الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ أَنْ تَضَعَ عَنْهُ مَهْرَهَا أَوْ تَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا فَتَفْعَلُ ثُمَّ أَرَادَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ صَحَّ الرُّجُوعَ فِيهِ هَلْ تَرَى لَهَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمِيرَاثِ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ وَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ لَهَا صَحَّ، أَوْ مَاتَ قَضَى فِيهِ بِشَيْءٍ، أَوْ لَمْ يَقْضِ وَلَيْسَتْ الصَّدَقَاتُ وَالدُّيُونُ فِي هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوَارِيثِ، وَهَذَا وَجْهُ الشَّأْنِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ لَا اخْتِلَافَ أَنَّ مَا وَهَبَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا مِنْ مَالِهَا، أَوْ مِنْ صَدَاقِهَا عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ، أَوْ فِي صِحَّتِهِ لَازِمٌ لَهَا وَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْرَهَهَا عَلَى ذَلِكَ بِالْإِخَافَةِ وَالتَّهْدِيدِ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَهَا ذَلِكَ فَتَأْبَى فَيَقُولَ وَاَللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَفْعَلِي ذَلِكَ لَأُضَيِّقَنَّ عَلَيْك وَلَا أَدْعُك تَأْتِي أَهْلَك وَلَا يَأْتُوك عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهَا؛ لِأَنَّ إكْرَاهَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ إكْرَاهٌ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَوْلُهُ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ لَفْظٌ فِيهِ تَجَوُّزٌ وَلَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ يُعَبِّرُونَ بِالْمَكْرُوهِ عَنْ الْحَرَامِ. وَأَمَّا إذَا سَأَلَهَا فِي مَرَضِهِ أَنْ تَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهَا مِمَّا يَخْلُفُهُ أَوْ بَعْضَهُ فَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ وَلَهَا أَنَّ تَرْجِعَ فِيهِ إذَا مَاتَ قَضَى فِيهِ بِشَيْءٍ، أَوْ لَمْ يَقْضِ بِخِلَافِ الِابْنِ الْبَائِنِ عَنْ أَبِيهِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ مِمَّا يَخْلُفُهُ، أَوْ مِنْ بَعْضِهِ، فَهَذَا إنْ قَضَى فِيهِ بِشَيْءٍ لَزِمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ اهـ.
[وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا أَوْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ]
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا وَهَبَتْ الزَّوْجَةُ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا، أَوْ لِزَوْجِهَا، أَوْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ فَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ قَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا رَضِيَتْ امْرَأَةٌ بِتَرْكِ أَيَّامِهَا وَفِي الْأَثَرَةِ عَلَيْهَا عَلَى أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا جَازَ وَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ فَإِمَّا عَدَلَ، أَوْ طَلَّقَ اهـ. قَالَ اللَّخْمِيُّ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْهِبَةُ مُقَيَّدَةٌ بِوَقْتٍ، أَوْ لِلْأَبَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تُدْرِكُهَا فِيهِ الْغَيْرَةُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا وَهَبَتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ اسْتِثْنَاءِ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ تَقْيِيدٌ لِلْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هِبَتَهَا لِضَرَّتِهَا وَلِلزَّوْجِ وَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي فِي الْقَسْمَيْنِ مَعًا سَوَاءٌ وَهَبَتْ ذَلِكَ لِضَرَّتِهَا أَوْ لِزَوْجِهَا قَالُوا: لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَصْبِرُ عَلَيْهِ عَادَةً وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَتْ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَمَا كَانَ لَهَا الرُّجُوعُ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَسَكَتَ عَنْهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْإِطْلَاقُ، فَإِنَّهُ قَالَ وَلَهَا الرُّجُوعُ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ قُلْت ظَاهِرُهَا الْإِطْلَاقُ اهـ.
قُلْت:
وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ بِكَوْنِهَا مِنْ بَابِ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ وَبِذَلِكَ وَجَّهَهَا أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ذَكَرَ عَبْدُ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ لَمْ يَجِبْ لَهَا فَوَهَبَتْ مَا لَمْ يَتَقَرَّرْ لَهَا مِلْكُهُ لَكِنَّهُ قَالَ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَرَكَتْ الْمُطَالَبَةَ بِنَفَقَةِ حَمْلِهَا، أَوْ بِنَفَقَتِهَا هِيَ لَزِمَهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ النَّفَقَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَانْظُرْهُ اهـ.
قُلْت: مَا ذَكَرَهُ مِنْ سُقُوطِ النَّفَقَةِ أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ إسْقَاطِ النَّفَقَةِ فَرْقٌ إلَّا مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الضَّرَرِ هُنَا، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ فَيَجِيءُ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ.
قَوْلُهُ وَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عِنْدِي أَنَّهُ إذَا كَانَ مَا وَهَبَتْهُ الزَّمَنَ الْيَسِيرَ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ لَا رُجُوعَ لَهَا لِقَوْلِ عَارِيَّتِهَا إذَا رَجَعَ، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِمَا يُعَارُ إلَى مِثْلِهِ وَقَوْلُهُمْ فِي السَّلَفِ إذَا طُلِبَ فِي الْحَالِ يُجَامِعُ الْمَعْرُوفَ. قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: وَهَذَا غَيْرُ بَيِّنٍ؛ لِأَنَّ مُدْرَكَ مَسْأَلَتِنَا رَاجِعٌ لِضَرَرٍ بَدَنِيٍّ وَلَا يُقَاوِمُهُ مَا يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ مَالِيٍّ اهـ. فَجَعْلُ التَّقْيِيدِ بِالْيَوْمَيْنِ إنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ ابْنِ عَرَفَةَ مَعَ أَنَّهُ حَكَاهُ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُدَوَّنَةِ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَانْظُرْ هَلْ يُقَيَّدُ رُجُوعُهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا لَمْ تَدْخُلْ ضَرَّتُهَا فِي شَيْءٍ كَمَا قَالُوا فِي اعْتِصَارِ الْأَبِ مَالَ وَلَدِهِ اهـ.
قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَدَمُ التَّقْيِيدِ سَوَاءٌ عَلَّلْنَا الْمَسْأَلَةَ بِالضَّرَرِ، أَوْ بِإِسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ كَمَا فِي الشُّفْعَةِ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا إدْخَالَ الْمُشْتَرِي فِي الشِّرَاءِ وَكُلْفَتَهُ مَعَ أَنَّهَا فِي الْغَالِبِ أَعْظَمُ مِنْ كُلْفَةِ الزَّوْجَةِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا لِلْمَرْأَةِ الرُّجُوعُ فَرَجَعَتْ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الزَّوْجَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الرُّجُوعُ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَا فَاتَ قَبْلَ بُلُوغِ خَبَرِ الرُّجُوعِ فَلَا يَقْضِي اهـ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِذَا وَهَبَتْ وَاحِدَةٌ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا فَلِلزَّوْجِ الِامْتِنَاعُ لَا لِلْمَوْهُوبَةِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَزِيدُ أَنَّ هِبَةَ الضَّرَّةِ لِضَرَّتِهَا يَوْمَهَا جَائِزَةٌ ثُمَّ لِلزَّوْجِ الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِ تِلْكَ الْهِبَةِ وَلَيْسَ لِلْمَوْهُوبَةِ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِالْوَاهِبَةِ بِيَدِ الرَّجُلِ، فَلَوْ جَازَ لِلْمَوْهُوبَةِ قَبُولُ هَذِهِ الْهِبَةِ بِغَيْرِ رِضَا الزَّوْجِ لَسَقَطَ حَقُّ الزَّوْجِ فِي مُتْعَتِهِ بِالْوَاهِبَةِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَبِلَ الزَّوْجُ الْهِبَةَ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْهُوبَةِ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْقَبُولِ اهـ.
قُلْت: لِأَنَّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ لِحَقِّ الزَّوْجَاتِ الْأُخَرِ فَلَمَّا أَسْقَطَتْ إحْدَاهُنَّ يَوْمَهَا لِلْأُخْرَى وَرَضِيَ الزَّوْجُ بِذَلِكَ جَازَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَوْهُوبَةِ فِي ذَلِكَ مَقَالٌ، وَلَمْ يُنَبِّهْ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا لِلْمَوْهُوبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ،
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ وَهَبَتْ لِلزَّوْجِ قَدَّرَتْ كَالْعَدَمِ وَلَا يُخَصِّصُ هُوَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ يَعْنِي إذَا وَهَبَتْ لِضَرَّتِهَا بَقِيَتْ أَيَّامُ الْقَسْمِ عَلَى حَالِهَا وَيَكُونُ لِلْمَوْهُوبَةِ يَوْمَانِ، وَأَمَّا إذَا وَهَبَتْ الزَّوْجَ، فَإِنَّهَا تَكُونُ كَالْعَدَمِ وَلَا يُخَصِّصُ هُوَ بِذَلِكَ الْيَوْمِ غَيْرَهَا زَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ: لِأَنَّ مَعْنَى هِبَتِهَا لِلزَّوْجِ إسْقَاطُ حَقِّهَا لَا أَنَّهَا جَعَلَتْ مَا كَانَ لَهَا بِيَدِهِ هَكَذَا قَالُوا. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إذَا وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِلزَّوْجِ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ إسْقَاطِ يَوْمِهَا وَبَيْنَ أَنْ يَخُصَّ بِهِ وَاحِدَةً قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قُلْت وَالْأَقْرَبُ سُؤَالُهَا عَنْ مُرَادِهَا بِالْهِبَةِ هَلْ الْإِسْقَاطُ، أَوْ تَمْلِيكُ الزَّوْجِ، فَإِنْ أَرَادَتْ تَمْلِيكَ الزَّوْجِ فَيَكُونُ مُخَيَّرًا فِي جَعْلِهِ لِمَنْ شَاءَ وَنَقْلِهِ عَمَّنْ جَعَلَهُ إلَيْهَا إذَا شَاءَ اهـ.
وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا الْأَخِيرَ فَقَالَ وَيَنْبَغِي إذَا وَهَبَتْ الزَّوْجَ أَنْ تُسْأَلَ هَلْ أَرَادَتْ الْإِسْقَاطَ، أَوْ تَمْلِيكَ الزَّوْجِ، فَإِنْ أَرَادَتْ الثَّانِي فَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بِيَوْمِهَا مَنْ شَاءَ اهـ.
قُلْت: وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ هِبَةُ الْمَرْأَةِ يَوْمَهَا جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يَأْبَى الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَهِبَتُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ يَوْمَهَا، وَلَمْ تَخُصَّ أَحَدًا عَادَ الْقَسْمُ أَثْلَاثًا، وَإِنْ خَصَّتْ بِهِ وَاحِدَةً كَانَ لَهَا وَبَقِيَ الْقَسْمُ أَرْبَاعًا، وَقَدْ «وَهَبَتْ سَوْدَةُ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ رضي الله عنهما» فَكَانَ لَهَا يَوْمَانِ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إنْ وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ فِيهِ وَيَكُونَ الْقَسْمُ أَثْلَاثًا، أَوْ يَخُصَّ بِهِ وَاحِدَةً وَيَكُونَ الْقَسْمُ أَرْبَاعًا اهـ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ فَأَجْحَفَ فِي اخْتِصَارِهِ وَنَصَّهُ اللَّخْمِيُّ إنْ أَسْقَطَتْ الْحُرَّةُ يَوْمَهَا أَوْ وَهَبَتْهُ لِضَرَّتِهَا فَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا لَحَقِّهِ فِي الْمُتْعَةِ بِهَا، فَإِنْ وَافَقَهَا فَالْمُسْقِطَةُ كَالْعَدَمِ وَاخْتَصَّ الْقَسْمَ بِمَنْ سِوَاهَا وَلِلْمَوْهُوبَةِ يَوْمُهَا وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنْ وَهَبَتْهُ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ وَاحِدَةً، أَوْ يَخُصَّ الْقَسْمَ بِمَنْ سِوَاهَا ثُمَّ قَالَ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا كَهِبَةِ أَحَدِ الشُّفَعَاءِ حَقَّهُ لِلْمُبْتَاعِ وَأَحَدِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ حَقَّهُ لَهُ يَسْتَغْرِقُهُ مَنْ سِوَاهُ، أَوْ كَهِبَةِ أَحَدِ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ حَقَّهُ لِلْقَاتِلِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَالثَّانِي أَجْرَى عَلَى شِرَائِهِ ذَلِكَ اهـ.
قُلْت: أَمَّا قَوْلُهُ إنَّهُ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إلَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ ارْتَضَاهُ وَإِلَّا لَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ مَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فَصَحِيحٌ بَلْ ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي كَلَامِهِمَا وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ خِلَافَ ذَلِكَ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْبَحْثِ وَجَزَمَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ بِمَا قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنْهُ وَبِذَلِكَ جَزَمَ صَاحِبُ
الشَّامِلِ فَقَالَ وَقَدَّرَتْ عَدَمًا إنْ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لَهُ، أَوْ أَسْقَطَتْهُ وَلَا يُخَصِّصُ هُوَ لِضَرَّتِهَا فَلَهُ الِامْتِنَاعُ لَا لِلضَّرَّةِ إنْ رَضِيَ اهـ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ حَيْثُ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَهِبَةِ أَحَدِ الشُّفَعَاءِ حَقَّهُ لِلْمُبْتَاعِ وَكَهِبَةِ أَحَدِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ حَقَّهُ لِلْمُفْلِسِ وَمَسْأَلَةُ الشُّفْعَةِ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ قَوْلَيْنِ أَرْجَحُهُمَا أَنَّ نَصِيبَ الْوَاهِبِ يَرْجِعُ لِبَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ وَمَسْأَلَةُ التَّفْلِيسِ لَا شَكَّ أَنَّ الْغُرَمَاءَ يَقْسِمُونَ حِصَّةَ الْوَاهِبِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا إذَا وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِلزَّوْجِ، أَوْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا تَصِيرُ كَالْعَدَمِ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَخُصَّ بِيَوْمِهَا وَاحِدَةً مِنْ الْبَوَاقِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِهَا الْيَوْمَ وَشَبَهَهُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا أُحِبُّ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ صَاحِبَتِهَا يَوْمًا وَلَا شَهْرًا وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي لَيْلَةٍ خَفِيفًا قِيلَ لَهُ: فَإِنْ أَرْضَى إحْدَى امْرَأَتَيْهِ بِشَيْءٍ أَعْطَاهَا لِيَوْمِهَا لِيَكُونَ فِيهِ عِنْدَ الْأُخْرَى فَقَالَ إنَّ النَّاسَ لَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَمَحْمَلُ قَوْلِهِ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَمَّا كَانَتْ لَا تَقْدِرُ، وَعَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا طَالَتْ مُدَّتُهُ اهـ.
وَانْظُرْ الْخِلَافَ الَّذِي حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ مَا هُوَ؟ فَإِنَّ الَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ لِلضَّرَّةِ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ ضَرَّتِهَا يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا وَخَفَّفَ شِرَاءَ اللَّيْلَةِ وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِي إرْضَاءِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ فِي يَوْمِهَا تَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي شِرَاءِ الْيَوْمِ فَقَالَ أَوَّلًا لَا أُحِبُّ لَهَا أَنْ تَشْتَرِيَ يَوْمَهَا ثُمَّ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُرْضِي امْرَأَتَهُ بِشَيْءٍ لِيَكُونَ فِي يَوْمِهَا عِنْدَ الْأُخْرَى فَقَالَ غَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ خَفَّفَ ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شِرَاءِ الزَّوْجَةِ يَوْمَ صَاحِبَتِهَا وَشِرَاءِ الزَّوْجِ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ سُئِلَ عَمَّنْ يُرْضِي إحْدَى امْرَأَتَيْهِ بِعَطِيَّةٍ فِي يَوْمِهَا لِيَكُونَ فِيهِ عِنْدَ الْأُخْرَى قَالَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ قِيلَ لَهُ أَتَكْرَهُهُ قَالَ غَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ سُئِلَ فِي هَذَا الرَّسْمِ بِعَيْنِهِ مِنْ هَذَا السَّمَاعِ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ عَنْ الْمَرْأَةِ تَشْتَرِي مِنْ صَاحِبَتِهَا يَوْمَهَا فَقَالَ مَا يُعْجِبُنِي، وَإِنِّي لَأَكْرَهَهُ أَرَأَيْت لَوْ اشْتَرَتْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ خَفِيفَةً.
فَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ فَرَّقَ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الْمُشْتَرِي لَهَا مِنْ امْرَأَتِهِ، أَوْ تَكُونَ صَاحِبَتُهَا هِيَ الَّتِي اشْتَرَتْهَا مِنْهَا فَجَعَلَ شِرَاءَ الْمَرْأَةِ اللَّيْلَةَ مِنْ صَاحِبَتِهَا أَشَدَّ فِي الْكَرَاهَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَدْرِي مَا يَحْصُلُ لَهَا بِمَا أَعْطَتْ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ إذْ قَدْ يُصِيبُهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَقَدْ لَا يُصِيبُهَا وَالرَّجُلُ يَدْرِي مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ إذْ هُوَ مَالِكٌ لِلْإِصَابَةِ.
وَأَمَّا اشْتِرَاءُ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَالْكَرَاهَةُ فِيهَا بَيِّنَةٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يَعِيشُ إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ هُوَ، أَوْ الَّذِي اشْتَرَى الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ اهـ.
فَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ