الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَوْ سَيَكُونُ كَغَيْرِهَا مِنْ الرُّؤْيَاتِ فَيُسْأَلُ عَنْ تَعْبِيرِهَا وَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الرَّائِي أَنَّ مَرْئِيَّهُ أَمْرٌ وَارِدٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ وَإِطْلَاقُ اسْمِ اللَّهِ عَلَى مَرْئِيِّهِ مُجَازٌ كَإِطْلَاقِهِ فِي حَدِيثِ «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا عَلَى مَلَكٍ حَامِلٍ أَمْرَهُ أَوْ رَحْمَتَهُ تَعَالَى» انْتَهَى.
[مَسَائِلُ أُصُولِ الْفِقْهِ]
[أَنْوَاع الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ أُصُولِ الْفِقْهِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَوْلِهِمْ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ: خَمْسَةٌ تَكْلِيفِيَّةٌ الْإِيجَابُ، وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ، وَخَمْسَةٌ وَضْعِيَّةٌ السَّبَبُ وَالشَّرْطُ وَالْمَانِعُ وَالصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ فَمَا مَعْنَى عَدِّ الْإِبَاحَةِ مِنْ التَّكْلِيفِيَّةِ، وَمَا كَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ فِي قَوْلِهِمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَمْسَةِ الثَّانِيَةِ يَجْرِي فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَمْسَةِ الْأُولَى فَتَبْلُغُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ مَعْنَى وَجْهِ عَدِّهِمْ الْإِبَاحَةَ فِي التَّكْلِيفِيَّةِ الْمَنْسُوبَةِ لِلتَّكْلِيفِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ إنَّهُ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَقِيلَ فِيهِ إنَّهُ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ طَلَبًا وَلَا إلْزَامَ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ إنَّمَا هِيَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ التَّغْلِيبُ أَوْ كَوْنُهَا لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ شَيْخُ مَشَايِخِي خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً وَاسِعَةً - فِي حَوَاشِي الْجَوْهَرَةِ وَنَصُّهُ: " وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَلَيْسَتْ تَكْلِيفًا عَلَيْهِمَا أَيْ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِ التَّكْلِيفِ إنْ قُلْتَ كَيْفَ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ عَشَرَةٌ، خَمْسَةٌ وَضْعٌ السَّبَبُ، وَالشَّرْطُ وَالْمَانِعُ وَالصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ، وَخَمْسَةٌ تَكْلِيفٌ الْإِيجَابُ وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ قُلْت إمَّا أَنَّهُ تَغْلِيبٌ أَوْ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهَا مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ أَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُكَلَّفِ لِمَا صَرَّحَ بِهِ أُصُولُ الْفِقْهِ مِنْ أَنَّ أَفْعَالَ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ كَالْبَهَائِمِ مُهْمَلَةٌ وَلَا يُقَالُ إنَّهَا مُبَاحَةٌ وَتَقْرِيبُهُ أَنَّ مَعْنَى مُبَاحَةٍ لَا إثْمَ فِي فِعْلِهَا وَلَا فِي تَرْكِهَا وَلَا يُنْفَى الشَّيْءُ إلَّا حَيْثُ يَصِحُّ ثُبُوتُهُ انْتَهَى. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ فِي الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ كَالصَّلَاةِ شَرْطٌ فِي كَمَالِ الْإِيمَانِ وَسَبَبٌ لِلْعَدَالَةِ وَمَانِعٌ مِنْ الْقَتْلِ لِتَرْكِهَا وَصَحِيحَةٌ إنْ وَافَقَتْ الشَّرْعَ، وَفَاسِدَةٌ إنْ خَالَفَتْهُ وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الْبَقِيَّةِ وَإِنْ شِئْت قُلْت السَّبَبُ إمَّا وَاجِبٌ كَالْإِيمَانِ لِلنَّجَاةِ مِنْ دُخُولِ النَّارِ وَسَعَادَةِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَإِمَّا حَرَامٌ كَالزِّنَا لِلْحَدِّ وَإِمَّا مَكْرُوهٌ كَأَكْلِ الْبَصَلِ لِخُبْثِ رِيحِ الْفَمِ وَإِمَّا مَنْدُوبٌ كَتَجْدِيدِ الطَّهَارَةِ لِزِيَادَةِ الثَّوَابِ وَإِمَّا مُبَاحٌ كَالْأَكْلِ لِلشِّبَعِ وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الْبَقِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَا قَوْلُكُمْ) فِي قِيَامِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ دُخُولِهِ عَلَيْهِمْ هَلْ هُوَ ثَابِتٌ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ ثُبُوتَهُ مَعَ إقْرَارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إيَّاهُمْ عَلَيْهِ وَصَيْرُورَتِهِ سُنَّةً لَهُمْ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ بِهَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ ثُبُوتَهُ مَعَ إنْكَارِهِ صلى الله عليه وسلم إيَّاهُ وَنَهْيِهِمْ عَنْهُ فَهُوَ ثَابِتٌ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ» لِذَلِكَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًى فَقُمْنَا إلَيْهِ فَقَالَ لَا تَقُومُوا كَمَا يَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» وَرَوَى أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقُومُ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ» انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لِلْأَوَّلَيْنِ عَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها قَالَتْ، وَكَانَتْ إذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَامَ إلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ وَكَانَ صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ فَفِيهِ بَيَانُ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ وَقَعَ الْقِيَامُ وَهُوَ التَّقْبِيلُ وَإِجْلَاسُ الْوَارِدِ فِي مَجْلِسِ صَاحِبِ الْبَيْتِ لَا التَّعْظِيمُ بِنَفْسِ الْقِيَامِ فَلِذَا فَعَلَهُ صلى الله عليه وسلم وَأَقَرَّ بِنْتَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَلَى فِعْلِهِ وَقَدْ بَسَطَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَدْخَلِهِ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فَانْظُرْهُ إنْ شِئْتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا ادَّعَاهُ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ حَالَ قِرَاءَتِهِ مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ فِي مَسْجِدِ الْحُسَيْنِ بِرَمَضَانَ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا يَأْخُذُ وَيَرْجِعُ إلَيْهَا فِي اجْتِهَادِهِ وَأَنَّ مَدَارَ مَذْهَبِهِ عَلَيْهَا وَقَالَ إنَّ هَذَا مَعْلُومٌ وَمَنْقُولٌ وَأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَأَنَّهُ بَابٌ طَوِيلٌ لَا يَنْبَغِي فَتْحُهُ بَلْ الْأَوْلَى غَلْقُهُ فَهَلْ لِهَذَا الْقَوْلِ صِحَّةٌ وَهَلْ لِقَائِلِهِ شُبْهَةٌ وَكَيْفَ هَذَا مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ مَذْهَبَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ وَأَنَّهُ يَحْتَاطُ مَتَى احْتَاطَ الشَّارِعُ وَأَنَّهُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ وَنَجْمُ السُّنَّةِ وَمَدَارُ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهَا عَلَيْهِ وَنَسْمَعُ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ هَذَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بَيَّنُوا لَنَا حَقِيقَةَ الْحَالِ وَالْحَقُّ لَا كَلَامَ فِيهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا ادَّعَاهُ هَذَا الرَّجُلُ إنْ لَمْ يَكُنْ
الْكَذِبَ فَهُوَ الْبُهْتَانُ وَسَبَبُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الضَّلَالَ فَهُوَ الْخُسْرَانُ وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ لِطَعْنٍ فِي رَاوِيهِ لَا يَحْتَجُّ بِهِ أَحَدٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] وَلَوْ وَقَعَ هَذَا لَمْ يَبْقَ لِلتَّعْدِيلِ ثَمَرَةٌ وَالنُّصُوصُ الَّتِي فِي أَيْدِينَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ حُكْمًا يُخَالِفُ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ وَالْحَسَنَةَ يَجِبُ نَقْضُهُ.
وَفِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشَرْطُ الرَّاوِي الْعَدَالَةُ إلَى أَنْ قَالَ فَلَا يُقْبَلُ الْمَجْهُولُ بَاطِنًا وَهُوَ الْمَسْتُورُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ فُورَكٍ وَسُلَيْمٍ فِي قَوْلِهِمْ بِقَبُولِهِ اتِّبَاعًا لِظَنِّ حُصُولِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يُظَنُّ مِنْ عَدَالَتِهِ فِي الظَّاهِرِ عَدَالَتُهُ فِي الْبَاطِنِ إلَى أَنْ قَالَ أَمَّا الْمَجْهُولُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَمَرْدُودٌ إجْمَاعًا لِانْتِفَاءِ تَحَقُّقِ الْعَدَالَةِ وَظَنِّهَا وَكَذَا مَجْهُولُ الْعَيْنِ كَأَنْ يُقَالَ فِيهِ عَنْ رَجُلٍ مَرْدُودٍ إجْمَاعًا فَإِنَّ وَصْفَهُ نَحْوُ الشَّافِعِيِّ بِالثِّقَةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ كَثِيرًا أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ وَكَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَلِيلًا فَالْوَجْهُ قَبُولُهُ، وَعَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِأَنَّ وَاصِفَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ لَا يَصِفُهُ بِالثِّقَةِ إلَّا وَهُوَ كَذَلِكَ انْتَهَى. مَعَ بَعْضِ زِيَادَةٍ مِنْ شَرْحِ الْمُحَلَّى عَلَيْهِ.
وَفِي الدِّيبَاجِ نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ بَعْدَ كَلَامٍ قَرَّرَهُ مَا نَصُّهُ وَأَنْتَ إذَا نَظَرْتَ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ مَنَازِعَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَمَآخِذَهُمْ فِي الْفِقْهِ وَاجْتِهَادَهُمْ فِي الشَّرْعِ وَجَدْتَ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَاهِجًا فِي هَذِهِ الْأُصُولِ مَنَاهِجَهَا مُرَتِّبًا لَهَا مَرَاتِبَهَا وَمَدَارِجَهَا مُقَدِّمًا كِتَابَ اللَّهِ عز وجل عَلَى الْآثَارِ ثُمَّ مُقَدِّمًا لَهَا عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ تَارِكًا مِنْهَا مَا لَمْ تَتَحَمَّلْهُ الثِّقَاتُ الْعَارِفُونَ لِمَا تَحَمَّلُوهُ.
وَفِيهِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ أُوَيْسٍ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ إنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ لَقَدْ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ مِمَّنْ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ هَذِهِ الْأَسَاطِينِ، وَأَشَارَ إلَى الْمَسْجِدِ فَمَا أَخَذْتُ عَنْهُمْ شَيْئًا وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ ائْتُمِنَ عَلَى بَيْتِ مَالٍ لَكَانَ أَمِينًا إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَا رَأَيْت أَحَدًا أَجْوَدَ أَخْذًا لِلْعِلْمِ مِنْ مَالِكٍ وَلَا أَشَدَّ انْتِقَادًا لِلرِّجَالِ وَالْعُلَمَاءِ مِنْهُ انْتَهَى، وَلَيْتَ هَذَا الرَّجُلَ طَالَعَ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ أَوْ الْمُصْطَلَحِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ إلَّا بِبَعْضِ الصَّحِيحِ أَوْ الْحَسَنِ وَأَنَّ الضَّعِيفَ قِسْمٌ مِنْ الْمَرْدُودِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ الشَّائِعِ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ إنَّمَا يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ عَلَى مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَ أَصْلٍ عَامٍّ وَأَنْ لَا يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ وَأَنْ لَا يُعْتَقَدَ ثُبُوتُهُ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ لَا يُعْمَلُ بِهِ مُطْلَقًا وَهَذَا شَيْءٌ يَعْرِفُهُ صِغَارُ الطَّلَبَةِ، فَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ اعْتَقَدَ هَذَا الْغَبِيُّ أَنَّ مَالِكًا يَجْهَلُ مَا تَعْرِفُهُ الصِّغَارُ أَوْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ مِنْ الْأَخْبَارِ أَوْ يَتَلَاعَبُ بِالشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ أَوْ يَقْصِدُ إضْلَالَ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَيَلْبِسُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ فَيَتْرُكُ الْقَوِيَّ وَيَأْخُذُ الضَّعِيفَ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ وَلَعَمْرِي إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ فَضَحَ نَفْسَهُ بِإِظْهَارِ شِدَّةِ جَهْلِهِ وَسُوءِ حِفْظِهِ وَسَخَافَةِ عَقْلِهِ.
وَلَقَدْ صَرَّحَ
الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ الْمُبْتَدِعَةَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ يَصِيرُونَ فِي سِتْرِ اللَّهِ وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُذْكَرَ مِنْ عُيُوبِهِمْ إلَّا مَا فِيهِ نَصِيحَةٌ لِلْأُمَّةِ لِمَا صَحَّ مِنْ الْأَمْرِ بِذِكْرِ مَحَاسِنِ الْأَمْوَاتِ وَالْكَفِّ عَنْ مَسَاوِيهِمْ فَكَيْفَ نَتْرُكُ الْمَحَاسِنَ وَنَخْتَرِعُ عُيُوبَ مَنْ لَا عَيْبَ فِيهِ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَأَعْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى وَرِقَّةُ الدِّيَانَةِ وَغَلَبَةُ الْجَهْلِ تُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. هَذَا وَمِنْ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَدَارُ مَذْهَبِهِ عَلَيْهَا هِيَ مَا فِي مُوَطَّئِهِ الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مَالِكٍ وَشَهَادَةُ هَذَا الْإِمَامِ لَا يُحْتَاجُ مَعَهَا إلَى شَيْءٍ وَلَا يُعَادِلُهَا شَيْءٌ وَلَا يُلْتَفَتُ لِغَيْرِهَا إنْ وُجِدَ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَحَادِيثِ مَالِكٍ الَّتِي فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهَا صِحَاحٌ كُلُّهَا لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ حَلَفَ عَلَى حَدِيثِ غَيْرِهِ كَانَ حَانِثًا اهـ.
نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الدِّيبَاجِ وَالْبَرْزَلِيُّ فِي نَوَازِلِهِ عَنْ عِيَاضٍ فِي الْمَدَارِكِ وَالْحَطَّابِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، أُنْشِدَ فِي الدِّيبَاجِ لِعِيَاضٍ
إذَا ذُكِرَتْ كُتُبُ الْحَدِيثِ فَحَيْهَلٍ
…
بِكُتُبِ الْمُوَطَّأِ مِنْ تَصَانِيفِ مَالِكِ
أَصَحُّ أَحَادِيثَ وَأَثْبَتُ حُجَّةً
…
وَأَوْضَحُهَا فِي الْفِقْهِ نَصًّا لِسَالِكِ
عَلَيْهِ مَضَى الْإِجْمَاعُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ
…
عَلَى رَغْمِ خَيْشُومِ الْحَسُودِ الْمُمَاحِكِ
فَعَنْهُ فَخُذْ عِلْمَ الدِّيَانَةِ خَالِصًا
…
وَمِنْهُ اسْتَفِدْ شَرْعَ النَّبِيِّ الْمُبَارَكِ
وَشُدَّ بِهِ كَفَّ الصِّيَانَةِ تَهْتَدِي
…
فَمَنْ حَادَ عَنْهُ هَالِكٌ فِي الْهَوَالِكِ
اهـ.
وَفِي الدِّيبَاجِ أَيْضًا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لِأَبِي زُرْعَةَ فِي أَحَادِيثِ مَالِكٍ لَيْسَ هَذَا زَعْزَعَةً عَنْ زَوْبَعَةٍ إنَّمَا تَرْفَعُ السِّتْرِ وَتَنَظُّرٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ.
مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وَقَالَ أَبُو دَاوُد أَصَحُّ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - ثُمَّ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا عَنْ غَيْرِ مَالِكٍ وَقَالَ مَرَاسِيل مَالِكٍ أَصَحُّ مِنْ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمِنْ مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ وَمَالِكٌ أَصَحُّ النَّاسِ مُرْسَلًا، وَقَالَ شُعَيْبٌ إذَا قَالَ مَالِكٌ بَلَغَنِي فَهُوَ إسْنَادٌ قَوِيٌّ وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ يُرِيدُ أَنْ يَكْتُبَ الْحَدِيثَ وَيَنْظُرَ فِي الْفِقْهِ حَدِيثُ مَنْ يَكْتُبُ وَفِي رَأْيِ مَنْ يَنْظُرُ؟ فَقَالَ: حَدِيثُ مَالِكٍ وَرَأْيُ مَالِكٍ وَقَدَّمَهُ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَحَمَّادٍ وَالْحَكَمِ فِي الْعِلْمِ، وَقَالَ هُوَ إمَامٌ فِي الْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ وَقَالَ مَالِكٌ أَتْبَعُ مِنْ سُفْيَانَ وَإِذَا رَأَيْت الرَّجُلَ يُبْغِضُ مَالِكًا فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ مَالِكٌ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ
الْمُسْلِمِينَ مُجْمَعٌ عَلَى فَضْلِهِ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لَمَّا بَلَغَتْهُ وَفَاتُهُ مَا تَرَكَ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ إمَامٌ وَمَالِكٌ عَالِمُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمَالِكٌ حُجَّةٌ فِي زَمَانِهِ وَمَالِكٌ سِرَاجُ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا كُنَّا نَتَّبِعُ آثَارَ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَالِكٌ أُسْتَاذِي وَعَنْهُ أَخَذْت الْعِلْمَ وَمَا أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ مِنْ مَالِكٍ وَجَعَلْت مَالِكًا حُجَّةً بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِذَا ذُكِرَ الْعُلَمَاءُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ الثَّاقِبُ وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مَبْلَغَ مَالِكٍ فِي الْعِلْمِ لِحِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ وَصِيَانَتِهِ وَقَالَ الْعِلْمُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ كَانَ إذَا ذَكَرَهُ قَالَ عَالِمُ الْعُلَمَاءِ وَعَالِمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمُفْتِي الْحَرَمَيْنِ، وَقَالَ شُعْبَةُ بْنُ الْوَلِيدِ مَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَعْلَمُ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ وَلَا بَاقِيَةٍ مِنْكَ يَا مَالِكُ انْتَهَى.
وَثَنَاءُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَيْهِ لَا يُحْصَى وَالْبَحْرُ لَا تَنْزَحُهُ الدِّلَاءُ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يُشَارُ إلَيْهِمْ بِجَهْلٍ وَلَا يُتَّهَمُونَ بِكَذِبٍ فَمَنْ ادَّعَى خِلَافَ مَا لَوْ كَانَ خَارِقًا لِإِجْمَاعِهِمْ وَكَذَّبَهُ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ نَعَمْ يُخَرِّجُ الْإِمَامُ فِي الْمُوَطَّأِ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ وَعِبَارَةُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ مَسْأَلَةُ الْمُرْسَلِ قَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ تَابِعِيًّا أَوْ غَيْرَهُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُسْقِطًا الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَذَا اصْطِلَاحُ الْأُصُولِيِّينَ، وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ فَهُوَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ وَاحْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَالْآمِدِيُّ مُطْلَقًا قَالُوا لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يُسْقِطُ الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا وَهُوَ عَدْلٌ عِنْدَهُ وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا قَادِحًا فِيهِ وَقُدِّمَ إنْ كَانَ الْمُرْسَلُ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ ثُمَّ هُوَ أَضْعَفُ مِنْ الْمُسْنَدِ خِلَافًا لِقَوْمٍ وَالصَّحِيحُ رَدُّهُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي قَالَ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ فَإِنْ كَانَ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ كَابْنِ الْمُسَيِّبِ قِيلَ هُوَ مُسْنَدٌ حُكْمًا لِأَنَّ إسْقَاطَ الْعَدْلِ كَذِكْرِهِ وَإِنَّ عَضُدَ مُرْسَلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ ضَعِيفٌ يُرَجَّحُ كَقَوْلِ صَحَابِيٍّ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ الْأَكْثَرِ أَوْ إسْنَادٍ أَوْ إرْسَالٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ انْتِشَارٍ أَوْ عَمَلِ الْعَصْرِ كَانَ الْمَجْمُوعُ حُجَّةً وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ لَا مُجَرَّدَ الْمُرْسَلِ وَلَا الْمُنْضَمِّ فَإِنْ تَجَرَّدَ وَلَا دَلِيلَ سِوَاهُ فَالْأَظْهَرُ الِانْكِفَافُ لِأَجْلِهِ انْتَهَى بِبَعْضِ زِيَادَةٍ مِنْ شَرْحِ الْمُحَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْأُصُولِيِّ مَسْأَلَةُ الْمُرْسَلِ قَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ثَالِثُهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ أَسْنَدَ غَيْرُهُ أَوْ أَرْسَلَ وَشُيُوخُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ أَوْ عَضَّدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَوْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يُرْسَلُ إلَّا عَنْ عَدْلٍ قُبِلَ وَرَابِعُهَا إنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا.
لَنَا أَنَّ إرْسَالَ الْأَئِمَّةِ مِنْ التَّابِعِينَ كَانَ مَشْهُورًا مَقْبُولًا وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ كَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ خَارِقًا قُلْنَا خَرْقُ الْإِجْمَاعِ الِاسْتِدْلَالِيِّ أَوْ الظَّنِّيِّ لَا يَقْدَحُ وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا عِنْدَهُ لَكَانَ مُدَلِّسًا فِي الْحَدِيثِ قَالُوا لَوْ قُبِلَ لَقُبِلَ مَعَ الشَّكِّ لِأَنَّهُ لَوْ سُئِلَ لَجَازَ أَنْ لَا يَعْدِلَ
قُلْنَا فِي غَيْرِ الْأَئِمَّةِ قَالُوا لَوْ قُبِلَ لَقُبِلَ فِي عَصْرِنَا قُلْنَا لِغَلَبَةِ الْخِلَافِ فِيهِ أَمَّا إنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ وَلَا رِيبَةَ تَمْنَعُ قُبِلَ اهـ.
وَقَدْ عَلِمْت حَالَ الْمُوَطَّأِ وَشَهَادَةَ الْأَئِمَّةِ لَهُ بِالصِّحَّةِ، وَقَدْ وَصَّلَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ جَمِيعَ مَا فِيهِ مَا عَدَا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، إذَا عَلِمْت هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ يَحْتَجُّ بِهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا عَلَى تَفْصِيلٍ وَأَنَّ الْمَرَاسِيلَ الَّتِي فِي الْمُوَطَّأِ وَاحْتَجَّ بِهَا مَالِكٌ هِيَ حُجَّةٌ عِنْدَ كُلِّ إمَامٍ وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ وَأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يَحْتَجُّ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَمَالِكٌ لَا يَقْبَلُهُ مُطْلَقًا بَلْ كَانَ يَنْتَقِي الرِّجَالَ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ مَتَى رَوَى مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ وَكَفَانَا مَالِكٌ الْمُؤْنَةَ اهـ.
فَقَوْلُ هَذَا الْمُدَّعِي إنَّ مَا قَالَهُ مَعْلُومٌ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَعْلُومٌ بُطْلَانُهُ فَمُسَلَّمٌ وَأَمَّا عِلْمُ صِحَّتِهِ فَلَا وَقَوْلُهُ مَنْقُولٌ لَعَلَّهُ عَنْ وَحْيِ الشَّيَاطِينِ وَقَوْلُهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْأُصُولِ لَعَلَّهَا أُصُولُ جَهْلِهِ وَضَلَالِهِ وَفَسَادِ عَقْلِهِ وَخَبَالِهِ وَالْبَابُ الَّذِي قَالَ إنَّهُ لَا يَنْبَغِي فَتْحُهُ إلَخْ مَنْ الَّذِي فَتَحَهُ؟ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَعِي مَا يَقُولُ وَكَوْنُ مَالِكٍ إمَامَ الْأَئِمَّةِ وَنَجْمَ السُّنَّةِ أَمْرٌ يَعْتَرِفُ بِهِ الْمُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ وَكَوْنُهُ الْمُشْتَهَرَ فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ ذِكْرٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي الْكُتُبِ الْمُتَدَاوَلَةِ أَمْرٌ شَهِدَ بِهِ الْعِيَانُ وَلَيْسَ بَعْدَ الْعِيَانِ بَيَانٌ وَسُبْحَانَ مَنْ خَصَّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ هَذَا وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ الْقَادِحَ فِي أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا يُظْهِرُ لَنَا جَهْلَهُ وَفَضَائِحَهُ وَخُبْثَ بَاطِنِهِ وَقَبَائِحَهُ وَأَمَّا الْأَئِمَّةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَأُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُ وَقَدْ تَقَرَّرَ مَجْدُهُمْ وَثَبَتَ فَضْلُهُمْ وَاشْتَهَرَ كَمَالُهُمْ وَامْتَلَأَتْ الْقُلُوبُ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ حَتَّى لَا يَحْتَاجُونَ لِمَدْحِ مَادِحٍ وَلَا يُلْتَفَتُ فِيهِمْ لِقَدْحِ قَادِحٍ. اللَّهُمَّ أَمِتْنَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِمْ وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي عُنُقِنَا ظُلَامَةً وَأَعِدْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى نَلْقَاكَ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ وَلَا ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ، قَالَ الْحَطَّابُ قَالَ السُّبْكِيُّ فِي مُفِيدِ النِّعَمِ وَمُبِيدِ النِّقَمِ وَهَؤُلَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَفُضَلَاءُ الْحَنَابِلَةِ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى رَأْيِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَدِينُونَ بِطَرِيقِ شَيْخِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ لَا يَحِيدُ عَنْهَا إلَّا رَعَاعٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لَحِقُوا بِأَهْلِ الِاعْتِزَالِ وَرَعَاعٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ لَحِقُوا بِأَهْلِ التَّجْسِيمِ وَبَرَّأَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَالِكِيَّةَ فَلَمْ يُرَ مَالِكِيٌّ إلَّا أَشْعَرِيَّ الْعَقِيدَةِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ يُخَاطِبُ أَهْلَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَمَّا تَعَصُّبُكُمْ فِي فُرُوعِ الدِّينِ وَحَمْلُكُمْ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبٍ وَاحِدٍ فَهُوَ الَّذِي لَا يَقْبَلُهُ اللَّهُ مِنْكُمْ وَلَا يَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ إلَّا مَحْضُ التَّعَصُّبِ وَالتَّحَاسُدِ، وَلَوْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا وَأَحْمَدَ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ لَشَدَّدُوا النَّكِيرَ عَلَيْكُمْ وَتَبَرَّءُوا مِنْكُمْ فِيمَا تَفْعَلُونَ اهـ.
بِحُرُوفِهِ الْفَقِيرُ مُصْطَفَى الْبُولَاقِيُّ الْمَالِكِيُّ، غُفِرَ لَهُ آمِينَ.