الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن غيرهم من الأئمة المقبولين .. " (1).
وقال الزرقاني: "لعلماء القراءات ضابط مشهور يزنون به الروايات الواردة في القراءات فيقول كل قراءة وافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا ووافقت العربية ولو بوجه وصح إسنادها ولو كان عمن فوق العشرة من القراء فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن "(2).
وهذا الضابط نظمه صاحب الطيبة فقال:
وكل ما وافق وجه النحو
…
وكان للرسم احتمالا يحوي
وصح إسنادا هو القرآن
…
فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت
…
شذوذه لو أنه في السبعة (3).
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
1 -
قراءة "الأرحام":
(1) النشر في القراءات العشر / ابن الجزري، ج 1، ص 15.
(2)
مناهل العرفان / الزرقاني، ج 1، ص 340.
(3)
طيبة النشر في القراءات العشر / ابن الجزري، ص 32.
(4)
سورة النساء، الآية (1).
اختلف القراء في قراءة الأرحام بين نصب الميم وكسرها (1)، وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " {وَالْأَرْحَامَ} قرأه الجمهور بالنصب عطفاً على اسم الله ،
وقرأه حمزة بالجرّ عطفاً على الضمير المجرور، فعلى قراءة الجمهور يكون:"الأرحام " مأموراً بتقواها على المعنى المصدري أي اتّقائها، وهو على حذف مضاف، أي اتّقاء حقوقها، فهو من استعمال المشترك في معنييه، وعلى هذه القراءة فالآية ابتداء تشريع وهو ممّا أشار إليه قوله تعالى:{وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وعلى قراءة حمزة يكون: تعظيماً لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضاً بها، وذلك قول العرب:«ناشدتك اللَّه والرحم» (2).
كما روي في «الصحيح» : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين قرأ على عتبة بن ربيعة سورة فصّلت حتّى بلغ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} (3) فأخذت عتبة رهبة وقال: ناشدتك اللَّه والرحم " (4).
ومما يدل على استحضار ابن عاشور لهذه القاعدة في تفسيره أنه بعد أن أشار إلى تضعيف النحاة لقراءة الجر قال: " وهو ظاهر محمل هذه الرواية ، وإن
(1) وهاتان القراءتان متواترتان. انظر السبعة / ابن مجاهد، ص 226، والتيسير / الداني، ص 93، ومتن الشاطبية / الشاطبي، ص 88 ، والنشر في القراءات العشر / ابن الجزري، ج 2، ص 186، والبدور الزاهرة / عبد الفتاح القاضي، ص 73.
(2)
التحرير والتنوير، ج 3، ص 217.
(3)
سورة فصلت، الآية (13).
(4)
التحرير والتنوير، ج 3، ص 217.
أباه جمهور النحاة استعظاماً لعطف الاسم على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ، حتّى قال المبرّد:«لو قرأ الإمام بهاته القراءة لأخذت نعلي وخرجت من الصلاة» وهذا من ضيق العطن وغرور بأنّ العربية منحصرة فيما يعلمه " (1).
وممن استحضر هذه القاعدة من المفسرين وذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور: الرازي والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والألوسي، والقاسمي، حيث ذكروا كلا القراءتين وأخذوا بها وبمعناها ، وذلك بناء على أن كلا القراءتين متواترتان (2).
في حين أن الشوكاني وقف موقفاً مختلفاً حيث أخذ بقراءة الجر مع أنه لا يرى أنها متواترة، وإنما احتج بها لورود مثلها في أشعار العرب، كما في قول بعضهم:
وحسبك والضحاك سيف مهند
…
وقول الآخر:
وقد رام آفاق السماء فلم يجد
…
له مصعداً فيها ولا الأرض مقعداً
فسواها في موضع جرّ عطفاً على الضمير في فيها.
ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} (3)(4).
(1) التحرير والتنوير، ج 3، ص 217 - 218.
(2)
انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 3، ص 479، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 5، ص 9، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 3، ص 167، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 3، ص 334، وروح المعاني / الألوسي، ج 2، ص 396، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 3، ص 8.
(3)
سورة الحجر، الآية (20).
(4)
انظر فتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 418.
أما الطبري وابن عطية فقد رجّحا في تفسيريهما، قراءة النصب ولم يجيزا غيرها، وردّا قراءة الجر (1).
حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون الأخذ بكلا القراءتين:
حجتهم في ذلك أن كلا القراءتين متواترتان حيث ذكرهما مجاهد في السبعة، والداني في التيسير، والشاطبي في نظمه (2) والجزري في النشر، وبناء على أن كلا القراءتين متواترتان ذهب معظم المفسرين إلى الأخذ بهما وبمعناهما.
وقد بيّن أبو علي الفارسي وجه كل قراءة فقال: " من نصب الأرحام احتمل انتصابه وجهين:
أحدهما: أن يكون معطوفاً على موضع الجار والمجرور.
والآخر: أن يكون معطوفاً على قوله: {وَاتَّقُوا} ، التقدير: اتقوا الله الذي تساءلون به. واتقوا الأرحام أي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها.
وأما من جرّ الأرحام فإنه عطفه على الضمير المجرور بالباء " (3).
حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين ردوا قراءة الجر:
ردّ الطبري هذه القراءة معللاً ذلك بأن العرب لا تعطف بظاهر من الأسماء على مكني في حال الخفض، إلا في ضرورة شعر، وهذا قوله: " والقراءة التي لا نستجيز لقارئٍ أن يقرأ غيرها في ذلك، النصب: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ
(1) انظر جامع البيان / الطبري، ج 4، ص 283، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 5.
(2)
متن الشاطبية / الشاطبي ، ص 88.
(3)
الحجة للقراء السبعة / الفارسي، ج 2، ص 62.
وَالأرْحَامَ)، بمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، لما قد بينا أن العرب لا تعطف بظاهرٍ من الأسماء على مكنيّ في حال الخفض، إلا في ضرورة شعر " (1).
كما وصف مكي هذه القراءة بأنها قبيحة عند البصريين، قليلة في الاستعمال، بعيدة عن القياس، لأن المضمر في "به" عوض من التنوين، والمضمر المخفوض لا ينفصل عن الحرف، ولا يقع بعد حرف العطف، ولأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان، يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر، ويقبح في أحدهما ما يقبح في الآخر فكما لا يجوز: واتقوا الله الذي تسألون بالأرحام، فكذلك لا يحسن: تساءلون به والأرحامِ (2).
وكذلك استبعد المهدوي (3) هذه القراءة (4).
وعلق الزمخشري عليها بأنها غير سديدة (5)،
كما ردّ ابن عطية هذه القراءة بقوله: " ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان (6):
(1) جامع البيان / الطبري، ج 4، ص 283.
(2)
انظر الكشف عن وجوه القراءات / مكي بن أبي طالب، ج 1، ص 376.
(3)
هو أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي نسبة إلى مدينة (المَهْديَّة) ، التي أسسها أول الحكام الفاطميين، وهي مدينة بالمغرب، قال عنه الذهبي بأنه رأساً في القراءات والعربية، ولقد خلَّف المهدوي مؤلفات قيَّمة تدل على سعة علمه واطلاعه في فنون التفسير والقراءات منها كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل، توفي عام 440 هـ. (انظر معرفة القراء الكبار / الذهبي، ج 1، ص 399، وبغية الوعاة / السيوطي، ج 1، ص 351، وإنباه الرواة على أنباء النحاة، ج 1، ص 91)
(4)
انظر شرح الهداية في توجيه القراءات / المهدوي، ج 2، ص 244.
(5)
انظر الكشاف / الزمخشري، ج 2، ص 6.
(6)
المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 5.
أحدهما: أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة.
والوجه الثاني: أن في ذكرها على ذلك تقريراً للتساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث
الصحيح يرد ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (1).
وذكر الرازي في تفسيره الوجوه التي ذكرها العلماء والتي تقتضي فساد هذه القراءة فقال:
" أولها: قول أبي علي الفارسي: المضمر المجرور بمنزلة الحرف، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر (2).
وثانيها: قول علي بن عيسى: إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع ، فلا يجوز أن يقال: اذهب وزيد، وذهبت وزيد بل يقولون: اذهب أنت وزيد، وذهبت أنا وزيد. قال تعالى:{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا} (3) مع أن المضمر المرفوع قد ينفصل فإذا لم يجز عطف المظهر على المضمر المجرور
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب كيف يستحلف، ج 2، ص 951، ح- 2533، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى، ج 3، ص 1267، ح- 1646.
(2)
انظر الحجة للقراء السبعة / الفارسي، ج 2، ص 62 - 63، وتفسير الرازي، ج 3، ص 480
(3)
سورة المائدة، الآية (24).
مع انه أقوى من المضمر المجرور بسبب أنه قد ينفصل، فلأن لا يجوز عطف المظهر على المضمر المجرور مع أنه ألبتة لا ينفصل كان أولى.
وثالثها: قال أبو عثمان المازني: المعطوف والمعطوف عليه متشاركان، وإنما يجوز عطف الأول على الثاني لو جاز عطف الثاني على الأول، وههنا هذا المعنى غير حاصل، وذلك لأنك لا تقول: مررت بزيدوك، فكذلك لا تقول: مررت بك وزيد ".
ثم علّق الرازي على هذه الأوجه بقوله: " واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوها قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات، وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت "(1).
القول الراجح:
هو صحة ما ذهب إليه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين من وجوب الأخذ بكلا القراءتين، وذلك أن كل قراءة منهما قراءة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم (2).
أما من ردَّ قراءة الجر فقد اعترض عليه عدد من العلماء منهم القرطبي ، ومن قوله:
(1) التفسير الكبير / الرازي، ج 3، ص 480.
(2)
انظر السبعة لابن مجاهد، ص 226، والتيسير للداني، ص 93، والنشر / ابن الجزري، ج 2، ص 186، وغيث النفع في القراءات السبع / الصفاقسي، ص 80، والبدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، / عبد الفتاح القاضي، ص 73.
" ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم، واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور، ولا يُقلَّد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في فصاحته "(1).
وذكر أبو حيان أن ما ذهب إليه أهل البصرة وتبعهم فيه الزمخشري (2) وابن عطية من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار، ومن اعتلالهم لذلك غير صحيح، وأن الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك وأنه يجوز.
وعلق على قول ابن عطية وردّه لقراءة الجر ووصفه بأنه: "جسارة قبيحة منه لا تليق بحاله ولا بطهارة لسانه ، حيث عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بها سلف الأمة، واتصلت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير واسطة عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأقرأ الصحابة أُبيّ بن كعب ،عمدَ إلى ردّها بشيء خطر له في ذهنه، وجسارته هذه لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري، فإنه كثيراً ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم، وحمزة رضي الله عنه: أخذ القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش، وحمدان
(1) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 5، ص 9.
(2)
قال ابن عاشور: " وهذا جري على عادة الزمخشري في توهين القراءات المتواترة، إذا خالفت ما دُوّن عليه علم النّحو، لتوهّمه أنّ القراءات اختيارات وأقيسة من القُرّاء، وإنَّما هي روايات صحيحة متواترة وفي الإعراب دلالة على المقصود لا تناكد الفصاحة. (التحرير والتنوير، ج 5، ص 103).
بن أعين، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد الصادق، ولم يقرأ حمزة حرفاً من كتاب الله إلا بأثر. وكان حمزة صالحاً ورعاً ثقةً في الحديث، وهو من الطبقة الثالثة، ولد سنة ثمانين وأحكم القراءة وله خمس عشرة سنة، وأمَّ الناس سنة مائة، وعرض عليه القرآن من نظرائه جماعة منهم: سفيان الثوري، والحسن بن صالح. ومن تلاميذه جماعة منهم إمام الكوفة في القراءة والعربية أبو الحسن الكسائي، وقال الثوري وأبو حنيفة ويحيى بن آدم: غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض " (1).
كما أن هذا القول تعضده قاعدة أخرى وهي: (اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن الكريم يكثّر المعاني القائمة في الآية الواحدة) وهذه القاعدة رجّح بها ابن عاشور، ومما يدل عليها من خلال المثال السابق قول ابن عاشور: " فعلى قراءة الجمهور يكون الأرحام مأموراً بتقواها على المعنى المصدري أي اتّقائها، وهو على حذف مضاف، أي اتّقاء حقوقها، فهو من استعمال المشترك في معنييه، وعلى هذه القراءة فالآية ابتداء تشريع وهو ممّا أشار إليه قوله تعالى:{وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} .
وعلى قراءة حمزة يكون تعظيماً لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضاً بها، وذلك قول العرب: «ناشدتك اللَّه والرحم " (2).
2 -
قراءة الشركاء:
(1) البحر المحيط / أبو حيان، ج 3، ص 167.
(2)
التحرير والتنوير، ج 3، 217 - 218.
اختلف المفسرون تعالى في قراءة قوله: {زَيَّنَ} (2).
وقد ذكر ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " قرأ الجمهور: (زَيَّنَ) بفتح الزاي ونصب: (قتل) على المفعوليّة لـ (زيَّن)، ورفعِ شركاؤهم على أنّه فاعل:(زين)، وجرّ (أولادهم) بإضافة قَتْل إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله.
وقرأه ابن عامر: (زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائِهم) ببناء فعل (زين) للنّائب، ورفع (قتل) على أنه نائب الفاعل، ونصب (أولادهم) على أنَّه مفعول (قتل)، وجَرّ (شركائهم) على إضافة (قتل) إليه من إضافة المصدر إلى فاعله، وكذلك رسمت كلمة (شركائهم) في المصحف العثماني الّذي ببلاد الشّام، وذلك دليل على أنّ الّذين رَسموا تلك الكلمة راعوا قراءة (شركائهم) بالكسر وهم من أهل الفصاحة والتّثبت في سند قراءات القرآن، إذ كتب كلمة (شركائهم) بصورة الياء بعد الألف، وذلك يدلّ على أنّ الهمزة مكسورة ".
ثم فسّر ابن عاشور المعنى على قراءة ابن عامر بقوله: " والمعنى، على هذه
(1) سورة الأنعام، الآية (137).
(2)
انظر السبعة / ابن مجاهد، ص 270، والتيسير / الداني، ص 107، والنشر / ابن الجزري، ج 2، ص 197، والتيسير في القراءات السبع المشهورة وتوجيهها / صابر حسن أبو سليمان، ص 208.
القراءة: أنّ مزيِّنا زَيَّن لكثير من المشركين أن يَقْتُلَ شركاؤُهم أولادَهم، فإسناد القتل إلى الشّركاء على طريقة المجاز العقلي إمّا لأنّ الشّركاء سبب القتل إذا كان القتل قُرباناً للأصنام، وإمَّا لأنّ الّذين شرعوا لهم القتل هم القائمون بديانة الشّرك مثل عمرو بن لُحي ومن بعده، وإذا كان المراد بالقتل الوأْدَ، فالشركاء سببَ وإن كان الوأد قُرباناً للأصنام وإن لم يكن قرباناً لهم (وهو المعروف) فالشركاء سبب السبب، لأنه من شرائع الشرك " (1).
ومما يؤكد استحضار ابن عاشور لهذه القاعدة أنه بعد أن أشار إلى من ضعّف هذه القراءة ردّ عليه فقال: " وهذه القراءة ليس فيها ما يناكد فصاحة الكلام؛ لأنّ الإعراب يُبيِّن معاني الكلمات ومواقعها، وإعرابها مختلف من رفع ونصب وجرّ بحيث لا لبس فيه، وكلماتها ظاهرٌ إعرابها عليها، فلا يعدّ ترتيب كلماتها على هذا الوصف من التّعقيد المخلّ بالفصاحة
…
. وليس في الآية ممّا يخالف متعارف الاستعمال إلاّ الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، والخَطْبُ فيه سهل: لأنّ المفعول ليس أجنبياً عن المضاف والمضاف إليه، وجاء الزمخشري في ذلك بالتّهويل، والضّجيج والعويل، كيف يفصَل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول.
وقال أيضاً بعد أن ذكر رأي ابن عطية في هذه القراءة وتضعيفه لها: " وهذا لا يثبت ضعف القراءة لأن الندور لا ينافي الفصاحة "(2).
(1) التحرير والتنوير، ج 5، ص 102.
(2)
انظر التحرير والتنوير، ج 5، ص 103.
كما استغرب ابن عاشور استبعاد الطبري لهذه القراءة فقال: " ومن العجيب قول الطّبري: " والقراءَة الّتي لا أستجيز غيرها بفتح الزاي ونصب: (القتل) وخفض: (أولادهم) ورفع: (شركائهم).
وذلك على عادته في نصب نفسه حكماً في التّرجيح بين القراءات " (1)(2).
(1) التحرير والتنوير، ج 5، ص 103.
(2)
للدكتور مساعد الطيار كلام جميل حول تضعيف الطبري لبعض القراءات وأن ابن جرير لا يرد قراءة متواترة حيث يقول: "واليوم ظهر لي أن ابن جرير الطبري لم يكن عنده سند بقراءة حفص عن عاصم، قرأت في تفسير الطبري ط: دار هجر (23: 216) عند قوله تعالى " نزاعة للشوى" ما نصُّه: "
…
والصواب من القول في ذلك عندنا أن لظى الخبر ونزاعة ابتداء فذلك رفع ولا يجوز النصب في القراءة لإجماع قراء الأمصار على رفعها ولا قارئ قرأ كذلك بالنصب وإن كان للنصب في العربية وجه) يقول: فاستغربت قولَه هذا؛ لأنَّ قراءة حفص بنصب (نزاعةً)، والطبري يقول =
=: " ولا قارئ قرأ كذلك بالنصب، وإن كان للنصب في العربية وجه "، وعلقت عليه بأن كلامه يشير إلى أنه لم يكن عنده سندٌ بقراءة حفص عن عاصم ، وأثناء بحثي في هذه المفردات وعرضها على تفسير الطبري اتصل بي أحد الباحثين بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بالرياض، فعرضت عليه ما توصلت له، فطرب له واستحسنه، وذكر لي فائدة نفيسة تتعلق بطريقي عاصم، وهو أن طريق شعبة هو المقدم عند المتقدمين، ولعل هذا يشير إلى عدم ورود سند حفص عند الطبري، وهذه الفائدة نصٌّ لابن مجاهد في كتاب السبعة (ص: 71)، قال فيه: وإلى قراءة عاصم صار بعض أهل الكوفة وليست بالغالبة عليهم؛ لأن أضبط من أخذ عن عاصم أبو بكر بن عياش ـ فيما يقال ـ لأنه تعلمها منه تعلما خمسا خمسا.
وكان أهل الكوفة لا يأتمون في قراءة عاصم بأحد ممن يثبتونه في القراءة عليه إلا بأبي بكر بن عياش، وكان أبو بكر لا يكاد يُمَكِّن من نفسه من أرادها منه، فقلَّتْ بالكوفة من أجل ذلك، وعَزَّ من يحسنها، وصار الغالب على أهل الكوفة إلى اليوم قراءة حمزة بن حبيب الزيات.
وإذا تأملت هذا النصَّ ظهر لك أن قراءة حفص عن عاصم في وقت الطبري (ت: 310) الذي كان في طبقة شيوخ ابن مجاهد (ت: 324) لم يكن لها قبول كغيرها.
انظر على الشبكة العنكبوتية: موقع سليمان بن مساعد الطيار ، الأستاذ المساعد بكلية المعلمين
بالرياض/ جامعة الملك سعود.
وموقف ابن عاشور ممن رد تلك القراءة يبيّن لنا مدى امتثال ابن عاشور لهذه القاعدة وهي (القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها ولا رد معناها).
وممن استحضر هذه القاعدة من المفسرين وذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور: القرطبي، وأبو حيان، والألوسي، والقاسمي (1).
في حين ردّ الطبري وابن عطية والرازي، والشوكاني قراءة ابن عامر (2).
ولم يشر ابن كثير ولا الشنقيطي إلى هذه القراءة.
حجة أصحاب القول الأول وهم اللذين أخذوا بكلا القراءتين وبمعنييهما:
حجتهم في ذلك أن كلا القراءتين متواترتان عن النبي صلى الله عليه وسلم (3).
قال ابن عاشور بعد أن أشار إلى توهين الزمخشري لقراءة ابن عامر قال: " وهذا جري على عادة الزمخشري في توهين القراءات المتواترة، إذا خالفت ما دُوّن عليه علم النّحو، لتوهّمه أنّ القراءات اختيارات وأقيسة من القُرّاء، وإنَّما
(1) انظر الجامع لأحكام القرآن/ القرطبي، ج 7، ص 92، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 4، ص 231، وروح المعاني / الألوسي، ج 4، ص 277، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 4، ص 512.
(2)
انظر جامع البيان / الطبري، ج 8، ص 54، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص، 350 والتفسير الكبير / الرازي، ج 5، ص 159، وفتح القدير / الشوكاني، ج 2، ص 164.
(3)
انظر السبعة / ابن مجاهد، ص 270، والتيسير / الداني، ص 107، والنشر / ابن الجزري، ج 2، ص 197، وإتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر / الدمياطي، ص 274، والبدور الزاهرة / عبد الفتاح القاضي، ص 109.
هي روايات صحيحة متواترة وفي الإعراب دلالة على المقصود لا تناكد الفصاحة ، ومُدوّناتُ النّحو ما قصد بها إلاّ ضبط قواعد العربيّة الغالبة ليجري عليها النّاشئون في اللّغة العربيّة، وليست حاصرة لاستعمال فصحاء العرب، والقرّاءُ حجّة على النّحاة دون العكس " (1).
وكذلك نقل القاسمي في تفسيره كلاما جيداً للناصر في الانتصاف ومن قوله: " لقد ركب الزمخشري متن عمياء، وتاه في تيهاء، وأنا أبرأ إلى الله، وأبرئ حملة كتابه، وحفظة كلامه، مما رماهم به، فإنه تخيل أن القراء أئمة الوجوه السبعة، اختار كل منهم حرفاً به اجتهاداً، لا نقلاً وسماعاً، فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه، وأخذ يبين أن وجه غلطه رؤيته الياء ثابتة في (شركائهم)،
…
إلى أن قال: ولم يعلم الزمخشري أن هذه القراءة بنصب الأولاد، والفصل بين المضاف والمضاف إليه بها يعلم ضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها على جبريل، كما أنزلها عليه، ثم تلاها النبي صلى الله عليه وسلم على عدد التواتر من الأئمة، ولم يزل عدد التواتر من يتناقلونها، ويقرؤون بها، خلفاً عن سلف، إلى أن انتهت إلى ابن عامر، فقرأها أيضاً كما سمعها، فهذا معتقد أهل الحق في جميع الوجوه السبعة أنها متواترة جملة وتفصيلاً عن أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم فإذا علمت العقيدة الصحيحة فلا مبالاة بعدها بقول الزمخشري، ولا بقول أمثاله ممن لحن ابن عامر" (2).
(1) التحرير والتنوير، ج 5، ص 103.
(2)
محاسن التأويل / القاسمي، ج 4، ص 513.
حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين أخذوا قراءة الجمهور بالنصب وردوا قراءة ابن عامر بالضم:
وصف الطبري هذه القراءة بأن معناها غير فصيح في كلام العرب (1).
وقال بعد أن رجّح قراءة الجمهور ورد قراءة ابن عامر: وإنما قلت: "لا أستجيز القراءة بغيرها؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد، ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة "(2)
…
.
وكذلك ضعّفها ابن عطية بقوله: " وهذه قراءة ضعيفة في استعمال العرب، وذلك أنه أضاف القتل إلى الفاعل وهو الشركاء، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، ورؤساء العربية لا يجيزون الفصل بالظروف في مثل هذا إلا في الشعر (3).
القول الراجح
هو ما ذهب إليه ابن عاشور وغيره من المفسرين من الأخذ بكلا القراءتين؛ وذلك لتواترهما عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعرض أبو حيان إلى قراءة ابن عامر وموقف النحاة منها وذكر ما يدلل على استحضاره لهذه القاعدة فقال: " فجمهور البصريين يمنعونها - متقدموهم ومتأخروهم- ولا يجيزون ذلك إلا في ضرورة الشعر، وبعض النحويين أجازها وهو الصحيح لوجودها في هذه القراءة المتواترة المنسوبة إلى العربي الصريح
(1) جامع البيان / الطبري، ج 8، ص 53.
(2)
جامع البيان / الطبري، ج 8، ص 54.
(3)
المحرر الوجيز/ ابن عطية، ج 2، ص 350.
المحض ابن عامر الآخذ القرآن عن عثمان بن عفان قبل أن يظهر اللحن في لسان العرب، ولوجودها أيضاً في لسان العرب في عدة أبيات قد ذكرناها في كتاب منهج السالك من تأليفنا ولا التفات إلى قول ابن عطية " (1).
قال الشاطبي في فرش سورة الأنعام:
وزين في ضم وكسر ورفع قتـ
…
ـل أولادهم بالنصب شاميهم تلا
ويخفض عنه الرفع في شركاؤهم
…
وفي مصحف الشاميين بالياء مثلا
ومفعوله بين المضافين فاصل
…
ولم يلف غير الظرف في الشعر فيصلا
كلله در اليوم من لامها فلا
…
تلم من مليمي النحو إلا مجهّلا
ومع رسمه زجّالقلوص أبي مزا
…
دة الأخفش النحوي أنشد مجملا (2)
كما ذكر الألوسي كلاماً جميلاً يدل على مدى استحضاره لهذه القاعدة أيضاً
حيث يقول: " وبعد هذا كله لو سلمنا أن قراءة ابن عامر منافية لقياس العربية ، لوجب قبولها أيضاً بعد أن تحقق صحة نقلها كما قبلت أشياء نافت القياس مع أن صحة نقلها دون صحة القراءة المذكورة بكثير، وما ألطف قول الإمام على ما حكاه عنه الجلال السيوطي، وكثيراً ما أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهد في تقريره ببيت مجهول فرحوا به وأنا شديد التعجب منهم لأنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلاً على صحته كان أولى "(3).
(1) البحر المحيط / أبو حيان، ج 4، ص 231.
(2)
متن الشاطبية / الشاطبي ، ص 100.
(3)
روح المعاني / الألوسي، ج 4، ص 277.
3 -
قراءة مصرخي:
وردت قراءتان في قوله: بمصرخي:
قرأ حمزة (بمصرخي) بكسر الياء، وهي لغة حكاها الفراء، وقطرب (2)، وأجازها أبو عمرو ، والباقون بفتحها.
وقد اتفق العلماء جميعاً على قراءة الفتح، واضطربت أقوال بعضاً منهم في قراءة الجر، وهي قراءة حمزة فمن مجترئ عليها، ملحن لقارئها، ومن مجوز لها من غير ضعف، ومن مجوز لها بضعف (3).
(1) سورة إبراهيم، الآية (22).
(2)
هو محمد بن المستنير بن أحمد، أبو علي، الشهير بقطرب: نحوى، عالم بالأدب واللغة، من أهل البصرة من الموالي، ولد عام (206 هـ)، كان يرى رأي المعتزلة النظامية. وقطرب لقب دعاه به أستاذه (سيبويه) فلزمه، من كتبه:(معاني القرآن) و (النوادر) في اللغة. (الأعلام / الزركلي، ج 7، ص 95).
(3)
والقراءتان متواترتان، انظر السبعة / ابن مجاهد، ص 362، والتيسير / الداني، ص 134، ومتن الشاطبية / الشاطبي، ص 118 ، وإتحاف فضلاء البشر / الدمياطي، ص 342، والبدور الزاهرة / عبد الفتاح القاضي، ص 171.
وقد فصّل في ذلك ابن عاشور فقال: "قرأ الجمهور (بِمُصرِخيَّ) بفتح التحتية مشددةً. وأصله بمصرخِييَ بياءين أولاهما ياء جمع المذكر المجرور، وثانيتهما ياء المتكلم، وحقها السكون فلما التقت الياءان ساكنتين وقع التخلص من التقاء الساكنين بالفتحة لخفة الفتحة.
وقرأ حمزة وخلَف «بِمُصرِخيِّ» بكسر الياء تخلصاً من التقاء الساكنين بالكسرة؛ لأن الكسر هو أصل التخلص من التقاء الساكنين. قال الفراء: تحريك الياء بالكسر لأنه الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، إلا أن كسر ياء المتكلم في مثله نادر.
وأنشد في تنظير هذا التخلص بالكسر قول الأغلب العِجْلي (1):
قال لها هل لكِ ياتَا فيَّ
…
قالت له: ما أنتَ بالمرضيِّ (2).
أراد هل لكِ فيّ يا هذه " (3).
وقال أبو علي الفارسي: " زعم قطرب أنها لغة بني يربوع ، وعن أبي عمرو بن العلاء أنه أجاز الكسر، واتفق الجميع على أن التخلص بالفتحة في مثله
(1) هو الأغلب بن عمرو بن عبيدة بن حارثة، من بني عجل بن لجيم، من ربيعة: شاعر راجز معمر. أدرك الجاهلية والإسلام ، وتوجه مع سعد بن أبي وقاص غازيا فنزل الكوفة، واستشهد في واقعة نهاوند، وهو أول من أطال الرجز ، وهو آخر من عمر في الجاهلية عمرا طويلا. انظر (خزانة الأدب / البغدادي، ج 1، ص 333، والأعلام / الزركلي، ج 1، ص 335).
(2)
الشاهد للأغلب العجلي ذكر ذلك ابن عاشور، يخاطب امرأة فيما إذا كانت ترغب فيه فردت عليه بقولها على لسانه: قالت له ما أنت بالمرضي. انظر (خزانة الأدب، ج 2، ص 97).
(3)
التحرير والتنوير، ج 7، ص 220 - 221.
أشهر من التخلص بالكسرة وإن كان التخلص بالكسرة هو القياس، وقد أثبته سند قراءة حمزة " (1).
ثم ذكر ابن عاشور مايدل على ردّ بعض القراء لقراءة حمزة وهي قراءة الجر فقال: " وقد تحامل عليه الزجاج وتبعه الزمخشري، وسبقهما في ذلك أبو عُبيد، والأخفش بن سعيد، وابن النحاس، ولم يطلع الزجاج والزمخشري على نسبة ذلك البيت للأغلب العِجلي
…
.
وذكر بعدها ما يدل على تواتر قراءة حمزة، واستحضاره لهذه القاعدة حيث يقول:"وهذه الشروط متوفرة في قراءة حمزة "(2).ووممن أخذ بهذا القول ممن سبقه من المفسرين القرطبي حيث ذكر قول من ردّ قراءة الجر وذكر ما يفيد ضرورة الأخذ بكلا القراءات المتواترة، وكذلك فعل أبو حيان، والألوسي (3).
أما الطبري فم يذكر هذه القراءة، وذكرها ابن عطية والرازي والشوكاني حيث ذكروا قراءة حمزة ورد بعض القراء لها ولم يعلقوا على ذلك (4).
أما القاسمي فلم يذكر هذه القراءة (5).
(1) الحجة في القراءات السبع / أبو علي الفارسي، ج 3، ص 16.
(2)
انظر التحرير والتنوير، ج 7، ص 220 - 221.
(3)
انظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 9، ص 370، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 5، ص 408، وروح المعاني / الألوسي، ج 7، ص 198.
(4)
انظر جامع البيان / الطبري، ج 13، ص 240، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 3، ص 334.، والتفسير الكبير / الرازي، ج 7، ص 88.، وفتح القدير / الشوكاني، ج 3، ص 104.
(5)
انظر محاسن التأويل / القاسمي، ج 6، ص 321.
حجة من أخذ بكلا القراءتين ولم يرد قراءة الجر:
حجتهم في ذلك أن القراءتين متواترتان ولذلك يجب قبولهما.
قال مكي: " عدّ هذه القراءة بعض الناس لحناً، وليست بلحن، إنما هي مستعملة، وقد قال قطرب: إنها لغة في بني يربوع يزيدون على ياء الإضافة ياء، وأنشد هو وغيره شاهداً على ذلك:
ماض إذا ماهمَّ بالمضي ................ قال لها: هل لك ياتافي (1).
وقال الألوسي في توجيه قراءة الجر: " إن الأصل بمصرخين لي فأضيف وحذفت نون الجمع للإضافة ، فالتقت ياء الجمع الساكنة وياء المتكلم ، والأصل فيها السكون فكسرت لالتقاء الساكنين وأدغمت .. كما ردّ الألوسي على من طعن في قراءة الجر فقال: " وقد وهموا طعناً وتقليداً فإن القراءة متواترة عن السلف والخلف فلا يجوز أن يقال فيها: إنها خطأ أو قبيحة أو رديئة " (2).
قال ابن عاشور: " والذي يظهر لي أن هذه القراءة قرأ بها بنو يَربوع من تميم، وبنو عِجل بن لُجيم من بكر بن وائل، فقرأوا بلهجتهم أخذاً بالرخصة للقبائل أن يقرأوا القرآن بلهجاتهم وهي الرخصة التي أشار إليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه ".
كما تقدم في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير " (3).
(1) الكشف عن وجوه القراءات / مكي بن أبي طالب، ج 2، ص 26.
(2)
روح المعاني / الألوسي، ج 7، ص 198.
(3)
التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 7، ص 221.
حجة من ردّ قراءة حمزة وهي قراءة الجر (بمصرخيِّ):
قال الفراء: " وقد خفض الياء من قوله بمصرخي: الأعمش ويحيى بن وثاب جميعا، ولعلها من وهم القراء طبقة يحيى فإنه قلّ من سلم منهم من الوهم ، ولعله ظن أن الباء في قوله: بمصرخي خافضة لجملة هذه الكلمة ، وهذا خطأ؛ لأن الياء من المتكلم خارجة من ذلك "(1).
وقال الزجاج: "هذه قراءة رديئة لا وجه لها إلا وجه ضعيف"(2).
كما ضعّف الزمخشري هذه القراءة بقوله: "وقرئ: بمصرخي بكسر الياء وهي ضعيفة واستشهد لها:
قال لها هل لك ياتا في
…
قالت له ما أنت بالمرضي
وكأنه قدر ياء الإضافة ساكنة وقبلها ياء ساكنة فحركها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين ، ولكنه غير صحيح؛ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو عصاي فما بالها وقبلها ياء؟ فإن قلت: جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن فحركت بالكسر على الأصل. قلت: هذا قياس حسن ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات " (3).
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور من الأخذ بكلا القراءتين المتواترتين وفي ذلك
(1) معاني القرآن / الفراء، ج 2، ص 75.
(2)
معاني القرآن / الزجاج، ج 3، ص 159.
(3)
الكشاف / الزمخشري، ج 3، ص 376.
يقول:
" واستقر الأمر على قبول كل قراءة صح سندها ووافقت وجهاً في العربية ولم تخالف رسم المصحف ، وهذه الشروط متوفرة في قراءة حمزة هذه كما علمت آنفاً فقصارى أمرها أنها تتنزل منزلة ما ينطق به أحد فصحاء العرب على لغة بعض قبائلها بحيث لو قرئ بها في الصلاة لصحت عند مالك وأصحابه "(1).
كما أخذ القشيري بقراءة الجر وردّ على من ردّها فقال: " والذي يغني عن هذا أن ما يثبت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يقال فيه هو خطأ أو قبيح أو ردئ، بل هو في القرآن فصيح، وفيه ما هو أفصح منه، فلعل هؤلاء أرادوا أن غير هذا الذي قرأ به حمزة أفصح "(2).وقال القرطبي: " واستقر الأمر على قبول كل قراءة صح سندها ووافقت وجهاً في العربية ولم تخالف رسم المصحف ". (3)
4 -
قراءة " لا تحسبن ":
قال تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (4).
اختلف القراء في قراءة {لَا تَحْسَبَنَّ} فمنهم من قرأها بتاء الخطاب (لا
(1) التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 7، ص 221.
(2)
لم أقف على قول القشيري في تفسيره، ونقلته من الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 9، ص 370.
(3)
الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 9، ص 370.
(4)
سورة النور، الآية (57).
تحسبن)، ومنهم من قرأها بياء الغيبة (لا يحسبن)(1)، وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال:" وقراءة الجمهور: (تحسبن) بتاء الخطاب ، وقرأ ابن عامر وحمزة وحده بياء الغيبة فصار (الذين كفروا) فاعلّ (يحسبن) فيبقى لـ (يحسبن) مفعول واحد هو (معجزين) "(2).
ويتضح من هذا المثال تطبيق ابن عاشور لهذه القاعدة حيث أخذ بكلا القراءتين كما ردّ على أبي حاتم، والنحاس، والفرّاء تضعيفهم هذه القراءة؛ لأن فعل الحسبان يقتضي مفعولين، وذكر أن هذا جرأة على قراءة متواترة ، وذلك بناء على مايراه ويراه غيره من المفسرين من أن القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها.
ثم ذكر ابن عاشور قول الزجاج بأن المفعول الأول محذوف تقديره: أنفسهم، وحسّن قوله فقال:" وقد وفق لأن الحذف ليس بعزيز في الكلام. كما قوّى قول الزمخشري أن (في الأرض) هو المفعول الثاني، أي لا يحسبوا ناساً معجزين في الأرض (يعني ما من كائن في الأرض إلا وهو في متناول قدرة الله إن شاء أخذه، أي فلا ملجأ لهم في الأرض كلها) بقوله: «وهذا معنى قوي جيّد» "(3).
(1) وهاتان القراءتان متواترتان، انظر التيسير في القراءات السبع / الداني، ص 163، النشر في القراءات العشر، ج 2، ص 249، وإملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات / العكبري، ص 455، والبدور الزاهرة / عبد الفتاح القاضي، ص 223.
(2)
التحرير والتنوير، ج 9، ص 290.
(3)
التحرير والتنوير، ج 9، ص 290.
وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين ابن عطية، والرازي، والقرطبي وأبو حيان، وابن كثير، والألوسي حيث ذكروا كلا القراءتين، قراءة السبعة " لا تحسبن" وقراءة حمزة وابن عامر وذكروا توجيهاً لكل منها واقتصر ابن كثير على قراءة التاء "ولا تحسبن" ولم يذكر القراءة الأخرى، وردّ الألوسي بعد أن ساق كلا القراءتين على من اعترض على قراءة حمزة (1).
وذكر الشوكاني كلا القراءتين ، وساق قول النحاس في تخطئته لقراءة حمزة ولم يعلق على ذلك (2).
في حين رجّح الطبري قراءة لا تحسبن بالتاء، وضعف القراءة بالياء (3)
حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون الأخذ بكلا القراءتين:
حجتهم في ذلك أن كلا القراءتين متواترتان حيث ذكرهما مجاهد في السبعة، والداني في التيسير، والجزري في النشر.
قال مكي: "من قرأ " لا تحسبن" أنه ظاهر النص، على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الفاعل، والذين كفروا، ومعجزين مفعولا حسب"(4).
وقال أبوعلي: "ومن قال (يحسبن) بالياء جاز أن يكون فاعل الحسبان أحد
(1) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 193، التفسير الكبير / الرازي، ج 8، ص 414، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 12، ص 300، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 3، ص 143، ج 6، ص 432، تفسير ابن كثير، ج 10، ص 269.
(2)
انظر فتح القدير / الشوكاني، ج 4، ص 48.
(3)
انظر جامع البيان / الطبري، ج 18، ص 192.
(4)
الكشف عن وجوه القراءات السبع / أبو مكي القيسي، ج 2، ص 143.
شيئين: إما أن يكون قد تضمن ضميراً للنبي صلى الله عليه وسلم، كأنه: لا يحسبن النبي صلى الله عليه وسلم الذين كفروا معجزين، فالذين في موضع نصب بأنه المفعول الثاني، ويجوز أن يكون فاعل الحسبان: الذين كفروا أنفسهم سبقوا " (1).
وذكر الرازي لقراءة حمزة عدة أوجه:
أحدها: أن يكون معجزين في الأرض هما المفعولان، والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا هم في مثل ذلك.
وثانيها: أن يكون فيه ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره في قوله: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (2) والمعنى: لا يحسبن الذين كفروا معجزين.
وثالثها: أن يكون الأصل ولا يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول (3).
حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين ردوا قراءة ابن عامر وحمزة:
حجتهم في ذلك ضعيفة في العربية.
قال الطبري: "وقد كان بعضهم يقول: "لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا" بالياء، وهو مذهب ضعيف عند أهل العربية; وذلك أنّ "تَحْسَبَ" محتاج إلى منصوبين. وإذا قرئ "يَحْسَبَنَّ" لم يكن واقعا إلا على منصوب واحد، غير أني أحسب أن قائله بالياء ظنّ أنه قد عمل في "مُعْجِزِينَ" وأن منصوبه الثاني " في الأرض"، وذلك لا
(1) الحجة للقراء السبعة / أبو علي الفارسي، ج 3، ص 205.
(2)
سورة النور، الآية (54).
(3)
انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 8، ص 414.
معنى له، إن كان ذلك قصد (1).
وضعَّف النحاس قراءة حمزة بقوله: " وما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلا وهو يخطئ قراءة حمزة، فمنهم من يقول: هي لحن، لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ليحسبن.
وقال أيضاً: في هذه القراءة يكون " الذين كفروا " في موضع نصب.
قال: ويكون المعنى ولا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين في الأرض " (2).
وقال الفراء: "هو ضعيف، وأجازه على ضعفه، على أنه يحذف المفعول الأول "(3).
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور وغيره من المفسرين من الأخذ بكلا القراءتين، وذلك أن كلا القراءتين متواترتان ولا يمكن الطعن في أحد منهما.
وردّ الطبري وغيره من العلماء لهذه القراءة غير سديد، وذلك أن هذه القراءة قراءة متواترة، والقراءة المتواترة لا يجوز ردّها ولا ردّ معناها، وقد نعذر أهل العربية في تضعيفهم لهذه القراءة؛ لأنهم ليسوا من أهل الاختصاص في هذا العلم، أما الطبري وهو المفسر العالم بالقراءات قد نعجب كيف يغيب عنه مثل هذا الأمر ولكننا نلتمس له العذر كما تقدم من أن الطبري لم تكن هذه
(1) جامع البيان / الطبري، ج 18، ص 192.
(2)
انظر إعراب القرآن / النحاس، ج 3، ص 146.
(3)
معاني القرآن / الفراء، ج 2، ص 259.
القراءات حاضرة عنده لكونه متقدم ، ولم يكن عند حكمه على هذه القراءة قد رسى علم القراءات.
قال الألوسي: " وأيا ما كان فالقراءة المذكورة صحيحة وإن اختلفت مراتب تخريجاتها قوة وضعفا، ومن ذلك يعلم ما في قول النحاس ما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلا وهو يخطئ قراءة حمزة فيه من الهذيان والجسارة على الطعن في متواتر من القرآن ولعمري لو كانت القراءة بالرأي لكان اللائق بمن خفي عليه وجه قراءة حمزة أن لا يتكلم بمثل ذلك الكلام ويتهم نفسه ويحجم عن الطعن في ذلك "(1).
ومن هنا نرى اهتمام ابن عاشور بهذه القاعدة والتزامه بها وليس ذلك بغريب عليه فهو إمام في القراءات.
وفيما يشبه هذا المثال دافع ابن عاشور عن قراءة {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ} (2).
حيث طعن أبو حاتم السجستاني (3) في هذه القراءة فردّ عليه العلامة ابن
(1) روح المعاني / الألوسي، ج 9، ص 398 باختصار.
(2)
سورة الأنفال، الآية (59).
(3)
هو سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد أبو حاتم السجستاني، إمام البصرة في النحو والقراءة واللغة والعروض وكان إمام جامع البصرة، وصاحب التصانيف الكثيرة في الفنون. كان بحراً من بحور العلم، رأساً في الكلام والاعتزال. أخذ عن القاضي أبي يوسف، وثمامة بن أشرس، وأبي إسحاق النظام. (انظر العبر في خبر من غبر / الذهبي، ج 1، ص 86، وغاية النهاية في طبقات القراء / ابن الجزري ج 1، ص 320).
عاشور وقال:
" وقرأه ابن عامر وحمزة وحفص وأبو جعفر (ولا يحسبن) بالياء التحتية. وهي قراءة مشكلة لعدم وجود المفعول الأول لحسب فزعم أبو حاتم هذه القراءة لحنا، وهذا اجتراء منه على أولئك الأئمة وصحة روايتهم ، واحتج لها أبو علي الفارسي بإضمار مفعول أول يدل عليه قوله: (إنهم لا يعجزون) أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا واحتج لها الزجاج بتقدير (أن) قبل (سبقوا) فيكون المصدر سادا مسد المفعولين وقيل: حذف الفاعل لدلالة الفعل عليه والتقدير: ولا يحسبن حاسب"(1).
5 -
قراءة " بضنين ":
قال تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} (2).
اختلف القراء تعالى في قراءة (بضنين) بين الضاد والظاء (3).
وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " وقد اختلف القراء في قراءته، فقرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر وخلف وروَح عن يعقوب بالضاد الساقطة التي تخرج من حافة اللسان مما يلي الأضراس، وهي القراءة الموافقة لرسم المصحف.
(1) التحرير والتنوير، ج 6، ص 54.
(2)
سورة التكوير، الآية (24).
(3)
والقراءتان متواترتان، انظر القراءتين في السبعة / ابن مجاهد، ص 673، والتيسير / الداني، ص 220، والنشر في القراءات العشر/ ابن الجزري، ج 2، ص 298.
وقرأه الباقون بالظاء المشالة التي تخرج من طرف اللسان وأصول الثنايا العُليا، وذكر في «الكشاف» أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بهما، وذلك مما لا يحتاج إلى التنبيه، لأن القراءتين مَا كانتا متواترتين إلا وقد رُويتا عن النبي صلى الله عليه وسلم " (1).
ومما سبق يتبين لنا مدى تطبيق ابن عاشور لهذه القاعدة، ويؤكد هذا قوله بعد ذلك:"ولا شك أن الذين قرأوه بالظاء المشالة من أهل القراءات المتواترة ، وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب قد رووه متواتراً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذلك فلا يقدح في قراءتهم كونُها مخالفة لجميع نسخ مصاحف الأمصار، لأن تواتر القراءة أقوى من تواتر الخط إن اعتبر للخط تواتر. وما ذُكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم تُرْو متواترة كما بيناه في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير "(2).
وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين في الأخذ بكلا القراءتين ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي، حيث ذكروا كلا القراءتين ، ولم يرجحوا أحدهما على الأخرى ،فدلّ ذلك أنهم أخذوا بكلا القراءتين (3).
(1) التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 15، ص 161.
(2)
التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 15، ص 161.
(3)
انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 444، والتفسير الكبير / الرازي، ج 11، ص 70 والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 19، ص 231، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 8، ص 426 وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 14، ص 271، وفتح القدير / الشوكاني، ج 5، ص 395، ومحاسن التاويل/ القاسمي، ج 9، ص 342.، أما الشنقيطي فلم يتعرض لذكر القراءة كعادته.
في حين مال الطبري إلى القراءة بالضاد (1)، ومال الألوسي إلى القراءة بالظاء (2).
أما عن الحجج التي استند إليها أصحاب كل قراءة في اختياراتهم لها فهي الآتي:
حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون الأخذ بكلا القراءتين:
حجتهم في ذلك أن كلا القراءتين متواترة، وقد فسر أصحاب هذا القول كل قراءة بما يلي:
قال مكي في كتابه "الكشف عن وجوه القراءات السبع": " (بضنين) قرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء، على معنى " متهم"، أي ليس محمد بمتهم في أن يأتي من عند نفسه بزيادة فيما أوحي إليه، أو ينقص منه شيئاً، ودل على ذلك أنه لم يتعد إلا إلى مفعول واحد، قام مقام الفاعل، وهو مضمر فيه، و " ظننت" إذا كانت بمعنى " اتهمت" لم تتعدَّ إلا إلى مفعول واحد، وقرأ الباقون بالضاد على معنى "ببخيل"، أي ليس محمد ببخيل في بيان ما أوحي إليه وكتمانه، بل يبثه ويبينه للناس "(3).
وقال ابن كثير: " وقوله: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} أي: وما محمد
(1) انظر جامع البيان / الطبري، ج 30، ص 104.
(2)
انظر روح المعاني / الألوسي، ج 15، ص 265.
(3)
الكشف عن وجوه القراءات السبع / مكي بن أبي طالب، ج 2، ص 364.
على ما أنزله الله إليه بظنين، أي: بمتهم. ومنهم من قرأ ذلك بالضاد، أي: ببخيل، بل يبذله لكل أحد.
قال سفيان بن عُيَينة: ظنين وضنين سواء، أي: ما هو بكاذب، وما هو بفاجر. والظنين: المتهم، والضنين: البخيل .. وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح " (1).
حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين أخذوا بقراءة الضاد وردُّوا الأخرى:
حجتهم في ذلك: موافقتها لرسم المصحف، وبذلك رجّح الطبري هذه القراءة بقوله:
" وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك (بِضَنِينٍ) بالضاد، لأن ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من تأوّله، وما محمد على ما علَّمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلَّموه "(2).
حجة أصحاب القول الثالث، وهم الذين أخذوا بقراءة الظاء:
حجتهم في ذلك أن المعنى يقتضي هذه القراءة لمناسبتها للمقام.
قال أبو علي الفارسي: " معنى (بظنين) أي: بمتهم، وهو من ظننت بمعنى اتهمت، ولا يجوز أن تكون هي المتعدية إلى مفعولين، ألا ترى أنه لو كان منه
(1) تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 14، ص 270،
(2)
جامع البيان / الطبري، ج 30، ص 103 - 104.
لوجب أن يلزمه مفعول منصوب؟ لأن المفعول الأول كان يقوم مقام الفاعل إذا تعدى الفعل إلى المفعول الأول، فلا بد من ذكر الآخر، وفي أن لم يذكر الآخر دلالة على أنه ظننت التي معناها: اتهمت " (1).
قال ابن عطية: " ورجح أبو عبيد قراءة: الظاء مشالة؛ لأن قريشاً لم تبخل محمداً صلى الله عليه وسلم فيما يأتي به وإما كذبته، فقيل ما هو بمتهم "(2).
وقد رجح الألوسي هذه القراءة وهذا قوله: "ورجحت هذه القراءة عليه - أي القراءة بالظاء- بأنها أنسب بالمقام لاتهام الكفرة له صلى الله تعالى عليه وسلم، ونفي التهمة أولى من نفي البخل وبأن التهمة تتعدى بعلى دون البخل فإنه لا يتعدى بها إلا باعتبار تضمينه معنى الحرص ونحوه "
…
إلى أن ذكر الألوسي قول الطبري وترجيحة لقراءة الضاد معللا ذلك بأن الضاد خطوط المصاحف كلها ، وتعقبه الألوسي بقوله: ولعله أراد بالمصاحف المتداولة فإنهم قالوا بالظاء خط مصحف ابن مسعود " (3).
القول الراجح:
أن نأخذ بكلا القراءتين ولا نرجح قراءة على أخرى وذلك أن كلا القراءتين متواترتين عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ذكرها الداني في التيسير والجزري في النشر (4).
(1) الحجة للقراء السبعة / أبو علي الفارسي، ج 4، ص 101.
(2)
المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 444.
(3)
روح المعاني / الألوسي، ج 15، ص 265.
(4)
انظر التيسير للداني، ص 2 - 3، والنشر / الجزري، ج 1، ص 42.
وهذا هو الذي رجحه ابن عاشور بناءً على القاعدة، وعمل به أكثر المفسرين، أما ما رجحه الطبري من قراءة الضاد على القراءة الأخرى لكون خطوط المصاحف بها فقد قدمت فيما سبق ما ذكره ابن عاشور حيث قعّد قاعدة في ذلك وهي (أنما ذُكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم تُرْو متواترة) ثم أضاف قول أبي عبيدة حيث يقول: " وقد اعتذر أبو عبيدة عن اتفاق مصاحف على كتابتها بالضاد مع وجود الاختلاف فيها بين الضاد والظاء في القراءات المتواترة بأن قال " ليس هذا بخلاف الكتاب لأن الضاد والظاء لا يختلف خطهما في المصاحف إلا بزيادة رأس إحداهما على رأس الأخرى فهذا قد يتشابه ويتدانى " اهـ
قال ابن عاشور: " يريد بهذا الكلام أن ما رسم في المصحف ليس مخالفة من كتاب المصاحف للقراءات المتواترة أي أنهم يراعون اختلاف القراءات المتواترة فيكتبون بعض نسخ المصاحف على اعتبار اختلاف القراءات وهو الغالب. وههنا اشتبه الرسم فجاءت الظاء دقيقة الرأس، ولا أرى للاعتذار لأنه لما كانت القراءتان متواترتين عن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد كتاب المصاحف على إحداهما ، وهي التي قرأ بها جمهور الصحابة وخاصة عثمان ابن عفان وأوكلوا القراءة الأخرى إلى حفظ القارئين.
وإذا تواترت قراءة (بضنين) بالضاد الساقطة و (بظنين) بالظاء المشالة علمنا
أن الله أنزله بالوجهين وأنه أراد كلا المعنيين" (1).
(1) التحرير والتنوير، ج 15، ص 161 - 162.
ونظائر هذه الأمثلة كثيرة في تفسيره منها:
1 -
…
ما جاء في قوله تعالى: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} (المنافقون: 10) حيث ذكر ابن عاشور القراءات الواردة في " وأكن " فقال: " فأما الجمهور فقرأوه مجزوماً بسكون آخره على اعتباره جواباً للطلب مباشرة لعدم وجود فاء السببية فيه، واعتبار الواو عاطفة جملة على جملة وليست عاطفة مفرداً على مفرد. .... وقرأه أبو عمرو وحده من بين العشرة {وأكونَ} بالنصب والقراءة رواية متواترة وإن كانت مخالفة لرسم المصاحف المتواترة. (التحرير والتنوير، ج 13، ص 254).
2 -
…
ما جاء في قوله تعالى: {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)} (المدثر: 29 - 30) وفيه قول ابن عاشور: " وقرأ الجمهور (تسعة عَشر) بفتح العين من (عَشر.) وقرأ أبو جعفر (تسعة عشر) بسكون العين من (عشْر) تخفيفاً لتوالي الحركات فيما هو كالاسم الواحد، ولا التفات إلى إنكار أبي حاتم هذه القراءة فإنها متواترة ". (التحرير والتنوير، ج 14، ص 313).
3 -
…
ما جاء في قوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا} (الإنسان: 15)، وفيه قوله:" وقرأ ابن كثير وخلف (قواريراً) الأول بالتنوين ووقفوا عليه بالألف وهو جار على التوجيه الذي وجهنا به قراءة نافع والكسائي. وقرأ (قواريرا) الثاني بغير تنوين على الأصل ولم تراع المزاوجة ووقفا عليه بالسكون وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم بترك التنوين فيهما لمنع الصرف وعدم مراعاة الفواصل ولا المزاوجة. والقراءات روايةٌ متواترة لا يناكدها رسم المصحف فلعلّ الذين كتبوا المصاحف لم تبلغهم إلاّ قراءة أهل المدينة "(التحرير والتنوير، ج 14، 393).