ابن عمر لم يكن اطلع على كون هذه الآية منسوخة.
قوله: "نسختها"، أي: أزالت ما تضمنت من الشدة وبينت أنها وإن وقعت المحاسبة، لكنها لا تقع المؤاخذة، أشار إلى ذلك الطبري (4) فراراً من ثبوت دخول النسخ (5) في الإخبار.
وأجيب: بأنه وإن كان خيراً لكنه يتضمن حكماً، وما كان من الأخبار يتضمن الأحكام أمكن دخول النسخ (6) فيه كسائر الأحكام، وإنما الذي لا يدخله النسخ من الأخبار ما كان خبراً محضاً لا يتضمن حكماً كالإخبار عما مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك.
(1) في صحيحه رقم (4545) وطرقه رقم (4546).
(2)
في "فتح الباري"(8/ 206).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه رقم (4546).
(4)
في "جامع البيان"(5/ 126 - 128).
(5)
انظر تفصيل ذلك في "شرح الكوكب المنير"(3/ 541)، "البحر المحيط"(4/ 98 - 100). المحصول (3/ 325).
(6)
إن كان خبراً عما لا يجوز تغيّره كقولنا: العالم حادث، فهذا لا يجوز نسخه بحال، وإن كان خبراً عما يجوز تغيُّره فإما أن يكون ماضياً أو مستقبلاً، والمستقبل إما أن يكون وعداً أو وعيداً، أو خبراً عن حكم كالخبر عن وجوب الحج فذهب الجمهور إلى جواز النسخ لهذا الخبر بجميع هذه الأقسام. =
ويحتمل أن يكون المراد بالنسخ التخصيص، فإن المتقدمين يطلقون النسخ عليه كثيراً.
70 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: "لَمَّا نَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} الآية، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابةِ رضي الله عنهم فَأَتَوْا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَبَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ وَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ الله كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالْجِهَادُ، وَالصَّدَقَةُ؛ وَقَدْ أَنْزَلَ الله تَعَالَى عَلَيْكَ هذِه الآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ وَدَلَّتْ بِهَا ألسِنَتُهُمْ أَنْزَلَ الله فِي إِثْرِهَا: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)}، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا الله تَعَالَى فَأَنْزَلَ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قَالَ نَعَمْ، {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قَالَ نَعَمْ، {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قَالَ نَعَمْ، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، قَالَ نَعَمْ". أخرجه مسلم (1). [صحيح]
قوله: "وذلت"، أي: استسلمت.
= انظر "المحصول"(3/ 325)"البحر المحيط"(4/ 98 - 100).
(1)
في صحيحه رقم (125).
قلت: وأخرجه ابن جرير في "جامع البيان"(5/ 130 - 131) وابن أبي حاتم في تفسيره رقم (574، 575، 579) والبيهقي في "الشعب" رقم (327) والواحدي في "أسباب النزول"(ص 66).