الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْفَلَكَ الْأَعْظَمَ لَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ لَا خَلَا وَلَا مَلَا فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ وَنَحْوِهِ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي أَمَاكِنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي النُّورِ الْمُحَمَّدِيِّ هَلْ هُوَ جِسْمٌ أَوْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِجِسْمِيَّتِهِ وَقُلْتُمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ وَلَا جِنِّيٌّ وَلَا مَلَكٌ وَلَا أَرْضٌ وَلَا سَمَاءُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَيِّزٍ يَتَحَيَّزُ فِيهِ وَلَا حَيِّزَ هُنَاكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ النُّورُ الْمُحَمَّدِيُّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ السَّابِقُ فِي الْإِيجَادِ قَبْلَ جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ لَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ الْجِسْمِيَّةُ إذْ لَا نَعْلَمُ فِيهِ إذْنًا وَرَدَ وَلَا تَوْقِيفًا كَيْفَ وَالْجِسْمُ مَا كَانَ مِنْ مَوَادٍّ تُرَكَّبُ مِنْهَا وَهَذَا مَادَّةُ الْمَوَادِّ كُلِّهَا، وَأَصْلُ الْأُصُولِ وَأَوَّلُ الْأَوَّلِ نَعَمْ هُوَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ وَأَمَّا الْحَيِّزُ فَهُوَ فَرَاغٌ مَوْهُومٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا تَحَقُّقَ لَهُ وَإِلَّا احْتَاجَ لِحَيِّزٍ وَدَوْرٍ أَوْ تَسَلْسُلٍ فَانْدَفَعَ التَّوَقُّفُ وَإِنَّمَا يَتِمُّ الْبَحْثُ بِقَوْلِ السَّائِلِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَيِّزٍ وَلَا حَيِّزَ هُنَاكَ لَوْ كَانَ الْحَيِّزُ أَمْرًا وُجُودِيًّا وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ فَعَلَى مَذْهَبِهِمْ لَا إشْكَالَ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
[الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ هَلْ هِيَ أَجْسَامٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ جَوَاهِرَ وَأَعْرَاضٍ]
(وَسُئِلَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ هَلْ هِيَ أَجْسَامٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ جَوَاهِرَ وَأَعْرَاضٍ أَوْ لَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ الْمَلَائِكَةُ جَوَاهِرُ نُورَانِيَّةٌ رُوحَانِيَّةٌ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى التَّشَكُّلِ لَا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ وَلَا أُنُوثَةٍ وَلَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَيُوصَفُونَ بِالْأَعْرَاضِ فَإِنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَيَفْعُلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وَيَتَنَزَّلُونَ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْرَاضِ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ قَوْلٌ وَهُوَ عَرَضٌ وَالْفِعْلَ عَرَضٌ وَحَرَكَةَ النُّزُولِ عَرَضٌ وَكَذَلِكَ الصُّعُودَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَوَرَدَ أَنَّ لَهُمْ أَجْنِحَةً وَهِيَ جَوَاهِرُ فَهُمْ مُرَكَّبُونَ مِنْ جَوَاهِرَ نُورَانِيَّةٍ وَيُوصَفُونَ بِالْأَعْرَاضِ اللَّائِقَةِ بِالصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ عُقُولٌ مُجَرَّدَاتٌ فَقَوْلُ الْحُكَمَاءِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَمَا قَوْلُكُمْ) فِي أَرْوَاحِ الْبَهَائِمِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِذَبْحٍ أَوْ غَيْرِهِ أَيْنَ تَسْتَقِرُّ؟
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ أَرْوَاحُ الْبَهَائِمِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِذَبْحٍ أَوْ غَيْرِهِ تَسْتَقِرُّ فِي الْبَرْزَخِ كَمَا كَانَتْ فِيهِ قَبْلَ خَلْقِ الْجِسْمِ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي كِتَابِهِ شَجَرَةِ الْيَقِينِ فِي تَخْلِيقِ نُورِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صلى الله عليه وسلم وَنَصُّهُ: " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَسْلِيمًا - «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الصُّورَ وَلَهُ أَرْبَعَةُ شُعَبٍ شُعْبَةٌ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ وَشُعْبَةٌ مِنْهَا فِي الْمَشْرِقِ وَشُعْبَةٌ مِنْهَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَشُعْبَةٌ مِنْهَا فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَفِي الصُّورِ مِنْ الثَّقْبِ
بِعَدَدِ الْأَرْوَاحِ وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْمَلَائِكَةِ، وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْجِنِّ وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْإِنْسِ وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الشَّيَاطِينِ وَفِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَرْوَاحُ الْبَهَائِمِ حَتَّى السَّخْلَةُ وَالسِّقْطُ إلَى تَمَامِ سَبْعِينَ صِنْفًا وَأُعْطِيهِ إسْرَافِيلُ فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَخَاتٍ نَفْخَةُ الْفَزَعِ وَنَفْخَةُ الصَّعْقَةِ وَنَفْخَةُ الْبَعْثِ» اهـ.
الْمُرَادُ مِنْهُ وَفِيهِ إجْمَالٌ يُعْلَمُ تَفْصِيلُهُ مِنْ كَلَامِ الْغَوْثِ الْأَكْبَرِ سَيِّدِي عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّبَّاغِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَنَفَعَنَا بِهِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ فِي الْإِبْرِيزِ، وَنَصُّهُ: وَسَمِعْتُ الشَّيْخَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ فِي الْبَرْزَخِ إنَّهُ عَلَى صُورَةِ مُحَلِّقٍ ضَيِّقٍ مِنْ أَسْفَلِهِ ثُمَّ مَا دَامَ يَطْلُعُ وَهُوَ يَتَّسِعُ فَلَمَّا بَلَغَ مُنْتَهَاهُ جُعِلَتْ قُبَّةٌ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلَ قُبَّةِ الْفَنَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمَثَّلَ بِالْمِهْرَاسِ الْكَبِيرِ مِنْ الْعُودِ فَإِنَّ أَسْفَلَهُ ضَيِّقٌ ثُمَّ جُعِلَ يَتَّسِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَى أَعْلَاهُ فَإِذَا جُعِلَتْ فَنَارًا عَلَى رَأْسِهِ كَانَ مِثْلَ الْبَرْزَخِ فِي الشَّكْلِ أَمَّا فِي الْقَدْرِ وَالْعِظَمِ فَلَا فَإِنَّ الْبَرْزَخَ أَصْلُهُ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى مَا يَلِيهَا ثُمَّ تَصَاعَدَ عَالِيًا حَتَّى خَرَقَ السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ تَصَاعَدَ حَتَّى خَرَقَ الثَّالِثَة وَهَكَذَا حَتَّى خَرَقَ السَّابِعَةَ ثُمَّ تَصَاعَدَ إلَى مَا لَا يُحْصَى وَقَدْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ قُبَّةٌ هَذَا طُولُهُ، قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَقُلْتُ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْبَرْزَخُ مَبْدَؤُهُ مِنْ الْأُولَى إلَى مَا لَا يُحْصَى فَهُوَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ فَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا اقْتَصَرُوا عَلَى مَا فَوْقَ السَّابِعَةِ لِأَنَّ فِيهِ الْقُبَّةَ الْمَذْكُورَةَ وَهِيَ أَشْرَفُ أَجْزَائِهِ إذْ لَيْسَ فِيهَا إلَّا رُوحُ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ - وَمَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَرَامَتِهِ كَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ وَبَنَاتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِهِ وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ بِالْحَقِّ بَعْدَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَفِيهَا أَرْوَاحُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَفِيهَا أَزْوَاجُ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ مَاتُوا بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي زَمَانِهِ وَبَذَلُوا نُفُوسَهُمْ لِيَحْيَا وَيَبْقَى وَلَهُمْ قُوَّةٌ وَجَهْدٌ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ إثَابَةً لَهُمْ عَلَى حُسْنِ صَنِيعِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
وَفِي الْقُبَّةِ أَيْضًا أَرْوَاحُ وَرَثَتِهِ الْكَامِلِينَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْغَوْثِ وَالْأَقْطَابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتًا مَعْمُورًا فَانْظُرْهُ فِي شَرْحِ الْإِسْرَاءِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ دُونَ الْبَعْضِ.
وَأَمَّا عَرْضُ الْبَرْزَخِ فَحَسْبُكَ أَنَّ الشَّمْسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ لَا تَدُورُ إلَّا بِهِ عَلَى هَيْئَةِ الطَّائِفِ فَتَقْطَعُهُ فِي كُلِّ عَامٍ وَكُلُّهُ ثُقَبٌ وَفِي هَذِهِ الثُّقَبِ الْأَرْوَاحُ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْقُبَّةُ الَّتِي فِيهَا رُوحُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَرْوَاحُ مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَرَامَتِهِ انْقَسَمَتْ إلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ بِعَدَدِ أَقْسَامِ الْجَنَّةِ كُلُّ قِسْمٍ مِنْهَا يُشْبِهُ جَنَّةً مِنْ الْجَنَّاتِ السَّبْعِ ثُمَّ قَالَ وَهَذِهِ الثُّقَبُ كَانَتْ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ مَعْمُورَةً بِالْأَرْوَاحِ فَلَمَّا أُهْبِطَتْ رُوحُ آدَمَ
- عليه الصلاة والسلام بَقِيَ مَوْضِعُهَا خَاوِيًا وَهَكَذَا كُلَّمَا أُهْبِطَتْ رُوحٌ بَقِيَتْ ثُقْبَتُهَا خَالِيَةً فَإِذَا رَجَعَتْ الرُّوحُ بَعْدَ الْمَوْتِ إلَى الْبَرْزَخِ فَلَا تَرْجِعُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ بَلْ تَسْتَحِقُّ مَوْضِعًا غَيْرَهُ ثُمَّ قَالَ أَرْوَاحُ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا ثَوَابَ لَهَا وَلَا عِقَابَ عَلَيْهَا مِنْهَا مَا يَكُونُ فِي جَهَنَّمَ عَذَابًا عَلَى أَهْلِهَا وَمِنْهَا مَا يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ نِعْمَةً لِأَهْلِهَا فَأَرْوَاحُ الْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ وَالذُّبَابِ وَمَا يُسْتَقْبَحُ مِنْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ فِي جَهَنَّمَ إنْ كَانَتْ مَعَ الْكَفَرَةِ فِي الدُّنْيَا وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَانَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْعِيدِ الْأَكْبَرِ أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَلَائِكَةٌ لِقَبْضِ أَرْوَاحِ الضَّحَايَا فَتَرَى عَلَى كُلِّ بَلْدَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ أَوْ مَوْضِعٍ يَذْبَحُ فِيهِ الْعَبْدُ مَلَائِكَةً كِرَامًا يَحُومُونَ لَا يَنْزِلُونَ إلَى الْأَرْضِ إلَّا فِي هَذَا الْيَوْمِ فَإِذَا ذُبِحَتْ الضَّحِيَّةُ أَخَذُوا رُوحَهَا وَذَهَبُوا بِهَا إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ فَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ صَاحِبِهَا صَالِحَةً فِي ذَبْحِهَا وَلَمْ يُرِدْ بِهَا إلَّا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى خَالِصًا وَلَمْ يُرِدْ رِيَاءً وَلَا فَخْرًا وَلَا كِبْرًا وَلَا خُيَلَاءَ أَخَذُوا رُوحَ ضَحِيَّتِهِ وَذَهَبُوا بِهَا إلَى قَصْرِهِ فِي الْجَنَّةِ فَتَصِيرُ مِنْ جُمْلَةِ نِعَمِهِ الْمُعَدَّةِ لَهُ فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ صَاحِبِهَا عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَتْ نِيَّتُهُ فَاسِدَةً وَعَمَلُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ عز وجل أَخَذُوا رُوحَ ضَحِيَّتِهِ وَذَهَبُوا بِهَا إلَى جَهَنَّمَ وَتَصِيرُ نِقْمَةً مِنْ النِّقَمِ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهُ فِي جَهَنَّمَ وَإِذَا نَظَرْت إلَى تِلْكَ الرُّوحِ رَأَيْتَ كَبْشًا بِذَاتِهِ وَصُورَتِهِ الْمَعْلُومَةِ بِقُرُونِهِ وَصُوفِهِ وَالْكُلُّ نَارٌ حَامِيَةٌ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْأَسْمَاءِ وَالْمُسَمَّيَاتِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَهَلْ يُقْرَأُ بِالْأَسْمَاءِ أَوْ بِالْمُسَمَّيَاتِ أَوْ يُقْرَأُ بَعْضُهُ بِالْأَسْمَاءِ وَبَعْضُهُ الْآخَرُ بِالْمُسَمَّيَاتِ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) : " لَا يَخْفَاكَ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مُجْمَلٌ غَيْرُ مُفْصِحٍ عَنْ الْمُرَادِ فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ إنْ أُرِيدَ بِهَا هَذَا اللَّفْظُ أَعْنِي لَفْظَ الْأَسْمَاءِ فَقَدْ وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ لِكُلِّ مَوْضِعٍ مَعْنًى يُنَاسِبُهُ فَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف: 180] كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْعَلِيِّ وَصِفَاتِهِ السَّنِيَّةِ وَمُسَمَّيَاتِهَا مَا ذُكِرَ، وَفِي قَوْله تَعَالَى {إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا} [النجم: 23] مَعْنَاهَا أَسْمَاءُ الْأَصْنَامِ كَاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاتَ وَمُسَمَّيَاتِهَا مَا ذُكِرَ، وَفِي قَوْله تَعَالَى {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى مَعْنًى مُفْرَدًا كَانَ أَوْ مُرَكَّبًا مِنْ أَيِّ لُغَةٍ كَانَ.
وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ قَوْلَ السَّائِلِ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَلْ يُقْرَأُ بِالْأَسْمَاءِ أَوْ بِالْمُسَمَّيَاتِ أَوْ بَعْضُهُ بِالْأَسْمَاءِ وَالْآخَرُ بِالْمُسَمَّيَاتِ وَاَلَّذِي يُنَاسِبُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ لِي بَعْضُ الْأَفَاضِلِ أَنَّهُ أَرَادَ أَسْمَاءَ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَمُسَمَّيَاتِهَا كَالْوَاقِعِ أَوَائِلَ السُّوَرِ نَحْوَ أَلَمْ وَغَيْرِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي أَلْفَاظٍ مُجْتَمِعَةٍ مِنْ الْقُرْءِ وَهُوَ الْجَمْعُ وَكَذَلِكَ التِّلَاوَةُ لِأَنَّهَا كَوْنُ الشَّيْءِ تَالِيًا لِآخَرَ أَيْ تَابِعًا لَهُ فَأَلْفَاظُ الْقُرْآنِ الْمَتْلُوَّةُ الْمَقْرُوءَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مُسَمَّيَاتِ حُرُوفِ